كلمة القائد في مؤتمر تكريم المقدّس الأردبيلي

9/9/1996(الموافق: 26 ربيع الثاني 1417 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

يعتبر انعقاد هذا الملتقى العلمي - التحقيقي خطوة اُخرى من إبداعات حوزة قم العلمية لإعادة قراءة تاريخ الفقاهة الشيعي الغني، والتركيز على النقاط البارزة في هذا التاريخ الغني الثر.

إنّ هذا العمل يعين ذوي الاختصاص - ممن لا يتسنّى لهم عادةً إدراك مضامين تراث السلف من خلال النظرة الإجمالية - على استجلاء الذخائر الثمينة ومشاهدتها بدقّة أكثر وعمق أكبر، والانتفاع الحسن من المتاع الثمين الذي خلّفه لنا اُولئك الأكابر والفضلاء.

لا شكّ أنّ الفقيه المحقّق المتبحّر الجليل المرحوم ملاّ أحمد المقدّس الأردبيلي (قدّس الله نفسه) يمثّل إحدى النقاط المضيئة في ذلك التاريخ، وهو - في الوقت نفسه - من جملة اُولئك الذين لم يطرحوا في حوزات الفقاهة بما يتناسب وشأنه، ولم تكن آراؤه الفقهية واُسلوبه في الاستنباط موضع نقد المطّلعين وانتفاع الفقهاء كما ينبغي لها.

هذا الرجل الكبير الذي غطّى عمره الشريف والمبارك القسم الأعظم من القرن العاشر للهجرة، إذا لم يحتسب الأول من بين الشخصيات الفقهية الكبرى الثلاثة في ذلك القرن، فيمكن القول وبلا مواربة أنّه أبرز منهما في بعض الجوانب العلمية (وهما المحقّق الكركي والشهيد الثاني رحمهما الله) اللّذين استفاد شخصياً من كليهما بالواسطة.

ودقّة نظره في تطبيق الأدلّة، مع الادّعاء الفقهي في كلّ مسألة، أضف إلى قوّة تحقيقه (حيث ثبتت له بحقّ كلمة المحقّق في كلمات الأكابر) المقرونة بالتجديد والجرأة العلمية هي من جملة الخصائص التي جعلته جديراً بصفة شيخ الطائفة والحبر المحقّق كما جاء في كلمات المرحومين المجلسي والوحيد البهبهاني. وكتابه (مجمع الفائدة والبرهان) كما وصفه البهبهاني (رحمه الله) كتاب لا نظير له بين كتب المتقدّمين والمتأخّرين ومدعاةً للتعجّب والحيرة لدى العلماء والمفكّرين.

أمّا مكانته الفذّة التي يُضرب بها المثل من حيث الورع والتقوى، فهي كما وصفها المحشي الجليل لكتاب (مجمع الفائدة) حين عدّهُ من جملة الذين تشدّ الملائكة أحزمتها لخدمتهم. وحتّى بعض الأكابر من أمثال صاحب الجواهر الذي خدش بآرائه الفقهية، اعترف له بهذا الجانب.

إنّ حوزة النجف المباركة مدينة له بتجديد حياتها العلمية. والسلسلة اللامتناهية من فقهاء الشيعة من أصل إيراني بدأت - بعد الأدوار الاُولى لفقاهة الشيعة - بشخصيته الممتازة الرفيعة.

يُتأمّل أن يؤدّي التعريف بهذه الشخصية الكبيرة وتجليل اُسلوبه العلمي وآرائه الفقهية إلى فتح آفاق جديدة في اُسلوب الفقاهة لدى حوزاتنا العلمية وحلقات الدرس في عصرنا الحاضر، والعمل ما أمكن على إثراء فقه هذا العصر الذي يستلزم المتانة والشمولية والسهولة.

أدعو الله بدوام التوفيق لكم، وأرجو أن يشمل بقية الله الأعظم (روحي فداه) الجميع برعايته الخاصّة.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته