|
كلمة القائد لدى استقباله أعضاء حكومة الرئيس هاشمي الرفسنجاني -. 27/8/1996 (الموافق: 13 ربيع الثاني 1417 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم أولاً: إنّ اُسبوع الحكومة فرصة ثمينة اغتنمها لتثمين جهود العاملين والمسؤولين والمتصدين للشؤون التنفيذية في البلد، وكذلك لتقديم البشائر السارة إلى أسماع المواطنين وإشاعة البهجة في نفوسهم وإطلاعهم على ما تم إنجازه، ولتهنئة أعضاء الحكومة المحترمين، ورئيس الجمهورية الموقّر، والسادة الوزراء وسائر المسؤولين الحكوميين، وأبناء شعبنا العزيز. من حسن الحظ في هذه المرة أنّ إحدى طموحاتنا وأمانينا قد تحققت هذا العام، وهي عبارة عن تبيين ما اُتيح للثورة أن تنجزه لهذا الشعب ولهذا البلد وايضاح ذلك للشعب أولاً. وكذلك بيان هذه الانجازات بالدرجة الثانية لشعوب العالم المتلهّفة المشتاقة. ومن جملة ما اُنجز من أعمال قيّمة هو هذا المعرض الخاص بإنجازات الحكومة. وياليت أنّ إقامة مثل هذا المعرض لا يقتصر على هذا الاُسبوع، ليرى الناس عياناً ما أنجزه المسؤولون وما قدّمته الحكومة لأبناء الشعب - الذين يتحدثون عن الوقوف إلى جانب الشعب وعن خدمته - وليدركوا أنّ ما يقال هو ليس مجرد لقلقة لسان وادعاءات ووعود، كالذي اعتدناه طوال سنوات حياتنا قبل الثورة من سماع الوعود فقط من مسؤولي البلد الكبار. لاحظوا أنّ الثورة تعمل للشعب حقاً، وتبذل جهودها لأجل البلد. إنّ أهم وأفضل ما يستحسن طرحه في هذا الاُسبوع وفي اجتماعنا هذا، حسب ما أرى - ولحسن الحظ قد بيّن السيد رئيس الجمهورية بعضاً منه الآن وسيتناهى خبره إلى أسماع الشعب - هو البراعة التي أبدتها حكومة الجمهورية الإسلامية ومسؤولو البلد في التغلّب على المعضلات والأزمات لفترة ما بعد الحرب. فقد اُنجز في هذا المضمار عمل كبير، وستواصلون إن شاء اللّه أيّها المسؤولون والمتصدون للاُمور العمل. لقد قدّمت الحرب لهذا البلد عطاءاً كثيراً من الناحية المعنوية، لترفد الأجيال بالفكر والمعنويات والثقافة والإيمان والتجربة الإلهية، ولكن في الوقت نفسه ألحق العدو أضراراً كبيرة ببلدنا من الناحية المادية، وإحدى خسائرنا هي أنّ البلد فقد فيها خيرة شبّانه، ثمّ إنّ الخسائر المترتبة على الدمار الذي لحق بالبلد، وهدم الطاقات والإمكانيات. والأهم من ذلك تفويت الفرصة التي سنحت من بعد انتصار الثورة لبناء البلد لأمر يستحق الذكر. لقد كانت منقبة رائعة حقاً أن تتمكن الثورة من تسيير دفّة البلد وتمشية اُموره. ففي فترة الحرب ما سنحت قط فرصة ذات أهمية تذكر في مقياس طموحات وحاجات البلد لوضع البنى التحتية، وتوفير البناء الأساسي لتنمية حقيقة وتطوير واقعي في المجال الاقتصادي والمادي. فطوال سنوات ما بعد الحرب نجحت الحكومة في إنجاز أعمال كبرى في هذا الصدد بحيث يمكن القول اليوم إنّ البلد أصبح ذا بنية تحتية اقتصادية متينة. أتذكر في أوائل فترة ما بعد الحرب حينما كنت أجلس مع مسؤولي البلد في اجتماعات إعادة البناء - وكان السيد رئيس الجمهورية في حينها رئيساً للمجلس، وبعض المسؤولين الآخرين كانوا معنا أيضاً - كان من جملة أمانينا بناء بعض السدود، وتعبيد بعض الطرق، وإنشاء عدد من المصانع الأساسية للبتروكيمياويات، والحديد وغير ذلك. لقد كانت حقّاً من جملة الاُمنيات التي كنا نسطّرها على الورق، ونبذل لأجلها الكثير من الجهود. لقد تحققت اليوم - بحمد اللّه - تلك الاُمنيات، واُنجزت هذه الأعمال، وهي طبعاً لا تُحقَّق بسهولة، ولا تُنال إلاّ بالعمل المتواصل، وبالجهود التي لا تعرف الكلل والملل، وبالإدارة الحازمة التي تحدوها الرغبة، وخاصة إدارة السيد الهاشمي شخصياً، إذ أنّه أبلى حقاً في هذا المجال بلاءً حسناً وأدار الحكومة بأحسن ما يكون. لا بدّ لي من القول واللّه يعلم وشعبنا يعلم ذلك أيضاً، إلا أنني أقوله هنا ليُسجّل - : بأنّ كل واحد منكم أنتم أيّها الوزراء المحترمون ومسؤولو القطاعات المختلفة تعتبرون شركاء لرئيس الجمهورية في هذه المفاخر، ومناقبها لكم، وثوابها عند اللّه لكم بإذنه تعالى. وكذا الحال بالنسبة لمن وقف إلى جانبكم في سنوات ما بعد الحرب وإلى الآن، وتعاون معكم. وجميع القطاعات الإدارية المختلفة، وكل العاملون والمتخصصون والخبراء وسائر أبناء الشعب شركاء إن شاء اللّه تعالى في هذه المفاخر. عندما تحصل في بلدٍ ما تنمية اقتصادية وتوسعة للبنيّة التحتية بشكل صحيح ومتين، وعندما تحدث حركة البناء في البلد بشكل واقعي، فإنّه يحظى برفعة سياسية في الداخل والخارج. أي أنكم إذ تشاهدون اليوم بحمد اللّه أنّ حكومة الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني وهذا البلد يحظى على المستوى العالمي بمكانة مرموقة، وعلى الصعيد الداخلي أيضاً، فإنّ أفواه بغاة السوء، والمنتقدين، والذامّين ومن يضخّمون العيوب الصغيرة ويتغاضون عن الحسنات، قد لجمت إلى حد بعيد - وإن كانت أفواه الذامين لا تغلق في أي وقت بالكامل؛ لأنّ أغراض السوء لا تزول على أيّ حال كان -، إلاّ أنّ هذا المعنى يصدق إلى حد كبير، ولهذا السبب لم يعُد لديهم كلام يقولونه، وكثير من الكلام الذي كان من المتيسّر قوله، وكان بالمقدور ذكره كذريعة، لم يعُد له وجود. أي أنّ التماسك السياسي منبثق إلى حد بعيد من تماسك النشاط التنموي في البلد، وقد اُنجز هذا العمل. وفي المجال الثقافي اُنجزت بعض الأعمال. ومع أنّها ليست بحجم انجازات البُنى التحتية الاقتصادية وما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، ولكن من الإنصاف الإشارة إلى أنّ أعمالاً مهمة قد اُنجزت في هذا المجال أيضاً. إنّ أول شيء اُريد التأكيد عليه كوصية لكم، هو ان لا تدَعوا هذه الجهود وحركة التنمية وبناء المرتكزات التحتية تتزعزع خلال الفترة الانتقالية التي على الأبواب. أي أنّ الحكومة - حسب المجرى الطبيعي - هي في السنة الأخيرة من جهودها. لا يتصور أحد من السادة المسؤولين بأنّه لا عمل لدينا سوى بضعة أشهر اُخرى. كلا، فلعلكم تجدون أنفسكم ملزمين بمواصلة هذه الأعمال لسنوات متمادية. ودأب المدراء الجيّدين عادة، أن يؤدوا أعمالهم بشكل متواصل، حتّى على فرض أنّهم لا يتصدون للمسؤولية، إلاّ أنّ حضورهم ومشاركتهم في الأعمال تبقى محسوسة على الدوام. لا تدعوا الوهن يعتري الأعمال هذه السنة؛ كأن تقولون إنّنا على مشارف اُسبوع الحكومة وما علينا إلاّ انجاز بعض الأعمال الإعلامية، ثم نفكر تدريجياً بتوقيف أعمالنا والتنحي جانباً! كلا، بل عليكم بالسعي، حتّى الساعة واللحظة الأخيرة من الوجهة القانونية، وأن تضعوا نصب أعينكم الحديث الشريف: «إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً». وهذا يعني أنّ عليك أن تفترض أنّك مكلف بهذه الأعمال عشر سنوات أو خمس عشرة سنة اُخرى. إعملوا بهذه الرؤية وبهذه النيّة. إنّ من جملة ما أخشاه هو أن يتسرب الوهن في هذه السنة الأخيرة إلى هذه النشاطات الجادة، فيصيبها نوع من الإضطراب. كلا، لحسن الحظ فالبلد يسير على منواله؛ فالسياسات واحدة، وطبيعة الحكم والقانون الأساسي لدينا يسير على وتيرة لا تشبه ما لدى بعض البلدان؛ بحيث إذا انتهت فترة الحكومة يتغيّر معها كل شيء، حتّى مناهجها تخضع للتغيير والتبديل. هنالك مناهج ثابتة تجري البرامج وفقاً لها، وقد أنجز المسؤولون وفقاً لهذه البرامج أعمالاً كبرى. ولهذا يجب أن تتواصل هذه المناهج وان تستمر هذه الأعمال. وبناءً على هذا فإنّ وصيّتي الاُولى لكم هي أن لا تدعوا الفتور والضعف يعتري حركة البناء هذه. بل لابدّ من أن تتواصل بقوة ومقدرة. لقد عرضت - باستمرار - على حضرات السادة قضيّة، وأرى هنا ضرورة تكرارها، بالطبع إنّكم ولحسن الحظ اُناس صالحون، ومسؤولو القطاعات المختلفة والحمد للّه ينهلون العزم من معين الثورة. ولكن في الوقت نفسه لابدّ من التأكيد على هذه النقطة، فهي صورة بداية فصل لا يُنسى ويبقى في الأذهان على الدوام، فيجب أن لا ننسى ونحن في غمرة هذا العمل الكبير الذي في رقابنا، في شتى مراحله، الأهداف والقَيَم السامية للدولة الإسلامية، ولا نغفل عنها لحظة واحدة. ولو أنّ عملنا في البناء تم في معزل عنها، هنالك خشية انحراف هذا العمل عن تلك الأهداف؛ لأنّنا بشر وإذا غفلنا قد ننحرف عن الصراط المستقيم، يميناً أو شمالاً. نفرض أنّ صبيّاً أوكل أمره إلى جماعة عاقلة ومدبّرة وحريصة لتحويله إلى إنسان ممتاز وبارز، وتربيته وتطوير شخصيّته. فلا شكّ أنّ توفير الطعام ضروري بالنسبة له، لأنّه إذا فقد الطعام لا يبقى على قيد الحياة حتّى يكون ممتازاً. وممّا لاشكّ فيه أيضاً أنّ الرياضة ضرورية بالنسبة له؛ لأنّه إذا لم يمارس الرياضة لا تبقى لديه قدرة على مواصلة العمل. ولا شكّ أيضاً أنّ التعليم والتربية ضرورية له ويجب عليه أن يدرس، وإذا لم يدرس ويصبح عالماً، لن يكون بوسعه إنجاز أعمال كبرى. ولاشكّ أيضاً أنّ السياحة والنزهة والحضور في المراكز الترفيهية ضروري بالنسبة له. أي أنّنا إذا أردنا أنّ تكون التربية تربية سليمة لا يجوز إهمال الأبعاد الدنيوية. فكيف يمكن للنظام الإسلامي الارتقاء في عالم اليوم، في حين لا توجد لدينا زراعة، ولا صناعات ثقيلة ولا معادن ولا فلزات و...الخ؟ من البديهي أن إعمار البلد لازم وضروري. ولكن يجب أن لا يُنسى ذلك الهدف في جميع هذه الأعمال التي وفرتموها لذلك الصبي الذكي ليصبح في المستقبل إنساناً ذا شأن من الوجهة المعنوية والمادية والعلمية والدينية. أي في رياضته مثلاً إذا أخذتموه إلى إحدى الملاعب الرياضية ووجدتم أنّه يتعرض هناك للانحطاط الأخلاقي، فإنّه لا يتحقق ما تصبون إليه. وكذا الطعام الذي تُقدّمونه له، إذا كان من سنخ الطعام الذي يبعث على قساوة قلب الإنسان أو يسبب له الغباء، وأهملتم ما يجب تقديمه له. وإذا كان العلم الذي ترومون تعليمه له من نمط العلوم التي لا جدوى منها لمستقبله، لا تتحقق عندئذ إمكانية بروزه كإنسان ممتاز. أعتقد أنّه يوجد الآن على صعيد البلد رأيان يُطرحان أحياناً، وكلاهما صحيح، وإن بدا أحدهما وكأنه مضاد للآخر، ومناقض له أحياناً. فحينما يدور الحديث عن التنمية والإعمار يقول البعض: تمسّكوا بالقيم، وكأنّ موضوع الإعمار والتنمية المادية والاقتصادية للبلد له درجة أدنى من الأهمية، ويُذكر اسم القيم بشكل يوحي وكأنّ بناء البلد لا أهمية له، أو له درجة أدون من الأهمية. والنقطة المقابلة لذلك حينما يجري الحديث عن القيم يقول البعض: يجب أن نبني بلدنا، فإذا لم نعمّر البلد لا نستطيع تعريف القيم إلى العالم. هذان الرأيان كلاهما صحيح. ومعنى هذا أنّ أياً منهما لا يشكل نفياً للآخر في الواقع إذ ينبغي اعمار البلد من جميع الجوانب والجهات. أي أنّ كل واحد منكم متصدٍ لقطاع من قطاعات البلد وتبذلون جهوداً واسعة، وهذه الجهود يجب أن تتضاعف. وإن شاء اللّه ستبلغ حركة التنمية التي شرعتم بها، وبلغ بعضها نتائجه المرجوة، إلى النتيجة النهائية، ولكن في جميع هذه المراحل يجب أن تبقى تلك القيم المعنوية، وما ساُشير إليه لاحقاً من موردين أو ثلاثة موارد، يجب أن تبقى في الحسبان، وإلاّ فإنّ البناء لن يبلغ هدفه الذي تطمحون إليه، ولن يكون باستطاعته أن يُبرز هذا النظام الإلهي وقدرة البناء التي يتمتع بها الإسلام والدين، والقدرة على إدارة شعب وبلد على منهجية الأحكام الإلهية. وما اُحبّذ الاشارة إليه في مجال القيم، وهو ممّا ينبغي الالتفات إليه في جميع القطاعات - والتي ربّما لا تنطوي على كل ما يجب أخذه بنظر الاعتبار، إلاّ أنّها من غير شكّ تُعد من أهمها - هي: أولاً: قضية الثقة بالنفس لدى مدراء ومسؤولي البلد. هذه قيمة أساسية في ثورتنا، إذا لم تتوفر فإنّ ركائز البناء في البلد سوف تتزعزع حسب رأيي.على جميع المسؤولين الذين يمارسون نشاطهم ويزاولون الخدمة في قطاعات البلد المختلفة، أن تكون لديهم ثقة بالنفس، وأن يستشعروا هذا المعنى، وأن تترسخ في أذهانهم أنّ الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني وعناصرنا الذاتية قادرة على الارتقاء بالبلد إلى أعلى مراتب الطموح والحاجة. أحياناً، ولربّما حتّى بعض المسؤولين، أو بعض من يمارسون الخدمة في القطاعات المختلفة، سواء في المجالات الاقتصادية، أم الثقافية أم غيرها، يولون أهمية لبعض التحليلات التي يطرحها الآخرون، حتّى وإن قد طرحها شخص عالم أو كاتب في مجلة علمية. وهذا التحليل يلفت إليه الأنظار إلى حد يسلبهم الثقة بأنفسهم، ويصرف الذهن عن البرامج المنبثقة من الرؤية الواقعية للبلد، إذ لكل بلد مقتضياته وواقعه. يجب أن نسعى لنفث روح الثقة بالنفس عند تلاميذنا بدءاً من المرحلة المدرسية، ونقويها عند طلاب الجامعات، ولدى من يدخل باب العمل حديثاً، ونبيّن لهم أنّنا قادرون بتحليلنا وفهمنا الذاتي لقضايا البلد