كلمة القائد بمناسبة حلول رأس السنة الشمسية

 21/3/1996

"يا مقلّب القلوب، يا مدبّر الليل والنهار، يا محوّل الحول والأحوال، حوّل حالنا الى أحسن الحال".

أبارك عيد "النوروز" السعيد لجميع أبناء الشعب الإيراني العزيز وجميع الإيرانيين في العالم والشعوب الناطقة باللغة الفارسية، كالشعب الأفغاني والطاجيكي، وكذلك الشعوب التي تحتفل بهذا العيد وتجلّه، وبذلك يكون عيد "النوروز" وسيلة لشعور الشعوب المتعددة بالتلاحم. نأمل أن تتوثق عرى هذا الإلتحام بين الشعوب المتآخية والمتجاورة والمؤمنة أكثر فأكثر.

وكذلك أهنّئ بهذا العيد السعيد المضحّين من شعبنا، وعوائل الشهداء، والمعوّقين الأعزاء، والأحرار الكرام، وأسرانا ومفقودينا المظلومين المسجونين عند الأجانب وعند أعدائنا. وأبارك هذا العيد لعوائلهم، ولجميع المنهمكين في العمل الشاقّ من أجل الوطن والثورة.

أتمنى أن يجعل الله (تعالى) حلول هذا العام الجديد حلولاً للخير والبركة على شعبنا، وأن يجعل هذا اليوم يوماً جديداً، وهذه السنة سنةً مباركةً بكل ما للكلمة من معنى.

عندما نلقي نظرة على السنة الماضية، نشعر - بحمد الله - أنها كانت سنة مليئة بالنشاط والعطاء، وقد قدّمت الدولة والمسؤولون وأفراد الشعب خدماتٍ كبيرة، نأمل أن يتقبّل الله (تعالى) هذه الخدمات والمشاريع الكبيرة من الجميع بفضله ولطفه. لقد تمكنت الدولة والمجلس من الشروع في الخطة الثانية، وأن تقوم بإنجازات مهمة في البلاد، وأن يضع المقنّنون القوانين، وأن يقوم المسؤولون التنفيذيون بوظائفهم في مجال العلم وتطوير البلاد والإعمار الأساسية بأحسن وجه. وكذلك حينما نلقي نظرة على جهاز الدولة القضائي، نجد أنه قد أنجز أعمالاً جيدة للناس في هذا العام تدعو الى التفاؤل، فقد تمّت مكافحة ومحاكمة الفساد والمفسدين ومَن أساء الإستفادة من بيت المال، ونال الخائنون جزاء أعمالهم، وهذا هو إبداع السلطة القضائية، نأمل أن تستمر على هذه الشاكلة.

وقد قام أبناء الشعب أيضاً في السنة الماضية - إنصافاً - بأعمال عظيمة، وكان أهم ما قاموا به هو التواجد في ساحة الثورة والإعمار، كما ساعدوا الدولة في ما عُرض لها من أعمال، إذ لا يمكن لأحد أن يقوم بعمل مهم وموفّق في هذا البلد دون مساعدة الناس، وقد تواجدوا في المسيرات وفي جميع المواطن التي مسّت الحاجة الى تواجدهم، على الأخص في الفترة الأخيرة في الإنتخابات، فقد تواجدوا بشكل مهيب، في حين سعى إعلام العدو جاهداً الى تشويه جو الإنتخابات، مشيراً الى غياب الشعب على الساحة.

بحمد الله كانت نسبة الذين شاركوا في الإنتخابات - والإحصائية الصحيحة موجودة عندنا - أكثر من الدورات السابقة، فقد تواجد الناس بشكل مهيب وساهموا في هذا الأمر المهم، ولا تزال المرحلة الثانية من الإنتخابات باقية، نأمل من الشعب أن يكملها أيضاً بأفضل وجه.

إنّ شعبنا العزيز يعلم أنّ مصير البلاد بيده ومعلّق على إرادته وهمّته وإيمانه. لذا، على الجميع أن يعقدوا العزم الجاد في المستقبل من أجل العمل والجدّ والتواجد في الساحة واتخاذ القرار، فعندما يتواجد الشعب في الساحة، ويثابر ويطالب، فإنّ المسؤولين سيُقبِلون على العمل، وسينجزونه بشكل أفضل وأكثر جدية.

ولكي نتعرّف على الأعمال المهمة في هذه السنة والسنوات اللاحقة، نستعرض موردين أو ثلاثة في الجهود المشتركة بين الشعب والدولة:

أولاً: أوصي الجميع بالمحافظة على الموارد المالية للبلاد، فبلادنا غنية، وبإمكانها أن تدير نفسها بشكل جيد، بل وبإمكانها أيضاً أن تتكفل بإدارة المستقبل وضمانه ولا تكتفي بالحاضر. شريطة أن تُستخدم هذه الثورة بالشكل الصحيح، ولا يحصل فيها إسراف أو تبذير، فالتبذير أمر قبيح ومعصية ومحرّم شرعاً، كما أنه - طبقاً لمنطق إدارة الدولة - عمل محظور وقبيح، ولا يختص بأشخاص معيّنين، فالكل مأمورون بعدم التبذير، سواءاً أكانوا من المسؤولين والعاملين والمأمورين بتنفيذ بعض الأعمال في الدولة أم كانوا من أبناء الشعب، فإذا أمرنا بعدم التبذير فإننا بذلك نخاطب الجميع أعمّ من المسؤولين وأفراد الشعب.

إنّ التبذير في الثروات العامة وذخائر هذا الوطن وموارده الطبيعية، وكذلك ما يتم الحصول عليه بالجهد الكبير والتبذير في الخبز والماء والطاقة والقوى البشرية، كله قبيح، وإنّ التبذير يقع في الطرف النقيض لما أوصينا به في السنة الماضية والسنوات السابقة، وهو عبارة عن "الإنضباط". فإذا أردنا مكافحة التبذير فلا بد من وضع مخطط لذلك، وهذه هي مسؤولية رجال الدولة.

لذا، فإنّ وصيتي الأولى هي مكافحة الإسراف والتبذير وإهدار الأموال العامة والخاصة أيضاً، لأنها تعود بالتالي الى الأموال العامة بنحو من الأنحاء.

ثانياً: ووصيتي في هذه السنة الجديدة، والتي أروم طرحها دائماً، هي العمل البنّاء. فهناك الكثير من العاملين إلاّ أنّ عملهم غير بنّاء، بل وقد يكون هدّاماً أحياناً. فعلى الجميع أن يسعى الى العمل البنّاء، والعمل البنّاء هو محاربة للعدو، فمَن يعمل من أجل العلم وإدارة البلاد يكون محارباً للعدو، ومَن يسعى الى تحسين الثروة الوطنية يكون محارباً لعدو هذا الشعب وهذا الوطن. فالعدو لا يريد لهذا الوطن أن يدار بشكل جيد، وأن تسير أمور الشعب على ما يرام، بل يريد إحداث القلاقل. فينبغي مواجهة العدو من خلال الإدارة الصحيحة، والعمل البنّاء والصحيح والمنطقي.

لذا، ينبغي عليكم أياً كان عملكم والسلك الذي تعملون فيه، أن تسعَوا الى العمل البنّاء، أي أن يكون عملكم ذا فائدة لهذا الوطن وهذا الشعب وللمستقبل. طبعاً إنّ النفع الشخصي أيضاً غاية ومطمح أبناء الشعب، لكن لا ينبغي الإكتفاء به، بل يجب مضافاً إليه أن يلتفت الإنسان الى المنافع العامة. لذا، فإنّ وصيتي الثانية هي العمل البنّاء.

وهناك وصية مهمة أخرى أريد تأكيدها لخصوص المسؤولين في الدولة، ولكل مَن يقدّم العون لهم من أبناء الشعب، وهي مسألة استنقاذ الحق العام. فهناك الكثير ممن جمعوا أموالاً طائلة من غير عناء ولا تعب، ولا يدفعون الضرائب، ويستفيدون من الأموال العامة لمنافعهم الخاصة؛ وهناك من الكثير ممن يمتنعون - بلا حق - عن دفع الضرائب والحقوق العائدة الى الناس من أرباحهم وتجاراتهم، وهذا عمل قبيح في مجتمعنا، وعلى الجميع أن يدركوا أنّ عدم دفع الضرائب وبذل الحق العام للدولة والشعب مخالف للقانون وحرام.

فعلى المسؤولين في الدولة أن يستنقذوا الضرائب، خصوصاً ممن تؤثر ثروتهم الكبيرة وضرائبهم على الوضع الإقتصادي للبلاد، لأنه حق الشعب وينبغي استنقاذه بكل الطرق المشروعة. طبعاً إنّ الطبقات المتوسطة التي لا تمتلك مثل هذه الثروات الطائلة تدفع الضرائب بلا مماطلة وتتعامل في ذلك بمرونة أكثر. ويوجد أيضاً أشخاص يحصلون في الإمكانات المتوفرة عندهم، والتي تعود الى جميع أبناء الشعب على ثروات طائلة، ولا يدفعون حق الدولة الذي هو حق هذا الشعب. لذا، فإنّ أخذ الضرائب، ودفعها، ومساعدة الدولة واستنقاذ الضرائب، أمر واجب.

وفي السنة الماضية، لاحظت تواجد شبابنا الجادّ والفاعل في المجالات التي لا يرغب العدو بتواجدهم فيها، مثلاً في مجال المعنويات يريد العدو إقصاء شعبنا - خصوصاً الشباب - عن المعنويات، وقد دلّت أخبار موثوقة في السنة الماضية على تواجد الشباب بشكل كبير وواسع في المجالس والإجتماعات الدينية والعبادية كالمساجد وصلاة الجماعة، وحتى الإعتكاف مثلاً، والذي هو أمر مستحب مؤكد، وكان خاصّاً بمن يهتم كثيراً بالمستحبات في الماضي، إلاّ أننا شاهدنا في السنة الماضية إقبال الشباب، حتى الجامعيين منهم، على الإعتكاف، وكان عددهم كثيراً. لذا، فإنّ شعبنا قد أقبل نحو المعنويات.

كما أقبلوا على العلم والتطور العلمي، والتحول في أمور طلب العلم وارتفاع عدد الجامعيين في البلاد لا يروق لأعدائنا ولا يطيقون مشاهدة هذا الإقبال الواسع على العلم، فإنّ به ضمان لمستقبل الوطن. وقد شاهدنا تقدّم شبابنا الكبير حتى في مجال الأولمبياد العلمية، وفي هذا كله محاربة للإستكبار ودعم لمستقبل البلاد.

وكذلك في مجال الرياضة، فقد بذل شبابنا قصارى جهودهم، وحصلوا على نتائج جيدة، وهذا أيضاً لا يريده أعداؤنا. إذاً، فقد تواجد شبابنا في شتى المجالات التي لا تروق للأعداء ولا يريدون لأفراد شعبنا خاصة الشباب أن يتواجدوا فيها، إلاّ أنهم تواجدوا وسجلوا حضوراً بارزاً لهم.

طلب منكم الإستمرار في هذا التواجد، بل الإكثار منه. فعلى جميع الشعب - خاصة الشباب - أن يشتركوا في المجالات العلمية والمعنوية والعبادية، وكذلك في المجالات الإجتماعية، من قبيل التعاون مع أبناء الشعب، ومساعدة المحتاجين، والرياضة وشتى الأعمال الأخرى. هذه أيضاً وصيتي الأخرى، والتي إذا حظيت باهتمام الشعب - وستحظى باهتمامه إن شاء الله - ستترك أثراً على مستقبلنا.

مسألة الإنتخابات أيضاً مسألة مهمة، ونحن مقبِلون في الأسابيع القادمة على الإنتخابات، إذ لا يزال نصفها تقريباً باقياً، فجميع ما ذكرناه بشأن المرحلة الأولى من الإنتخابات يعتمد على نتائج هذه المرحلة، بل وقد تكون أهم من بعض الجهات.

فليُقبِل الشعب على الإنتخابات، كما في المرحلة السابقة، ولينتخبوا المرشحين الصالحين. طبعاً إنّ أفضل مَن يمكن انتخابهم هم الذين يُطمأن لهم، عندما يدخلون مجلس الشورى الإسلامي لا يصابون بالإنحراف والفساد - لا قدّر الله - والذين سيسعَون من أجل الشعب والإسلام والمسلمين، وتحسين وضع البلاد، والتقدّم بأهداف الثورة، وتوسيع القيم الثورية وتعميقها، والذين لا يتأثرون بالعدو. أرسلوا طاقات الثورة الى مجلس الشورى الإسلام حتى يكتمل إن شاء الله.

إنّ ما أُنجز لحدّ الآن لهذه البلاد كان ببركة الثورة، وما سيُنجز لها سيكون ببركة الثورة والإسلام الثوري وأحكام الإسلام المنيرة والدين.

أسأل الله (تعالى) أن ينظرنا، ويستجيب لأدعية هذا الشعب، ويستميل القلب المقدّس لولي العصر (أرواحنا فداه) نحو هذا الشعب أكثر من السابق، وأن تقع توسلاته وتضرعاته مورداً لقبوله. وإن شاء الله سيستمر النهج اللاحب لإمامنا العظيم، والذي هو طريق الله والشهداء والمضحين والمعوّقين، وأن يُرضي وجوده المقدّس وروحه الطاهرة وأرواح الشهداء عنكم جميعاً.

أبارك لكم جميعاً هذا العيد السعيد مرة أخرى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته