كلمة القائد بمناسبة اختتام مهرجان الصحافة الثالث -

6/5/1996(الموافق: 13 ذي الحجة 1416 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

مرحباً بكم أيّها الاُخوة والأخوات الأعزاء..

إنّه اجتماع جميل ذلك الذي يحضره ذوو المعرفة والثقافة وأصحاب الأقلام والفكر، وإنّني لأشعر بالارتياح حينما ألتقي أحياناً بهذه المجاميع وكأني أخرج من جوِّ العمل اليومي المتعب لأدخل جوّاً آخر. طبعاً كان الأحب لي أن ألتقي الاُخوة والأخوات مسؤولي ومديري صحف البلاد ومن بأيديهم الجزء الأعظم من ثقافة البلاد ويلعبون فيها دوراً بنّاءً من قريب ولأسمع منكم أكثر ممّا اُحدّثكم، ولكن للأسف لم يتسنَ ذلك، ويا حبذا لو أنَّ أخانا العزيز السيد مير سليم كان قد مهّد الاُمور بشكل يمكننا من الحصول على مثل ذلك اللقاء.

قبل البدء بالحديث يجدر بي أن أشكر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي والمتصدين لهذا المهرجان، فقد تصدّت وزارة الإرشاد لعمل ضروري ومفيد.

طبعاً ينبغي إكمال هذا العمل وإحكامه حتى نحصل على النتائج المتوخاة منه، وإن شاء اللّه سنلمس تلك النتائج في صحف البلاد.

إنّكم من أكثر طبقات المجتمع جديّة، وإنّ تواجد ذوي الأقلام والكتّاب الذين يقرأ الناس كتاباتهم تواجد مؤثر ونافذ وبارز بين الطبقات المثقفة في المجتمع.

إنّني أرغب في الحديث معكم بشكل جاد وصريح وصادق لا كمسؤول فقط، وإنّما بوصفي عنصراً ثقافياً تحمّل مسؤولية أعمال صحافية في بعض المراحل، وكانت لي نشاطات مباشرة في مختلف مجالات الصحافة، فأود أن اُحدّثكم قليلاً في هذا المجال الذي هو من المسائل الأساسية والمهمة.

 

دور الصحف:

الأمر الأوّل حول موقع الصحف، إذ هناك تساؤل يقول: ما هو دور الصحف في نظام الجمهورية الإسلامية؟ هل هي زائدة قد أقحمت نفسها وصارت من الكماليات؟ أو أنّ لها دوراً حقيقياً ومؤثراً وبنّاءً لا يمكن تجاهله؟

في رأينا أنّ الثاني هو الصحيح، فنحن نرى أنّ الصحف ليست شيئاً كمالياً وتشريفياً، لذا فإنَّ ازديادها وتنويعها وتطويرها وتصحيح أخطائها - إن كانت هناك أخطاء - من اُمور النظام الأساسية.

لماذا وما هي الخصوصية الموجودة في نظام الجمهورية الإسلامية؟

الخصوصية أنّ نظام الجمهورية الإسلامية نظام جماهيري. ولا يمكن لأحد إنكار ذلك حتى المخالفين، إذ أقصاه أن يُخطّئوا الشعب ويقولوا: إنّه لا يفهم جيداً، فتعايش بإخلاص مع المسؤولين والنظام؛ حيث لا يمكن إنكار إخلاص الشعب لهذا النظام، وهذا شيء واضح. فهو نظام جماهيري، ولا يمكن للنظام الجماهيري أن يتقدم إلا بوعي الجماهير.

وأمّا النظام الدكتاتوري وغير الجماهيري، والنظام الذي قام اثر انقلاب عسكري والنظام المفروض على الشعب لا يولي اهتماماً للجماهير وأفكارها، ولا شأن له بوعي الشعب وعدم وعيه - سواءً في الموضع الذي يحكم فيه السيف أو في الموضع الذي يحكم فيه المال، بلا فرق - فبمجرد حصول مخالفة وعداء مع هذا النظام فسيمكن حله إمّا بالسيف أو بالمال، ولا شأن له بإرادة الشعب؛ ولذا فإنَّ هذه الأنظمة لا تهتم بوعي الجماهير، سواء علمت أو جهلت، مثلما قال المسؤولون التافهون في عهد النظام السابق: على كل من يخالفنا أن يغادر هذه البلاد. إنّهم يواجهون الناس بهذا المنطق، وطبعاً يذكرون أحياناً اسم الناس رياءً وتظاهراً لا حقيقةً.

إنّ النظام الجماهيري - الذي يشارك الشعب في بنائه - لا يستغني عن وعي الجماهير، وعليه أن يوعّي شعبه ويمنحه القدرة على التحليل وأن يُشبعهُ بالمعلومات والمعارف الضرورية والمفيدة. ولا نريد بذلك الإعلام الذي يزود الناس بما عنده بشكل رتيب، بل لابدّ من جعلهم أصحاب استنتاج؛ ليدركوا أنّ هذا النظام مفيد لهم. إنّ الوعي ضروري لمثل هذا النظام كضرورة الماء والهواء للحياة، لذا فإنّ نظامنا بحاجة إلى توعية الجماهير.

إذن اتضح دور الصحافة السليمة - لا الصحافة التي تساند الحكومة بالضرورة والتي سأذكرها في التقسيم الذي سأطرحه -. الصحافة التي تسلك الطريق السليم ولا تلجأ إلى العناد والخبث وتتحرك لصالح النظام في أيّ مجال كتبت فيه، سواءً السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو القضايا الخارجية، لماذا؟ لأنّها ترفع من وعي الشعب. هذا هو موقف الجمهورية الإسلامية من الصحافة.

لذا فإنَّ هذا الكلام موجّه لمخاطَبَيْن: الأوّل الحكومة إذ عليها أن تأخذ مسألة الصحافة بجديّة، وبحمد اللّه أرى الاُخوة يأخذونها بجدية، ولذا فإني أشكر الاُخوة القائمين على المهرجان. وإذ اُريد الاطلاع على جزئيات المهرجان  - ذكرت الآن للسيد مير سليم أنّ النشرة اليومية للمهرجان جيدة وقد زودتني بمعلومات عن المهرجان - لأننا نهتم بالمسائل الدقيقة. وعلى أية حال فإنَّ الحكومة مضطرة للمساهمة في الصحافة سواء على نحو الدعم المادي أحياناً كإعطاء الحصص والمساعدات من قبل أقسام الدولة أو الدعم المعنوي والذي هو أهم من الدعم المادي والمساعدات المختلفة.

والمخاطب الثاني هم الصحفيون فعليهم أن يخرجوا العمل من نطاق التفنن، فالصحافة عمل جاد وأساسي وضروري لهذا الشعب، وهذا الشيء ذكرته في الأمر الأول ويمكن متابعته ودراسته بشكل واسع.

 

الوضع الراهن لصحافة إيران:

الأمر الثاني أنّنا نُسأل - وهذا السؤال قد يُعرض على كل شخص -: هل أنتم راضون عن الوضع الراهن لصحافة إيران أو لا؟ ولو أردت أن اُجيبكم في هذا الاجتماع الخاص عن ذلك لقلت: كلا، لست براضٍ. لماذا؟ لأنّ محتوى الصحف لا يتناسب مع تاريخها في هذه الدولة.

لاحظوا، فهذه نقطة مهمة، إذا أردنا تقييم أي ظاهرة فلابدّ من مراجعة تاريخ تلك الظاهرة، فأحياناً وإن كانت الظاهرة لها بعد تاريخي إلاّ أنّها وصلتنا حديثاً، فبديهي أن لا نرتقب منها الشيء الكثير، وأحياناً تدخل الظاهرة بصورة ضعيفة أو أنَّ الذي أدخلها غير كفؤ، فلا يمكن أن نتفاءل بها كثيراً، ولكن أحياناً تكون الظاهرة ذات عمق تاريخي وقد دخلت بشكل جيد، والصحافة من هذا القبيل، وسأوضح ذلك.

الصحافة مستوردة طبعاً، أي أنّها من الاُمور الإيجابية التي أخذناها عن الغرب. تحدثت يوماً ما بشكل تفصيلي حول التبادل الثقافي والذي يقابل الغزو الثقافي، وأحد مصاديقه الصحافة، فقد كانت لهم سابقة كبيرة في مجال الصحافة.

لقد دخلت الصحافة إيران في أواخر عصر ناصر الدين شاه وبدأت نشاطها وبلغت ذروتها في عصر الدستورية (المشروطة) إذ تزايدت بالتدريج في عهد مظفر الدين شاه. وحينما ينظر الإنسان للصحافة آنذاك يجدها خلافاً لتيار التنوير - وقد ذكرت مراراً أنّ التنوير الفكري في إيران قد ولد مريضاً - لم تولد مريضة.

إنّ الذين أدخلوا ظاهرة التنوير الفكري بمعناها الغربي والاُوروبي لم يكونوا نزيهين، مثل "الميرزا ملكم خان" أو أفضلهم كـ "تقي زاده" التي لا زالت كلماته القصار تقرع الآذان وفيها رائحة التخاذل. إنّ التنوير الفكري أساساً لم تولد سليماً في إيران؛ لذا فإنّ التنوير الصالح والمخلص - من خصوصيات التنوير هي الإخلاص بمعناه المعروف عندنا - طوال السنوات الغابرة كان حائزاً على هذه المعاني حقيقةً، ولكن في الوقت نفسه فإنّ تيار التنوير لم يَغدُ تياراً يمكنه التعايش مع الشعب الإيراني ويأنس به ويتعلم منه ويعلّمه، بل أنّ تيار التنوير لم يبدِ تجربة صالحة في الكثير من القضايا.

نعم، إنّ البعض قد دخل الساحة إنصافاً بشكل جيد وضحّى في هذا المجال كثيراً، فمثلاً في عهد الدستورية كان المنوّرون أحد التيارين المؤثرين فيها، والتيار الآخر هم العلماء - إذا أخرجنا العلماء عن الجماعة المتنوّرة -، ولكن بعد الدستورية ظهرت تلك الإشكالات المعروفة في تيار التنوير. على أي حال لا اُريد الخوض في موضوع التنوير.

حينما تنظرون إلى صحف عصر الدستورية وما قبلها بقليل تجدون أشياءً كثيرة، فقوة المطالب وقوة الانتقاد الساخر والأقلام القوية والأدب الراقي والإخلاص للبلاد موجودة بأجمعها فيها. وبعد مضي حوالي تسعين سنة عليها حينما نلقي نظرة عليها نجد فيها مطالب ليست قديمة حتى في وقتنا الحاضر. فقد صادفت في صحيفة نقداً ساخراً قوياً لأمين السلطان - بعد مقتله طبعاً - فتعجبت ! وقلت: نقد ساخر بهذه الجودة وقبل تسعين سنة ومن كاتب غير معروف كثيراً ! فهل نقدنا الساخر قد تطور بمقدار تسعين سنة من ذلك الحين؟ لا يمكن للإنسان أن يجيب واثقاً بالإيجاب.

الشيء الآخر هو الذكاء في عرض المطالب، وهناك أيضاً نموذج آخر شاهدته في واحدة من صحف عهد الدستورية يعود إلى الفترة التي عُزل فيها (علي خان أمين الدولة) عن الوزارة واُقعد في بيته في رشت - يظهر أنّه كانت هناك إشاعات ضد أمين الدولة وكان مخالفوه هم المتصدين للحكم -، فكتب أمين الدولة رسالة إلى صحيفة برورش [التربية] - بحسب الظاهر هذا هو اسمها فأنا بعيد العهد بها ولم أرها حديثاً - يدافع فيها عن نفسه ولكنّه لم يوقعها وإنّما ختمها باسم مجهول، وكان الكتّاب يعرفون كتابة أمين الدولة القوية والبليغة فقد كانت كتابته مرموقة بين رجال العهد القاجاري، وربما كان أحسنهم جميعاً، فتعرف مدير الصحيفة على كتابة أمين الدولة وعلى ضوء ذلك أجاب عليها، ويبدو لي أنّ هذه الكتابة كانت ذكية وجذابة بحيث أثارت دهشتي.

هذا هو صحافتنا، طبعاً إنّ الهراء والتشهير والتسقيط وفرض الأشخاص كان موجوداً في الصحف آنذاك، وهذا من بين نقاط الضعف الكبيرة فيهم ولكن توجد أيضاً مثل هذه النقاط الإيجابية.

إذن لدينا سابقة بحوالي مائة سنة في الصحافة - طبعاً لا اُريد أن أذكر أول جريدة وإنّما أذكر العهد الذي انتشرت فيه وشاعت بين الناس صحف عديدة في تبريز ورشت واصفهان وطهران ومشهد حيث مضى على ذلك حوالي مائة سنة - لكننا أعزائي لم نتقدم بمقدار مائة سنة ! وهذه خسارة، في حين أنّنا في الاُمور الاُخرى التي استوردناها أيضاً من اُوروبا قد حصلنا على تقدم كبير. إنّنا الآن حينما نقارن مجلاتنا وصحفنا بمجلات العالم المعروفة نجد أنّنا متخلّفون عنها سواءً من الناحية الفنية أو نوعية المطالب أو احتوائها على المواضيع البليغة والعميقة والتحليلات والنظرة الشمولية! لماذا؟.

أجل، إنّ بلادنا متخلّفة عن الغرب في الصناعة والتكنولوجيا والعلم الحديث، ولكننا لسنا متخلفين عنهم في ثقافتنا الوطنية، فلا نقص في أدبنا وشعرنا ونثرنا. فلماذا نبقى متخلفين؟ أنا لست راضياً.

طبعاً يلقي كل واحد الآن بالتبعة على الآخر، فالبعض يقول إنّ الدولة لم تساعدنا، وبعض يقول: لقد مارستم عملاً سياسياً، والآخر يقول شيئاً آخر ! مع أنّنا لا نبحث عن المقصّر، وإنّما نقول: هذا هو الواقع، وعلاجه مسؤولية من؟

على اُسرة الصحافة والمتصدين رسمياً للصحافة في الدولة - أي وزارة الارشاد - أن تفكّر في هذا الفراغ، أي إذا تعرض المهرجان إلى هذا المطلب فقط وهو التعرف على طرق التطوير الكيفي للصحافة في البلاد وأن يفكّر البعض في ذلك فهذا مناسب حسب تصوّري، أي إذا وصل المهرجان إلى نتيجة هذه المسألة الخاصة فقط وهي لزوم التفكير في إبراز التحليلات الرصينة، وبشأن عدم الحضور الفاعل للنشرات في الاُمور العالمية، وضعف الأعمال الفنية واللغة الفارسية فهو أمر جيد.

 

صيانة اللغة الفارسية:

إنّ الصحيفة التي تدفعونها إلى القارئ هي مرجعه وميزانه اللغوي؟ إذن فمن هنا ينبغي إصلاح اللغة الفارسية. الصحيفة أهم من المذياع والتلفاز - طبعاً بالنسبة إلى المذياع والتلفاز ربما تحدّثنا حول اللغة الفارسية لأكثر من عشر سنوات بغية تطويرها ورفع الإشكالات عنها - إلاّ أنّ الصحف من هذه الناحية أهم من المذياع والتلفاز، إذ يُقتصر فيهما على السماع، بينما الصحف تبقى في المنازل ويقرأها ويدقق فيها العديد من الناس.

على أي حال هناك نقاط ضعف كثيرة، أحدها التقليد الأعمى للأعمال الغربية. قلنا إنّ الصحف الغربية أفضل من صحفنا، إلاّ أنّ هذا لا يعني أن نقلّدهم حتى في ترتيب الخطوط العريضة، فمثلاً يتقوّم نظام اللغة الانجليزية بالتقديم والتأخير في مفردات الجملة وهذا يختلف عن الفارسية، وطبقاً لقواعدها يكتبون الخطوط العريضة بهذا الشكل، فأي شيء يدعونا إلى تقليدهم في ذلك؟ والأسوأ منّا في هذا المجال هم العرب، فإنَّهم يسيرون على نسق الكتابات الصحافية الأمريكية والانجليزية ويقلدونها بحذافيرها. فأي شيء يدعونا إلى اللجوء إلى هذا الاُسلوب؟

إنّ الفارسية لغة غنية وجميلة ويمكن استخدام ألف اُسلوب في اللغة الفارسية كتابةً وحواراً، فلنستفد من هذه الأساليب. طبعاً لديهم بعض الأعمال الجيدة أيضاً فينبغي تعلمها منهم كتناغم العناوين الشائع كثيراً في الصحف الانجليزية، فإنّهم يستخدمون عناوين متناغمة - سجعهم في بداية الكلام وسجعنا في نهاية الكلام - وهو جيد. ويجدر بالإنسان أن يقلّد الأعمال الجيدة، والذي لا يجوز هو التقليد الأعمى.

 

تقسيم صحف البلاد:

الأمر الثالث هو تقسيم صحف البلاد حسب علاقتها بالنظام. وهذا التقسيم إنّما هو لأجل الجو العام للصحافة ولأجل الترشيد العام للصحافة.

وهذا أمر ضروري، وإلا فلا اُريد الإشكال والاعتراض على أحد - على الأقل حالياً لا اُريد ذلك -، فمن هذه الناحية يمكن تقسيم الصحافة إلى ثلاثة أقسام:

الأول: يرتضي النظام ويتفق معه، لا بمعنى الاتفاق معه في جميع الاُمور، وهم شريحة كبيرة، تنقد الحكومة كما تنتصر لها وتعترض على الوزارة الكذائية ومن يدافع عنها من اللجان والأجهزة. وعلى كل حال فهم يرتضون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي هذه الشريحة - وفقاً لتقسيمها - يوجد صدق وأذواق مختلفة. وهي الأجنحة التي تبرز أحياناً إلى الساحة السياسية ذات الخطوط المختلفة، وهؤلاء كلهم يقفون إلى جانب واحد وهم الأكثرية.

