|
كلمة القائد خلال لقائه قادة وأعضاء حرس الثورة بمناسبة ولادة الإمام الحسين (ع) -. 13/12/1996 (الموافق: 3 شعبان 1417 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم اُبارك هذا العيد الكبير لكل أحرار العالم ولجميع المسلمين خاصة محبي أهل البيت في كافة أرجاء العالم، وعلى الأخص الشعب الإيراني العزيز الذي جعل من اسم الحسين بن علي واسم أهل البيت (عليهم السلام) شاخصاً ثابتاً في حياته، ولاسيّما أنتم الأعزاء من أفراد الحرس الذين تعدون بحق أبناء معنويين لذلك العظيم، واني لفي غاية السرور للقائي بكم في هذا اليوم ولعقد هذا الاجتماع البهيج. أسأل اللّه أن يحفظكم ويجعل قلوبكم النيّرة الودودة والطافحة بالمحبة موضع لطفه وعطفه. إنّ التشبّه بالأكابر والانتساب إلى الأولياء من عمل أذكياء العالم. كل امرئ يبحث عن اسوة له. لكن التوفيق لا يحالف الجميع في انتهاج منهج الصواب عند البحث عن الاُسوه. لو سألت بعض الأشخاص في هذا العالم عن الشخصية التي أثارت انتباهه واجتذبته إليها، تجده يقتفي أثر اُناس وضيعين وتافهين أمضوا أعمارهم في عبودية هوى النفس ولا يتقنون سوى ما يغتر به المغفّلون وهو لا يتعدى إلهاء بعض السذّج والغافلين فتصبح أمثال هذه الشخصيات قدوات للناس العاديين في هذا العالم. البعض يقتدي بشخصيات سياسية وتاريخية وما شابه ذلك ويتخذها اسوة له. لكن أذكى الناس من يتخذ أولياء اللّه اسوة وقدوة له؛ لأنّ من أبرز الخصائص التي يتسم بها أولياء اللّه انهم على درجة من الشجاعة والقوة والاقتدار بحيث يصبحون أسياداً على نفوسهم لا عبيد اذلاء لها. يُنسب إلى أحد الفلاسفة والحكماء القدماء أنه قال للاسكندر المقدوني: أنت عبد عبدي.فتعجب الاسكندر من قوله وغضب عليه. قال له: لا تغضب؛ فأنت عبد شهوتك وغضبك؛ إذا طلبت شيئاَ أو غضبت، اضطربت ولم تصبر، وهذه عبودية للشهوة والغضب، أما أنا فسخرتهما حتى صارا عبدين لي. قد تكون هذه القصة حقيقية، وقد لا تكون كذلك. إلاّ أنّها صحيحة بالنسبة لأولياء اللّه والأنبياء، ومعالم طريق الهداية الإلهية للبشرية، ومن الأمثلة عليها يوسف، وابراهيم، وموسى. وهناك أمثلة متعددة لذلك في حياة أولياء اللّه. وأذكى الناس هو من يتخذ هؤلاء الأكابر وهذه الشخصيات الشجاعة المقتدرة اسوة، ويكسبون لأنفسهم عن هذا الطريق أسباب الاقتدار والعظمة باطنياً ومعنوياً. وفيما بين هؤلاء الأولياء والأكابر أنفسهم توجد شواخص مميزة. ولاشكّ أنّ أبا عبد اللّه الحسين عليه الصلاة والسلام من أبرز هذه الشواخص. حقاً يجب القول أنّ نور الحسين بن علي (ع) يسطع كالشمس لا علينا نحن الناس الترابيين الصغار فحسب بل وعلى كل عوالم الوجود وأرواح الأولياء والأكابر، والملائكة المقربين، وعلى جميع عوالم الوجود المتداخلة في بعضها، المعروفة أو المجهولة بالنسبة لنا. ومَن مشى في هدي نور هذه الشمس فقد جاء بعمل كبير سامٍ. وعلى هذا فأعضاء الحرس الثوري يدخلون في عداد من استخدموا ذكاءهم. إحتفظوا بهذه الخصلة، واحملوها على محمل الجد، فالجد لابدّ منه. ولا تحسبوا هذا أمراً عبثياً وخيالياً واعتباطياً. الجد مطلوب في كل شيء «وهب لي الجد في خشيتك». الجد مطلوب أيضاً في الشؤون المعنوية، خذوا الأمر على محمل الجد، وتابعوه بجد. تشبّهوا حقاً بهذه الشخصية العظمى. وكل من ينظر في صحيفة هذه الثورة منذ بدايتها - وعلى مدى هذه السبع عشرة سنة - ويتصفح هذا كتابها الضخم، سيأخذ هذا الانطباع عن الحرس الثوري، فالحرس قد خلق الكثير من القيم بفضل التشبّه بسلوك الحسين بن علي (ع). يا أعزائي، تارة نجد المرء فاقداً للنعمة فنهديه لتحصيلها، واُخرى النعمة بين يديه فنأمره حينئذٍ صيانتها وطلب زيادتها. وبما أنكم تتنعمون ولأنكم من هذا القبيل ونعمةُ اللّه مغدقة عليكم، فغالباً ما أؤكد عند لقائي بكم بالحفاظ عليها وزيادتها؛ فأمثال هذه الأشياء لا تدوم تلقائياً، بل لابدّ من ادامتها. ولهذه الادامة شروطها الخاصة. تلاحظون أنّ الإمام الحسين (ع) مع كونه سبط النبي (ص)، وابن علي بن أبي طالب (ع)، وابن فاطمة الزهراء (ع)، وهذه الأشياء عظيمة بحد ذاتها وترفع الإنسان كثيراً، إضافة إلى أنه قد نشأ في تلك الدار وتربى في ذلك الحجر وترعرع في تلك الأجواء المعنوية والنعيم الروحي، لكنه لم يكتف بذلك. حينما رحل رسول اللّه (ص)، كان الحسين (ع) صبياً في الثامنة أو التاسعة من عمره، وعند استشهاد أمير المؤمنين (ع) كان شاباً في السابعة أو الثامنة والثلاثين. وفي عهد أمير المؤمنين الذي كان عهد ابتلاء وجهد وعمل كان هذا الجوهر المستعد يتلقى التربية بالأعمال العظيمة ويتأهل على يد أبيه على الدوام حتى عاد قوياً ومزهراً ومشرقاً. إذا كانت همة المرء كهمتنا، تراه يقول: وهذا القدر يكفيني وهو حسبي وبه ألقى ربي. وهذه ليست همة حسينية. وفي حياة أخيه المباركة حيث كان الحسين (ع) مأموماً واخوه الحسن (ع) إماماً، استمر في حركته الجبارة، وهو يسير قُدماً ويؤدي واجباته إلى جانب أخيه وفي ظل طاعته المطلقة لإمام زمانه. تأملوا حياته لحظة فلحظة. ثم أنّه واجه استشهاد أخيه. واستمرت حياته المباركة بعد هذا الحادث عشر سنوات - مرّت عشر سنوات ونيف منذ استشهاد الإمام الحسن حتى وقت استشهاده - لاحظوا ماذا كان يفعل الحسين (ع) خلال هذه السنوات العشرة التي سبقت واقعة الطف. كانت العبادة والتضرع والتوسل والاعتكاف في حرم الرسول، والرياضة المعنوية والروحية أحد أطراف القضية، وطرف آخر سعيه الحثيث في نشر العلم والمعرفة ومجابهة التحريف. كان التحريف آنذاك أكبر تحدٍّ معنوي يهدد الإسلام، ويجري كالسيل الجارف من الفساد والماء الآسن فيركد في اذهان أبناء المجتمع الإسلامي. وهو عصر ساد فيه التأكيد على الولايات والبلدان والشعوب الإسلامية بلعن أعظم شخصية في تاريخ الإسلام! وملاحقة مَن يُتهم بموالاة أمير المؤمنين ويقول بإمامته؛ حيث ساد آنذاك «القتل بالظنّة والأخذ بالتهمة» في مثل هذه الظروف وقف (ع) كالطود الشامخ وخرق حجب التحريف. أقواله وكلامهُ الذي يخاطب فيه العلماء - والذي يحتفظ التاريخ بشيء منه - ينم عمّا كان يأتي به من فعل عظيم في هذا المضمار. وتضمنت القضية طرفاً آخر وهو النهي عن المنكر والأمر بالمعروف في أرفع أشكاله، والذي جاء في كتابه إلى معاوية، وهذا الكتاب حسبما أتذكر نقله المؤرخون من أبناء العامة ولا اظن الشيعة قد نقلوه - أي اني لم أعثر عليه من طرق الشيعة - وحتى ان كانوا قد ذكروه فانّما قد نقلوه عنهم. واستمر اُسلوب الكتاب المذكور والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى خروجه من المدينة ابان حكومة يزيد، وهذا يدخل أيضاً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث قال: «اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». تلاحظون هذا الإنسان يأتي بتلك الحركة العظيمة في مجال تهذيب نفسه وترويضها، وفي المجال الثقافي أيضاً دأب على مكافحة التحريف ونشر الأحكام الإلهية وتربية التلاميذ والشخصيات الكبيرة، وعلى الصعيد السياسي أيضاً كان يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم تلا كلّ ذلك جهاده العظيم الذي يتعلق بدوره في الجانب السياسي. فهو مشغول بترويض نفسه على الأصعدة الثلاثة والترقي فيها. - يا أعزائي - إنه قدوة واُسوة. وكل هذا يتعلق بالمرحلة التي سبقت واقعة كربلاء. يجب عدم التوقف لحظة؛ يجب التقدم باستمرار؛ فالعدو يتربص الفجوة ليتسلل، يتحين منكم الوقفة لكي يهجم. وأفضل الطرق لإحباط هجوم العدو واجهاض استعداده هو الهجوم عليه. وتقدمكم رهين بالهجوم على العدو. يتصور البعض أنّ الهجوم على العدو يعني حتماً حمل المدفع والبندقية إلى موضع ما، أو رفع الصيحات السياسية. نعم هذا له ضرورته في بعض الظروف؛ إذ لابدّ للإنسان من الصراخ السياسي. على البعض أن لا يتوهم أننا عند الإشارة إلى قضية الثقافة، نوجه صرخة سياسية ضد العدو. طبعاً هذا يلزم في موضعه أيضاً، ولكن لا نتوقف على هذا الحد. فمن أعظم الأعمال بناء الإنسان لذاته، ولأبنائه، ولمن هم تحت مسؤوليته، وللاُمة الإسلامية. إنّ العدو يتشبث على الدوام وما انفك يواصل سعيه لزعزعة هذا السد الهائل أو إضعافه وجعله سهل الاختراق. العدو بكل عظمته الظاهرية الخاوية هو الاستكبار الغربي وثقافته الجاهلية المنحطة والسلطوية. وقد ظهر هذا العدو على مر القرون وهيمن على جميع منافذ العالم، هيمن على ثرواته الاقتصادية، والثقافية، والبشرية، والسياسية. وهو يواجه اليوم تحدياً كبيراً من الإسلام الحقيقي لا الإسلام الدعائي. ثمة من يدّعون الإسلام طبعاً، وهم اسمياً مسلمون، يجلسون على مائدة العدو، ويدورون في فلكه، ويقبلون الأيدي، من الطبيعي أنّهم لا يخشون هذا. السد الواقعي يأتي من الإسلام الحقيقي، إسلام القرآن، إسلام {لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً}. وإذا ضيّقنا الدائرة أكثر واقتربنا من مركزها، نقول: هو إسلام {إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنّة}. إسلامكم أنتم المليئة أجسامكم بشظايا القنابل، وقد بدت عليكم من قمة الرأس حتى أخمص القدم سيماء الحرب والجهاد في سبيل اللّه، وأشباهُكم من المضحين الأعزاء وعوائل الشهداء، أو الذين شاركوا في الحرب وعادوا - رغم أنف العدى - سالمين. هذا هو الحاجز الأساسي. العدو ليس بغافل عن هذا المانع، وهو يماطله دوماً، وينشبُ فيه مخالبه، ويعمل فيه حيله. وعلينا التصدي لجميع ذلك ومقابلته. الحركة والسعي لأزمان، في تهذيب النفس وبناء الذات، وهو مقدّم على ما سواه، كما فعل الإمام الحسين (ع)، وهو سيدكم ومولاكم. وكذلك على الصعيد السياسي حيث التحرك، والأمر بالمعروف، والحضور السياسي، وفي المواضع الضرورية بيان المواقف السياسية في مقابلة العالم الاستكباري. وكذلك على صعيد الجهاد الثقافي، أي بناء الإنسان، تقويم الذات، وتهذيب بناء الفكر الذاتي، ونشر الفكر والثقافة. وهذا واجب على كل من يتخذ الإمام الحسين (ع) قدوة له. من دواعي السرور أنّ شعبنا بأسره ينظر إلى الحسين (ع) نظرة اجلال واكبار، وهذا شعور الكثير من غير المسلمين أيضاً. نصل الآن في الحديث إلى كربلاء التي تحظى بأهمية كبيرة لاعتبار آخر، وهي درس لمن يريد أن يتخذ في هذا الإمام اُسوة. أنتم ترون يا أعزائي أنّ الوقت الذي استغرقته واقعة كربلاء لم يتجاوز نهار أو زاد عليه قليلاً، واستشهد فيها عدة - إثنان وسبعون وأكثر أو أقل بقليل - والحال أنّ مَن استشهد أو يستشهد كثير. فشموخ واقعة كربلاء - وهي أهل لهذا الشموخ والعظمة، بل هي أسمى وأعظم - وقد نفذ أثرها وبركاتها في عمق الوجود البشري، لم يكن إلاّ لحقيقة وروح هذه الواقعة، فهي بكل القضية وجسمها لم يكن ذا حجم يذكر، فهناك أطفال قتلوا في كل بقعة من العالم، بينما قتل في كربلاء رضيع لستة اشهر. الأعداء ابادوا الأهالي في بعض الأماكن وقتلوا مئات الأطفال. القضية ليست مطروحة هنا في بعدها المادي،بل تكمن اهميتها في روحها ومعناها. روح القضية هي ان الإمام الحسين (ع) لم يكن يواجه في تلك الواقعة جيشاً كبيراً جرّاراً ولم تكن مواجهته مع الجمع الغفير - وإن زاد عدده مائة ضعف - بل إن مواجهة الإمام الحسين (ع) مع عالم من الانحراف والظلمة، وهذا هو المهم. وهو في الوقت الذي كان يواجه فيه ذلك العالم من الظلمة والظلم والانحراف، كان ذلك العالم يملك كل شيء، ولديه المال والذهب والقوة والكتّاب والشعراء والمحدثون والخطباء. يا له من موقف رهيب، ترتعد له فرائص الإنسان، ولكن لم يرتعش للإمام الحسين قلب ولا قدم. ولم تساوره مشاعر الضعف ولم يتردد، وبرز إلى الميدان وحيداً فريداً. عظمة القضية تكمن في ان القيام كان اللّه. يمكن تنظير موقف الإمام الحسين (ع) ومقايسته مع موقف جده رسول اللّه محمد بن عبد اللّه (ص) في بعثته؛ فكما واجه النبي (ص) هناك عالماً بأسره، وقف الإمام الحسين في كربلاء بمواجهة عالم بأسره. فالرسول (ص) لم يعتريه أي خوف، بل صمد وسار إلى الأمام، وكذلك الحال بالنسبة للإمام الحسين الذي لم يرهبه شيء بل ثبت وسار قدماً. الحركة النبوية والحركة الحسينية كدائرتين متحدتين في المركز متجهتين نحو مسار واحد. وهنا يظهر معنى «حسين مني وأنا من حسين». هذه عظمة موقف الإمام الحسين. عندما قال الحسين (ع) ليلة العاشر من محرم: «اذهبوا فأنتم في حل مني وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل واحد منكم بيد واحد من أهل بيتي فالقوم يطلبوني...»، لم يكن يمزح في قوله ذاك. نفترض لو أنهم وافقوه وانصرفوا وبقي وحده أو برفقة عشرة اشخاص، هل كان ذلك ينقص من عظمة عمله؟ كلا، بل تبقى له هذه العظمة بعينها. ولو كان بدل هؤلاء الاثنين والسبعين، اثنان وسبعون ألفاً حول الحسين، هل كان ذلك ينقص من عظمة موقفه؟ أبداً إنّ عظمة موقف الحسين تكمن في ثباته واطمئنانه وهو يواجه دنيا تعترضه وتدعي في حقه، فلم يتزلزل، والحال أنّ موقفاً كهذا، يضطرب فيه عامةُ الناس، وحتى المُميزين المتفوقين منهم. وكما ذكرت مراراً فان عبد اللّه بن عباس - وهو شخصية كبيرة مرموقة - وجميع أمراء قريش، كانوا في غاية الاستياء من ذلك الوضع. وهكذا كان حال عبد اللّه بن الزبير، وعبد اللّه بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبناء كبار الصحابة، وبعض الصحابة. كان في المدينة عدد كبير من الصحابة، وكانوا من ذوي المروءة - لا يتصوّرن أحد أنهم لم يكن لهم مروءة وغيرة - وهم أنفسهم الذين تصدوا لمسلم بن عقبة وقاتلوه في وقعة «الحرّة» حينما هجم على المدينة وارتكب المذابح فيها بعد سنة من واقعة كربلاء. لا تتصوروا أنهم كانوا جبناء، بل كانوا فرساناً وشجعاناً. لكن شجاعة البروز إلى ساحة الحرب مسألة، وشجاعة مواجهة عالم برمّته مسألة اُخرى. والموقف الذي خاضه الحسين هو الثاني، وكانت حركته لأجله. ومن هنا أكدتُ مراراً ان حركة إمامنا الكبير كانت حركة حسينية؛ لقد انطوى موقف إمامنا الكبير في عصرنا الحالي على نفحة من حركة الحسين. قد يقول قائل ان الحسين قُتِلَ في صحراء كربلاء عطشاناً، وإمامنا قد حكم وعاش بعز، ولما رحل شيّعته الجماهير. لكنّ هذا ليس شاخص القضية ومعلمُها بل الأساس هو مواجهة غول عظيم - فارغ المحتوى - يرافقه كل شيء. وقد ذكرت في ما مضى ما كان لدى أعداء الإمام الحسين من مال وقوة وفرسان وخطباء، ومبلّغين. أعزائي، إن وضعكم اليوم يشبه ذلك الوضع؛ كربلاء ممتدة على مدى الدهر وليست محصورة في نطاق ميدان لا يتجاوز مئات من الأمتار، واليوم يعيد التاريخ نفسه حيث يقف عالم الظلم والاستكبار كله اليوم بوجه الجمهورية الإسلامية. الحق والانصاف إنّ زماننا الحاضر أفضل من زمن الإمام الحسين. وهذه حقيقة يجب الاذعان لها؛ فاليوم ثمة قبسات يمكن رؤيتها بين طيات الظلمات؛ هناك أفراد مثقفون واُناس واعون، وشعوب واعية في مختلف أرجاء المعمورة، والاتصالات سريعة جيدة. لكن أعداء الإسلام والجمهورية الإسلامية، وأعداء هذا الحق وهذه الجوهرة الثمينة التي تحظون بها، متواجدون في كل مكان، ابتداءً من دولة أمريكا المستكبرة وحتّى الثقافة السائدة في الكثير من مجتمعات عالم اليوم - بما في ذلك المجتمعات الغربية أو السائرين على خطاها، وحتى النفوس المخدوعة التي تعيش في داركم أي تعيش في أكناف هذا البلد الإلهي والحسيني - ويتهمون الجمهورية الإسلامية بين ليلة وضحاها بتهم؛ لو أدركت شعوب العالم مغزاها لأخذتها الحيرة والدهشة! وهي لا تعدو إلاّ أن تكون على غرار التهمة الموجهة ضد أمير المؤمنين بأنه لم يكن يصلّي! وها هي أمريكا نفسها التي اقترفت آلاف المآسي في دول أمريكا اللاتينية وفي بلدان العالم المختلفة وفي آسيا، ولم تعرب حتى عن استيائها ازاء مقتل آلاف المؤمنين في «سربرنيتسا» وفي البوسنة والهرسك، تتظاهر اليوم بادعاءات جوفاء، من غير أن تنطق بالحق أو تتابع القضايا بشكل جاد. ووقفت تتفرج يومذاك وهم يبيدون المسلمين ألفاً ألفاً، وكنّا نصرخ ونستغيث، وهم يقولون: ليس ثمة شيء! جاء في مذكرة في عام 1995 حول «سربرنيتسا» اطلعت عليها آنذاك، أنّ عدداً من الشخصيات السياسية المعروفة عالمياً قالت: لا صحة لهذا الكلام الذي يقال! في حين وكُشف بعد مضي عدّة أشهر - حوالي اثنا عشر، أو ثلاثة عشر، أو خمسة عشر شهراً - عن قبور جماعية في «سربرنيتسا». كنا - في وقتها - نصيح ونصرخ، وهم يقولون: لا صحة لهذا. انهم لا يعيرون أية أهمية لدماء الشعب الفلسطيني التي اريقت ظلماً، ولا يأبهون لآلاف الأنفس التي قضى عليها نظام البعث العراقي بالسلاح الكيميائي في حلبجة وغيرها. ولا يبالون للمآسي المختلفة التي تقع في الدنيا، ولا يروا لبني الإنسان أية قيمة. وتأتي الحكومة الأمريكية واشباهها ونظائرها - لا أروم الاتيان على ذكر جميع الأشخاص والحكومات، فأمريكا أسوأهم، والآخرون قريبون منها أو بعيدون عنها إلى حدٍّ ما - ويتهمون الجمهورية الإسلامية بنقض حقوق الإنسان. ولا يقتصر الأمر على مجرد اذاعته بالمذياع وانما ينشر في الصحف وتصدر به القرارات، ويعرض في مجلس الأمن، والجمعية العام للاُمم المتحدة، وهم لا يتورعون عن اتخاذ أي اجراء متاح لهم من قبيل التهديد والاغراء بالمال. هذا نوع وجانب من أفعالهم. وهكذا الحال في القضايا المختلفة الاُخرى من قبيل انماط التهديد، والحصار الاقتصادي وما إلى ذلك. ومن الطبيعي أن العداء الثقافي والسياسي للحكومات مع الجمهورية الإسلامية لا يكاد يمثّل إلاّ جانباً طفيفاً من العداء، أما الثقل الأساسي فيمثله العداء الثقافي الغربي لنظام الجمهورية الإسلامية وهو عداء عميق وقديم. تحدي هذه القوى يتطلب روحاً حسينية. والذين يقفون اليوم بوجه الهجوم والتآمر العدائي في خندق الاستكبار انما يؤدون في حقيقة الأمر عمل الحسين بن علي عليهما السلام. وهنا يكمن سر عظمة العمل الذي أداه الحسين بن علي عليهما السلام. هذه النقطة توصلنا بدورها إلى نقطة اُخرى وهي كيف يمكن الصمود؟ فالصمود ليس بالأمر الهيّن، وانما يستلزم قوّة. وهذه القوّة أيضاً تنال بالاخلاص؛ وهذا يعني وجوب البحث عن الاخلاص، ونؤدي أعمالنا للّه ولأجل الواجب ولأجل التكليف، لا لأجل الأهواء والنزوات، أو لنيل الثناء من هذا وذاك. وإذا تحقق هذا الطموح لن تخلو الساحة حينذاك من الرجال العظام والأعمدة المتينة القادرة على حفظ هذه الخيمة. فكما كانت القضية في ساحة الحرب - والحق يقال - هي قضية الاخلاص بالنسبة لأبطالنا المتفانين الحاملين أرواحهم على الأكف، وهكذا كان الحال في أول الثورة، وقبل الحرب وبعدها، علينا ان نتمرّس ونروّض أنفسنا على الاخلاص. الجمهورية الإسلامية اليوم بحاجة إلى هذه الروح، وإلى هذا العزم والصمود. أود أن أقول لكم يا أعزتي: ان كرامة إيران وشعب إيران بحاجة اليوم إلى هذا أيضاً. ولو لم يكن المرء متمسكاً بدين اللّه ولا يريد أداء عمل للّه، بل يحرص على بقاء هذه الدار عامرة وسالمة لأهلها، فحتى مثل هذا الشخص عليه أن يدرك عدم امكانية تحقيق مثل هذه الغاية إلاّ بالصمود المخلص والشجاع بوجه العدو. فالعدو لا يغفل لحظة، وهو يبادر إلى كل عمل متاح أمامه. وسبق وان قلت مراراً ان أعداءنا العالميين لا منِّة لهم على شعب إيران فيقولون اننا كنا قادرين على توجيه ضربة لكم في الموضع الفلاني ولم نفعل. كلا، لأنّه ان لم يكونوا قد ضربوا، فلعدم قدرتهم! وعدم القدرة لا يعزى إلى افتقاد العتاد وكفى، بل كانت أمامهم آلاف الموانع والعقبات. إنهم خافوا من رد الفعل، ومن المشاكل الاقليمية التي يفرزها عمل كهذا. لكنهم لم يغفلوا قط عن توجيه ضربة مؤثرة. وقد جربوا ووجدوا هذا الشعب لا يؤتى، وهل ثمة ضربة أشد من حرب الثمان سنوات؟! إنّ حرب السنوات الثمانية قد منحت هذا الشعب التجربة، والشجاعة، والاعتماد على الذات، ورفعت اسمه عالياً. وعلى اثر هذه الحرب وعقائد هذا الشعب، استيقظت الكثير من الشعوب الإسلامية في العالم وحددت لِذاتها مسارها. وقد كتب الكثيرون في الثناء على الشعب الإيراني، وفي تمجيد الجمهورية الإسلامية، ونظموا الأشعار في ذلك وخاصة من أهالي البلدان الإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص - طبعاً الكثير في هذا المضمار من غير البلدان العربية - وإذا سئل عن ذلك يجيب قائلاً: ان قضية الحرب قد أثارت وجدي. هذا الصمود الذي أبداه الشعب الإيراني، وهذه القوّة المقترنة بالمظلومية قد هزت الشعوب. لقد جرّب الأعداء هذا أيضاً، ولكنهم ما انفكوا يتربصون بنا {يتربص بكم الدوائر}. فما يختلقونه من اشاعات ويقولون إن الجمهورية الإسلامية «تهدد أمن المنطقة» أو «تملك السلاح الفلاني» أو «متورط في الحادثة أو الانفجار الفلاني» فهذه كلها مؤامرات، والغرض منها التخطيط والتمهيد لمحاربة الشعب الإيراني. وبحمد اللّه فشل كل ذلك، وسيفشل في المستقبل أيضاً. لم يكن الشعب الإيراني وحكومة الجمهورية الإسلامية يوماً ما طوال هذه السنوات سبباً لزعزعة الأمن في المنطقة. بل كانت تحافظ على الأمن. الآخرون هم الذين زعزعوا الأمن. لا يمكنهم أن يبرهنوا ان الشعب الإيراني أو الجمهورية الإسلامية قد عملت ولو لمرة واحدة طوال هذه السنوات السبعة عشر من عمر الثورة على زعزعة المنطقة. بل الكل يعلم أن بعض القوى الاقليمية وبعض الأطراف الأجنبية قد اثارت الكثير من القلاقل في المنطقة. أما نحن فلم نفعل شيئاً من هذا. بل حفظنا الأمن على الدوام. فأمننا يعني تلقائياً أمن المنطقة. أي اننا نريد الأمن لأنفسنا وللمنطقة لأنهما مترابطان ولا ينفصلان. وانعدام الأمن بالنسبة لنا، هو انعدام للأمن في المنطقة. فلا تتوهم القوى الأجنبية واتباعها امكانية زعزعة أمن إيران، وبقاء المنطقة آمنة للآخرين؛ أبداً، فهذا وهم وخيال لا أكثر. وليعلم الشياطين أنه إذا ما بغوا الاخلال بأمن هذا الشعب، فليس من شأن هذا الشعب أن يترك ضربة العدو من غير رد. إنّ الشعب الإيراني لن يدع ضربة اي أحد تمر بلا جواب. لقد توصل الأمريكيون عبر سياستهم الواهية المتهافتة - فقد أثبتوا في السنوات الأخيرة مدى ضعف ووهن وتهافت السياسة الخارجية للحكومة الأمريكية، وخاصة الحكومة الأمريكية الحالية - لعلّهم يستطيعون بفبركة ما، التهديد باستخدام القوّة مثلاً. وهم لا يصرحون بذلك علانية، وانما يستشف البعض هذا من خلال القرائن الموجودة. يقولون مثلاً: ان للإيرانيين يداً في الانفجار الفلاني أو في تلك القضية، وما شابه ذلك من الذرائع الفارغة والواهية، لعلهم يستطيعون اعداد الأرضية على أدنى الاحتمالات! لابدّ ان يكون هؤلاء قد عرفوا الشعب الإيراني حقَّ معرفته. ومنطقة الخليج الفارسي الحساسة يعود أكبر قوامها إلى هذا الشعب وإلى هذا البلد. فاليوم الذي يكون فيه لإيران أمنها واستقرارها، وهو ما كان بحمد اللّه ولا زال حتى الآن، وسيبقى في المستقبل بإذن اللّه، فسترى المنطقة حالة الاستقرار، إلاّ إذا خلقوا هم المتاعب لأنفسهم. أما المناطق الاُخرى فلا علاقة لنا بها. ولكن ليعلموا - إنْ هُمْ أرادوا التحرش بشعب إيران - ان المنطقة ستكون أقل أمناً لأعداء الشعب الإيراني وخاصة على الجالسين في بيوت زجاجية، وسيكون الوضع أخطر واشد عليهم أضعافاً مضاعفة. شعب إيران شعب عظيم وشجاع ومتكل على اللّه. وينتهج طريقاً واضحاً يهدف إلى ايجاد نظام انساني سليم يوفر الأمن، والرفاه، والاستقرار، والبناء، لأبناء هذا البلد، ليكون قدوة لسائر الشعوب. كان دفاع هذا الشعب مثالاً وأسوة وقدوة لبقية الشعوب، وسيعتبر الآخرون بهذا الدرس بإذن اللّه، وأن تكون الشعوب الإسلامية قادرة على الدفاع عن نفسها عند الضرورة. كذا حركة البناء في هذا البلد اليوم نموذج للشعوب الاُخرى ويجب عليها الاقتداء به، والاعتماد على ذاتهم وبناء بلدانهم، وليشعروا بالاستغناء عن الآخرين وعدم الحاجة إليهم. وهكذا الحال في اقرار الأمن من قبل إيران لذاتها ولجيرانها. وحيثما كان لشعب إيران حضور في القضايا المختلفة، كان والحمد للّه مقروناً بالاستقرار ومكافحة التوتر. وحيثما دخلنا كسبنا والحمد للّه ثقة الدول والشعوب، وهذا من النعم الإلهية. وهذا بالنسبة للشعوب الاُخرى اسوة وقدوة، وكل هذا يُعزى إلى التوكل على اللّه والثقة به. وهذا هو منهجه الواضح. أنتم أيّها الشبان الأعزاء، ويا من جربتم طريق اللّه والتوكل عليه، وأدركتم ثماره، ولمستم بركات الاتكال على اللّه في سلوك الإمام، وفي سلوككم انتم في الحرب، فلا ينبغي لكم الغفلة عن هذا الطريق الواضح لحظة واحدة. الاسم المبارك للإمام الحسين (ع)، وذكراه، وحياته، وتاريخيه، كلها درس لنا. فعلينا تعلم هذه الدروس. ويجب ان نفهمها جيداً وندقق فيها، ونطبقها في حياتنا، وان نجعلها بعون اللّه قدوة ومثالاً للشعوب الاخرى. أسال اللّه ان يشملكم بفضله وتأييده، ويشملكم بالدعوات الزاكيات لبقية اللّه (ارواحنا فداه)، وأن يقر أعينكم وأعيننا بزيارة الحسين (ع)، وان يرضي عنا الروح المقدسة لإمامنا العزيز. |