كلمة القائد لدى استقباله الضيوف المشاركين في مراسيم الذكرى السابعة لرحيل الإمام (قده) - .

4/6/1996 (الموافق: 18 محرم 1417 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

مرحباً بالضيوف الأعزاء سواء القادمين من البلدان الاُخرى أو الذين تحمّلوا مشقّة السفر وجاءوا إلى هنا من مختلف أرجاء بلدنا أو من مدينة طهران، واجتمعوا في هذا المكان، عسى أن يكون وجود كل واحد منكم ووجود كل واحد من أبناء الشعب الإيراني ومسلمي العالم مبعث سرور وبهجة لروح الإمام الطاهرة.

إنّ هذه الشعائر التي تقام في كل سنة بمناسبة رحيل إمامنا العزيز لها عدّة فوائد، من أهمّها: إحياء ذكراه وإبراز دوره؛ وذلك لأنّ الحفاظ على ذكرى هذا الرجل الفذّ وهذه الشخصية الساطعة له بركات كبرى لمسلمي إيران وسائر البلدان، وبقائه حياً في القلوب ينطوي بذاته على مثل هذه الآثار.

أنتم تلاحظون أن أشد أساليب أعداء الإسلام تأثيراً هو اُسلوب الازدراء بالشعوب الإسلاميّة والاستخفاف بها. انظروا إلى أوضاع إيران والبلدان العربية وشبه القارة الهنديّة وبلدان آسيا الوسطى وشرق آسيا وأفريقيا، وإلى أوضاع الأقليات الإسلاميّة في أوروبا وأمريكا لتلاحظوا أنّ هذه السياسة - أي احتقار المسلمين - متّبعة في كل مكان.

والتفتوا جيداً لتدركوا مدى أهمّيتها.

يتحلى المسلمون بخاصّية القدرة على تفعيل إرادتهم في حركة العالم إنطلاقاً من الأحكام الوضّاءة للإسلام وبسبب الدوافع الروحيّة والخلقية التي يغذي بها اتباعه كمقارعة الظلم، وعدم مهادنة الفساد والباطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل اللّه، وهذا المبدأ الأخير له ميدان واسع واُفق فسيح لا يقتصر على ساحة الوغى والمواجهة الجسمانيّة، بل هو متاح حتّى داخل البيت أيضاً، ويتسنّى للمرء مجاهدة أعداء اللّه في كل مكان فيما لو كانت لديه ارادة، ومعرفة بما ينبغي فعله.

هذه الطائفة من الأحكام والمعارف الإسلاميّة، ومنها: الجهاد، والأمر بالمعروف، والتصدّي للفساد والباطل، وعدم احتمال الضيم: [لا تَظلِمون ولا تُظلَمون] تجعل المسلم أينما كان - سواء كان شعباً، أم [طائفة] أصغر من الشعب إلى حد الفرد الواحد - قادراً ببركة هذه الأحكام على تفعيل ارادته في العالم المحيط به.

هذه هي الخاصيّة التي تطبع شخصية المسلم، وهذا ما يغيظ الاستعمار منه، ويجعل الظالمين يضيقون به ذرعاً.

عندما امتطى الاوروبيون سفنهم وقدموا وسيطروا على بلدان آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وغيرها من الأصقاع الاُخرى، ارعبتهم تلك المعنويات التي واجههم بها الفرد المسلم؛ فكان لزاماً عليهم اتخاذ اجراءين من أجل ابطال ما استشعروه فيه من خطر، وهما:

أولاً: اقصاؤه عن أحكام دينه، وثانياً: تحطيم معنوياته واشعاره بالوضاعة.

لاحظوا إذن ان سياسة الأعداء تركّزت طوال فترة صراعهم - الذي بلغ ذروته خلال القرن أو القرنين الأخيرين - مع الإسلام على هاتين النقطتين، وإحداهما: ابعاد المسلمين عن أحكام دينهم، والاُخرى: احتقارهم واذلالهم وكسر معنوياتهم. فماذا كانت النتيجة؟

كانت النتيجة إنّ الدولة الإسلاميّة أضحت دولاً من المرتبة الثالثة، ولا يمكن حتّى القول إنّها من المرتبة الثانيّة. وبات كل بلد إسلامي إمّا تحت الهيمنة المباشرة لأعداء الإسلام والقوى الأجنبية، وإمّا تحت سلطة عميل من عملائهم، كما هو الحال بالنسبة للعائلة البهلويّة التي حكمت هاهنا، أو بعض البلدان الاُخرى التي ابتليت بأوضاعٍ مشابهة. هكذا كان حال المسلمين.

فجاء إمامنا العزيز ووضع اصبعه على هاتين النقطتين نفسهما، وهذا هو السبب الذي جعل اسمه يجتاح العالم الإسلامي كالاعصار، إذ أنّ الدعاية والاعلام لا يتسنّى لهما وحدهما إيجاد مثل هذه المكانة لشخصٍ ما في قلوب الشعوب. وهذه هي المنطلقات التي زرعت محبة الإمام في قلوب الناس في بعض أرجاء العالم وجعلتهم يتعلقون به من غير أن يكونوا قد سمعوا باسم إيران. هذه سنّة إلهيّة وقاعدة في الوجود. ركّز الإمام (ره) على هاتين النقطتين؛ فاستيقظت ضمائر الشعوب ولمست أن طريق الخلاص هو ذا، والمثل الذي يُحتذى به هو الشعب الإيراني أيضاً.

دعا الإمام شعب إيران للعودة إلى الإسلام، منادياً أن هلمّوا واعملوا بالإسلام بمعناه الحقيقي، ولا يقتصر عملكم على المسجد والعبادات الفرديّة، بل عليكم بأداء هذا العمل على أتمّ صورة، واستلهموا نظام الحياة من الإسلام. وهذا هو الدافع وراء إقامته للجمهورية الإسلامية.

النقطة الاُخرى هي انه أحيى روح هذا الشعب وأعاد صياغتها، إذ نبّه شعب إيران وبيّن له أنه على جانب كبير من القوّة وأنه قادر على الايحاء إلى جميع الشعوب الإسلاميّة في العالم بأنّ لها من القوّة ما يتيح لها الغلبة على العدو واركاعه.

وهذا العلاج الذي وضعه الإمام أينما دخل حيّز التنفيذ وبأي مقدار كان، أفرز هذه النتيجة نفسها.

وفي بلدنا بالذات تحرر الشعب الإيراني من صفة الضعف والخنوع، وبلغ اليوم مرحلة بحيث صار لارادته دورها في قضايا العالم المهمّة، وهذا ما يقرّ به حتّى أعداؤنا.

بالأمس تظافر الشرق والغرب، واليوم تظافرت جميع القوى المهيمنة للاجهاز على حق الشعب الفلسطيني وهضمه، غير أنّ الجمهورية الإسلاميّة تصدت لهذا المشروع، والكل يؤكد في جميع أنحاء العالم على إن معارضة الجمهورية الإسلاميّة هي السبب وراء عدم تقدم هذه المسيرة. هذه ارادة الشعب الإيراني، نعم ولن تتقدم تلك المسيرة.

فالشعب الذي كان رئيس حكومته السابقة - أي الشاه الفاسد الذليل - يستشير سفارتي أمريكا وبريطانيا في شؤون حياته اليومية ويتلقى منهما الأوامر، بات اليوم في وضع لا تملك معه لا أمريكا ولا أيّة قوّة اُخرى أي تأثير عليه أو على بلده. وهذا ما يجسّد القوّة الوطنية لشعب ما. هذا هو المنهج الذي اختطه الإمام الراحل وأحيى به مشاعر المسلمين.

وهكذا الحال أيضاً في مجال البناء، إذ قال: انكم قادرون على صناعة كل شيء ولديكم القابلية على اعمار بلدكم بأيديكم والاستغناء عن الأجانب وطي مدارج العلم كالآخرين، وان تكون لكم جامعاتكم المستقلة. وأنتم تلاحظون اليوم إنّ الشعب الإيراني ينجز هذه التوصيات الواحدة تلو الاُخرى، وهذا ما جرّبه الشعب بذاته.

كان هذا في داخل إيران. وفي جميع بقاع العالم الاُخرى جنت الشعوب فوائد هذا العلاج الذي وصفه الإمام، على قدر عملها به. انظروا إلى طبيعة القضية الفلسطينيّة، وإلى قضية لبنان المؤلمة وغيرها من القضايا الاُخرى ولاحظوا كم اختلف الوضع اليوم عمّا كان عليه بالأمس، فالشعب الفلسطيني استيقظ اليوم، وأصبحت العناصر الفلسطينيّة الحقيقية في داخل الأرض المحتلة شوكة في أعين المحتلين، وبقيت لا تنتظر ان يتحدّث باسمها أربعة اشخاص خارج حدود فلسطين. أصبح الشعب الفلسطيني هو الذي يتحدث ويعمل ويتحرك، باسم الإسلام.

ففي كل موضع اُستخدم هذا العلاج - أي الثقة بالنفس والاعتماد على الذات والعودة إلى الإسلام - وبأي قدر كان؛ تعرقل عمل القوى العظمى وتسارعت حركة الشعوب بنفس ذلك المقدار.

إنّ العلاج الذي وضعه أمامنا الكبير عزز مكانة المسلمين في أيّة نقطة كانوا من العالم، وجعلهم يستشعرون العزة أينما كانوا.

كان المسلمون يشعرون يوماً بالخجل من الانتماء إلى الإسلام، إلاّ أنّ المسلم يفتخر اليوم بإسلامه ويعتز بانتمائه إليه، وهذا من افرازات حركة امامنا الكبير.

وما اُريد قوله هو ان الشعب الإيراني أو الشعوب الاُخرى كلما سعت في احياء اسم الإمام وابراز ذكراه كلّما جنت مزيداً من الثمار من نهجه. لكن أعداء الإسلام والمسلمين يستهدفون طمس اسم الإمام (ره) ومحوه، أو التقليل من شأنه، فتراهم يوحون إلى أنّ هذه الحادثة التي وقعت، مرّت وانتهت، لئلا يكون لها أثر في مستقبل العالم. وأنتم تلاحظون أنهم ينتهجون شتّى السبل والأساليب لتحقيق مآربهم هذه ومن جملة ذلك الإعلام المسموم، وتحريف الحقائق، وبثّ الأكاذيب. وهذه الأنماط سارية في اي موضع يقع تحت هيمنة القوى الاستكبارية.

وفي مقابل ذلك ثمة مهام يجب على المسلمين النهوض بها؛ يجب عليهم رفع اسم الإمام واحياء ذكراه وتنوير الأفكار والاذهان بالمنهج الصريح الذي اختطه، وبيان الهدف الذي يرمي إليه، ويوضحوا أنّ أحكام الإسلام وروح الاعتزاز الإسلامي هما النقطتان الجوهرّيتان اللتان كان الإمام يستهدفهما.

وهكذا الحال في بلدنا أيضاً؛ فإن كان شعبنا يطمح إلى استكمال طريق العزّة هذا، فعليه السعي المتزايد يوماً بعد آخر لاحياء اسم الإمام وذكراه. وإذا كان الشعب يتطلّع ببركة سواعده المقتدرة وابداعه وخلاّقيّته إلى بناء إيران بشكل تغبطها عليه الشعوب والدول، فعليه الالتفات إلى تعليمات الإمام أكثر فأكثر.

لعل بعض الافئدة الغافلة تتصور أو تشيع أن خط الإمام ونهج الإمام يوفّر للناس الآفاق المعنويّة والحياة الآخرة، ولا يُعنى بإعمار دنياهم! هذا خطأ، فطريق اللّه يضمن لبني الإنسان دنياهم وآخرتهم ويجعل الحياة طيّبة ويسيرة، ويرفع عنهم الضغوط المفروضة عليهم من العدو ويخفف من وطأتها، هذا طريق اللّه، وطريق الإمام هو طريق اللّه.

لقد أدى التغلغل الأجنبي، وتسلط الحكومات الفاسدة، والحكومتين الطاغيتين البهلوية والقاجارية - وهما السلالتان البغيضتان اللتان حكمتا هذا البلد لسنوات متمادية، وفسحتا المجال أمام التغلغل الأجنبي فيه - إلى تخلف الشعب الإيراني عن قافلة العلم. وهو قادر على بلوغ التنمية الحقيقية وإعمار البلاد فيما لو استطاع الوقوف وسار على طريق تطبيق الأحكام الإلهية في حياته وقطع الهيمنة الأجنبيّة عن هذا البلد بالكامل. وهذا هو منهج الإمام (ره) ووصاياه.

بإمكان شعب إيران بلوغ العزة والرفاه والكرامة في الدنيا، والسعادة والكمال المعنوي والاخروي من خلال اتباع الخط الذي صاغه إمامه وقائده الكبير ووضعه أمامه. وقد منحه اللّه من الوقت فرصة عشر سنوات حتّى تسنّى له بيان هذا الخط للناس.

ليس في كلام الإمام نقطة خافية أو مشكوك فيها. هذا هو طريق الشعب الإيراني.

على أبناء الشعب الأعزّاء واخواني وأخواتي في جميع أنحاء البلاد ان يغتنموا فرصة الذكرى السنويّة ويستفيدوا منها ويتعلموا أن يستعرضوا توجيهات الإمام في أذهانهم ويستذكرونها، وان يجعلها كل شخص وفي أي موضع كان - سواء المسؤولين أم مدراء القطاعات التنفيذيّة أم نواب الشعب، أم مسؤولي الأجهزة القضائية، أم سائر أبناء الشعب - منهاج عمل له.

وإذا قمنا بهذا العمل، سينال هذا الشعب عندها رضى قلب ولي العصر (أرواحنا فداه) بإذن اللّه، وتتنزل علينا البركات الإلهيّة حيث قال تعالى في كتابه الكريم: [ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض]. وسيفتح اللّه بركاته على هذا الشعب بفضل هذا النهج، وبفضل التقوى، وبفضل مواصلة الحركة التي ابتدأها الإمام في هذا البلد.

أسأل اللّه تعالى أن يوفقكم جميعاً، ويُرضي عنكم قلب ولي العصر، ويُعرّف مسلمي العالم أجمع لهذا النهج أكثر فأكثر، ويعرف مسؤولي البلدان الإسلاميّة بمسؤولياتهم الخطيرة، ويردّ كيد الأعداء عن بلاد الإسلام، ويحقق الوحدة الإسلاميّة باعتبارها العنصر الداعم لكل هذا.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته