كلمة القائد في اجتماع أهالي "مشهد" بحرم الإمام الرضا (ع) - 23/3/1996.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وعلى آله الأطيبين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين، سيما بقية الله في الأرضين.

إنّ من موفّقية الجميع أن تبدأ السنة الجديدة تحت الظل الوارف لمرقد ثامن الأئمة (عليه آلاف التحية والثناء)، سواءاً أهالي "مشهد" الأعزاء المتنعّمين بهذه النعمة الكبيرة على طول السنة، أو العشّاق والمحبّين من الزوار الذين جاؤوا والهين من سائر المدن الأخرى. إنّ الحضور في هذا المرقد الطاهر، وتحت ظلال هذا المقام النيّر والمعنوي والربّاني، يضع بأيدينا جميعاً فرصة الإلتفات الى واجباتنا. وهذا الأمر يختص عادة ببداية السنة، إذ إنّ هناك أعمالاً تختص بمقطع معيّن، ومن بين المقاطع الزمنية عند جميع الأمم والبلدان هو رأس السنة، الذي من خلاله يتمكن الإنسان من ضبط التاريخ وضبط حياته وعمره.

وأشير هنا الى أنّ الأمة الإيرانية هي الوحيدة التي جعلت لنفسها تقويماً قمرياً وشمسياً إبتداءاً من هجرة نبي الإسلام الأكرم. فالسنة القمرية تبدأ من شهر محرّم، وفي تشترك معنا سائر الشعوب المسلمة، ولكن بالنسبة الى الحسابات التي تحتاج الى ضبط ودقة تلجأ بقية الشعوب المسلمة الى السنة الميلادية المسيحية. وأما شعبنا فهو الوحيد الذي يعتمد على السنة الشمسية، والتي تبدأ أيضاً من هجرة النبي، إذ بحلول عيد "النوروز"، الذي هو بداية السنة الشمسية، تضاف سنة أخرى على هجرة الرسول، والهجرة الإسلامية العظيمة، وظهور الحكومة الإسلامية. فسنتنا الشمسية أيضاً سنة هجرية شمسية، وهذا من مفاخر الشعب الإيراني. وهذا الأمر قديم وليس وليد السنوات الأخيرة، وهذا يدل على عمق تعلّق هذا الشعب العظيم بالمسائل الإسلامية، حتى في مجال التاريخ.

إحدى الوظائف في بداية السنة، هي أن يراجع كل شخص نفسه، ويحاسبها حساباً شخصياً، فالشخص مسؤول والجماعة أيضاً مسؤولة من قِبل الشعب، وفي ذلك فرصة جيدة لكي يراجع الإنسان نفسه، ويلقي نظرة أخرى على ما صدر عنه، من غفلة وقصور، من أعمال قبيحة، وكذلك الأعمال الصالحة. أي يجب علينا جميعاً، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، عند حلول السنة الجديدة أن نلقي نظرة على ماضينا السنوي، ففي كل فعل من أفعالنا الإيجابية أو السلبية عظةٌ لنا.

وقد ذكرت إجمالاً في خطاب وجّهته الى الشعب الإيراني العزيز في بداية السنة الجديدة عدة أمور، رؤوس المطالب بشأن العام المنصرم، وبيّنت ما أيقنت اهتمام شعبنا العزيز به. واليوم سأذكر أيضاً بعض الأمور حول المسائل المهمة في السنة الماضية، وهذه الأيام وفي هذه السنة، والتي تحظى باهتمام شعبنا:

الأمر الأول: يخص أهالي "مشهد" الأعزاء المؤمنين، والذي لا بد من ذكره ليتّضح للجميع. لقد شكرنا جميع الشعب الإيراني على الإنتخابات الأخيرة، إذ كان إقباله عليها جيداً، ولكن علينا أن نقدّم الى أهالي "مشهد" شكراً خاصاً آخر، لأنّ نسبة المشاركة في "مشهد" - وفقاً لتقرير وصلني - قد زادت على الدورات السابقة بحوالى 50 بالمئة، وهو رقم كبير يدل على أمور جيدة، ويدعو المحلّلين الى التدقيق. طبعاً هناك نماذج بارزة من هذا القبيل في جميع المحافظات، لكن الزيادة المئوية الملحوظة، التي أشرت إليها، كانت في "مشهد".

ولو قُدِّر لشخص الإطلاع - بمقدار اطّلاعنا - على وضع البلاد، فسيدرك - كما ذكرنا في ذلك الخطاب - أنّ السنة الماضية كانت مليئة بالجدّ والعطاء. لقد أُنجزت حقاً في جميع أنحاء البلاد طوال عام 1374 (هـ.ش) آلاف الأعمال الكبيرة والقيّمة، في المجالات العلمية والأخلاقية والمعنوية، وفي مجال إعمار البلاد وبنائها، وإحياء أهداف الثورة، وإزالة الدمار المتبقي من مرحلة المواجهة مع النظام الملكي الظالم، أو أنها في طور التنفيذ، وستنتهي في هذه السنة أو في السنوات التالية. ولقد بدأت حقاً حركة عظيمة في مجال العمل، والتطور، واستثمار الثروة العامة للبلاد في مختلف حقول الإعمار.

وإذا أراد شخص حقاً أن يقيس هذه البلاد بالبلدان المزدهرة الأخرى، فإنه سيُدرك أنّ الجمهورية الإسلامية من هذه الناحية قد وضعت الشعب الإيراني الكبير في مستوى مليء بالفخر، ناهيك عن الجوانب المعنوية والمسائل السياسية والإستقلال والحرية، فما أُنجز لهذا الشعب من إعمار أو هو في طريق الإنجاز، مما يدعو الى الفخر والإعتزاز.

إنّ هناك في العالم مَن يستلهم الدروس والعِبر، ويتأسّى بإيران، ويمجّد الشعب الإيراني، وهناك مَن يتحامل عليه حسداً وعدواناً. طبعاً هناك مَن لا علم له بالحقائق ولا ذنب له في ذلك، فما دامت الأقلام بيد الأعداء فإنهم يكتبون كل ما بدا لهم ضد الشعب الإيراني، ويتفوهون بما شاؤوا، ومع ذلك لا يسعنا أن نؤاخذ الشخص العربي أو الأفريقي أو الأوروبي على عدم اطّلاعه على أوضاع إيران. طبعاً نحن نعمل جاهدين بقدر وسعنا وقابليتنا الإعلامية، إلاّ أنّ ضخامة الإعلام المعادي وشموليته تمكّنه من توجيه عشرات الإذاعات، ونشر مئات الجرائد والصحف ضد الجمهورية الإسلامية.

فليكتب العدو ما شاء فذلك لا يهم، إنما المهم هو إرادة هذا الشعب، وتوكله، وحُسن تدبير المسؤولين، الذين عليهم أن يعدّوا البرامج لصالح هذا الشعب، ويخططوا، ويحافظوا على الثروة الوطنية، فعندما تُنجَز هذه الأمور فليقل العدو وليكتب وليشتم بما شاء، فهذا لا يحول دون تقدّمنا.

خلافاً لبعض الأشخاص الذين يفقدون توازنهم وينفعلون ويغضبون لمجرد تصريح كاتب أو سياسي في جريدة أو مقال ضد الجمهورية الإسلامية في زاوية من العالم، أقول: ليقول الأعداء ما شاؤوا عندما يعرف شعب يتمتع بإرادة قوية طريقة، ويتخذ قراره بنفسه، عندها سيتضح أنّ العداوة وراء ما يتفوّه به العدو، وعندها ستقوى إرادة هذا الشعب أكثر، وتَثبت أقدامه أكثر، ويزداد توكّله على الله، ويشتد تفاؤله، وسيكون مستقبله أفضل من حاضره بفضل الله.

وإنّ شعبنا، وبهذه الإرادة والإيمان والعزم، ودولتنا تتابع أعمالها بجدية من خلال الخدمات التي تقوم بها التجارة والتصنيع والتصدير والإستيراد، منهمكون  - بحمد الله - بالعمل في شتى المجالات الثقافية الإقتصادية و..

طبعاً يعتريني منذ سنين وليس وليد اليوم قلق يسير، وهو وجوب فصل اقتصاد الشعب الإيراني عن النفط، وقد أبلغنا الدولة بذلك في الآونة الأخيرة لتضع برنامجاً، وهي الآن منهمكة بوضع البرامج اللازمة، وقد أنجزت بعض الأعمال فعلاً، فعلينا أن نعمل شيئاً من شأنه أن يقطع اعتماد الشعب الإيراني والدولة على النفط، وذلك لأنّ النفط في عالم اليوم - وللأسف الشديد - تحت قبضة السياسة الدولية، والشركات، وقراصنة العالم الكبار، ومصاصي الدماء والمستكبرين!

فمتى شاؤوا خفّضوا قيمته، أو رفعوا نسبة الإنتاج أو قلّلوها، يقاطعون البعض أو يتعاملون معه، فالنفط نفطنا لكنّ أمره بيد غيرنا! فمثل هذه الثروة مصدر قلق وإزعاج.

طبعاً إنّ دولتنا حالياً تستفيد فائدة قصوى من النفط، ولكن عليها أن تفعل شيئاً يمكّنها يوماً ما أن تعلن للعالم أنها ستغلق آبار النفط لمدة ستة أشهر أو سنة أو أربعين يوماً، ولا تصدّر حتى قطرة نفط واحدة، وإذا تم ذلك بفضل الله فستحل الكثير من مشكلات هذه البلاد. طبعاً ذلك يتحقق شريطة أن يسعى كل الشعب، وكل مَن له يد طولى، وفكر، وقلم سيّال، ولسان، وقلب يقظ، ومن خلال التكاتف والوحدة الموجودة حالياً بينكم، فلا تسمحوا بانقسام الشعب.

إنّ الإتحاد بالنسبة الى هذا الشعب أهم من أي شيء آخر، فإنّ اتحاد هذه الأمة واتفاق كلمتها قد أنقذها في الكثير من الأزمات العصيبة. وبحمد الله لا نواجه اليوم أزمة ولا نواجه مشكلة كبيرة، إلاّ أننا بحاجة قصوى الى الإتحاد؛ فعلى الجميع أن لا يتفوّهوا في كلماتهم ودعاياتهم الإنتخابية، سواءاً قبل الإنتخابات أو بعدها أو في المجلس وغيره بما يشعر الناس معه بالفرقة، فيحصل خلاف بينهم، فلو حصل اختلاف - لا قدّر الله - فستُمنى هذه الأمة بالفشل. فإنّ سبب استمرار اقتدارنا هو اتحادكم واتفاق كلمتكم، كلما كان ذلك أكثر وأشد كان وقوفنا في وجه أعدائكم أقوى وأشد.

وفيما يخص الأعداء والمسائل الخارجية، فهناك موضوع أبيّنه لكم أيها الأعزاء باختصار، ففيما يخص المسائل العالمية تؤمن الجمهورية الإسلامية بالتعاون الدولي، فنحن نعتقد بأنه إذا حصل اتحاد بين الصالحين من بني البشر، فإنّ أوضاع العالم ستتحسن، إلاّ أنّ هذا الأمر صعب للغاية في العالم، لذا فإنّ لنا نوعين من المواقف تجاه القضايا العالمية:

الأول والأساس: التعاون مع الشعوب والدول.

والثاني: المواجهة، وهو أمر نلجأ إليه اضطراراً.

أجل نحن مجبرون في القضايا الدولية على مواجهة أعداء هذه الأمة. فيا ليت لم يكن لهذا الشعب أي عدو، ولما كنا مجبرين على مواجهته، إلاّ أنّ هذا الشعب له أعداء ألدّاء، ومعاندون خبثاء وحقراء، ودعاة، وكذّابون وخطرون، وعلينا مواجهتهم.

وفيما يخص المواجهة العالمية تجاهنا، هناك صنفان من الأعداء:

الأول: الأعداء الأساسيون، والتي تتكرس حربنا ضدهم.

والآخر: الأعداء الثانويون، وليس لنا معهم مواجهة، وإنما نسعى للتفاهم معهم وإرشادهم الى اشتباههم، وحثهم على نبذ الخصومات. وهذا فيما يخص الأعداء الثانويين، بل وفي بعض الأحيان لا يمكن أن نسمّيهم أعداء؛ فالعمدة هم الأعداء الأساسيون.

فمَن هو عدو الجمهورية الإسلامية الرئيس؟ إنّ عدونا الرئيسي في العالم اليوم هو الصهيونية والإستكبار، فإنّ أساس قضية العداء مع الإسلام اليوم هو الصهيونية والإستكبار، فإنّ أساس قضية العداء مع الإسلام ونظام الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني هم الصهاينة والإستكبار.

وإذا أردنا ترجمة الإستكبار بشكل صحيح، فيمكن حالياً تطبيق ذلك على دولة أميركا المعتدية والمستكبرة والمتجاوزة والمتجبرة، فهي اليوم رأس المستكبرين في العالم. إنّ قصة الإستكبار قصة مرّة لجميع الشعوب، إنّ الإستكبار يعني وجود قوة في العالم لا تعير اهتماماً لمصالح الشعوب، ولا تستجيب لمطالب البشر، ولا تقيم وزناً للمفاهيم والقيم الإنسانية، وإنما هناك شيء واحد فقط يحظى باهتمامها، وهو نفسها! وذلك بالروحية الإستكبارية وروح الطمع والقسوة! وأميركا حالياً تعيش بهذه النفسية.

طبعاً إنّ الأخبث من أميركا هي الحكومة الصهيونية في فلسطين المحتلة، لماذا؟ لأنّ أميركا دولة مستندة الى شعب، في حين أنّ دولة الصهاينة المعتدين لا تستند الى شعب. فشعب تلك البقعة شعب مشرّد، وظهرت (إسرائيل) الى الوجود منذ البداية بالظلم والقتل والكذب والخداع. ففي ذلك الوقت جاء عدد من المتجبرين والمعتدين بدعم من الحكومة البريطانية الى فلسطين وشرّدوا أهلها، ولا يزال المتبقي من أبنائها - البالغ عددهم مليون شخص - حتى الآن يعيشون في المخيمات وفي ظروف قاسية داخل الخيام والأكواخ أو ما يشبهها، فقد سكن بيوتهم أناس نزحوا من أوروبا وأوستراليا وأميركا وآسيا وأفريقيا، وأوجدوا شعباً مزيّفاً ومزوّراً، وأخذوا يعيشون هناك بوصفهم شعباً له دولة مع أنّ هذا الشعب لا هوية له تثبت وجوده أساساً!

إنّ ذنب الجمهورية الإسلامية إعلانها لهذا القول، فالجمهورية الإسلامية - خلافاً للدول الأخرى التي كتمت هذا الحق، خوفاً أو طمعاً في الوعود الأميركية - صرّحت بهذا الحق قائلة بأنّ الحق حق والباطل باطل، فلا يسعنا إنكار وجود الشعب الفلسطيني المشرّد اليوم، ولا يمكننا أن ننكر بأنّ الأرض الفلسطينية قد اغتُصبت من أهلها بغير حق، ولو شكلياً، بل بالقتل وسفك الدماء والخداع والكذب واستخدام العنف والقسوة. فقد قامت الدولة الإسرائيلية من خلال القتل الذريع، والغدر والخداع، وسفك الدماء وسحق القيم الإنسانية، وقد تمّت التضحية بحقوق أمة تحت أقدام المهاجرين الصهاينة الوافدين على فلسطين المحتلة. وطوال خمسين سنة مضت على عمر هذه الدولة المزيفة، كان الكبت وإزهاق الأنفس والكذب والخداع والإعتداء ومهاجمة العزّل والأبرياء هو وقودها الذي يضمن لها البقاء والإستمرار على قيد الحياة.

هذه هي "إسرائيل". ومع ذلك يقف رئيس جمهورية أميركا - وإنّ الإنسان ليندهش حقاً - ويعلن أمام الرأي العام العالمي في رابعة النهار ويقول: نحن نريد أن نتعاون مع "إسرائيل" لمواجهة الإرهاب! فماذا يمكن تسمية هذا الموقف؟ هذا يسمى بالتجاهل وعدم الإنصاف والإستكبار والتجبّر. فماذا يعني هذا الكلام؟ فاليوم يعتبر هؤلاء الذين يمسكون بزمام السلطة في فلسطين المحتلة المظلومة من أخطر وأخبث الإرهابيين في العالم، فهل تريدون مواجهة الإرهاب والإرهابيين من خلال التعاون مع هؤلاء؟ وهل الذين أُخرجوا من أوطانهم وقاموا بعد سنوات متمادية نتيجة للقهر برفع قبضاتهم هاتفين بالشعارات "إرهابيون"؟ هل هذا هو الإرهاب؟

نحن نذكر هذه الحقائق ولا نكتمها، ونرى من الذنب كتمان هذه الحقائق الواضحة في هذا العالم إرضاءاً لأميركا. وهناك الكثير في العالم - من الذين لهم معنا علاقات تجارية وسياسية - يقولون سراً للمسؤولين في دولتنا: إنّ سبب خصومة أميركا معكم هو مسألة الشرق الأوسط، وقضية "إسرائيل" واعتراضكم عليها؛ ويقولون لنا صراحة بأنّ قضية حقوق الإنسان، والمحاكم، وحقوق المرأة، وغير ذلك مما يوجّه ضد الجمهورية الإسلامية في وسائل الإعلام الأميركية والصهيونية كله هراء، وكنا نعلم بأنه هراء، ولكن حالياً يقرّ الجميع بذلك.

وكنت دائماً أقول للذين يصابون بالخَوَر: لماذا تنخدعون بالإعلام؟ لماذا تتصورون حينما تتحدث أميركا عن حقوق الإنسان أنها حقاً قلقة بشأن ضياع حقوق الإنسان في إيران؟ إنّ هؤلاء لا يتحرّقون على الإنسانية، فهم أكبر منتهكي حقوق الإنسان، وقد قاموا في وضح النهار بحرق ثمانين شخصاً في إحدى الولايات الأميركية أحياءاً، ولم يطرق لهم جفن، فما شأنهم بحقوق الإنسان؟ وهل يعرفون للإنسان حقاً؟!

إنّ مشكلة هؤلاء تكمن في شيء آخر، هم يقولون لماذا لا تساومون "إسرائيل"، وتوقعوا مثل بقية الدول على إفناء الشعب الفلسطيني؟! هذا هو كلامهم، وكنت دائماً أقول هذا الشيء للجميع. والآن فإنهم يعترفون ويقولون: بأنّ الضغوط الأميركية، والحظر الإقتصادي، والإعلام المعادي، وخبث عدد من المشرّعين والمسؤولين التنفيذيين في أميركا ضد الجمهورية الإسلامية، يعود بأجمعه الى قضية "إسرائيل"، فإنهم يقولون: لماذا لا توافقون على السلام في الشرق الأوسط؟ ولماذا تصفونه بالصلح بين الذئب والحمَل؟ لماذا لا توقّعون على وثيقة السلام هذه؟ إنّ هؤلاء يريدون منا أن نحكم بالقضاء على الشعب الفلسطيني. هذه هي الحقيقة.

إذاً، حالياً على رأس قائمة أعداء هذا الشعب من الأجانب - والذي ينحصر جهادنا الأساسي الخارجي معهم - هو النظام الفاسد والمعتدي والخبيث للصهاينة، الجاثمين على فلسطين المحتلة، ومن ورائه النظام الأميركي. فالولايات المتحدة الأميركية، بطولها وعرضها، وتطورها العلمي، وسعتها وضخامة شعبها، ما هي إلاّ أُلعوبة بيد الصهاينة، وهي بمثابة "نمـر" يمسك قياده "كلب" يوجهه حيث شاء؛ فإذا أراد الرئيس الأميركي أن يتخذ قراراً ضد الجمهورية الإسلامية فعليه أن يراجع تجمّع الصهاينة الأميركيين ويقدّم تقريره، ومن ثم يذاع الى العالم، وهذا عار على الأمة الأميركية.

هؤلاء هم أعداؤنا الأساسيون. طبعاً تمارَس ضدنا في بقية أنحاء العالم خصومات واعتداءات إلاّ أنها ليست بتلك الأهمية، ولا يمكن عدّها مشكلة أساسية. ومن هذا النوع القضية الأخيرة لجهاز القضاء الألماني، إذ قام بحركة قبيحة وبغيضة جداً لصالح الصهاينة. طبعاً الحكومة الألمانية تقف جانباً وتقول: إنّ هذه الأمور ترتبط بجهازنا القضائي. ونحن نعلم، وهم يعلمون، بأنّ الأمر ليس كما يقولون من أنّ لا سلطة للحكومة الألمانية على جهازها القضائي، فنحن نعلم بأنهم قد أعملوا نفوذهم عليه في بعض الموارد، وإنما الحقيقة هي ضغوط الصهاينة على الحكومة الألمانية وجهازها القضائي، ولكن هذا لا يهم فهذه أمور ينبغي على حكومتنا ووزارة خارجيتنا البتّ فيها وحلّها، وهي - بحمد الله - منهمكة بذلك وتؤدي خدمتها وستقوم بحلّها والبتّ فيها.

هذه الأمور لا يمكنها أن تكون مشكلة لهذا الشعب، وإنما الهم هو ما ذكرته آنفاً، أي مسألة أميركا و"إسرائيل".

أيها الشعب الإيراني العزيز، إنّ الشيء الذي يمكنني أن أذكره كخلاصة لسبعة عشر عاماً من الثورة الناجحة والشامخة، ونظام الجمهورية الإسلامية، وآراء إمامنا الراحل وآراء هذا الشعب، يتلخص في كلمة واحدة وهي: إنّ كل حكومة أو جماعة أو شعب أو شخص في العالم يتصور أنّ بالإمكان إخضاع الشعب الإيراني بالقوة والتهديد، فإنه على خطأ فظيع. فهذه الأمة قد أثبتت، من خلال صمودها وتفانيها طوال ثماني سنوات من الحرب المفروضة، وسبع عشرة سنة من الوقوف أمام تهديد وخبث الإستكبار والأعداء، وعلى الأقل فإنّ هذا الشعب قد أثبت للعالم أجمع أنّ هذه الأمة لا يمكن دفعها في أي اتجاه أو صدّها عنه من خلال القوة والتهديد.

أنظروا الى هذه الأمهات اللاتي بعثن أبناءهنّ في سبيل الله الى جبهات القتال، وكأنهنّ يزفّنّهم الى أعراسهم، ولم يعبأن بذلك.

أنظروا الى هذه الأمة المجاهدة، أنظروا الى الشعب الإيراني كيف اجتاز كل هذه المنعطفات الوعرة طوال هذه السبع عشرة سنة، فمنذ بداية الثورة واجه مختلف التهديدات من قِبل أعداء الداخل والعلمانيين والمعارضين للإمام والولاية، والمعترضين على وضع اسم الإسلام على هذه الجمهورية وعلى مجلس الشورى. أجل ففي الدورة الأولى ذكر إمامنا العظيم في رسالة بعثها الى مجلس الشورى الإسلامي كلمة الإسلام مع المجلس، وكان هذا عملاً ذكياً منه، فقد كان الإمام (ره) ذكياً وواعياً ومجرّباً، وكان يعلم أنّ اسم الإسلام لو كان مضافاً الى مجلس الشورى في بداية الحركة الدستورية، التي حدثت بدماء الشعب وباسم الإسلام وقيادة علماء الدين، لما تأخرت عن الإسلام ستين سنة. كان الإمام يعلم ذلك فذكر في رسالته الى (مجلس الشورى الإسلامي)، لذا قال الممثلون في المجلس ينبغي إعطاء هذا الموضوع صبغة قانونية ورسمية، ويجب أن يكون اسم مجلس الشورى الإسلامي على هيئة قانون، وفي ذلك المجلس الذي انتُخب أعضاؤه من قِبل هذا الشعب المؤمن والثوري، كان هناك مَن يقول: ماذا يعني اسم الإسلام.

كان هذا عجيباً، فلم نكن نصدّق أنّ الممكن، وبعد مضيّ سنتين على انتصار الثورة أن يظهر أشخاص يعترضون على وضع اسم "إسلامي" على مجلس الشورى! إلاّ أنهم اعترضوا! وما نقوله دوماً من التزام الدقة في مَن تنتخبونه الى مجلس الشورى الإسلامي هو لأجل أن تبعثوا المضحّين من أجل الإسلام، والذين يدركون أنّ الدواء الوحيد لهذا البلد والشعب هو الإسلام لا غير. إبعثوا المجرّبين الذين لا ينخدعون، والذين لا يحاولون زعزعة أسس التفكير الإسلامي في هذه البلاد باسم الليبرالية وتحت شعار الحرية، فينبغي إيصال مثل هؤلاء الأشخاص الى مجلس الشورى الإسلامي، فإنّ بإمكانهم الصمود بوجه الأعداء والدفاع عنكم.

إنّ الشعب الإيراني لأجل اجتيازه طوال هذه السبع عشرة سنة كل هذه الأزمات المختلفة، قد وقف بقوة ولم يهتز، وتقدّم في طريق الله والإسلام، وإننا اليوم أيضاً - بفضل الله - ومنذ بداية الثورة لم نتقدّم سبع عشرة سنة فحسب، بل تقدّمنا بعشرات السنين، وقطعنا في هذه السنوات السبع عشرة مسافة طويلة.

ففي اليوم الذي تخلّصت فيه هذه الأمة، بواسطة ثورتكم العظيمة، من مخالب عملاء الأجانب، أي من قبضة أسرة "البهلوي" والعسكريين وعملائهم، كانت في الواقع ظاهراً من دون باطن وجسداً بلا روح. فقد دمروا ثرواتها، وأبادوا زراعتها، وجعلوا صناعتها محتاجة الى الغير مئة بالمئة، وأوصلوا العمل البنّاء الى ما يقرب من درجة الصفر، وقد قضَوا على المعنويات والأخلاق بالكامل. وإنّ ما ترَونه قد حصل الآن طيلة هذه السنوات السبع عشرة بهمّتكم وقدرة المسؤولين المخلصين، رغم كل الموانع والمشكلات. إنّ الأعداء الأجانب حالياً يشاهدون ذلك، فيستولي عليهم الحقد ويتألمون، ولكن لا حيلة لديهم.

ورغم أنف الأعداء الأجانب، ورغم أنف أميركا و"إسرائيل"، والذين لا يتحمّلون مشاهدة تقدّم هذه الأمة، ويريدون تحجيم إيران؛ فإننا - بفضل الله - سنوسّع من علاقاتنا على الصعيد العالمي، ولا نخشى مَن يريد - وبتأثير من أميركا - أن يخاصم الجمهورية الإسلامية.

إنّ هذه الأمة - بحمد الله - يمكنها أن تعتمد على نفسها، فقد هُدّدت عدة مرات طوال هذه السبع عشرة سنة بقطع العلاقات من قِبل الدول. ففي مختلف القضايا عمدت الدول الأوروبية على استدعاء سفرائها بشكل جماعي من إيران، ظناً منهم أنّ السماء ستنطبق على الأرض وستشتبك الأمور، إلاّ أنهم شاهدوا أنه لم يحدث شيء، وحتماً فإنّ الدول الأوروبية تذكر هذه الحقيقة، ونحن نأمل أن يذكروها. فذات يوم خرج كل سفراء أوروبا من طهران وتظاهروا بالإستياء، فقالت لهم الجمهورية الإسلامية: إذهبوا مصحوبين بالسلامة! وبعد أن مضت مدة من الزمن رأَوا أنّ الجمهورية الإسلامية - بحمد الله - لا تحتاجهم، فشرعوا بالعودة، بناءاً على احتياجهم الخاص.

كان الوضع بهذا الشكل دائماً، والمهم أن تعرف هذه الأمة قيمتها، والمهم أن يتيقن المسؤولون في هذه البلاد بقيمة هذا الشعب. وعلى كل شخص وأينما كان نشاطه أن يعلم بأنّ هذه الأمة أمة كبيرة ومقتدرة ومؤمنة، ولا يمكن دحرها، وما دمتم متّحدين فيما بينكم وحافظتم على اتكالكم على الله فلن يمكن للعالم أن يتفوّق أو أن ينتصر عليكم.

اللهم أمطر على هذه الأمة رحمتك وفضلك ولطفك اللامتناهي. اللهم احشر إمامنا العظيم - الذي أرشدنا الى هذا الطريق - مع الأولياء في أعلى علّيين. اللهم ارفع من درجات شهدائنا الأعزاء الذين فتحوا هذا الطريق بدمهم. اللهم اهدِ المعوّقين والمضحّين والأحرار والمجاهدين والقوات المؤمنة وقوات حزب الله والقوات الشعبية التي شدّت حيازيمها في هذا الطريق..

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته