كلمة القائد لدى استقباله جموعاً من قادة وعناصر الجيش

 16/4/1996 (الموافق: 27 ذي القعدة 1416 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

مرحباً بكم أعزّتي، نأمل أن يكون يوم الجيش يوماً مباركاً ومثمراً بالنسبة إلى جيش الجمهورية الإسلامية. إنّ هذه المناسبات وأسابيع الذكرى، من قبيل يوم الجيش، يوم المعلم، يوم العمّال، يوم الحرس وغيرها، إنّما هي لمراجعة النفس، فعلى كلّ فئة أن تراجع نفسها في أوقات معيّنة وتنظر إليها، شريطة أن تكون النظرة إلى النفس من الخارج لا أن تكون من الداخل وهو ما يسمّى بالعُجب، لأنّ النظرة من الخارج تكون باحثة عن مواطن الضعف نظرة ناقدة وثاقبة.

أشكر الله على تحسّن وضع الجيش بالتدريج طيلة السنوات الماضية، فليس بالإمكان مقارنة الجيش بالسنوات السابقة وما قبلها، فحالياً قد تحسّن وضع الجيش كثيراً، ولكن في الوقت نفسه لابدّ من مراجعة النفس باستمرار. وهكذا على الفرد في بعض الأوقات أن يتحرّر من ذاته ويتخلّص من حصار النفس والعُجب والغرور، وأن يُلقي نظرةً على نفسه - وهذا أصعب من التحرّر من نطاق المجموعة -، وكلّنا بحاجة إلى هذا التحرّر، فإنّ البشر مجبول على النقص.

فمتى يمكننا التخلّص من النواقص؟ يمكننا ذلك فيما إذا رأيناها وتعرّفنا عليها وأقررنا بوجودها فينا. فإنّنا إذا اعتقدنا العصمة في أنفسنا واستولى علينا الغرور وتصوّرنا عدم النقص فينا، فمتى سنفكّر في علاج أنفسنا ؟

ومن هنا تشاهدون أنّ معلّمي الإنسانية الروحيين - أي الأنبياء وأئمة الهدى (عليهم الصلاة والسلام) - كانوا دوماً يمسكون المطرقة لينهالوا بها على رأس هذا الغول الذي ندعوه بالنفس، فالنفس هي ذلك البُعد من انحطاط وجودنا الذي يُملي علينا الشهوات ويُغرينا بها ويسوقنا نحوها، وينشأ عنه ضعفنا ونواقصنا، فينبغي أن نراقب أنفسنا حتّى نشاهد نقاط الضعف فيها.

تدبّروا كيف يواجه الإمام السجّاد (عليه السلام) - وهو قطب النور ومعدن المعنويات والكمال وزين جميع العباد - نفسه في أدعية الصحيفة السجّادية، وكيف يضع نفسه أمام إله العالم ويستغيث، فيقول ذلك الإمام الهمام في حلكة الليل بعد صلاة الليل - وهي ليست صلاة ليل إنسان اعتيادي، وإنّما هي صلاة سيّد الساجدين - مخاطباً الله تعالى: «وهذا مقام من استحيى لنفسه منك، وسخط عليها ورضى عنك، فالتقاك بنفس خاشعة ورقبة خاضعة»، هذه هي مراقبة النفس.

وهذا ما يجعل الإنسان يجتاز سماء الكمال مرحلة بعد مرحلة، فيتكامل وعندها تبرز الشخصيات الكبيرة إلى الوجود وتتجلّى المعنوية والجمال، وكلّ ذلك على أثر مراجعة النفس ومشاهدة النواقص والعيوب فيها. وبعكس ذلك إذا تعاطى الإنسان وتجاهل كلّ هذه النواقص وأصابه الغرور فاغترّ بنفسه واغترّ بربّه، واكتفى ببصيص من النور الكامن على كلّ حال في وجود كلّ شخص، فإنّ البعض يكتفي بأدنى حيّز من الحيزات في وجوده، وبذلك سوف لا يمكنه بلوغ الكمال.

يجب أن تلاحظوا وتتعرّفوا على ما هو المهم، فهذه الاُمّة حينما التفتت إلى النواقص ونقاط الضعف الموجودة فيها، تعرّفت على نفسها وشرعت بالتقدّم والرقي والتكامل. فعليكم أن تفكّروا بالشكل الذي يجب أن يكون عليه جيش الاُمّة المستقلّة والمتقدّمة التي تتطلّع إلى آمال سامية وأهداف إنسانية عالية؟ واجعلوه غايتكم وتحرّكوا نحوه؛ لأنّ ما هو الأساس في قضية هذه الثورة وهذا البلد هو الاستقلال. فجميع البركات والخيرات تأتي بعد حصول البلاد على الاستقلال، كما أنّ جميع نقاط الضعف سببها التبعية. فالتبعية في البداية هي تجاهل الذخائر والنعم الإلهية التي أنعم بها على الاُمّة، وأنّ الاتّكال على مركز للقدرة - أيّاً كانت حدودها - والانقياد إليها وتجاهل المعتقدات والآداب التقليدية وآمال الشعوب بل وتجاهل المصلحة الوطنية هي من نتائج التبعية وأنّ أسوء الدول والحكومات هي الحكومة التي تفرض التبعية على شعبها.

فالشعوب ترفض التبعية، ولو لاحظتم أهالي أيّ قرية لوجدتم أنّهم يسعون ما أمكنهم إلى التحرّر من تبعيتهم للمركز - مركز القرية أو مركز المدينة مثلاً - فالتبعية أساساً تخالف طبيعة الإنسان، لكن الدول تفرضها وتسحق إرادة الشعوب مع اختلاف في الأساليب. فبالأمس بنحو واليوم بنحو آخر، فإنّها اليوم مثلاً تفرض التبعية من خلال الإعلام؛ وذلك لأنّ الشعوب قد استيقظت وأدركت، فليس بالإمكان إنجاز الكثير من هذه الاُمور بالقوّة، ولكنّهم يقدمون على ذلك من خلال الإعلام.

لاحظوا مأساة لبنان الراهنة، فهي فاجعة إنسانية كبرى لا يمكن إنكارها، ومع ذلك لم يطرف للبلدان العربية جفن، فما ظنّك بالبلدان الإسلامية وبعض البلدان الاُخرى؟ في حين أنّها فاجعة إنسانية عظيمة. إنّ أسوء أنواع الانتهاكات التي يمكن تصوّرها هو الاعتداء الذي يمارسه الصهاينة الخبثاء والقساة وأعداء الإنسانية حالياً ضدّ لبنان.

إنّ موقف (حزب الله) والشعب اللبناني موقف دفاعي، فـ (حزب الله) حالياً يدافع عن الشعب اللبناني وحقّه واستقلاله، ولا يألو جهداً في ذلك، إنّ الكيان الغاصب لم يكتف باغتصابها لذلك البلد، وإنّما احتلّ جزءً من الجنوب اللبناني، وهذه هي بداية المشروع، فهؤلاء يدافعون ويقولون: (اخرجوا عن أراضينا) حيث يُمجّد في شتّى أرجاء العالم المناضلون الذين يقولون للغاصب: اُخرج عن أرضنا، فأيّ نهضة من النهضات التحرّرية في العالم تقول للأجنبي: (اُخرج عن أرضنا) دون أن يمجّدها العدو والصديق ؟! لكن هذه هي المرة الاُولى في عالم الاستكبار وعلى رأسه أمريكا الخبيثة لا يتمّ فيها دعم هذه الحركة التحرّرية التي تدعو إلى إخراج المغتصب عن أرضها فحسب، بل ويؤاخذونها على ذلك أيضاً.

وأساس المعارك الأخيرة في لبنان أكبر من ذلك بكثير، لقد قتل الإسرائيليون طفلاً في لبنان، فقام هؤلاء بالتعرّض لإسرائيل طلباً للثأر، فشنّت إسرائيل هذا الهجوم الواسع والشامل، وفيه أيضاً قتل عدد من الأطفال، بل أكثر القتلى في لبنان - كما أخبرونا - من الأطفال، إنّ الصهاينة قتلة الأطفال.

انظروا كم هي الجريمة واضحة ومبينة وكم هو كبير الذنب، وكم هي الحقيقة ساطعة، ومع ذلك بدلاً من أن يقوم رئيس الجمهورية الأمريكي والسلطة الحاكمة في أمريكا بحثّ ربيبته الخبيثة - أي إسرائيل ورئيس الحكومة الإسرائيلية - على التريّث والتقليل من القتل والانتهاكات، وبدلاً من أن يصرخ فيها، يهاجم (حزب الله) والشعب اللبناني سياسياً ويقول لهم: لماذا لا تكفّوا !!

اُنظروا كم هو مقلوب عرفهم وثقافتهم السياسية، وكم هم أرجاس، فانظروا تحت سطوة أيّ اُناس تتخبّط البشرية، وعندها ستدركون ما تقوله الجمهورية الإسلامية وهذه الثورة، وماذا كان يقول الإمام (ره)، ومن هنا سيتّضح أنّ تفكير هؤلاء وسلوكهم أعوج وظالم ومعاد للإنسانية وهم مع ذلك مشروحي الصدر ومرفوعي الرأس لا يغطيهم الحياء والخجل !

إنّ الإنسان ليندهش حقّاً، فلو حدث أدنى شيء في داخل فلسطين المحتلة، يبادر ذلك الرجل من فوره ويخرج رأسه من داخل البيت الأسود معرباً عن تعاطفه مع صنائعه وكلابه المدرّبة من الإسرائيليين ومهاجماً المظلومين في حين أنّ عشرات المدافعين يقتلون في بيوتهم ظلماً.

وهذا هو ما تنبّأ به قادة الإسلام من أنّ المعروف سيغدو في يوم منكراً والمنكر معروفاً. فهؤلاء يجعلون هذا المنكر معروفاً في العالم وهذا المعروف منكراً، فمن الذي يتعيّن عليه أن يقف بوجه تيّار الفساد والضلال هذا؟ وعندها تقوم الحكومات بتسليم الشعوب مكتوفة إلى هذه القوى، فتقنع هذه القوى وتقول: نحن قادة العالم !! وهذه الدعوى أشنع من الأعمال السابقة. فلئن يدّعي حفنة من المتجبّرين الذين يجهلون أوليات المباني الأخلاقية عند البشر أنّهم قادة المليارات من البشر، فهي في نظري إهانة عظيمة توجّه إلى البشرية جمعاء وهي أشدّ وقعاً من جميع الكلمات السابقة، فإنّ الأمريكيين حالياً قد اقتنعوا بأنّهم قادة البشر !

حالياً لا يتمكّن الشخص أن يسير ليلاً في شوارع نيويورك أو واشنطن والولايات الاُخرى دون أن يحمل سلاحاً، إلى هذا المستوى انعدم الأمن، فاليوم في هذه الدولة المتعطّشة إلى المعنويات لا يأمن الأطفال من الاعتداءات الجنسية التي يمارسها بحقّهم آباؤهم غير الشرعيين! إلى هذا المستوى تدنّت الأخلاق، كما أنّ نسبة ضرب المرأة وموتها تحت الضرب، والاعتداء على الأطفال - سواء القتل أو الاعتداء الجنسي - في أمريكا أكثر من غيرها. إنّ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والثالثة عشرة يحملون السلاح في شوارع أمريكا ويدخّنون السجائر ويشربون الخمر، ومع ذلك يدّعي هؤلاء بأنّهم يريدون قيادة العالم!! أليس هذا مخجلاً ؟!

وهذا ما يرشد الإنسان إلى ضرورة استقلال الشعب، إذ توجد كلّ هذه الطاقات الإنسانية في صميم الشعب، فكم يوجد من العلماء والمفكّرين والمثقّفين والمخلصين والشخصيات اللامعة وذوي القابليات و.. ومع ذلك يأتي حاكم ويسلّم مقاليد البلاد والشعب إلى أمثال هؤلاء الظلمة ويتبع سياستهم، فإذا أمروه باتّخاذ موقف معيّن في مسألة الشرق الأوسط تعيّن عليه اتّخاذه مذعناً، وإذا أمروه باتّخاذ هذا الموقف بشأن البوسنة فعليه أن يسمع ويطيع، أفهل يصحّ هذا ؟!

وليس هناك شيء أكثر إذلالاً للشعب من العمالة، وأنّ الجريمة التي تصدر من مسؤولي الدولة ليست بأكبر من جرِّ ذلك الشعب نحو العمالة، كما أنّه ليست هناك خدمة ومسؤولية أعظم من الحفاظ على استقلال الشعب. وطبعاً تعلمون أيضاً أنّ للاستقلال مراتب، أوّلها الاستقلال السياسي وهو أسهلها أي تبرز إلى الوجود حكومة لا تخضع لسيطرة القوى، وهذا ما أنجزته الثورة، فقد أنقذت الاُمّة من ذلك النظام الطاغوتي المنحوس والذليل والفاسد الذي كان مغموراً حتّى الرأس في مستنقع العمالة. فمحمد رضا قد ولد - من الأساس - عميلاً، فأبوه إذا كان عميلاً فإنّ محمد رضا كان كذلك من اليوم الذي ولد فيه، فقد ترعرع في الجو الثقافي والحياتي وتحرّك واستنشق الهواء في جوِّ العمالة ولم يكن يتصوّر غير هذا الشيء. وقد اُزيل كما تزال النجاسة من البدن وثوب الصلاة.

إنّ الثورة قد طهّرت الشعب منهم، وبعد ذلك جاءت حكومة مستقلة لا تصغي لأمريكا ولا لأي شخص آخر، ولا تخاف أحداً. هذا هو وضع حكومة الجمهورية الإسلامية حالياً بفضل اللّه، ووضع رئيس جمهورية إيران والمسؤولين في هذا البلد والممثلين في المجلس، إنّ رئيس جمهورية إيران يتخذ موقفاً - تجاه قضية فلسطين ولبنان والبوسنة أمام أعين العالم المتسائلة - يتأرم له الأعداء حنقاً وغيظاً.

إنّ هذا الاستقلال السياسي والمواقف السياسية مهمة إلاّ أنّ الأهم منها هو الاستقلال الاقتصادي. فعلى المسؤولين والممثلين في المجلس والمتصدّين للقضايا الاقتصادية والأقسام الاُخرى أن يقطعوا روابطهم في مجال النقود والأنظم والأعمال الاقتصادية. ومن جملة هذه الأقسام أنتم أيّها العسكريون الأعزاء، فعليكم أن تقطعوا الإرتباط، فلدينا الآن أجهزة من صنع الأجانب، وقد كانوا يتصورون - بما أنَّ الأجهزة من صنعهم - فإنّها ستعود إليهم، وهذا ما أمّلوا به أنفسهم في الحرب وبعد الثورة، فجئتم وفطمتم الوليد عن اُمه وانحسم الأمر وحصلتم على الاستقلال.

أجل كانت أكثر أجهزة بلدنا في يوم ما كالجنين الذي يتغذى بواسطة اُمه، إلاّ أنّ الأجهزة الموجودة حالياً في الجمهورية الإسلامية لا تتغذى منهم فهي مستقلة، وهذا ما أنجزتموه أنتم أيّها المسؤولون المخلصون، وأفراد (حزب اللّه) المؤمنون.

التفتوا إلى أنني حينما أذكر (حزب اللّه) لا يحاول البعض أن يقلل من شأن (حزب اللّه)، فإنّ (حزب اللّه) قد أنقذ هذه البلاد وسجّل البطولات في الحرب وحافظ على تماسك الجيش، فلو لم يكن أفراد (حزب اللّه) من العسكريين لأمضى الجيش أسوء تجاربه في المؤامرة التي وقعت في قاعدة الشهيد (نوزه)، فقد عمد أفراد (حزب اللّه) من الجيش إلى إحباط هذه المؤامرة التي حاكها أربعة من العسكريين التافهين، وبيّضوا بذلك وجه الجيش.

إنَّ لأفراد (حزب اللّه) من العسكريين حق كبير في رقبة الجيش، فأكبروا (حزب اللّه). فإنَّ القائد "الحزب اللهي" قد سجّل في الحرب أروع البطولات من موقعه كقائد، وقد عمد قادة حزب اللّه لفي الأمس واليوم على السعي والجد في البناء وسيبقى الوضع على هذه الشاكلة.

وعلى كل حال فإنّ جزءً من قطع الارتباط الاقتصادي بيد الجيش وفي صميمه، وهنا لا توجد المسألة الاقتصادية فحسب وإنّما هناك أيضاً الارتباط العلمي والفني والتقني، وينبغي قطع هذه الارتباطات كما أنّها توشك أن تقطع ولكن ينبغي التعجيل في ذلك أكثر، فعليكم أن تبنوا وأن تتحركوا وتحرّكوا الجيش في الداخل.

إنّ تأكيدي على الابتكار والتطوير والمحافظة والإعمار والإبداع في الجيش إنّما هو لتوسمي فيكم القدرة على ذلك فإنّ للقوة الجوية والبحرية والبرية الكفاءة العالية، وكذلك بقية الفروع فإنّ لها كفاءة عالية في المجال العلمي والفني والابتكار.

لا تقولوا أبداً بأنّنا لم نشتر الشيء الكذائي ولا نمتلكه، نعم فمن الأفضل أن نشتريه ولا نستورد الأجهزة الحديثة الكذائية، فإنّنا لو كنا قد استوردناها لما جرى عرقكم في مجال الإبتكار الصناعي.

اشكروا اللّه على أن اُغلقت الأبواب في وجوهنا في بعض المواطن، إذ لو فتحت الأبواب فإنّ روحية الخمول والتساهل سوف لا تسمح للإنسان ببلوغ المنى، فالإنسان بحاجة إلى دوافع كبيرة لتحثه على مثل هذه الأعمال، والذين يبدعون دوماً إنّما لأنّ مسارهم العلمي يحثهم على الحركة، ولذا فقد استسهلوا العمل، كما وأنّهم يتطلّعون إلى النقود واستعمار العالم، فقد سيطر الغربيون حالياً على العالم بواسطة العلم، إذ توجد لديهم دوافع إلى ذلك.

فعلى البلدان المتخلّفة علمياً أو توجد في نفسها دوافع التقدم والحركة، ومن جملة تلك الدوافع أن تُغلق الطرق بوجهها. ونحن نشكر اللّه لأنّ الطرق ليست مفتوحة بشكل كامل، بل مغلقة في بعض الأحيان.

على كل حال الأهم من ذلك هو الاستقلال الثقافي، فإنّ ثقافة الاستقلال هي الاعتقاد والإيمان بالاستقلال، ومن الضروري مكافحة جميع أنواع التبعية، وإذا بلغت الاُمة ذلك فلن تواجه أية مشكلة.

يدور الحديث في هذه الأيام حول الانتخابات وقد تحدثت مراراً حول هذا الموضوع وقلت ما ينبغي قوله، وكل تأكيدي بشأن الانتخابات وانتخاب الأصلح و... إنّما هو لأنَّ هذه البلاد لم تحصل على استقلالها بسهولة، فحذار أن يدخل المجلس أشخاص يترقبون سماع صدى المرسلات الأمريكية والغربية القوية، حذار أن يدخل المجلس اُناس يصيخون السمع لنداءات الغرب ويستلمون كل ما يصل إليهم منها، ويقومون ببثه وإذاعته في الداخل بشكل آخر، وكل قلقي هو من هذه الناحية.

طبعاً هذه الاُمة واعية فلا يتصور البعض أنّه إذا تمكّن من اغتنام الغفلة أو ظن الناس به وبرز من بين الجموع ودخل المجلس يكون قد حظي بحصانة. كلا فهذا الشعب يقظٍ وواعٍ وقد بذل الدماء وتحمل العناء، وإذا شاهد شخصاً عميلاً في المجلس فسيمدّ يده ليسحبه من المجلس ويلقي به خارجاً، وهذا السبب هو الذي يدعونا إلى الإصرار على التديّن.

أعزتي إنَّ العمالة تنشأ من إهمال الدين، لا نريد أن نقول بأنَّ كل شخص غير متديّن هو عميل، كلا فالدوافع عديدة، إلاّ أنَّ المتديّن لديه مانع آخر يحول دون وقوعه في العمالة وهذا مهم جداً.

لقد سمعت أنّ البعض في المرحلة الاُولى من هذه الانتخابات قال: ما هي أهمية إصرار البعض على التديّن وما شابهه من الموازين؟ ! إذ ينبغي أن يدخل المجلس المتخصصون كالأطباء والمهندسين حتى يديروا البلاد !

هذا خطأ، لا نقول إنّ المجلس ليس بحاجة إلى ذوي الاختصاص، كلا فالمجلس بحاجة إليهم ونحن لا نفتقر إلى المتخصصين، وإنّما أقول للشعب الإيراني: أبحث بين المهندسين والأطباء وذوي الاختصاص والخبراء وانتخب المتديّنين منهم ولا تكتفي بمجرد الادعاء، بل لابدّ أن يكون متديّناً حقاً، فإذا كان متديناً فعندها سُيطمأن إليه.

وقد شاهدت في بعض الحملات الدعائية لهذه الانتخابات أنّ المرشح لا يهتم كثيراً بمراعاة المظاهر الدينية في الصورة التي يختارها للدعاية! وهذا يجعل الإنسان يستشعر الخطر، فإذا تصور البعض أنّ هذه الاُمور قد نسخت وأنّ الناس حالياً لا يبحثون عن الدين والعالم واللحية، فهو على خطأ، إذ لا زال الناس يعتمدون على المرشحين المتديّنين وعلماء الدين وهذا الاعتماد في محله، فإنّ الدين يحول دون العمالة، فإذا انعدم الدين ستكون العمالة شيئاً يسيراً.

أفليس من الخطر أن يدخل المجلس شخص يستعرض في حملته الدعائية شعارات لا تفتقر إلى رائحة التدين والثورة فحسب بل ترى عليها أيضاً مسحة مناهضة للدين والوطنية والثورية؟!

طبعاً نحن واثقون كثيراً من يقظة شعبنا، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّه ليس بإمكان الشخص الماكر من خلال التلفيق والإعلام المتنوع إثارة الغبار والاصطياد في الماء العكرة، كلا فهذا ممكن رغم يقظة الشعب.

والأجانب أيضاً يوسعون من رقعة هذه المسألة، ويقسّمون الناس اعتباطاً، وأكثر هذه التقسيمات التي يقوم بها الأجانب كاذبة ومخالفة للواقع. فهذا يميني والآخر يساري، والبعض تقليدي والآخر متحضّر، وكلها كلمات واهية، وهناك طبعاً بعض الساذجين في الداخل ممن يستحسن هذا الكلام ويقول: نعم وأنا من هذه المجموعة، ظناً منه أنّ في ذلك فخره.

واكبوا الشعب الإيراني والجماهير الثورية وهذه الاُمة، فإنّ هذه التسميات من اليسار واليمين والقديم والحديث وأمثالها اُسطورة لا واقع لها، والدليل على ذلك أنّ أيّاً من هذه الفئات التي يذكرونها لم تعرض أيّ فكر مدوّن لها، مع أنّ تقسيم الفئات يغدو أيسر من خلال عرض الأفكار، فأي تفكير مدوّن يميز هذه الفئة عن تلك، وأنّ هذه الفئة متحضرة وتلك يسارية وهذه يمينية؟ إنّ هذه الكلمات بلا معنى وغير مترابطة لا يتفوّه بها سوى الأجانب والإعلام الغربي.

نعم يوجد في داخل بلادنا تيار مناوئ للثورة والدين لقيط علماني عميل لا ننكر وجوده، وقد رقص في عهد سلطة النظام الفاسد والظالم سابقاً على إيقاع طبله وتعاون معه ومدّ يد الطاعة والعبودية وتحمل تلك المآسي ولم يعترض وكانت عناصره من الكتّاب والشعراء والفنانين والصحفيين.

وعندما جاء نظام الجمهورية الإسلامية بعد ذلك ومنح الجميع حرية معقولة، وغدا بإمكان الناس أن يطرحوا أفكارهم بحرية، صار هؤلاء - من خلال صحفهم العميلة التي تُموّل من وراء الحدود ويحتمل كثيراً أنّ توجُّهَها العام من هناك أيضاً - أُسُوداً على الجمهورية الإسلامية وشرعوا بتوجيه التهم ضدها وتوسيع رقعة الخلافات الذوقية اليسيرة وطرح الشعارات الفارغة، ولابدّ من الحذر الشديد منهم. أمّا قاطبة الشعب فهي صالحة ومتدينة.

نأمل من اللّه تعالى أن يمنَّ علينا بهداية الشعب في هذا الموطن أيضاً كما هداه إلى الآن، وأن يدرك واجبه، وإن شاء اللّه سيقام مجلس مستقل ومنتج ومؤمن وملتزم يطمئن الشعب على متابعته [المجلس] لمسيرة اللّه والاستقلال والثورة بأحسن وجه، وأن تذلل جميع الصعاب، وإن شاء اللّه سيتم تذليلها بالتدريج. ونسأل اللّه أن يمدَّ المسؤولين والمتصدين لهذه الاُمور بعونه حتى يتمكنوا من التقدم على أحسن وجه.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته