|
كلمة القائد بمناسبة الإجتماع
النسوي الكبير في محافظة آذربيجان
17/9/1996 (الموافق: 4 جمادى
الأولى 1417 هـ).
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين.
إنّه لمشهد جميل بالنسبة لي أن أرى مختلف شرائح
نساء هذه المحافظة وقد اجتمعن في هذا الحشد الهائل المهيب. وما أراه مناسباً
اليوم لأعرضه على هذا التجمع الكبير يتلخّص في موضوعين أو ثلاثة في مجال قضية
المرأة.
الموضوع الأول: هو أنّ ثمة معضلة قائمة اليوم لا
في بلدنا - إيران - فقط، بل في جميع أرجاء العالم، وهي أنّ هناك تقصيراً وحيفاً
لحقوق وشخصية المرأة في بعض قطاعات الحياة، أي أنّ النساء يتعرضن للظلم. قد
يتصوّر البعض أنّ هذا التقصير والحيف يختص بالبلدان الشرقية أو البلدان
الإسلامية، وهذا وهم، فالظلم الذي تلقاه النساء في البلدان الغربية - مع كل ما
تدّعيه بشأنهنَّ - إن لم يفق البلدان الإسلامية والشرقية فهو لا يقل عنه.
وهنالك إحصائيات تتحدث عن الأذى الذي يلحق بالمرأة من قبل الرجال في داخل
الاُسرة سواء من الزوج أم من الأب أم من الأخ -، وقد قرأت هذه الإحصائيات
فوجدتها مثيرة وتبعث على الدهشة. إذن فهذه المعضلة موجودة في كل أرجاء
العالم وينبغي العمل لحلّها.
لا شكّ أنّ الوضع في بلدنا بعد انتصار الثورة قد
تغيّر إلى حد بعيد، أي ابتداءً من مقدّمات انتصار الثورة حيث شاركت النساء في
ميادين المواجهة السياسية الكبرى وأثبتن دورهنّ الفاعل. أقول للسيدات الكريمات
وأخواتي وبناتي: يحتمل أنّ دور حشود النساء في انتصار الثورة كان أكبر من دور
الحشود الخاصة بالرجال، أي أنّ مشاركة النساء في المواجهة العامة والسياسية
كانت متعددة الجوانب. فالرجل كان شخصاً واحداً يأتي بنفسه ويشارك في المواجهة
وفي التجمعات وفي المسيرات فحسب، ولكن حينما كانت ربة البيت تعتبر نفسها شريكة
في المواجهة وتنزل إلى الساحة، فإنّها في الواقع تصطحب معها بيتها إلى ساحة
الصراع والمواجهة، وتأتي بجميع أفراد البيت الذي فيه الرجل والمرأة والأولاد،
وتُحضرهم إلى ميدان الصراع.
وفي الحرب أيضاً، لولا صبر اُمهات وزوجات الشهداء
لواجهت الحرب مشاكل كبرى. فدور النساء فيها كان دوراً بارزاً. وهذا الدور في
المجتمع جعل نساءنا يتحلّين بالوعي والنضج السياسي، وحينما يوجد الوعي السياسي
فلا يمكن لأحد أن يفرض عليها بسهولة ما يشاء، أو يهضم حقّها. وهذا ما حصل في
عهد الثورة.
أرجو من الفتيات المثقفات والسيدات الواعيات
الفاهمات الالتفات بدقّة إلى أنّ المرأة يمكن النظر إليها من ثلاثة أبعاد؛ لأجل
أن تتضح الرؤية الإسلامية لها:
البعد الأول: دور المرأة بصفتها إنساناً في طريق
التكامل المعنوي والنفسي. وفي هذه البعد لا تفاوت بين الرجل والمرأة؛ إذ كانت
هنالك نساء جليلات وبارزات مثلما كان هنالك رجال كبار وبارزون. وفي القرآن
الكريم حينما يريد اللّه أن يضرب مثلاً للمؤمنين يضرب لهم مثلاً بالمرأة: {ضرب
اللّه مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون} باعتبارها عنصراً مؤمناً وبارزاً لا نظير
لها بين بني الإنسان، أو قلّ نظيرها بينهم آنذاك.
البعد الثاني: في مجال النشاطات الاجتماعية
والسياسية والعلمية والاقتصادية، فباب هذه النشاطات مشرع أمام المرأة بالكامل.
ولو شاء أحد حرمان المرأة من مزاولة النشاط العلمي والسعي الاقتصادي والسياسي
والاجتماعي، فإنما يتكلم خلافاً لحكم اللّه. فلا مانع من مزاولة هذه الأعمال
بالقدر الذي تبيحه القدرة الجسدية، وتستدعيه الحاجات والضرورات. والشرع المقدّس
لا يمانع في بذل الجهود الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قدر المستطاع.
ولمّا كانت المرأة بطبيعة الحال أرقّ جسدياً من
الرجل؛ لذلك فإنّ لهذه الحالة ضروراتها، وفرض العمل الثقيل على المرأة ظلم لها.
إنّ الإسلام لا يوصي بهذا، ولكنه في الوقت نفسه لا يمنع ممارسة النشاط العلمي
والجهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
طبعاً هناك رواية منقولة عن نبي الإسلام الكريم
(ص) قال فيها: «المرأة ريحانة وليست بقهرمانة» أي أنّ المرأة زهرة وليست
قهرمانة، القهرمان يعني الكادح والخادم المجد. والخطاب في هذه الرواية موجّه
للرجال؛ أي أنّ المرأة في داركم لطيفة كالزهرة ويجب معاملتها بمنتهى الرقّة،
وهي ليست خادمة لكم فتتوهمون وجوب فرض الأعمال الثقيلة عليها، وهذا أمر مهم.
بلغني تقرير ورد فيه: أنّ النساء في بعض مناطق
آذربيجان ينجزن سبعين بالمائة من الأعمال اليومية، وثلاثين بالمائة ينجزها
الرجال. وهذا ظلم وخلاف رأي الإسلام. وما يشترطه البعض - حين يبغي الزواج - في
أنّ المرأة يجب أن تعمل ولابدّ أن يكون لها عمل ودخل خطأ طبعاً. إنّ هذا لا
يتعارض مع الشريعة، إلاّ أنّ الإسلام لا يوصي بمثل هذا العمل أيضاً. فالذي
نطرحه - استناداً إلى رأي الإسلام - بمنع المرأة من ممارسة النشاط الاقتصادي
والاجتماعي، خطأ؛ فالإسلام لا يقول بمثل هذا.
ولكن من الجهة الاُخرى، فإنّ إرغام المرأة على
مزاولة أعمال ثقيلة وتكاليف شاقة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، لم يوصِ به
الإسلام أيضاً. رأي الإسلام رأي وسط؛ أي أنّ المرأة إذا كان لديها الفراغ
والوقت، ولا تمنعها تربية الأطفال، وكانت لديها الرغبة والاندفاع والقوّة
والقدرة وأرادت الدخول في مجال النشاطات الاجتماعية والسياسية أو الاقتصادية،
فلا مانع من ذلك. ولكن أن تُرغم ويقال لها: يجب أن تتخذي لك عملاً، وتعملي بهذا
القدر يومياً ليكون لك دخل وتشاركين بقسم من دخل الاُسرة ونفقاتها، فهذا أيضاً
ممّا لم يطلبه الإسلام من المرأة، وهذا يعد نوعاً من الفرض على المرأة.
ذكرنا إذن في البعد الثاني - حيث مجال النشاط
العلمي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي وما شابه ذلك - بإيجاز أنّ الإسلام لا
يجيز فرض شيء على المرأة أو إرغامها عليه، ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي إغلاق
الطريق بوجهها.
إذا أرادت النساء الدخول في النشاطات الاجتماعية
والسياسية، فلا مانع من ذلك، كما أنّ النشاط العلمي - بطبيعة الحال - محمود
جداً وله الأرجحيّة. إنّني اُوصي العوائل بالسماح لفتياتها بالدراسة. ولا
يتوهمنَّ أب أو اُم - من باب التعصب الديني - بوجوب منع الفتاة من مواصلة
الدراسة العليا، كلا، فالدين لم يأمر بمثل هذا، وهو لا يفرّق في اكتساب العلم
بين البنت والابن. فإذا كان ابنكم يدرس الدراسات العليا، دعوا ابنتكم أيضاً
تواصل دراستها العليا. دعوا فتياتنا يدرسن ويكسبن العلم والوعي ليقفن على شأنهن
ويعرفن قدر أنفسهن وليدركن مدى عقم وتفاهة وخواء دعايات الاستكبار العالمي حول
المرأة. ومثل هذه الاُمور يمكن إدراكها في ظل الثقافة.
فأكثر فتياتنا تديناً وثورية وعفّة وإيماناً
اليوم، هنَّ من بين الشرائح المتعلمة. أمّا المتعلقات بشؤون الزينة والبذخ، ومن
يبغين الانسياق الأعمى وراء النموذج الغربي في نمط الملابس وطراز الحياة فهنَّ
على الغالب فارغات من الثقافة والمعرفة والمعلومات الكافية. ومن لديه معلومات
كافية يمكنه التحكم بسلوكه، والانقياد لكل ما هو حق وحقيقة وجميل.
وعلى هذا ينبغي أن تكون جميع الطرق مفتوحة في
المجال العلمي ليتاح التعلّم للفتيات حتّى في القرى. اُوصي الآباء والاُمهات
بالسماح لبناتهم الصغيرات بالذهاب إلى المدرسة للتعلم، وإذا كان لديهن
الاستعداد والرغبة فليكملن مراحل أعلى من الابتدائية حتى يبلغن مراحل الدراسة
العليا والدراسة الجامعية ليصبحن من جملة الناس المتعلمين والمثّقفين في
مجتمعنا الإسلامي.
البعد الثالث: ينظر إلى المرأة بصفتها عضواً في
الاُسرة، وهو الأهم من كل ذلك. أيّها الأعزّة، لم يعطِ الإسلام الرجل إذناً
بالتسلط على المرأة وفرض شيء عليها. قد جُعلت للرجل حقوق محدودة في الاُسرة من
باب كمال الحكمة والمصلحة، وكل من يوضّح له ذلك يؤمن حتماً أن قد جُعل للمرأة
في مقابل ذلك ومن باب المصلحة حقوق أيضاً.
لكل من المرأة والرجل خصائص وطباع وغرائز خاصّة
به. ولو استثمرت تلك الطباع الخاصة بالرجل والمرأة بشكل سليم فإنّهما يشكّلان
في الاُسرة ثنائياً متكاملاً ومتجانساً ومنسجماً. ولكن التوازن يختلّ إذا تمادى
الرجل، وكذا الحال إذا تمادت المرأة.
الإسلام جعل في الاُسرة جزأين شبيهين بمصراعي
الباب، أو كالعينين في وجه الإنسان، أو كرفيقي السلاح في خندق صراع الحياة، أو
كشريكين في دكان واحد، لكل واحد منهما خصائصه، وطباعه، وخصاله، ولكل منهما
جسمه، وروحه، وفكره، وغرائزه، وعواطفه الخاصّة به. للمرأة خصائصها، وللرجل
خصائصه. ولو عاش هذان الجزءان بنفس تلك الحدود والموازين التي عيّنها الإسلام
فسيشكّلان اُسرة خالدة، وعطوفة، ومباركة ونافعة.
وفي العالم الغربي تتميّز الاُسرة - اليوم -
بأنَّ بناءها في غاية الوهن، وتعاني فيه الاُسرة من التفكك، والمرأة بالذات من
أعباء العمل. فإذا اضمحلّت العائلة لا سمح اللّه، فإنّ كلاً من الرجل والمرأة
يقع في الضياع والحيرة والشقاء، إلاّ أنّ المرأة لأكثر شقاءاً. وفي العالم
الغربي تواجه المرأة مثل هذا الشقاء. لأنّ نَظم الاُسرة ينفرط بسهولة فتتلاشى
وتزول. في بعض الأحيان تكون المبادرة من المرأة إلاّ أنّها هي التي تتحمل
النتائج المريرة.
القضية المهمة - كما ذكرت - هي أن يعيش هذان
العنصران وهذان الموجودان - مع مالهما من خصائص - بانسجام وتعايش مشترك في نطاق
الاُسرة، إلاّ أنّ أحدهما أرق جسماً والآخر أقوى وأشد. فإذا لم يحمِ القانون
المرأة فقد يحيف عليها الرجل. ولهذا فإنَّ على القانون واجبات ثقيلة جداً
لحماية النساء اللاتي كوّنّ اُسراً، وفي إطار أجوائهن العائلية. وهذا ما يجب
علينا متابعته بجد في بلدنا. وهذه أيضاً نقطة اُخرى.
بطبيعة الحال حصلت بعد الثورة إصلاحات كثيرة في
قوانين الزواج وقوانين حماية الاُسرة، إلاّ أنّ هذا لا يكفي. وما نوصي به جميع
المسؤولين - سواء من هم في المجلس، أم في أجهزة الدولة، أم الذين يرتقون منابر
الوعظ والخطابة، وحتّى النساء أنفسهن - هو وجوب الحماية الأخلاقية والقانونية
للمرأة، لكي لا يتاح للرجل ظلمها في الجو الاُسري.
وهذه هي النقطة الأساسية التي قدّم الإسلام
بشأنها أهم إنجازاته، وهي القضية نفسها التي جعلت المرأة في العالم الغربي
تعاني من وطأة المظلومية الشديدة.
البعض ينظر إلى ظواهر الاُمور، ينظر إلى البيئة
الاجتماعية في الغرب، فيرى أنّ النساء يمشين بلا وجل، فيتصور أنهنَّ يتصرفن
أيضاً في داخل الاُسرة بلا وجل. إلاّ أنّ هذا التصور خاطئ، ففي محيط الاُسرة
تلقى المرأة الكثير من الظلم؛ والإسلام يحول دون هذا. وإذا كان في مجتمعنا نقص
في هذا المجال فلابدّ من التصدي له، ولابدّ أن تتم الحماية القانونية للمرأة
بكل قوّة. طبعاً توجد في البيئة الاجتماعية نشاطات تكون المرأة أكثر كفاءة
فيها. ولا بأس أن اُشير إلى هذا الجانب بمناسبة يوم الممرضات؛ فإحدى تلك
المسؤوليات هي مسؤولية التمريض، حيث كانت النساء منذ السابق أكثر نشاطاً من
الرجال فيها. وهو عمل فائق الأهمية وله قيمة رفيعة.
أيتها السيدات الفاضلات وأيتها الأخوات الكريمات،
المهم هو أنّ الإسلام اليوم متأهب بقوانينه ومعارفه لحماية جميع الشرائح
الاجتماعية في بلدنا، من النساء والرجال، الريفي والحضري، وجميع الطبقات وخاصة
الضعيفة منها.
وفي جانب آخر، فإنّ النظام الإسلامي والأحكام
الإسلامية متأهبة اليوم للدفاع عن المظلومين في جميع أرجاء العالم. وانطلاقاً
من هذه الرؤية دأب الاستكبار اليوم على التآمر ضد الجمهورية الإسلامية. وقلّما
يمضي شهر لا يكون فيه الاستكبار بكل أجهزته ومؤسساته وشركاته، وبكل الأدمغة
المأجورة ودوائر التخطيط لديه - التي دأبها التخطيط للتآمر على الشعوب
والحكومات الحرّة - بصدد التآمر وتوجيه ضربة لنظام الجمهورية الإسلامية، وهذا
النهج متواصل اُسبوعياً وأحياناً يومياً وبشكل مستمر.
وبفضل اللّه فقد حبطت واندحرت جميع مساعي
الاستكبار المناوئة للجمهورية الإسلامية؛ بفعل هذه التجمعات، وهذا الانسجام
والتلاحم، وبسبب ما يتحلّى به النساء والرجال - بحمد اللّة - من وعي في بلدنا،
وقد تمرغ أنف الاستكبار بالتراب مرّات ومرات في ساحة المواجهة مع هذا الشعب
العظيم.
وفي هذا المجال كان الدور الأوفر لوعي ومشاركة
الشعب في الميادين المهمة اجتماعياً وسياسياً.
وكان لكُنَّ أنتن السيدات - ولا زال - تأثير فاعل
في هذا الصدد. اليوم توجد وبحمد اللّه جامعات وحوزات علمية في جميع أرجاء
البلد، والفتيات يدرسن في الحوزات العلمية وفي الجامعات ويكسبن العلوم والوعي
في المجالات المختلفة. وما دامت هذه الروح الشابّة، المتحمّسة، الواعية، والتي
تتميز بالإرادة والمحبّة موجودة - وهي بحمد اللّه كثيرة في مجتمعنا - فلن يقدر
الاستكبار وأمريكا وأعداء هذا الشعب صغاراً وكباراً على ارتكاب أية حماقة.
اُوصي أخواتي وبناتي العزيزات بالاستزادة من هذا
الوعي. ويجب أن تعتبر النساء أنفسهنّ مكلّفات اليوم كالرجال بالاهتمام بالكتب،
والمطالعة، والدقّة، والتحقيق، والدراسة، والخوض في القضايا موضع الابتلاء
اليومي، والاهتمام بالشؤون الدينية التي هي من جملة الواجبات الحتمية
والبديهية. أنتن اللاتي تربّين الأولاد الصالحين، وأنتن اللاتي تشجعن أزواجكنّ
على دخول الميادين الصالحة، الكثير من النساء يجعلن من أزواجهن من أهل الجنّة
ويستنقذنهم من مشاكل الدنيا والآخرة.
أدعو اللّه أن يشمل الجميع بلطفه وفضله، وأشكر
واُشجع جميع الأخوات الكريمات اللاتي قدمن من أماكن قريبة وبعيدة لتشكيل هذا
الحشد المهيب، فأكدّن أنّ المرأة الآذربيجانية مؤمنة ونشطة وذات عزم وجهد وهمّة
وأنّها تتمتع بالوعي الكافي. استودعكنَّ اللّه جميعاً، وأسأله أن يمنَّ عليكنَّ
بلطفه وفضله الوفير.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
|