على حلّها. ولا ينبغي إعارة أي اهتمام لما يكتبه هذا الصحفي أو ذلك المحلل الأجنبي في ضرورة أن تطوي إيران هذا الطريق مثلاً ليتسنّى لها مثلاً بلوغ مرحلة الاعمار وازالة العوائق الاقتصادية. ثمة مسائل علمية طبعاً جديرة بالاهتمام أينما حلّت وبأية لغة كانت، غاية ما في الأمر، لا يجب الاذعان لها من غير قيد أو شرط، بل الاستفادة منها تكون على طريقة القبول التحليلي، كأن يأخذ الإنسان القول ويقارنه بظروف البلد المختلفة، ثم يضعها قيد التطبيق. وعلى أيّة حال فإنّ عدم التعويل على التحليلات والآراء الأجنبية يعدّ من أهم الاُمور في مجال القيم، ويجب توفره في جميع المؤسسات. ولا تعيروا مزيداً من الاهتمام لما يقوله الآخرون عنّا. إذ لعل ما يقولونه عنّا يتفاوت عمّا يقولونه عن أنفسهم، رغم أنّ ما يقولونه عن أنفسهم لا يصدق بالضرورة على وضع حياتنا ولا ينطبق حتماً على وضعنا. نحن لدينا شعب متديّن يعيش بإيمانه الديني وبحركته الثورية، وبالاهتمام بقيمه المعنوية، وهو يولي أهمية لهذه القيم، وهذا ممّا يستدعي الالتفات. لا تنظروا إلى ما يقوله الآخرون عنكم وعن المسؤولين وعن البلد وبرامجه، بل انظروا إلى واقعنا وما هي حاجاتنا وما ينبغي لكم القيام به. الموضوع الآخر الذي يبدو ضرورياً في جميع مجالات البناء هو أنّنا اتخذنا الاعتماد على المشاركة الجماهيرية مبدءاً منذ أوائل الثورة. وكان الإمام (رضوان اللّه عليه) يوصي مراراً وكراراً بإشراك الناس فيها. لقد كان أيضاً ثمة نمط فكري آنذاك كان يُبعد الشعب تقريباً عن الميادين المختلفة. ولكنهم أدركوا فيما بعد، والحمد للّه، ضرورة مشاركة الشعب في قضايا البلد المختلفة، سواء قضاياه الاقتصادية أم غيرها من المجالات. وهكذا هو الحال اليوم، ويجب أن يكون هكذا. وضرورة كون الشعب شريكاً في أعمال الحكومة ومعاضداً ومنفّذاً ومتصدياً مبدأ مهم، إلاّ أنّ القضية الاساسية التي تثار هنا، هي أنّ نوعية المشاركة الشعبية يجب أن لا تقود إلى حصول بعض الشرائح أو بعض الأشخاص الماكرين على أرباح طائلة وأموال هائلة في حين يبقى بعض الناس في مراحل دُنيا من العيش. أي أن تحظى تلك القضية الأساسية، وهي قضية العدالة الاجتماعية والاهتمام بجميع الشرائح الاجتماعية في مختلف القطاعات، بالاهتمام المطلوب. يوجد حالياً في القطاعات المختلفة للبلد، والحكومة في الوزارات المختلفة وفقاً للقانون أو وفقاً للسياسة المتّبعة في هذه الوزارة، نوع تنسيق وتوازن في شؤون كل منها مع أبناء الشعب - وهذا أمر حَسَن لا مؤاخذة عليه -، لكن يجب أن تلتفتوا جيداً إلى أنّ إمكانيات الدولة والموجود الحكومي - الذي يتعلق بجميع الناس - يجب أن لا يكون بالشكل الذي يؤدي إلى تضخيم الثروات، وفي مقابل ذلك - وهو ما يظهر إلى جانب الثروات الضخمة - يبقى البعض في حالة الحرمان. ما دام البعض في البلد قادرين على جني أرباح طائلة ومنافع لا حصر لها من الأموال العامّة، وظاهر الأمر أيضاً تلبّس عملهم بثوب قانوني، فتكون المعاملة والاجارة والمقاولة والوساطة ذات صيغة قانونية - أي أنّ ظاهرها قانوني، حتّى وإن كان باطنها غير قانوني - فلن يُجتث الفقر من البلد، ولن يتيسّر مثل هذا العمل. أي أنّ وجود إمكانات تفوق الحد المعقول بيد حفنة من الأشخاص لن يسمح بأن يكون انتاج البلد وإمكانياته في متناول بقية أبناء الشعب. فهذا التضخّم الذي تشكون منه على الدوام، والجميع يشكون منه أيضاً - ومن حقهم الشكوى - سوف يستمر إلى النهاية. يجب الالتفات بدقّة في جميع أجهزة الدولة للحيلولة دون الاستثمار غير المنطقي وغير الصحيح، والذي يؤدي إلى تراكم الثروات. وإذا كان ثمة قانون أحياناً قد وضع غفلةً، أو وضعت تعليمات تفرز هذه النتيجة، وتنطوي على هذا العيب وهذا الضرر، يجب معالجة حتّى ذلك القانون. وعلى مجلس الشورى الإسلامي والحكومة وبقية القطاعات المختلفة الالتفات إلى هذه القضية ومعالجتها بنحوٍ ما، ولا يَدَعوا مجالاً لتوفير مثل هذه الأرضية. يجب أن تتمتع جميع الشرائح الاجتماعية من إمكانات البلد بشكل متوازن، ويجب أن لا تكون الحالة بالشكل الذي يؤدي إلى تزايد الهوّة يوماً بعد آخر، ويعيش البعض بتلك الصورة. ومن الطبيعي أن القسم الأكبر من هذا العمل يمكن أداؤه من قبل وزارة الاقتصاد والمالية والجهة المسؤولة عن الضرائب باستيفاء الضرائب المناسبة والصحيحة ممّن يحصلون على الكثير من المنافع والأرباح وهذا تذكير آخر. وفي هذا الصدد أيضاً لديَّ وصية اُخرى للأخوة الأعزاء، وعليهم أن يضعوها في مناهجهم، وهي: أنّ من الطبيعي أن تبرز في مرحلة البناء بعض الظواهر الاقتصادية السلبية، وهي أمر طبيعي في كل مكان، فتزداد نسبة التضخّم، وتنخفض القدرة الشرائية لدى الكثير من الناس. ولأجل حل هذه المشاكل بمعناها الخاص في البلد، لابدّ أن تبذل بإذن اللّه جهود مضاعفة من قبل الحكومة. وقضية التضخم لابدّ وأن تحل بشكل ما، وقيمة العملة الوطنية يجب أن تصان بالتدابير السديدة وبمزيد من السعي والمتابعة. نأمل إن شاء اللّه أن يأتي ذلك اليوم الذي تظهر فيه نتائج أعمالكم أكثر فأكثر، وان تبلغ انجازات البُنى التحتية نتائجها المرجوّة. وهذا ما سيحصل خلال المدى البعيد، ولكن لا يمكن البقاء في حالة انتظار واهمال انماط العلاج المتيسّر اتخاذها خلال المدى القصير أو المتوسط. إنّ قيمة العملة الوطنية هي المفتاح لحل كثير من مشاكل البلد. وهذا الانخفاض في قدرة الشراء لدى الطبقات الدنيا من الشعب، وعدم قدرتهم على توفير مستلزمات حياتهم كله ناتج عن هذه القضية التي يجب أن تبذل فيها جهود مضاعفة بإذن اللّه. وفي هذا المضمار هناك وصية اُخرى، اُذكّر بها دوماً، وإنّي لاُذكّركم بها مرةً اُخرى - ايّها الاُخوة الأعزاء - وألفتُ انتباهكم إليها، وهي: الاهتمام بالمضحّين في الأعمال والقطاعات المختلفة وتفويضهم المسؤوليات المختلفة في البلد. حقاً إنّها اُمنية يتمناها البلد اليوم، وبإمكان القطاعات المختلفة الاستفادة من هذه الاُمنية لإبداء المزيد من العمل والبرمجة والابتكار من أجل بناء البلد، وتسطير المفاخر لأنفسهم ولبلدهم. وهذا كله ثمرة لجهود المضحين، وإيثار هؤلاء الشبان الذين شاركوا في جبهات الحرب مع العدو، فاستشهد بعضهم وجرح بعضهم وصاروا في عداد المعاقين، وبعضهم الآخر سالمون والحمد للّه، وهؤلاء هم المضحون. هؤلاء الشبان المؤمنون في القوات المسلحة - سواء العسكرية منها أم قوات الأمن الداخلي التي كافحت المخلّين بأمن البلاد - قد بذلوا جهوداً كبيرة حقاً، وتحملوا الكثير من المشاق، وكما قال الإمام في وقتٍ ما: لو لم يكن هؤلاء الشبّان، ولو لم تنتصر هذه الثورة لم يكن لدينا مثل هذه الفرصة ولا هذه المفخرة في مسؤوليتنا عن هذا البلد، حتّى يكون لنا عند اللّه أجر وثواب، وعند الناس والتاريخ مفاخر ومناقب عليكم أن تقدموا هذه الخدمات للشعب. في الحقيقة أنّ مسؤولي البلد، بل وجميعنا مدينون لكل واحد من أبناء هذا الشعب، ولا سيّما المضحّين منهم، الذين أتاحوا لنا هذا الظرف بأرواحهم وجهودهم. فلولا هؤلاء المضحون لم يكن من المعلوم هل كان البلد قد حافظ على وحدة أراضيه أم لا؟ وهل توفر له الأمن أم لا؟ وهل كان من الممكن أن يتسنّى لأحد تقديم عمل وخدمة للبلد، وإنجاز هذا القدر من البناء؟ وهذا ما يملي علينا الانتباه في جميع المراحل، ولا نسمح بتضييع حق الشرائح المضحية في البلد - كعوائل الشهداء، والمعوقين، والمقاتلين، والذين جاهدوا في سبيل اللّه حقّاً وتحملوا المشاق - لقاء بعض الأقاويل التي تلفظ هنا وهناك من أفواه اُولئك الذين لم يبدو أي حرص في الحرب، ولم يبذلوا أي جهد لهذه الثورة ولا في ميادين الحرب. تطرح بين الفترة والاُخرى أقاويل من قبيل: لماذا تُمنح امتيازات في الجامعات أو في الوزارات أو في هذا الموضع أو ذاك لاُسر الشهداء أو للمضحين أو لأفراد التعبئة؟ لا تعيروا لأصحاب هذه الأقاويل أي اهتمام. فالذي يُمنح للشرائح المذكورة بصفة الامتياز - وهو بحمد اللّه قانوني أيضاً اليوم - ليس أكثر ممّا يستحقون، بل هو قليل جداً في مقابل عطاء وثمار جهودهم. نطلب من الاُخوة الأعزاء أن يجعلوا اللّه نصب أعينهم في جميع الأحوال. فإنّ الحساب الإلهي يوم الحشر حق. فأصغر عمل يصدر منا، وأدنى غفلة - لا سمح اللّه - وأقل تقصير في العمل، يسجل كله ويُحفظ في صحيفة أعمالنا، ونحاسب على كل واحد منها. كما وأنّ كل لحظة عصيبة تمرون بها في طريق تحمل المسؤولية، تسجل في صحيفة عملكم. هذا القلق الذي تتحملونه من أجل العمل، وهذه الجهود التي تبذلونها، وهذا الضغط الذي تتحمله أجسامكم وأعصابكم وعوائلكم، مردّه أنكم تؤدون عملاً في سبيل اللّه، وهذا أيضاً محفوظ لكم عند اللّه. وإذا ما بدت منكم - لا سمح اللّه - غفلة أو تقصير أو اهمال في أي عمل من الأعمال، أو عدم مراعاة المصالح العليا للشعب والدولة بسبب بعض الاعتبارات الشخصية أو الفئوية، فهذا كله محفوظ عند اللّه تعالى وسوف يسألنا عنها. إنّ الحساب الإلهي لدقيق وشديد جداً، ندعوه أن يجعل لنا مثل هذه المراقبة على الدوام، لكي نؤدي أعمالنا بمزيد من الدقّة. وأنا شخصياً أكثر حاجة منكم لهذا المعنى، بل وإنّني مكلف أكثر منكم بالتمسك بهذه المراقبة في أدنى أعمالي. وطبعاً أنا مكلف بعرض هذا المعنى عليكم أيضاً، وهو أنّكم إذا زاولتم العمل لساعة أكثر، وأبديتم مزيداً من الاهتمام فلكم أجركم عند اللّه. وإذا حصل تقصير في العمل، أو عرض للمرء هاجس جعله لا يؤدّي ما ينبغي عليه أداؤه من عمل، فهذا أيضاً له محاسبة ومؤاخذة عند اللّه، ولابدّ من الالتفات إليه. وفي رأيي أنّ السادة الوزراء والمسؤولين الكبار في البلد إذا شاؤوا التخلص من هذه الهواجس المختلفة، وأن تسجل هذه الخدمة الكبيرة والخالصة التي يقدمونها في صحيفة عملهم من غير شكّ ولا اضطراب، وأن يدوم وجودهم لهذا البلد بإذن اللّه، فالسبيل إلى ذلك يتلخّص في عدم الخوض بتاتاً في النشاطات الاقتصادية الفردية والجماعية. فأنتم والحمد للّه قانعون بالقليل. أتذكر أنّ السيد الهاشمي (رئيس الجمهورية) دعا شخصاً في وقت ما للوزارة ليأتي ويتسلّم مسؤولية فيها. فجاء إليه وقال: إنّني إذا أصبحت وزيراً تتعثر حياتي، بينما هي تسير الآن على ما يُرام. لا أتذكر الآن هل أنّه وافق وقال مثلاً نضيف لك شيئاً أم أنّه لم يوافق. القاعدة العامة هي أنّ ذوي الاختصاصات العالية إذا عملوا في قطاعات الدولة الاُخرى من الممكن أن تتحسّن حياتهم، فتكون أكثر رفاهاً، وأعلى دخلاً، إلاّ أنّ الوزارة ليست هكذا، إذ أنّها بالطبع أدنى رفاهاً وأقل تنعماً من القطاعات الاُخرى. فعليكم بالتكيّف مع هذا القدر، تحملوا هذا الوضع وتكيّفوا معه. لا تنشغلوا بالتفكير في تأمين حياتكم. أنتم بالطبع لا تفكرون في هذا، والحمد للّه، وأنا أعلم بذلك. ولكن ما نقوله لكم الآن يعتبر حجة في الواقع على كل مدراء ومسؤولي القطاعات المختلفة وعلى جميع المستويات، ويجب عليهم مراعاة ذلك. على مسؤولي البلد أن لا ينشغلوا بالتفكير في تأمين مستقبلهم؛ فكل شيء بيد اللّه، تدبير المعيشة والحياة واستمرارها أيضاً بيد اللّه. وكلّما ابتعدتم عن النشاطات الاقتصادية وتنزهتم عنها فهو خير لكم ولعملكم ولبلدكم. بل وأرى ضرورة اجتناب أي عمل آخر سوى عملكم الخاص، لأجل أن تكونوا قادرين على أدائه. وعلى كل حال يا أعزائي، فحتّى العمل الصالح فيه جوانب سلبية، ولا يخلُ عمل من الآفات. والإنسان الذي تربّى تربية رفيعة حتّى صار بعد في عداد المخلصين، وفقاً للتقسيمات المعنويّة الواردة في رواياتنا وكتبنا الشرعية، حتّى مثل هذا الإنسان إنّما هو «في خطر عظيم». والإنسان المخلص، أي الذي كل عمله للّه، كل كلمة منه وكل حركة وحتّى طعامه وشرابه واستراحته لا شيء منها لغير اللّه تعالى والقرب منه، ورد في رواياتنا أنّه حتى مثل هذا الإنسان «في خطر عظيم». فلاحظوا كيف حالنا نحن البعيدين عن ذلك النمط من الاخلاص. يجب اجتناب الآفات بشدّة، آفات العمل، وآفات الحياة كثيرة جداً، وعلى الإنسان مراقبة نفسه على الدوام. أنا طبعاً لا أقول هذا لتفقدوا الشجاعة على العمل. كلا، فإحدى آفات العمل هي أن يفقد المرء شجاعة العمل. التفتوا إلى ضرورة أداء عملكم بكل شجاعة وقدرة وقوّة، وبالتوكل على اللّه. وفي أي مستوى كنتم، تقدّموا ولا تتوانوا، فإحدى الآفات هي أن يفتقد الإنسان الشجاعة. كما أن هنالك آفات اُخرى أيضاً فاحذروا الوقوع فيها. أرجو من اللّه تعالى - أيّها الاُخوة الأعزاء القائمين بصالح الأعمال الكبيرة - أن يرضى عنكم كما قد أعلن سماحة الهاشمي رضاه عنكم، وأن تخلّفوا وراءكم الذكر الطيب والعمل الصالح، وأن تواصلوا هذه الخدمات لسنوات متمادية إن شاء اللّه، وأن تكونوا مصدر خير لهذا البلد، وأن ينتفع الناس كثيراً ان شاء اللّه من أعمالكم. |