|
كلمة القائد لدى استقباله نواب مجلس الشورى الإسلامي -. 17/6/1996 (الموافق: 1 صفر 1417 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم الاُخوة والأخوات نواب وممثلو ومنتخبو الشعب العظيم الواعي، مرحباً بكم. نشكر اللّه - تعالى - الذي منَّ على هذا البلد وعلى هذا الشعب بلطفه وفضله بتسهيل الانتخابات ومشاركة الشعب العزيز والمجيد في ميدان هذا الاختبار والذي هداه إلى الاختيار الأصلح والأصوب. جاء تشكيل المجلس الخامس في ظروف ضيّق فيها أعداء هذا الشعب وهذا البلد حلقة هجماتهم الإعلاميّة والسياسيّة ضده أكثر ممّا مضى بقصد إضعاف الجمهورية الإسلاميّة والكيد بها. فكانوا يأملون ألا يُعقد المجلس في أوانه، أو أن تكون مشاركة الجماهير في الانتخابات مشاركة ضعيفة، أو أن تقع خلال مراحل انتخاب المرشحين اشتباكات بين أبناء الشعب، بين الخواص وبين أنصار الشخصيات المعروفة، أو أن يتعكّر صفو أجواء الوطن بسبب الانتخابات، وأن تؤدي الأحقاد على البعض الآخر إلى أن تعمى البصائر وتضمحل مشاعر الحرص. هكذا كانت أماني العدو. على كل حال ينبغي لنا التوجه إلى الباري تعالى بالشكر لعدم حصول أيٍّ من هذه الأماني؛ فقد كانت مشاركة الجماهير أوسع ممّا مضى. ومع وجود التيارات الفكرية، والاتجاهات المتباينة فقد صفا جو الانتخابات ممّا يكدّر أجواء سواها من الانتخابات في أرجاء العالم الاُخرى. ففي الأماكن التي يدّعي فيها عامة الناس وخواصهم أنّهم على قدر من التمدّن والنزاهة تلاحظون أنّهم يتقاتلون بالساطور بسبب الانتخابات وتقع بينهم حوادث قتل، ويسود بلدهم التوتر، ويبقى رهين أحداث الانتخابات إلى مدّة غير قصيرة. أمّا في بلدنا فقد اُنجز هذا الاختبار الربّاني - وبحمد اللّه - على خير وجه، وخرج الناس منه مرفوعي الهامة. وأثبت النظام الإسلامي المقدّس مرّة اُخرى كفاءته في إدارة البلد مع التحلّي بأقصى درجات النظم والانضباط والالتزام من قبل أبناء الشعب، مع إبداء أبعد حدود التفكير والتأنّي. واليوم عُقد المجلس - والحمد اللّه -، وبُتُّ ألمس من خلال متابعتي لقضاياه الداخليّة، بأنّ جميع الاُخوة والأخوات فيه - كما يتراءى للعيان - جادوّن في الاهتمام بالجوانب الضرورية في هذا البلد، وبمتطلبات الشعب، وبالواجبات الأساسيّة والحجّة الملقاة على عواتقهم - والتي تبدو أحياناً أكثر أهميّة حتّى من موضوع سن القوانين -، وهي صيانة كرامة هذا الشعب وهذه الثورة والحفاظ على الالتزامات التي يتطلبها التواجد في المجتمع الدولي بعزة وشموخ. كما أنّ ملفات التوثيق يجري إنجازها بشكل جيد، أو هي في طريقها إلى الإنجاز ليبدأ المجلس عمله الجاد قريباً - إن شاء اللّه -، وكلّما شرع بعمله أسرع كان أفضل. فالشعب في الانتظار وبحاجة إلى فعلكم. أمّا ما ينبغي ذكره لحضراتكم - مع أنّه ليس جديداً عليكم، بسبب ما تتحلّون به جميعاً من وعي لازم وفهم للمعارف الإسلاميّة، إلاّ أنّني اُشير إليه من باب التذكير - فهو أنّ تمثيل الشعب يعدّ بمثابة الاختبار بالنسبة لكم. وكل الحوادث في حياة الشخص المؤمن اختبار، ابتداءً من الحوادث البسيطة التي تواجه المرء في بيته، أو في أجواء عمله، أو مع الأصدقاء أو في المعاملات اليوميّة، وانتهاءً بالحوادث المهمة إلى الأعمال المصيريّة وحتّى إلى التوقيع النافذ، إلى الكلام المؤثّر الذي يصدر من الشخص. هذه كلها اختبارات. {ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً}. هذه خلاصة المطلب. إنّ أساس الفهم والرؤيّة الدينيّة في حياة الإنسان هي أنّه إذا نجح في مجموع هذه الاختبارات فنصيبه السعادة والفلاح، أمّا إذا أخفق فيها - لا سمح اللّه - ولم يوفّق في اجتيازها فذلك هو الخسران. وليس بين الخسران والفلاح سوى لحظة، هي رهينة بإرادة الإنسان ونيّته وهمّته، وعليكم النظر للنيابة في المجلس بهذا المنظار لا بمنظار المسؤوليات الخطيرة ذات الصيت الاجتماعي والضجيج الإعلامي، ولا بمنظار الشهرة والمهام الخطيرة والثروة والوجاهة الاجتماعيّة والنفوذ الجماهيري، بل يجب النظر إليها بمنظار الاختبار. ثمة حادثة بين أيدينا، وثمة تكليف إزاءها. ولا غموض في التكليف في أي موضع كان. ولا يمكن القول بأنّني لا أعرف تكليفي في هذه القضية، فالشريعة السمحة السهلة إذا كانت التكاليف فيها خافية أو غامضة أو معضلة فهي بخلاف الحكمة، وهذا لا وجود له. فهو إمّا أن يكون «تَبَيَّنَ الرشد» فيؤدّي، وإمّا أن يكون «تَبَيَّنَ الغي» فيُجتنب، وإمّا أن يكون «مشتبه» وعندها يكون المجال مفتوحاً. وفي حالات «المشتبه» يتأتّى للمرء تارة أن يقول لا تكليف عليَّ، إلاّ أنّ أهمية القضية قد تفرض عليه تارة اُخرى العمل كالمكلف وإن كان لا يعلم التكليف، فلا غموض في أي موضع. وفي الحالات التي يكون فيها الموضوع غامضاً يكون الحكم واضحاً. والشرع المقدّس لم يترك المكلف يتردد في فهم تكليفه الشرعي، أو يكون في ريب منه؛ إذ أنّه لا ريب فيه. إنّ الدوافع الإنسانيّة في جميع هذه الأعمال معروضة أمامه بوضوح. بعض هذه الدوافع إلهيّة ومردّها رضى اللّه (تعالى)، أمّا بعضها الآخر فلا يعود إلى رضى اللّه بل إلى رضى النفس. فإذا كنّا - أنا وأنت - لا نفهم دوافع بعضنا الآخر فكل منّا يعرف دوافعه الذاتيّة. هذه قاعدة. ولو أنّنا تصرّفنا على هذه الشاكلة لغدا مجلسنا مجلساً ناجحاً، وبلدنا بلداً متطوّراً، وطريقنا طريقاً مستقيماً وواضحاً، ولبلغنا أهدافنا، حتّى الدنيويّة منها. الأمر العجيب في المعارف الإسلاميّة - ولعل جميع الأديان على هذه الشاكلة - هي أنّها توفّق بين السعادة الفرديّة والسعادة الاجتماعيّة - على الرغم من عدم تلازم السعادة الفرديّة على الدوام مع السعادة والفلاح الاجتماعي -، من قبيل الشخص الذي يجاهد في سبيل اللّه فيستشهد وينال سعادته الفرديّة، لكنّ النهضة تخفق. إلاّ أنّ غالباً ما يتطابق هذين الخطين مع بعضهما. أي أنّ الإنسان حتّى إذا كان طالباً لسعادته الفرديّة ويعمل في سبيل اللّه لينال رضاه ويدخل الجنة، حتى وإن كان لا يقصد أمراً آخر سوى هذا، وقال على سبيل الفرض إنّني لا اعتني بشؤون البلد ولا اُبالي إلاّ بما يبّيض وجهي عند اللّه لكنّه يجلس ناظراً بعينٍ بصيرة ومعلومات وفيرة ليتأمل ويرى ما الذي يبّيض وجهه عند اللّه لكي يؤديه ويعمل به، لو أنّ هذه الحالة حصلت فإنّ البلد سيبلغ - شأنّه شأن الافراد - مرحلة الازدهار. واليوم حيث قام النظام الإسلامي - بفضل اللّه - وتشكلت الحكومة الإسلاميّة، وأصبح مسؤولو البلد من جملة أخيار الناس في الالتزام الديني ومن أهل الخبرة في هذا المجال، باتت الأرضيّة أكثر تهيّئاً ممّا سبق لانطباق هذين الخطين. إعملوا في سبيل اللّه وانظروا ما تكليفكم، وما يرضي اللّه عنكم. وابذلوا أقصى درجات الحرص لمعرفة الموضوع بحيث لا تضرب تسويلات النفس غشاءً على أبصاركم؛ لأنّكم تعلمون أنّ التسويلات النفسيّة في المراحل التمهيديّة تسدل على بصر الإنسان غشاوة، إلاّ أنّه قادر على إزاحة هذه الغشاوة من أمام ناظريه ليكون على بيّنة من أمره مع ربه ولكيلا يقع في مواطن الخطأ. وهذا ممكن للجميع. وعلينا السعي لتسير الاُمور على هذه الشاكلة، ولو أنّها جرت على هذه الشاكلة فسيكون المجلس - بلا ريب - مجلساً ناجحاً، ويتقدم البلد. {ولينصرنَّ اللّه من ينصره}، هذه آية بينة من القرآن الكريم لا إبهام فيها. فانصروا اللّه ينصركم. {والذين جاهدوا فينا لنهديّنهم سبلنا}، هذه آية مبيّنة لا تشابه فيها، فإنّ جاهدتهم للّه يهديكم السبيل. هذه الحياة تمر حتّى لو عمرّ فيها الإنسان خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة - أو أكثر أو أقل - وتخطف كالبرق. وهذه المسؤوليات تنقضي أسرع من انقضاء الحياة. إلى الأمس كان ثمة أشخاص يجلسون في هذا المجلس، واليوم تجلسون فيه أنتم، وغداً يأتي اُناس غيركم. وهذه المهمة قصيرة عمرها غير جديرة بأن يجعلها الإنسان كأصلٍ في إزاء تكليفه الشرعي - الذي هو أكبر منها - فهذه المهمة القصيرة العمر ضئيلة أمام التكليف الشرعي. وهذا هو كلامنا الأساسي معكم. إنّ المجلس - والحمد للّه - مجلس جيد، ويمكن القول تقريباً إنّ مجالسنا السابقة كانت - على العموم أو على الأغلب - على هذه الشاكلة أيضاً. فحينما أنظر إلى تركيبة المجلس، أرى فيه عناصر حسنة اجتمعت حول بعضها وهم اُناس مؤمنون، واُناس من طبقات الشعب المتوسطة من غير اُبّهة أو فخفخة بعيداً عن الارتباطات السياسيّة الموبوءة. وحتّى التيارات السياسيّة الموجودة بين اُخوتنا وأخواتنا وإن اتخذت طابع التكتّل - ونحن لا نريد الآن أن يُوقف بوجه هذا المعنى، ثم إنّ كل تكتل له شعاره وأقواله - إلاّ أنّنا إذا نظرنا إلى الواقع لوجدناهم صفاً واحداً ولهم مطلب واحد، ويفكرون بنمط واحد. وإذا افترضنا وجود أفراد شاذين وخارجين عن هذا الصف فهم قلّة قليلة حتّى إنّني استبعد وجود مثل هذه الحالة. هذا المجلس - والحمد للّه - مجلس جيّد، وعلى امتداد تاريخ هذا البلد جرّب أبناء شعبنا ولمسوا المجلس الحقيقي من بعد انتصار الثورة. ومن قبل الثورة لم يكن في هذا البلد مجلس جماهيري سوى لدورتين أو ثلاث دورات فقط؛ منها دورة أو دورتان في البدايّة، ودورة واحدة في الوسط. وحتى في تلك المجالس الوطنية التي ينتخبها أبناء الشعب، لا يختارون عادة المعلم أو العامل أو عالم الدين الذي يخدم في موضع ما، بل يختارون الأكابر المتسلّطين وأبناء الأكابر والأمراء، وحتى أنّ الشعب كان ينتخبهم بسبب التربية الخاطئة السائدة آنذاك. أمّا اليوم فالمجلس مجلس الشعب، والنواب هم نواب عن الشعب حقاً. فلا يمكن لأحد القول بأنّ هذا المجلس يضم اُناساً لا يريدون تطبيق الأحكام الإسلاميّة في هذا البلد. فأنا لا أظن ذلك، وحتّى ممثلو الأقليات الدينيّة - الذين لا يؤمنون بالدين الإسلامي كعقيدة شخصيّة - يقرون بالجمهورية الإسلاميّة. الجمهورية الإسلاميّة تعني مجموعة الأحكام الإسلاميّة وهذا هو الهدف الذي يسعى إليه النواب. لا أحد في هذا المجلس لا يريد لهذا البلد أن يُبنى بالشكل الصحيح وعلى المنهج الإسلامي المقرون بالاستقلال، وما من أحد لا يرغب في اجتثاث جذور الفقر من بين الناس، وما من أحد لا يتمنى الرفاه لهذا الشعب. أمّا في مجالس ما قبل الثورة فقد كان هناك من يقول: إذا امتلأت جيوبنا، وحفظ ملكنا، وأمنت مصالحنا، ليذهب الشعب ويفعل ما يشاء! ولم يكونوا يبالون حتّى إذا غرقت إيران، وهُدّمت البيوت، ومات آلاف الناس جوعاً. أمّا المجلس الإسلامي بعد الثورة فلا وجود لمثل هذا فيه، وعلى هذا فالجميع لهم مطلب واحد. اُخوتي وأخواتي الأعزّاء، إنّ ما يحظى بالأهميّة هو أنكم اليوم على قدر من القوة لم تكن لديكم بالأمس حينما لم تكونوا نواباً؛ وهي القدرة على سن القوانين. فالمهمة الأساسية للمجلس تتلخص في سن القوانين، ومن الطبيعي أن للمجلس مهام اُخرى حدّدها الدستور من قبيل الإشراف على شؤون الحكومة وعلى تعيين الوزراء وما شابه ذلك، إلا أنّ الأهم من بينها جميعاً هو سن القوانين والذي لا ينبغي النظر إليه كمجموعة نظم صغيرة ومتفرقة وفي معزل عن بعضها الآخر. فمجموعة القوانين التي تسنّونها - سواء كانت قوانين متفرقة، أو على شكل مشروع الميزانيّة السنويّة، أو على هيئة خطة طويلة الأجل، «خمسية» أو أطول إذا عقدتم العزم - كلها تمثل الطريق الذي سينتهجه البلد. فالطريق الذي يسلكه هذا البلد وهذا الشعب هو القانون الذي تسنّونه له. وحتى الحكومة تابعة لكم؛ فقانونكم هو الذي يلزمها بالسير في هذا الاتجاه أو ذاك. إذن فكل شيء يعود لكم. إذا طرأت في هذا البلد ظاهرة اقتصادية أو ثقافية أو سياسية تلحق الضرر بالشعب أو بالإسلام، أو تعرقل الشعب عن بلوغ أهدافه وتطلّعاته، فحلّها إنما يُنتظر منكم. وأنتم المكلفون بها. فإذا لم تبادروا لسن القانون [الكفيل بها]، فبوسع الحكومة أن تجلس واضعة يداً على يد قائلة: لا شأن لي [بهذه الظاهرة]. إنّ الحكومة لا تقف - طبعاً - مثل هذا الموقف؛ فهي عون المجلس وسنده والمنفّذة لقوانينه، وهي التي تعينه بواسطة ما تقدمه من لوائح واقتراحات وخبرات. الحكومة اليوم - وبحمد اللّه - حكومة كفوءة، والمسؤولون الحكوميون أشخاص حريصون. وأؤكد القول مرّة اُخرى إلى أنّنا طوال تاريخ إيران لم يكن لدينا في أي وقت من الأوقات مجموعة وزراء كوزراء اليوم، ولم يسبق لهذا البلد أن رأى مجموعة مدراء تنفيذيين كهذه المجموعة التي يحظى بها الشعب اليوم، ولم يسبق خلال العهود التي مرّت على هذا البلد أن وجد على رأس القوّة التنفيذية شخص - يحظى بهذا التأييد والثناء - كرئيس الجمهورية في يومنا هذا. هذه حقائق قائمة اليوم في مجتمعنا، وفي ضوئها تتضح واجبات الجميع، وبموجبها تصبح المسؤوليات أثقل. فإن لم يكن رئيس جمهوريّتنا رجل جاد وكفوء يشعر بالمسؤوليّة، وله رؤية دينيّة، ولم يكن قد جاهد في سبيل اللّه، فما جدوى القوانين التي يقرّها المجلس مهما كانت صالحة؟ فعندما ينعدم وجود المنفّذ لا فائدة من القانون. إذن فوجود المنفّذ الصالح كوجود الأيدي الكفوءة والسواعد المقتدرة. عليكم أن تحددوا الطريق وترسموا المنهج، وهكذا ينبغي أن يكون مجلس الشورى الإسلامي. لذلك - وكما عرضت في البيان الأخير على السادة والسيدات - فإنّ للدقيقة الواحدة من وقتكم ثمن كبير. ولا ينبغي إضاعة دقيقة واحدة من الوقت المقرر للمجلس سواء في اللجان أو في داخل قاعة المجلس، بل يجب العمل بجد ونشاط. إنّ المسؤولية ثقيلة حقّاً، واللّه مسائلكم يوم القيامة فرداً فرداً عمّا فعلتموه في هذا المضمار، وعن كل ما قبلتموه أو رفضتموه. فإذا وجدتم أنّ الموضوع صعب إلى هذا الحد، وامتنعتم عن التصويت، وقدمتم ورقتكم بيضاء، أو اتخذتم موقفاً محايداً، فهو سائلكم أيضاً عن سبب الامتناع عن التصويب. يجب أن تدلوا بآرائكم، فأنتم حينما توضعون موضع التحكّم، وتنصّبون في هذا المنصب لاتخاذ القرارات في قضايا كبرى، ينبغي لكم اداء تلك المهمة. وإذا لم تؤدّوها، فإنكم مؤاخذون. فأوّلاً: يجب عليكم أداؤها، وثانياً: أن تؤدّوها على أتم وجه. والمشكلة هي أنّ العمل ثقيل جداً. إذا نظرتم إلى عضوية المجلس بهذا المنظار عندها تكون كل لحظاتكم حسنات. واعلموا أن لا عبادة أفضل من العمل الذي تؤدّونه. ولا يتحسرنَّ أحدكم ويقول إنّ دخولي إلى المجلس حرمني من هذا الواجب العبادي، أو أعاقني عن الزيارة مثلاً أو العمرة. كلا، فهذا أفضل من تلك بدرجات. إذا أديتم واجبكم على هذه الصورة فهو أثقل في الميزان الإلهي من أيّة عبادة اُخرى. إنّ الشعور بالمسؤوليّة والالتفات إلى وجود الملائكة الربانيين الكرام الكاتبين «وكنت أنت الرقيب عليّ من ورائهم والشاهد لما خفي عنهم» وإلى أنّ اللّه سبحانه هو الرقيب عليكم. إذا كان المجلس على هذه الشاكلة فهو يقدّم على مدى السنوات الأربعة أفضل الخدمات لهذا البلد ولهذا الشعب. وكل عمل صالح حصل في هذا البلد من بعد الثورة فالقسم الأعظم منه إنّما هو من نصيب النواب الذين شاركوا في الدورات الأربعة السابقة وأدّوا عملهم على أحسن وجه وبذلوا الجهود الخيّرة. يجب التخلّي عن جميع الأعمال والكلمات التي يراد منها جلب نظر هذا أو ذاك أو لنيل رضى هذه الفئة أو أهالي تلك المدينة أو تلك القرية، أو لأجل أن نكون موضع قبول عند هذا التيار السياسي. أو هل نقول هذا الكلام أو لا نقوله، وهل نؤيد هذا أم لا نؤيده فهذه ليست من مهام المجلس، بل إنّ بعضها يعرقل عمل المجلس، وحتّى أنّ بعضها يقوده إلى الفشل. إذا كان بعض النواب يقدمون اقتراحاً ليحوزوا على رضى أهالي منطقتهم الانتخابية ويقولون شيدوا الشيء الفلاني في الموضع الفلاني من غير أن يكون لدى الحكومة الاستعداد الكافي أو الميزانية اللازمة، ولم يكن ذلك ضمن الخطة، فهذا لا يتسق وشأن المجلس. إذا أردتم النجاح - كما عرضت على أسماعكم - فعليكم أن تكونوا أحراراً مستقلّين. وكان هذا أحد أسباب مخالفتي لخوض الوزراء العملية الانتخابية. طبعاً هناك أسباب اُخرى منها وجوب مشاركة التيارات السياسية المختلفة في الانتخابات وفي سائر قضايا البلاد؛ إذ ليست ثمة قضية من قضايا البلاد حكر على فئة أو فكر أو اتجاه سياسي، بل يجب أن يُشارك فيها الجميع. وهذا ما لمسناه بالتجربة، وأدركنا أنّ صلاح البلد وتقدّمه رهين بهذا. لذلك قد شجّعنا أثناء التمهيد للانتخابات التيارات المختلفة على الدخول في العملية الانتخابية، وهذه الحالة موجودة على الدوام كما سنشجّع الاتجاهات المختلفة على الدخول في الميادين الاجتماعية. أمّا بالنسبة للوزراء فقد نهيناهم صراحة وقلنا: لا يحق لهم الدخول في العملية الانتخابية، وأحد الاسباب الداعمة إلى ذلك هو وجوب عدم التداخّل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. كلاهما يُعتبران - سلطة ويعملان في خندق واحد لصالح البلد، ولكن لا تؤدي كل واحدة منهما عملين؛ إذ لا يسع المرء أن يكون لاعباً وحكماً في نفس الوقت، أي موجهاً ومنفّذاً في الوقت ذاته. حينما نقول إنّ على أعضاء المجلس أن يكونوا مستقلين، بمعنى أن ينظروا وفقاً لرؤيتهم، ويستعينوا بالخبراء طبعاً، والخبراء موجودون في الوزارات وفي الجامعات وفي نفس المجلس. ونحن اليوم - والحمد للّه - لا ينقصنا الخبراء. راودتني يوماً ما بعض الهواجس بشأن الخبراء غير النزيهين. وفي الدورة السابقة جاء أعضاء المجلس إلى هنا في مستهل دورتهم، فقلت لهم ولمسؤولي البلاد ومدراء الشؤون التنفيذية بضرورة الاحتراز من الخبراء. لعلكم لا تعرفون ماهية الخبير إلاّ أنّ ورقته الاستشارية على طاولتكم. قد تجدون أحياناً على طاولتكم توقيع خبير غامض مشفوعاً بتوقيع مدير أو وزير، فلابدّ من معرفة ماهية الخبير. قد يعلل الخبير أحياناً موضوعاً ما، إلاّ أنّ صاحب العمل والمتصدّي للقضية لا يفقه الفلسفة الكامنة وراء ذلك التعليل. لقد لمسنا هذا المعنى عن كثب خلال تجربتنا الطويلة في العمل التنفيذي. وأنا حالياً اُراقب الاُمور أيضاً، واُلاحظ الأعمال التي تُحال إلى المجلس أو إلى الحكومة أو إلى القطاعات المختلفة. ونحن اليوم - والحمد للّه - لا نعاني نقصاً في مجال الخبراء، فلدينا في منظمة التخطيط والميزانية وفي الوزارات وفي المجلس نفسه خبراء صالحون ومؤمنون من أبناء حزب اللّه. تجب الاستفادة من الخبراء، إلاّ أنّ الإصغاء لرأي الخبير لغرض السهولة في اتخاذ القرار والتدبّر والتأمّل فيه شيء، وتلبية طلب مسؤول تنفيذي بشأن اللائحة والطرح القانوني وما شابه ذلك شيء آخر؛ فالثاني سلبي، والأول إيجابي. إذا كان أعضاء المجلس ولجانه هم الذين يفكّرون ويقرّرون ويصرّون على قرارهم ويجعلون الدولة تبعاً لهم عندها يوصف المجلس بالكفاءة والقدرة على إدارة البلاد على خير وجه. هذا الكلام عرضناه كرّات ومرّات على أسماع الاُخوة والأخوات الأعضاء، واُكرره الآن عليكم أيضاً. وكما سبقت الإشارة فإنَّ مسؤولي الحكومة - ولحسن الحظ - يعملون برغبة وحرص وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية. وأتصوّر أنّ بعض الوزراء يقلّب الاُمور والأعمال التي يريد إنجازها على أوجهها واحداً فواحد ليرى هل فيها رضى اللّه أم لا. والحمد للّه لدينا اليوم مثل هؤلاء الوزراء ومثل هذه الحكومة. فالمزايا التي يتحلى بها رئيس الجمهورية الحالي وكونه رجلاً مؤمناً، وعالماً، ومجاهداً في سبيل اللّه، وعارفاً بشؤون البلاد، ومجرباً، محفوظة في موضعها. ونحمد اللّه على أنّ رئيس الحكومة وكل واحد من الوزراء يتصف بهذه السجايا الكبرى. ولكن أنتم نواب الشعب، ولابدّ أن يكون شأنكم بالمستوى المرجّو منكم. وعلى كل حال، اتكلوا على اللّه، فإنّه سوف ييسّر لكم الاُمور بإذنه، ووطدوا يوماً بعد يوم معاني الوحدة والانسجام والتلاحم السائدة في المجلس حالياً. إذا كانت الاتجاهات السياسية التي تتصوّر حالياً أنّها مختلفة مع بعضها تسعى إلى أن لا يكون بينها أي اختلاف في نهاية المطاف لتكون عند ذاك في صفاء ووئام فاعلموا أنكم أنتم وبلدكم قد حققتم فوزاً عظيماً. أدعو اللّه أن يوفقكم لاتباع سبيل مرضاته، ويهدينا جميعاً لما فيه رضاه، ويمنَّ على البلد والشعب بالازدهار يوماً بعد آخر، وأن يبعث السرور في الروح المقدسة لإمامنا الكبير الذي كل ما لدينا من بركات وجوده المبارك وشخصيته الجليلة. |