القسم الثاني الصحف التي لا شأن لها بالنظام، فلا تُبدي أي مساندة للنظام - حتى ولو بذكر خبر واحد -، وكذلك في المقابل لا تمسَّ النظام، كالمجالات العلمية والثقافية المحضة والمجلات المتخصّصة وأمثال ذلك.

القسم الثالث: المجلات التي نطلق عليها بالصحف المعاندة، وهي ليست كثيرة، من جملة الأخطاء الشائعة هي أنّ البعض يسمي هؤلاء بأصحاب الفكر الآخر، وهو كلام خاطئ جداً،فأي فكر آخر؟ واُولئك السادة يفرحون أيضاً بهذه التسمية ويقولون: إنّ النظام ساخط علينا لأنّ لنا فكر آخر - مع أنهم لا يتعرضون لسخط كثير -، لكن الكلام ليس في الفكر والفكر الآخر، إذ إن جميع الأفكار حرة في الجمهورية الإسلامية.

إنّنا نتعامل مع الأقليات الدينية وكأنهم إخوتنا وأصدقاؤنا، ولا يخطر ببالنا أنّهم يعتنقون ديناً آخر ولا يرتضون فكرنا وديننا وإسلامنا، بل نذهب إلى منازلهم، وأنا عادةً ما أزور بمناسبة رأس السنة الميلادية عوائل الشهداء من المسيحيين والآشوريين والأرمن وأجلس مع نسائهم وأطفالهم وأتحدث معهم وأتناول فاكهتهم والحلوى التي يقدمونها، ولا يخطر ببالنا أن لهم ديناً آخر.

ففي الجمهورية الإسلامية لا نبحث في مجابهة من له فكر آخر.

كلا فما معنى فكر آخر! إنّما المسألة هي مسألة العناد والإعراض والخبث، فلا يرضون بهذا النظام، ولا يكتفون فقط بعدم الرضا وإنّما يعترضون ويتمردون ويوجهون ضربتهم بمقدار الجرأة التي يمتلكونها. طبعاً لا يمتلكون الشجاعة الكبيرة ولكن يتكلمون بالمقدار الذي يقتضيه الحال، فيتحينون فرصة معينة ليلدغوا ويطرحوا سمومهم. لذا فإنّهم مغرضون.

ولكل واحد من هذه الاُمور حكم، وأنا اُريد أن يكون اجتماعنا هذا صريحاً، وآمل وأرجو منكم أن تتعاملوا بالصراحة مع الناس في مجال الصحافة. طبعاً لا أقول اذهبوا وابحثوا عن المعاندين فوراً، كلا فأنا أساساً اُعارض التشنج الفكري والثقافي، فليمارس كل واحد عمله، ولكن استفيدوا من هذا الاُسلوب وهذه اللغة في بيان المطالب إلى الناس. ونحن في مواجهتنا الدبلوماسية نذكر لهم أنّ دبلوماسيتنا صريحة - خلافاً لدبلوماسيات العالم بأسره -، على كل حال نريد أن نتحدث بصراحة.

أمّا بالنسبة إلى القسم الأول فنعتقد بأنّ الذين يرتضون النظام يتحمّلون بعض المسؤوليات، وهي لا تتنافى مع أذواقهم ومعتقداتهم الخاصة، نأمل منهم أن يعملوا بهذه المسؤوليات:

وإحداها: أن لا يجعلوا الجو الصحافي جواً متوتراً، فهذا يسيء إلى ذاك وذاك لهذا! وقد كانت لأعضاء المهرجان مقابلات في نشرة (ورقة الأخبار) - اعترضنا على السيد مير سليم على هذه التسمية، فإنّ (ورقة الأخبار) ليست اقتباساً جميلاً جدّاً، مع أنّهم لم يُعنونوها بـ "ورقة الخبر" التي هي الترجمة الدقيقة لـ "نيوز بيبر" في حين أنّه لا لزوم أصلاً لمثل هذا الاقتباس، فاعتذر بأنّ السادة إنّما اختاروا هذه التسمية لأنّ أول جريدة كان اسمها كذلك ونحن أيضاً قمنا بذلك من هذا الباب -. على أي حال ففي إحدى هذه المقابلات في (ورقة الأخبار) هذه أو على الأصح "نيوز بيبر" رأيت شاباً يشتكي في جوابه من هذه الناحية ويقول إنّ الجو الصحافي جو تنازع. وحقاً ما يقوله، فإنّ الصحف تتخاصم مع بعضها، فما شأنكم ببعضكم البعض؟ اتجهوا لأعمالكم، فواحد في الاتجاه الأول وواحد في الاتجاه الثاني وواحد في الاتجاه الثالث، فليسلك كل واحد دربه وينهمك في عمله نحن لا نرتقب منهم أن يتركوا أذواقهم من أجل الآخرين، فلكل شخص ذوق ومبنى. لكن ما نريده منهم هو أن لا يُشغلوا الأجواء بنزاعاتهم.

الثانية: هي أن لا يُضعّفوا النظام الذي يرتضونه، لا أقول: لا تنقدوا هذا الوزير أو المسؤول أو المؤسسة الكذائية أو تلك المؤسسة الثورية، كلا فلا مانع من النقد والاعتراض بالمستوى المعقول؟ وكما يقول السادة المسؤولون في الحكومة: إنه بنّاء أيضاً، حسناً ليس هذا مورد بحثنا، إنّما البحث حول النظام. فأساس كل نظام وكل حياة فردية قائم على الأمل، فلا تزعزعوا الأمل في قلوب الشعب، لا تتكلموا بشكل يجعل من الشاب أو الشيخ يرى الاُفق مغبراً ومظلماً، لماذا تقومون بذلك؟ واُفق إيران ليس مضبّباً أو مظلماً، لقد خاض هذا الشعب أنواع التجارب ولعدّة قرون، وقد نجح فيها جميعاً - ولو بعد مضي زمن طويل - فلا ظلام في اُفق هذه البلاد.

واليوم لتتجهّز أمريكا ضدنا، أو لتنشط "إسرائيل" في الساحة الدولية ضدنا، فلا نخشى ذلك، أو ليرتفع سعر تلك البضاعة فإنّه سينخفض في يوم ما أيضاً، أي إذا حصلت أزمة في أي مجال، فلا ينبغي أن يكون ذلك مسوّغاً لقتل الأمل في القلوب، فهذا غير جائز. ولا ينبغي التشكيك في الدفاع عن اُسس الثورة وفي الإسلام، فهذه المسائل تُشكّل الدعائم الأساسية للثورة، فلا تسمحوا بالتشكيك فيها من خلال المواضيع الساذجة أو المواضيع التي يدسّها البعض باُسلوب ماكر في صحفكم ! لاحظوا هذه الاُمور. الأذواق مختلفة طبعاً ولا شأن لنا باختلاف الأذواق.

وعلى أية حال من بين وصايانا إلى هذه المجموعة إشاعة الثقافة العامة والعلم وتطوير الصحف كيفاً، فإنَّ أهم شيء بالنسبة لكم أيّها الاُخوة والأخوات العاملين في الصحافة هو أن تحسّنوا أعمالكم - سواءً الأعمال السياسية أو الثقافية أو الأدبية -، إنّ الإنسان عندما ينظر أحياناً إلى صفحة الشعر لا يرغب في قراءتها، أو يرى الافتتاحية فلا يجدها مشوقة.

إذن أين جمال الكلام؟ ! وأين لطافة اللغة الفارسية؟ ! وأين فن الكتابة وأين الذوق؟! فهي لهذه الأشياء وللصحيفة، إذن اختاروا المصطلحات والتعابير الجميلة والتراكيب الجديدة، واتخذوا الفن والكاريكاتير والصور وادرجوا التحليلات الجيدة، فهذه الاُمور هي ما نريده من جميع الصحف من القسم الأول - أعم من الجريدة أو المجلة -، والتي تشكّل أكثر الصحف.

بعض الصحف يدار عن طريق الميزانية العامة، وهنا أقول: إنّ الصحف التي تدار بالميزانية العامة لا يختلف ارتباطها بالحكومة عن الصحف التي تُدار بالنفقات الخاصة، فلا يُتصور بأنّ العاملين في صحيفة (اطلاعات) و(كيهان) مثلاً يمسكون بالهاتف وينتظرون من يملي عليهم ما يكتبونه ! كلا، نعم هي صحف مستقلة، إلاّ أنَّ ارتباطها بالحكومة ومسؤوليها ومصادرها المالية - المتعلّقة ببيت المال - لا يمكن قياسها بأي وجه بالصحف الأهلية في العالم التي تموّلها الشركات وترسم لها خطوطها، على أيّة حال فهي لحسن الحظ مستقلة وتكتب لنفسها وفكرها وذوقها وإشاعة أفكارها، ولكنها تُتهم أحياناً بأنّها تابعة للحكومة وتتلقّى التعليمات منها ! وكأنَّ تلقي التعاليم من الحكومة شيء قبيح تلقيّها من العدو حسن ! - كأنّ مثل هذه المعادلة موجودة في ذهن البعض ! - طبعاً إنّها لا تتلقّى التعاليم من الحكومة ! بل غالباً ما تشتكي الحكومة عندي من السادة، والسيد رئيس الجمهورية قد اشتكى عندي مراراً من هؤلاء السادة وأنهم فعلوا كذا وكتبوا كذا. على كل حال فهذا فيما يتعلق بهذه القضية وما نريده من المجموعة الاُولى.

كما أنّنا أيضاً لا نرجو شيئاً كثيراً من المجموعة الثانية وهي التي لا تبدي رأياً حول النظام ولا شأن لها به وإنما هي فقط تختصّ بالمجال العلمي والثقافي. اعلموا - بصفتي مسؤول هذه البلاد - أنّنا لا نرجو شيئاً من هذه المجموعة وكل من يتحدث في هذا المجال عن الضغوط وأمثالها فهو كذّاب. فلتنصرف هذه المجموعة إلى عملها، وإذا دعمت الثقافة في البلاد فعلى الدولة أن تقدم لها العون، وإذا رفعت المستوى العلمي للشعب، وإذا أشاعت الأدب واللغة الفارسية فعلى الدولة أن تساعدها حتى وإن لم يكن لها شأن بنا ولزمت جانب اللامبالاة، ولا نرجو شيئاً منها.

تواجد الخبثاء في الصحف المعاندة:

أمّا المجموعة الثالثة فوضعها يختلف. طبعاً حينما قلت إنّ هذه المجموعة معاندة، لا أعني أنّنا شددنا الأحزمة لمجابهتها، كلا، فإنّ وضعها سوف لن يختلف عما كان بالأمس، وإنّما نريد بيان حقيقة المطلب العالقة في الذهن. فأولاً هناك العديد من العناصر غير المأمونة في هذه الصحف المعاندة لنظام الجمهورية الإسلامية، وإذا كان بعض الأشخاص في هكذا صحف لا يريدون الوقيعة بالحكومة فليعلموا بوجود عناصر خبيثة بين كادرهم، نعرفهم لا يمكن الاعتماد ماضيهم أبداً.

وأنا أعرف مِنْ قبل اسم وعنوان وأعمال الكثير من هؤلاء السادة، فقد كنت على ارتباط وثيق بالجو الثقافي في البلاد لسنوات طويلة، وكان لي مع أكثر هؤلاء - الذين لا يزال بعضهم في إيران وبعضهم خارجها - ارتباط وثيق وحميم، ومع بعضهم علاقة سلام ومعرفة، فإنّ أغلبهم لا يخرج عن دائرة معرفتي، وعلى الأقل أنا مطّلع على أعمالهم قبل الثورة بسنوات طويلة.

كان من بين هؤلاء من له ميول شيوعية متطرفة، ومع ذلك تعاونوا مع جهاز الساواك وتعاونوا مع فرح [زوجة الشاه] أيضاً، فهل هذا الماضي مشرّف؟ ! وهل يمكن الوثوق بمثل هذا الشخص؟

طبعاً لا يمكننا أن نأمل شيئاً من مثل هؤلاء، أي أنّ الرجاء من مثل هؤلاء الأشخاص في غير محله، وهناك حالياً في هذه الصحف أشخاص يتحدثون عن الحرية ويقولون: لا توجد حرية للكلمة ! بل وهناك كبت للكلمة، ولا يمكن التحدّث إلا بما تمليه الحكومة ! في حين أنّهم يعلمون أنّ هذا خلاف الحقيقة ! وبعض هؤلاء السادة كان يعمل في صحافة نظام الشاه، وكانوا يشاهدون ذلك الكبت الحالك ولم يبدوا اعتراضاً، بل تعاونوا معه أيضاً من خلال المدح وكتابة المواضيع والكتب والكرّاسات.

فهل يصدق هؤلاء في دفاعهم عن الحرية؟ وهل الذي رضي الكبت في عهد محمد رضا ولم يتفوّه بشيء يكون صادقاً إذا تحدّث عن المطالبة بالحرية في الجمهورية الإسلامية التي يكتب فيها كل شخص ما شاء؟ لا يدركون أنّهم يكذّبون أنفسهم بأنفسهم كالشخص الذي يتحدث ساعة كاملة ليستدل على أنه قليل الكلام، فهؤلاء من هذا القبيل، فهم دائماً يكتبون: لا توجد حرية، ويتهمون النظام شتّى التهم من قبيل: التحجّر، ضيق الاُفق، الانحياز، الغباء، الجهل بالمسائل المعاصرة، أو أنّه من القرون الوسطى، يلبس نظارة عتيقة، وغير ذلك من التعابير الأدبية والشعرية والفنية.

يتهمون نظام الجمهورية الإسلامية بمثل هذه الاُمور، وإذا كتبت صحيفة شيئاً ضدهم، علا صراخهم بأنّ الجو جو اتهام وإنّهم يتهموننا. فهل اتهام المسؤولين الذين أمضوا عمرهم في الجهاد والصعاب وتحملوا آلام ومصائب ذلك النظام الذي كنتم تتعاونون معه لا محذور فيه؟ ! والآن حينما تسلّموا زمام المسؤولية لم يستغلوها لدنياهم ! اعلموا أنّه لا يوجد حالياً أي رئيس جمهورية في العالم يعيش كعيشة السيد الهاشمي.

عندما كنت رئيساً للجمهورية سافرت إلى إحدى الدول الثورية - بحسب الاصطلاح - فوجدت أنّ سلوك السيد - الذي كان بالأمس يعيش تحت خيمة، فقد ذكر هو ووزير خارجيته أنّهما أمضيا ثمان سنوات يحملان البنادق ويعيشان داخل الخيام و... - في ذلك القصر الذي دعانا إليه وضيافته وترحيبه وذلك الجبروت الذي تقمّصه نسخة ثانية وصورة دقيقة عن سلوك الحاكم البرتغالي الذي حكم ذلك البلد قلبه.

إنّ المسؤولين في الجمهورية الإسلامية لا يأملون من أحد شيئاً، فالوزير يخرج من بيته ويذهب إلى بائع اللبن ليشتري لطفله زجاجة لبن ويقف على المخبز ليشتري رغيفين، ففي أي مكان من العالم يوجد مثل هذا الشيء؟

أذكر ذات مرة أنّ رئيس الهند قد فارق الحياة - وتعلمون أنّ رئيس الهند ليس له أي صلاحية وإنّما يتولى منصباً فخرياً ولا يرتجي شخص منه شيئاً - فكتبت صحفنا آنذاك - في عهد نظام بهلوي - أنّه كان يقوم بشؤونه بنفسه وأنّه يقطن بيتاً من أربع غرف أو خمس و... وكنا آنذاك نندهش حقاً ونقول: رئيس ويعيش بهذا الشكل ! ذلك الرئيس الذي ليس له أي صلاحية ! وإنّما هو تمثال.

والآن هذا هو رئيس جمهوريتنا، اذهبوا وشاهدوا بيته هل يحتوي على أكثر من أربع أو خمس غرف؟ أي أنّ هذا هو وضع الجمهورية الإسلامية والحكومة والمسؤولين وبساطة عيشهم. ليتحدث كل شخص بما شاء، وليسلك كل شخص الطريق الذي يرغب في سلوكه فلا دخل لشخص بعمل الآخر، ومع ذلك يتحدث ذلك السيد - الذي رضي بفجائع النظام السابق - عن المطالبة الحرية وانتهاك حقوق الإنسان.

إنّ هذه اُمور يشعر الإنسان فيها بانعدام الإنصاف، وإلاّ فإنّ صدرنا واسع وتحمّلنا لسماع كلام المخالفين في نظام الجمهورية الإسلامية كبير جداً، وهناك أدلة على ذلك وطبعاً هناك دلائل طبيعية، إلاّ أنّ الخبث وعدم الإنصاف له حدّ ! فهؤلاء مغرضون وغير منصفين، فكلما قام أعداؤنا في الخارج باتهام الجمهورية الإسلامية تشاهدون السادة يكررون نفس الاتهامات بصياغة اُخرى في صحفهم ! فإذا تحدث أولئك عن المرأة ردّدها هؤلاء ! وإن تكلموا عن حقوق الإنسان والإرهاب وعدم كفاءة الحكومة أو أنّ النظام الإسلامي نظام متحجر ومن القرون الوسطى قام هؤلاء بتكرار هذه المطالب !

لماذا كل هذا التعاون مع العدو ؟ ! ولماذا يمتعض من بلاده ووطنه ويُعرض بدناءة عن الذين بذلوا الجهود المخلصة لهذا الوطن؟ لماذا؟ فأي مرض قد أصابهم؟

أنا مندهش! فإنّهم يعرضون حتى عن المسائل الإيرانية المحضة ! فيفضّلون أعياد الكرسمس على عيد النوروز ! أفلَست إيرانياً؟ شيء مدهش حقاً ! يقول: إنّ ابني يحب الكرسمس أكثر من عيد النوروز ! إنّ ابنك أحمق، فما دام يعيش في هذا البيت فلابدّ أن يكون كذلك. أفهل عيد النوروز شيء قبيح؟ إنّ الكرسمس يقع في أول الشتاء وفي الثلوج والبرد ! أفهل هو أفضل من الربيع وأول شهر فروردين؟! ما هذا الذوق ؟ ! لماذا يصاب الإنسان بمثل هذا العمى والعناد، فيتعامل بهذا الشكل حتى مع أوّليات المسائل الوطنية ؟ ! إنّه أمر عجيب !

عندما رأيت هذا المطلب تذكرت قصيدة السيد علي خان المدني حول عيد النوروز، ويحسن هنا أن نذكر شيئاً حول عيد النوروز لأنّه من الأعياد التي نحتفي بها - خلافاً للآخرين - كثيراًْ.

إنّ السيد علي خان المدني من علماء شيراز، تعود اُصوله إلى المدينة [المنورة] أي أنّ آبائه - لعدة ظهور - كانوا يعيشون في المدينة، وقد كان السيد علي خان رجلاً عظيماً وشاعراً كبيراً وعالماً ويمكن عدّه الشيخ البهائي الثاني أو أنّه الشيخ البهائي من الدرجة الثانية - طبعاً بين الذين عاشوا خارج الوطن -، وقد عاد إلى شيراز في أواخر عمره وعاش فيها وربّما توفّي هناك أيضاً، لا أدري أين قبره له مؤلفات ضخمة وجيدة، ويعتمد الاُدباء المعروفون على أقواله دائماً.

التفتوا جيداً إنّ والد السيد علي خان من العلماء ومعروف بالسيد علي خان المدني وقد دعاه أحد سلاطين الهند وكان شيعياً ظاهراً - في دكن - فذهب من المدينة إلى الهند ومكث فيها عدة سنوات، وكان السيد علي خان فتيً فالتحق بعد عدة سنوات هو ووالدته وبقية أفراد اُسرته بأبيه في الهند وتحمل صعاباً كثيرةً في الطريق. فجهد الوالد في تربية ابنه اليافع فتركه عند المعلمين. التفتوا جيداً ! إنّ أباه قد عاش عدة سنوات في الهند، وفي ذلك الزمان كانت اللغة الفارسية شائعة في الهند، ففي عصر الغزو المغولي والتيموري بلغت اللغة الفارسية ذروتها في الهند، ولما حلَّ عيد النوروز نظّم السيد قصيدة بالعربية في مدح وتهنئة أبيه بمناسبة عيد النوروز!

أجمعوا عناصر هذه القصة، فالشاعر عربي والممدوح عربي والمكان هو الهند واللغة الشائعة هي الفارسية والقصيدة عربية يمتدح فيها عيد النوروز ! ألا يدعو ذلك إلى الفخر وإلى كونه سُنّة تاريخية؟

فلماذا ينسى الإنسان هذه الاُمور؟ ! فيأتي ذلك السيد الذي يعيش ويستنشق الهواء الإيراني فيستعيض عن النوروز بالكرسمس بسهولة ! إلى هذا المستوى من انحراف الفهم!

عندما واجهت هذه البلاد حرباً دفاعية لثمان سنوات، وعندما هاجم العراق خرمشهر والأهواز لم يذهب هؤلاء السادة ليشاهدوا ماذا حصل هناك ! ونحن ذهبنا وشاهدنا عن كثب كربلاء خوزستان حقاً، فلولا دفاع هؤلاء الشباب ولولا المتطوعين والحرس والجيش، ولولا تلك التضحيات؟ ولعمد العراق على ضم دزفول إلى العراق - كما كان هو مخططهم في اقتطاع المناطق الإيرانية النفطية بوصفها عربية من دزفول وانديمشك وإلحاقها بالعراق - أو يجعلونها إمارة جديدة كقطر أو الكويت وبذلك يقومون بتجزئة إيران كما تجزأت في العهود الجمهورية الإسلامية هكذا دوماً. إذ يمكن لأيٍّ من سلاطين العصر البهلوي والقاجاري أن يفتخر ويدّعي بحفاظه على الحدود الإيرانية.

أما القاجاريون فوضعهم معروف، وأمّا البهلويون فقد سمحوا للأجانب بأن يطأوا بأقدامهم حتى المدن الوسطى والمركزية وأباحوا لهم أعراض الناس والرجال وشرف هذه البلاد. الجمهورية الإسلامية هي الوحيدة التي وقفت ببسالة ولم تسمح لهم باقتطاع ولو شبراً واحداً.

إنّ ثمان سنوات من الحرب، وكل تلك التضحيات أمام اتحاد الشرق والغرب والناتو.. ليست مزاحاً. إنّ هؤلاء الشباب قد صمدوا وقاوموا وأنقذوا الوطن، أفلا ينبغي تمجيد هذا الإنجاز العظيم وهذا الدفاع ولو بكلمة واحدة؟ ! سواءً في صحف زمن الحرب أو التي ظهرت بعد الحرب، وهم إذا ما جاء ذكر الحرب أو المجاهدين ذكروهم باستهزاء. لماذا؟ لأنّ ذلك المجاهد ملتحٍ وهذا السيد لا يحب اللحية، هذا هو السبب فقط، أفليس هذا إجحافاً؟ ومع ذلك يتهمون الآخرين بضيق النظر !

هل النظام ضيّق النظر أم هم ؟ ! أفليس من ضيق النظر أن يتجاهل الشخص أكبر القيم - مثل هذا الدفاع - التي حصلت في حياته لمجرد أنّ هذا التعبوي متديّن، وأنَّ هذا السيد يخالف الدين ؟ ! أو أنّه ملتزم وهذا السيد لا يريد الحياة للدين والملتزمين ! هذه هي الحقيقة وللاسف ! إنَّ الإنسان ليأسف !.

أجل يتهمون دوماً وعندما يجابون، يقولون: لقد اتهمتمونا ! مع الأسف إنّ هذا الوضع غير مستساغ.

طبعاً على الجميع أن يدركوا أنّ هناك خطاً أحمراً لا يمكن لأي شخص تجاوزه، لا بمعنى أنّنا فقط لا نجيز بل العالم كله لا يجيز ذلك حتى أكثر البلدان ديمقراطية. فعلى سبيل المثال عندما شاعت أخبار التيارات اليسارية في أمريكا - ولا وجود لها الآن -، انظروا إلى ما قاسته الفئات الشيوعية وكيف كانت تنعقد اجتماعاتهم، طالعوا الروايات التي كتبها بعض الكتّاب من ذوي الميول اليسارية مثل (هاورد فاست) الذي له عدة روايات ترجمت إلى الفارسية وقد طالعتها، فانظروا ماذا كتبوا عن هؤلاء ! أو (جان اشتاين بك) وكتابه الشهير (عناقيد الغضب) أو كتبه الاُخرى، لاحظوا ما يكتبه حول وضع اليساريين الذين كانوا في أمريكا - وهي التي تدّعي أنّها مركز الديمقراطية وقبلة الذين يمسكون بمثل هذه الأقلام في إيران - وكيف أنّها لم تكن على استعداد لتحملهم، لماذا؟ لأنّ الماركسية تشكك في نظام أمريكا الرأسمالي، فلم يتحملوها، فكان هنا خط أحمر.

فمثلاً لو ظهرت حالياً جماعة في أمريكا وأخذت تتكلم وتكتب وتهتف مطالبة بتجزئة أمريكا إلى تسع وأربعين ولاية أو إلى عدة ولايات، أو أنَّ هذه الولاية الأمريكية ينبغي أن تنفصل، فكيف سيكون التعامل معها؟ أو إذا قال شخص بأنّ عدد السود في أمريكا أربعين أو خمسين مليون نسمة، فليمُنحوا دولة مستقلة أو اعطوهم جزءً من أمريكا ليقيموا حكومة لهم، فكيف ستتعامل معهُ الحكومة الأمريكية؟ هل ستنزل بحقه ما هو أقل ممّا أنزلته بحق الداووديين إذ أحرقتهم بأجمعهم في تلك العمارة؟ ! هذه خطوط حمراء.

استشكلوا على الثورة وانفوا أساسها وانفوا نظام الجمهورية الإسلامية من دون أن يعترض عليكم أحد ؟ ! بديهي أنّ هنا خط أحمر ولا يمكن تحمل هذا الشيء، وطبعاً هم إلى الآن مستمرون في ذلك وسيستمرون ولا أنوي أن اُغيّر الأساليب فيما يخص الماضي، فإننا سنعفو عن ذلك.

أنا اُشاهد الكثير من هذه الصحف بنفسي لا بصورة قصاصات وإنما اُطالع الصحيفة نفسها، واُحب مطالعة الصحف المختلفة وأقرأها في أغلب الأحيان شعراً ونثراً وقصة وتقريراً، فأجد أنّ التقارير ذات الصلة بشيء يجرونها لضرب النظام أو التشكيك به ولنظام لم يتفوّه لحد الآن بشيء، ولكن انتبهوا إلى أنَّ هذه الاُمور داخلة تحت الخط الأحمر، ومع ذلك ترى السادة يطالبون ويقولون: لأننا لسنا من الحكومة ! فما هي الحكومة ؟ ! ليس البحث في الحكومة وغيرها، إنّما الكلام في أساس النظام، أفهل يجيز لكم النظام أياً كان أن تشككوا فيه؟ ومع ذلك تحصلون على تسهيلات !

ليلتفت الشباب والصحفيون الذين ينخدعون أحياناً بمثل هؤلاء الأشخاص، إنّ الظواهر ليست هي مرماهم وغايتهم، وإنّما الأساس هو باطن القضية وهي مخالفتهم لأصل النظام، طبعاً لأجل أن لا يتخلفوا عن الركب يتحدثون أحياناً عن الشعب أو ينتقدون بكلمة ذلك النظام السابق، ويخرجون بمقارنة هي الاُخرى خاطئة أيضاً.

أي شيء تعرفونه عمّا فعله النظام السابق ! ومن الذين كان يناجزهم وبأي وسيلة يحارب وأي شيء تفوق عليه ؟ ! وأنّى لكم أن تعلموا ؟

فالغرض أنّ هذه الحالة الذي اُبتلي بها القسم الثالث وهي حالة سيئة، وطبعاً أنا في الحقيقة أتمنى إصلاح هذا الوضع، ولاننوي الإشكال والاحتدام وممارسة الضغوط، وإنّما اتمنى أن يصلح وضع هؤلاء وأن لا يبقوا على هذه الشاكلة، فالبلاد بلاد كبيرة ومهمة، ونظام الجمهورية الإسلامية والمسؤولون يعملون حقاً، والبلاد في طريقها إلى العزة والتقدّم، والعدو عدوّ حقاً، فلماذا نصغي إلى العدو؟ !

إنّ أغلب صحف العالم هي في يد الصهاينة، وإنّ الأمريكيين والصهاينة والقوى المعتدية والغاصبة ضدنا ويصرحون ضد الجمهورية الإسلامية. طبعاً إنّ الجمهورية الإسلامية لا تُعير اهتماماً لهذه الترّهات وتمضي في عملها قوية مقدامة.

الشيء الآخر يتعلق بتشكيل جمعية الكتاب وذوي الأقلام حيث رأيت إصراراً على ذلك من قبل وزارة الإرشاد وغيرها أيضاً، وهو خطوة جيدة ونحن نوافق عليه. فليتفاهموا ويتبادلوا أوجه النظر. طبعاً لا من هؤلاء المعاندين، فإنّهم حتى إذا دخلوا في مثل هذه الجمعيات سيفسدونها أيضاً لأنّهم غير ثقاتٍ، فإنّ ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم يحكي عن شيء لا يمكن للإنسان أن يعتمد عليه، ولكن يجدر بالذين يخلصون من أجل الناس وهذه البلاد وثقافتها والذين أقبلوا على الصحافة بدافع الحب والشعور بالمسؤولية، أن تكون لهم جمعية ولتقدم وزارة الإرشاد الدعم لهم لإقامة هذا الأمر بسهولة.

وأشكر ثانيةً الاُخوة والأخوات الأعزاء،فقد تفضّلوا بالمجيء، نسأل اللّه أن يوفقكم في عملكم - فهو عمل عظيم - وأن تشملكم ألطاف ولي العصر (أرواحنا فداه) لتتمكّنوا من تقديم الخدمات إلى هذا الشعب المستحق والجدير أكثر فأكثر.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته