|
كلمة القائد بمناسبة حلول عيد الغدير الأغرّ 18/12/1996 (الموافق: 25 شعبان 1416 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم اُبارك أيضاً لمسؤولي البلاد المجدّون والمخلصون العيد، ولجميع أبناء شعبنا الشامخ والعظيم ولجميع مسلمي العالم والمستضعفين والظمأى إلى نبع الغدير المبارك. إنّه يوم عظيم حقّاً وعيد حاسم وجليل يستحقّ الاهتمام والدراسة سواءً من ناحية شخصية أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وسجاياها وأبعادها الذاتيّة والسياسية والاجتماعية المتوفّرة كلّها في هذا الرجل الربّاني والملكوتي؛ والذي لا نعهد رجلاً يحمل هذه الخصال بعد النبي الأكرم (ص) غير أميرالمؤمنين، أو من ناحية الحادثة نفسها وهذا التنصيب العجيب. فيما يخصُّ أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) فعلى جميع الواقفين بالأدلة على كراماته أن يقرّوا بأنّ أمير المؤمنين لم ينل هذه الشخصية الشامخة من جرّاء الغدير، فما كان للغدير أن يصنع جوهر أمير المؤمنين (عليه السلام) الفريد، إنّما الغدير حصيلة تلك الفضائل والمزايا والكمالات. نعم الأمر الإلهي والتنصيب النبوي وبيعة المؤمنين والصحابة فضيلة كبيرة، إلاّ أنّ الأهمّ من ذلك هي السجايا التي اجتمعت في هذا الإنسان العظيم والفريد وأدّت إلى هذا التنصيب والبلاغ الإلهي. كما أنّ حادثة الغدير بنفسها ذات أبعاد كثيرة، وبإمكان المسلمين - حقّاً - أن يتّخذوا منها وسيلة لتقدّم العالم الإسلامي وهدايته هداية وافية وكاملة. لم ينكر أحد وقوع هذه الحادثة وصدور تلك الكلمات عن نبي الإسلام الأكرم (ص). ففي مثل هذا اليوم بادر النبي الأكرم (ص). وفي ذلك الظرف المهم والحسّاس وفي آخر أشهر حياته المباركة إلى تنصيب أمير المؤمنين ومنحه الولاية؛ أي الحكومة وإدارة المسلمين والمجتمع الإسلامي. الولاية التي أشار إليها نبي الإسلام هنا ليست هي الولاية الإلهية المعنوية الكلّية المبتنية على اُمور وعناصر اُخرى، بل أراد بهذا البيان التشريعي: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» أمراً إلهياً وسماوياً وملكوتياً غنياً عن الجعل والتنصيب. وهذا البلاغ من النبي (ص) في منح الولاية لأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وهذا النصب التشريعي يعني الحكومة وإدارة المجتمع الإسلامي وولاية أمر المسلمين المصحوبة طبعاً بتلك الولاية الإلهية العامة التي توفّرت في الشخص المقّدس للنبي وأئمة الهدى (عليهم السلام). فالولاية بذلك المعنى كانت موجودة حتّى عند الأئمة الذين لم يمارسوا الولاية الظاهرية، فما تمتّع به أمير المؤمنين المنصّب من قبل النبي هو الولاية السياسية، وهو المعنى الذي أوجده الله عزّ وجلّ في الإسلام على يد النبي الأكرم (ص). إذن فقد اتّضح أنّ الإسلام يدعو في أرقى أحكامه وقوانينه إلى مسألة الحكومة والولاية وإدارة الاُمّة، فلابدّ من دراسة حادثة الغدير في هذا البعد، كما ينبغي محو الكثير من الأخطاء التي تركّزت في الأذهان - مع الأسف - طوال قرون. إنّ الذين تظاهروا بالدفاع عن الدين وقالوا: لا ينبغي للدين أن يتدخّل في السياسة إنّما أرادوا أن لا تتدخّل الأحكام الإسلامية ودعاة الإسلام في حكوماتهم؛ لذا فإنّ السلاطين المستبدّين هم أول الدعاة إلى الفكرة المنحرفة التي تدعو إلى (فصل الدين عن السياسة)، وهذا هو اُسلوب إعلامي جديد مارسه الاستكبار ضدّ حكومة الإسلام وحياته الجديدة. طبعاً منذ قرون وقوى الاستبداد - أي القوى المتجبّرة التي استولت على مقدّرات المجتمع بالقهر وكانوا يريدون أن يمارسوا بحرّية أصناف السياسات بحقّ شعبهم وبلادهم - تدعوا إلى فصل الدين عن السياسة، وهم الذين روّجوا ونادوا بفكرة فصل الدين عن السياسة قبل المستعمرين والأعداء. ففي عهد ناصر الدين شاه لو تدخّل عالم الدين في أمر سياسي وأحبط جميع المؤامرات والحيل الاستعمارية - التي تضمن المصالح المشتركة للشركات والبلاط الملكي في إيران -، أما كانت حاشية ناصر الدين شاه وبطانته تفكّر أن لماذا يتدخّل الدين في السياسة؟ وهذا المعنى موجود بالفعل في الأعمال الأدبية في عصر ناصر الدين شاه - منتصف وأواخر العهد القاجاري -. إذن فالمسألة تعود أوّلاً إلى المستبدّين وعملائهم في بلادنا والبلدان الاُخرى الذين كانوا يخشون ويخالفون أنواع التدخّل من قبل الدين وعلمائه والدعاة إليه في مجال السياسة. ولمّا وجد المستعمرون أنّ هذا شعار خلاّب تمسّكوا به واتّبعوه بعد أن فُرض على خلفيات الكثير من العلماء والمتديّنين من الناس، وطُفق يُستدلّ على صحّته حتّى اتّخذ قالباً مبنائياً وفكرياً. هذا فيما يتعلّق بالماضي. من جملة الخدمات العظيمة التي أنجزتها الحركة الدينية العظيمة للشعب الإيراني هي إزالة هذه الاُسطورة الخاطئة والقضاء عليها، فنزلت الجماهير إلى الساحة، ورفعت راية الحرّية بدافع من الدين وأوامره يتقدّمها دعاة الأحكام الدينية والعلماء الكبار، حتّى انتهى الأمر إلى حاكمية دين الله في هذه البلاد واتّضح للمسلمين أنّ الاُمور السياسة والأهم منها الحكومة والولاية قد عُجنت في الدين ولا يمكن فصلها عنه، وعندها ظهرت المعاني الكامنة في النصوص الدينية وأدرك الجميع أنّهم غفلوا أمراً واضحاً لعدّة سنوات. بديهي أنّ الانحراف الذي يدعو له أعداء سعادة الاُمّة يحظى بدعم ومساندة لا يمكن القضاء عليه بهذه البساطة، فقد اُقيمت براهين جديدة لفصل الدين عن السياسة من قبيل إذا أدخلنا الدين في السياسة أو إذا استلهمت سياسة البلاد تعاليمها من الدين، وبما أنّ الاُمور السياسية والحكوميّة تستتبع المشاكل التي تؤدّي إلى عدم الرضا والإحباط، فينتج جراء ذلك تنكّر الناس لأصل الدين. إذن فعلى الدين أن يتخلّى عن السياسة بالمرّة وأن يحتفظ بقداسته ونورانيّته ويتروّى وينصرف إلى اُمور الناس المعنوية والذهنية والروحية!! إنّ قوى الاستكبار تسعى حالياً وبمختلف الأساليب إلى إشاعة هذه الفكرة في العالم - وعلى الأخص في العالم الإسلامي -، والناسخ لهذه السفسطة هو قضية الغدير. ففي حادثة الغدير أنجز نبي الإسلام الأكرم (ص) أهمّ الواجبات امتثالاً لآيات القرآن الصريحة [وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته]، فتنصيب أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) للولاية والخلافة من الأهمية بحيث يكون عدم امتثاله بمثابة عدم امتثال الرسالة. والآن فالمراد إمّا الرسالة في خصوص هذه الحادثة - لأنّ الله تعالى أمر بامتثالها -، أو أكثر من ذلك بأن يكون المراد هو أصل رسالة النبي وأنّه إذا لم يبلّغ هذا الأمر فكأنّه لم يُبلّغ أصل الرسالة. وهذه القضية تحظى بأهمّية كبيرة، أي أنّ إقامة الحكومة ومسألة الولاية وإدارة الدولة من أساسيات الدين، وقد امتثله النبي بعظمته وبذلك الاهتمام أمام أعين الناس، وبشكل لم ينجز معه أيّ واجب آخر كالصلاة والزكاة والصيام والجهاد. فيجمع الناس من مختلف المدن والقبائل والأماكن في مفترق طرق بين مكة والمدينة ويبلغ هذا الأمر بوصفه أمراً مهمّاً ويدور الحديث في العالم الإسلامي بأنّ النبي (ص) قد بلّغ أمراً جديداً ومع غضّ النظر عن شخص أمير المؤمنين فإنّ تنصيباً بالشكل الذي التفت إليه الشيعة لم يلتفت إليه الآخرون كثيراً ولم يلاحظوه. نلاحظ في هذه القضية أهمّية نصب الحاكم، وهذه هي رسالة الغدير، فلماذا لا يُلتفت إلى النداء الذي صدع به النبي الأكرم (ص) مؤسّس الإسلام أمام جميع المسلمين وقال: أيّها المسلمون لا تفصلوا الدين عن أساس الحياة وعن مسألة الحكومة - التي هي أساس الحياة الفردية والاجتماعية -، ولا تحصروه في زوايا البيوت الخالية وفي الأذهان والمسائل الروحية، فأساس حياة البشر القائم على الحكومة مسؤولية ملقاة على عاتق الدين، فعلى الدين أن يتولّى ذلك. ولم يخطر في ذهن أيّ شخص هذا المعنى آنذاك، وهو هل الناس صغار حتّى يكونوا بحاجة إلى (ولي)؟ فهذه سفسطة واهية يطرحها البعض بظواهر علمية واستدلالية، مع أنّ الولاية لا تنحصر بالضرورة في ولاية القاصر، كما أنّ الاستاذ والمعلّم لا يصدق دائماً على معلّم الصف الأول الابتدائي، حتّى إذا قلنا لاُستاذ الجامعة إنّه معلم نكون قد وجّهنا إليه إهانة! المعلم في كلّ موقع هو معلّم وفقاً لما يقتضيه المقام، فلمعلّم الجامعة معنى ومقتضى، كما أنّ لمعلّم الصف الأول مقتضىً آخر. وكذلك فإنّ الولاية على المحجور والصغير لها معنىً ومقتضى، وولاية الاُمة الإسلامية والحرب والصلح والسياسة لها معنى ومقتضى آخر ولا يمكن الخلط بين هذه الاُمور. هذه هي رسالة الغدير. إنّ لإمامنا الراحل العظيم حقّ كبير في عنق الاُمّة الإسلامية من هذه الناحية إذ نبّه أفراد الشعب إلى مسؤوليتهم في التدخّل في أمر الحكومة والنظام الإسلامي، ففي النظام الإسلامي لكلّ شخص مؤمن بالعقيدة والشريعة الإسلامية مسؤولية، ولا يمكن لأيّ شخص أن يتنصّل عن مسألة الحكومة ويقول: إنّ هذا أمر سيحدث ولا علاقة لي به! فلا يوجد عندنا في النظام الإسلامي وفي مسألة الحكومة والمسائل السياسية والاُمور العامة والمجتمع (لا شأن لي بذلك) وهذا أكبر دليل على دخالة الناس. هذا تعلّمناه من الغدير، ولذا فإنّ عيد الغدير هو عيد الولاية والسياسة وتدخّل الناس في أمر الحكومة، وعيد أفراد الشعب والاُمّة الإسلامية، ولا يختصّ بالشيعة، ويجدر بجميع الاُمة الإسلامية أن تعتبر هذا اليوم عيدها، كما هو عيد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وشيعة أمير المؤمنين يحتفلون بهذا العيد بشكل خاص. أسال من الوجود المقدّس لولي العصر (أرواحنا فداه) في هذا اليوم أن يرعى جميع الاُمّة الإسلامية على الخصوص شعبنا العظيم والشيعة في العالم، وأن يرضى عنا، وأن يشفق علينا ويشملنا بأدعيته الزاكية.
|