|
كلمة القائد خلال لقائه أساتذة اللغة الفارسية - كانون ثاني 1996. اللغة الفارسية تراث ثقافـي إلتقى ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي أعضاء المجمع العالمي لأساتذة اللغة الفارسية، وألقى خلال هذا اللقاء كلمة هامة اعتبر فيها اللغة الفارسية تراثاً ثقافياً عظيماً وقيماً للغاية للشعوب الناطقة باللغة الفارسية، وذكر فيها خصائصها المهمة. وعدّ قائد الثورة الإسلامية اللغة الفارسية رمزاً للهوية الوطنية وقال في هذا المجال: "اللغة الفارسية هي - في الحقيقة - بمثابة نهر فيّاض مفهم بكنوز عظيمة من التراث الثقافي للإيرانيين والشعوب الناطقة باللغة الفارسية، وهي بالنسبة الى الشعوب الأخرى تعتبر ظاهرة عظيمة وكبيرة للغاية. وتتمتع اللغة الفارسية بنطاق واسع من الألفاظ، واستيعاب تركيبي، وتمتلك لحناً عذباً ومتناسقاً وجميلاً، وهي تستطيع من خلال الإستناد الى خصائصها اللفظية والتركيبية أن تعرض أي جانب من النطاق الواسع للعلوم البشرية وتوضحه". لغة الشعر والفلسفة والعلوم وأكد آية الله العظمى السيد القائد على أن اللغة الفارسية هي لغة الشعر والفلسفة والعلوم. وأضاف قائلاً في هذا الصدد: "تمثل اللغة الفارسية الأداة الوحيدة للتوصل الى المفاهيم، وحكمة عظيمة موجودة في التراث الثقافي لهذه اللغة، وفي كتب العلم والأدب والحكمة والأخلاق على شكل شعر ونثر، وعلى هذا الأساس فإن اللغة الفارسية تعتبر ذخيرة مهمة وقيمة وتستحق التعلم والمتابعة بالنسبة الى جميع الأشخاص المهتمين بالعلوم والمعارف الإنسانية السامية". اللغة الفارسية فـي الهند وآسيا الصغرى وأشار قائد الثورة الإسلامية والولي الفقيه الى أن جاذبية اللغة الفارسية هي العامل المهم لانتشارها في الهند وآسيا الصغرى، قائلاً: "لا شك في أن الإسلام إنما انتشر في الصين وشبه القارة الهندية وقسم من آسيا الصغرى عبر اللغة الفارسية والناطق بها، وما يزال الكثير من الأشخاص الذين اعتنقوا الإسلام في هذه المناطق يحتفظون برواسب وآثار اللغة الفارسية في كلماتهم ومصطلحاتهم الدينية، وهذه الظاهرة تدعو الى الفخر والمباهاة". مظلومية اللغة الفارسية وأشار ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية الى مظلومية اللغة الفارسية، وأكد على ضرورة السعي من أجل الإرتفاع بمستواها قائلاً: "اللغة الفارسية لغة فاخرة وجميلة ومعبّرة وذات استيعاب واسع، وهي تحمل معها حملاً كبيراً للغاية من كنوز المعارف الإنسانية وتراث العلوم الذهنية والعقلية للبشرية، وبناءاً على ذلك فإن الناطقين باللغة الفارسية ومحبيها والمهتمين بها في أرجاء العالم وأصحاب الذوق والفكر عليهم من خلال الجدية الكاملة والإهتمام الفائق أن يبذلوا جهوداً مضاعفة في سبيل الرقي باللغة الفارسية". "الفارسية" ونقل المعارف الـى المجتمعات ولفت قائد الثورة الإسلامية الإنتباه الى عملية تقديم المفاهيم العظيمة للثورة الإسلامية باعتبارها خصوصية مهمة من خصائص اللغة الفارسية، فأعرب قائلاً في هذا المجال: "اليوم وببركة الثورة الإسلامية تجري على الألسن في إيران الكثير من الكلمات السامية والصحيحة والمحببة الى القلوب، والكثير من الشعوب لا تمتلك إدراكاً صحيحاً لها، وبناءاً على ذلك فإن اللغة الفارسية التي تمتلك حملاً عظيماً من هذه المعارف بـإمكانها أن تلعب دوراً كبيراً في نقلها الى المجتمعات البشرية. المحافظة على اللغة الفارسية وفي جانب آخر من كلمته، أكد القائد الكبير للثورة الإسلامية على ضرورة المحافظة على اللغة الفارسية في إيران، وفي البلدان الناطقة بها باعتبارها مسؤولية كبيرة". "الفارسية" لغة إعجازية وأضاف قائلاً: "من أجل توسيع نطاق اللغة الفارسية وخلق عناصر الحياة والتكامل فيها يتعين استغلال الإمكانيات الموجودة فيها بالشكل الأمثل، ومن الضروري في هذا المجال أن يُبدي مسؤولو المجمع العلمي للغة الفارسية اهتمامهم بهذا الواجب المهم؛ كما أن اللغة الفارسية تعتبر لغة إعجازية في مجال التركيب اللغوي، ومن الواجب استغلال هذه المقدرة الإستيعابية الكبيرة والمدهشة في جانبها التركيبي". مقياس حياة اللغة ووصف قائد الثورة الإسلامية اللغة بأنها ظاهرة حية وتفضّل قائلاً في هذا الصدد: "إن مقياس حياة اللغة أن تكون قادرة على جذب الكلمات الأخرى من خارج نطاقها، ومن أجل إدخال الكلمات الأخرى الى اللغة الفارسية يتوجب إضفاء خصوصيات هذه اللغة على هذه الكلمات من ناحية الأوزان والنظام الصوتي، فهذا الإضفاء يعني إسقاط النظام الصوتي للكلمات الفارسية على الكلمات غير الفارسية، ومن الواجب الإهتمام بهذا الأمر المهم في ثقافة اللغة والأدب الفارسيين". "الفارسية" والألفاظ المغلوطة واعتبر آية الله العظمى السيد علي الخامنئي امتزاج اللغة الفارسية بالكلمات الموضوعة والملفّقة خيانة لهذه اللغة. وفي نهاية كلمته أكد على ضرورة تنقية اللغة الفارسية من هذا النوع من الألفاظ المغلوطة، قائلاً: "إن اللغة الفارسية كلمة طيبة ذات أصل ثابت، ومن المتوقع أن تتطور يوماً بعد آخر وأن تستطيع شعوب العالم الإنتفاع بشكل مكثف من هذه اللغة". الشخصيات المشاركة فـي اللقاء وقد حضر هذا اللقاء السيد هاشمي الكلبايكاني وزير الثقافة والتعليم العالي، والسيد حداد عادل رئيس المجمع العلمي للغة والأدب الفارسي، ومئة وخمسون من أساتذة اللغة الفارسية في إيران وفي أربعين بلداً من العالم. كلمة القائد في ذكرى ولادة الإمام المنتظر (عج) - 9/1/1996. مقــدمــة إلتقى قائد الثورة الإسلامية ولي أمر المسلمين آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (حفظه الله) يوم الأحد المصادف للنصف من شعبان ذكرى ولادة الإمام المنتظر (عج) جموعاً غفيرة من المؤمنين، وألقى سماحته خلال هذا اللقاء كلمة مهمة أوضح فيها فلسفة انتظار الإمام المهدي وآثار هذا الإنتظار على الصعيدين الفردي والجماعي، كما عرّج بالحديث عن التخرصات والتصريحات الأخيرة للمسؤولين الأميركيين ضد إيران الإسلام. وفي ما يلي الترجمة الكاملة لهذا الخطاب الذي تطرق فيه سماحة القائد لقضايا وموضوعات مهمة تجري على الساحة العالمية الآن: بسم الله الرحمن الرحيم أبارك حلول هذا اليوم العظيم، بذكرى إحدى اللحظات المهمة والمشرقة لجميع مستضعفي العالم، وخصوصاً مسلمي العالم أينما كانوا، وبالأخص لشعبنا الإيراني العزيز والعظيم والمجاهد والواعي، وكذلك لكم أيها الإخوة والأخوات يا مَن تفضلتم علينا بمجيئكم فجعلتم يوم عيدنا عيداً حقيقياً، وأقمتم هذا الحفل النوراني، وخصوصاً عوائل الشهداء المحترمة ومعاقي الثورة والأحرار الذين حضروا هذا المجلس، وكذلك الإخوة والأخوات الذين تجشّموا العناء وقدِموا من المدن النائية. رمز العدل الإلهي نأمل أن يكون هذا اليوم عيداً مباركاً وأن تكونوا مشمولين ببركات يوم ولادة ذلك الإنسان الذي هو رمز العدل الإلهي، وأن تكونوا المصداق البارز لميثاق الخالق العظيم. إن يوم ولادة الإمام المهدي الموعود (أرواحنا فداه) هو عيد حقيقي للبشرية، جميع أفراد البشرية وأولئك الذين عانَوا وتحملوا عذاباً، وأحرقوا قلباً وأراقوا دموعاً وانتظروا مدة، وكل أولئك الأشخاص الذين شعروا بالسرور والحيوية والأمل في مثل هذا اليوم، بل وتحملوا المصائب وذلك من خلال معاناة المنغصات طيلة حياتهم، في أي نقطة من العالم وفي أي فترة من التاريخ. الولادة الكبرى ووعد الله إن هذه الولادة الكبرى وهذه الحقيقة العظيمة ليستا حكراً على شعب بعينه ولا على زمن معين ولا على بلد بذاته، بل هما ملك للبشرية، إنهما ميثاق الله الذي أخذه وأكّده، ميثاق الله مع الإنسان ووعد الله الذي ضمن أنه سوف يتحقق؛ كل الناس شعروا طيلة التاريخ بالحاجة المعنوية والقلبية لهذه الظاهرة العظيمة والعجيبة، ذلك لأن التاريخ كان منذ البدء وحتى اليوم، ومن اليوم حتى بزوغ تلك الشمس التي ستغمر بضيائها العالم ممزوجاً بالشر والقبح. الأديان "والمخلِّص" إن جميع الأشخاص الذين رأَوا ارتكاب الآخرين للمظالم، فتعذبوا بسبب هذه الرؤية كل أولئك يبزغ أمل في قلوبهم من خلال تذكر ولادة المنجي العظيم للتاريخ والبشرية، ولذلك فإنكم عندما تنظرون الى هذا الموضوع فسوف ترَون أن هذه الحقيقة لا تقتصر على الشيعة، فجميع الأديان والمذاهب تؤمن بأن منقذاً وأن يداً إلهية مقتدرة سوف تظهر في مرحلة من مراحل التاريخ، وسوف تقوم بمعجزة في إنقاذ البشرية من الظلم والجور. المهدي عند الشيعة والآخرين والذي يميز الشيعة عن بقية الفرق الإسلامية وغير الإسلامية هو أننا - نحن الشيعة - نعرف هذا الشخص العظيم، العزيز، نعلم اسمه وتاريخ ولادته وآباءه ووالدته العزيزة، وجميع القضايا المتعلقة به، ولكن الآخرين لا يعلمون ذلك لأسباب مختلفة فلا يؤمنون بظهور المهدي، أو لم تصلهم أخباره، المهم أنهم لا يعرفون ونحن نعرف، فالإختلاف يكمن هنا؛ ولذلك فإن توسلات الشيعة أكثر حيوية وحماسة، وأعمق معنى، وموجهة أكثر. عيد البشرية جمعاء وبناءاً على ذلك، فإن هذا اليوم هو يوم العيد الحقيقي، أي أن يوم الولادة هو عيد لجميع البشرية في جميع مراحل التاريخ، وهو عيد حتى للماضين فأولئك الأشخاص الذين عاشوا الفقر والظلم والنفي حتى توفاهم الله، والذين عانَوا ولم يذوقوا الفرحة طيلة عمرهم في عصور الفراعنة والأشرار مثل أبي جهل وسلاطين الظلم في العصور المظلمة، وإن كانت أرواحهم متمتعة في عالم البرزخ ببعض الألطاف التي يتمتع بها قسم من الأرواح فإن من المتيقن أنهم سوف يحتفلون بمثل هذا اليوم. عيد الله الأكبر وهكذا فإن هذا اليوم يحمل مثل هذه المواصفات، وهو يختلف عن الأيام والأعياد الأخرى؛ وفي الحقيقة فإننا إذا أطلقنا على هذا اليوم اسم "عيد الله الأكبر" لما بالغنا في ذلك. الولادة: الجانب المعنوي والروحي وإذا ما بحث الإنسان في ناحيتين، في ما يتعلق بقضية ولادة هذا الإنسان العظيم والإعتقاد الموجود إزاء هذه الحقيقة، فإنه سيشاهد آثاراً عظيمة أحدها الجانب المعنوي والروحي والتقرب الى الله، وجوانب التكامل الفردي للإنسان، فالشخص الذي يعتقد بهذه القضية يتمتع بتوفيق أكثر للتمتع بوسائل العروج الروحي والتقرب الى الله لأنه يعقد علاقة روحية مع مركز التفضلات الإلهية والنواة الرئيسية لإشعاع رحمة الحق، ولذلك فإن أهل المعنى وأهل الباطن يختمون وينظرون بشكل دائم الى هذا الإنسان العظيم في توسلاتهم المعنوية، فهم يتوسلون به ويصبّون اهتمامهم عليه، ونفس هذه العلاقة القلبية والتذكر والتوجه الروحي الى هذا الرمز لرحمة الحق ورمز قدرة الحق ورمز عدل الحق - تعالى - كل ذلك بحد ذاته سوف يسهم في تسامي الإنسان ونموه، ويهيئ وسيلة تقدم الإنسان روحاً ومعنى، وهذا ميدان واسع، فكل شخص يرتبط بهذا الإنسان العظيم في باطنه وفي قلبه وروحه فإنه سوف ينال حظه من الفائدة، وبالطبع فإن الإهتمام بمصدر النور يجب أن يكون اهتماماً حقيقياً فاللسان ولقلقة اللسان ليس لهما تأثير كبير في هذا المجال، فالإنسان لا يمكن أن ينال النفع الذي يرجوه إلا إذا توجه وتوسل بروحه وحصّل لنفسه المعرفة الكافية، وهذا هو أحد الميادين وهو الميدان الفردي وميدان التكامل الشخصي المعنوي. الجانب الإجتماعي/ إنتظار الفرج وهناك جانب آخر هنا هو عبارة عن ميدان الحياة الإجتماعية والعامة وما يتعلق بمصير البشرية ومصير الشعوب، وفي هذا المجال فإن الإيمان بقضية المهدي وموضوع الظهور والفرج والإنتظار هو مخزون عظيم بـإمكان الشعوب الإنتفاع منه بغزارة، ولنفترض أن هناك سفينة في بحر عاصف، ولنفترض أيضاً أن الأشخاص الموجودين على ظهر هذه السفينة موقنون أن لا ساحل أمامهم لألف أو ألفي فرسخ، لنفترض أنهم يحملون هذا اليقين، ولنفترض أن الإنسان قد وقع فريسة مثل هذا البحر الهائج وهو لا يملك ماءاً ولا طعاماً، ولا يمتلك وسائل قليلة للحركة، ترى ماذا يمكن أن يفعله هؤلاء الأشخاص في هذه السفينة، وهل من الممكن أن نتصور أنهم سوف يبذلون جهدهم من أجل السير بهذه السفينة، والتقدم بها الى الأمام؟ كلا، ذلك لأن موتهم حتمي كما يرَون، وعندما يكون موت الإنسان حتمياً فسوف لا يكون هناك أي جهد أو حركة وسوف لا يكون هناك أي أفق، والعمل الأفضل لهم في هذه الحالة أن ينشغل كل واحد منهم ضمن مجموعتهم الصغيرة هذه بأداء عمله المفضل، فالشخص الذي يفضل أن يموت بهدوء عليه أن ينام حتى يموت، والشخص الذي تعوّد الإعتداء على الآخرين عليه أن ينشغل بسلب حقوق الآخرين لكي يبقى حياً لبضع ساعات أخرى، وما الى ذلك.. كل شخص ينشغل بالعمل الذي يجيده ذلك، لأنه سوف لا تكون هناك أي حركة وأي تقدم، هذه حالة. والحالة الأخرى، أن يمتلك الأشخاص في السفينة نفسها اليقين وأن يعلموا أن هناك ساحلاً بالقرب منهم وليس من المعلوم هنا مدى بعده أو قربه منهم، وكم علينا أن نقطع من المسافة حتى نصل إليه، ولكن من المؤكد أن هناك ساحلاً في متناول أيدينا، ترى ما الذي سيفعله هؤلاء؟ سوف يبذلون جهدهم من أجل أن يصلوا الى هذا الساحل، وحتى لو منحت لهم فرصة تعادل ساعة واحدة إنهم سوف يستغلون هذه الساعة من أجل التحرك، وبذل الجهد الصحيح والموجه، سوف يوحدون أفكارهم ومساعيهم لعلهم يستطيعون بلوغ ذلك الساحل. الشعوب والأمل وهكذا فإن الأمل يلعب مثل هذا الدور، فبمجرد أن تظهر في قلب الإنسان بارقة من الأمل فإن الموت سوف يشد رحاله ويذهب جانباً، فالأمل يؤدي الى أن يسعى الإنسان ويتحرك ويتقدم ويكافح ويبقى حياً، وهذا هو دور الأمل. إفترضوا أن هناك شعباً يرزح تحت سلطة ظالمة وقوة متسلطة، وأن ليس هناك أي أمل لهذا الشعب، في هذه الحالة سوف يضطر هذا الشعب الى أن يستسلم، فإن لم يستسلم فإنه سوف يقوم بأعمال عشوائية غير موجهة، أما إذا كان في قلب هذا الشعب وهذه المجموعة أمل، وإذا أيقنّا أن لا بد من عاقبة طيبة، فماذا سيفعلون في هذه الحالة؟ سوف يجاهدون وسوف ينظمون جهادهم، وإذا كان هناك عائق في طريق الكفاح فسوف يبادرون الى إزالته، وهذا هو جانب من جوانب قضية الإمام المهدي، ألا وهو دور الأمل. وحال البشرية طوال التاريخ تشبه حال ركاب تلك السفينة المبتلاة بالإعصار، فقد كانت دوماً مبتلاة بالمشكلات من قبل الأقوياء والظالمين والمتسلطين على شؤون الشعوب المظلومة، والأمل يدفع الإنسان الى أن يناضل ويشق طريقه ويتقدم الى الأمام. الشيعة والمهدي الموعود فعندما يُطلب منكم الإنتظار فإن ذلك يعني أن هذه الأوضاع التي تعذبكم اليوم وتؤلم قلوبكم ليست أبدية فهي زائلة، فانظروا الى مدى شعور الإنسان بالحياة والنشاط، وهذا هو دور الإعتقاد بالمهدي الموعود، وهذا هو السر الذي أدى الى أن يجتاز الشيعة كل تلك المنعطفات والإلتواءات العجيبة والغريبة التي وُضعت في طريقهم الى اليوم. واليوم، فإن عزة الإسلام وراية القرآن الخفاقة في أيديكم أيها الشعب الإيراني المسلم، ويا شيعة إيران، وهذا هو السبب، فأينما وُجد هذا الإعتقاد وُجد معه هذا الأمل وهذا الجهاد. مؤامرات الأعداء ولذلك فقد كان من أهم إجراءات الإستعمار والإستكبار والأيادي المرتبطة بهما أن يزيلوا هذه العقيدة من قلوب الشعب، وقد حاولوا مرات عديدة أن يطفئوا هذا المصباح ولكنهم لم يستطيعوا، ونحن نعلم الكثير من القضايا التي اكتنفت هذه المساعي من أجل تحقيق هذا الهدف ليس في إيران فحسب، وإنما على صعيد العالم الإسلامي. الإستعمار والإرساليات التبشيرية وفي تقرير مهم للغاية يتعلق بسنوات مضت، ويدور حول مساعي الفرق الدعائية المسيحية التي كانت تُرسل من أوروبا باتجاه شمال أفريقيا لكي تمهد الطريق للإستعمار هناك، فإن أحد هموم المتدينين في العالم هو أن التبليغ من أجل المسيحية والدعوة الى الدين المسيحي على الظاهر اتخذها الأقوياء المتسلطون على البلدان المسيحية على نطاق العالم وسيلة لتنفيذ المخططات الإستعمارية، فقد تحولوا الى ممهدين لطريق الإستعمار، فكانوا يبعثون الإرساليات الدعائية وما يسمى بـ "الهيئات التبشيرية" الى أنحاء العالم تحت غطاء الدعوة الى المسيحية، فكان ظاهرها التبليغ للمسيحية، ولكن حقيقة القضية كانت أن يستغلوا هذه القضية ويفتحوا الطريق لأن يدخل المستعمرون الأوروبيون من بلدان أوروبا المختلفة آنذاك البلدان الإسلامية، ويستولوا على السلطة السياسية. أفريقيا والإيمان بالمهدي (عج) وللأسف فقد نجحوا في الكثير من المناطق، وهذا التقرير يرتبط بالفرق (التبشيرية) في شمال أفريقيا، وقد كتب المراسل في هذا التقرير قائلاً: إن من بين مشكلاتنا في شمال أفريقيا ومنطقة تونس والمغرب وغيرهما في طريق الدعوة الى المسيحية ونفوذ الإستعمار أن الشعوب هناك تؤمن بالمهدي الموعود وأنه سيأتي ويرفع رأس الإسلام، وهذه هي إحدى مشكلاتنا. وقد كتب ذلك في تقرير رسمي أرسله الى تلك اللجنة المسؤولة عن هذه الأمور، هذا في حين أن الإعتقاد الذي يحمله إخوتنا في تلك المناطق من العالم ليس بوضوح الإعتقاد الذي نحمله اليوم هنا، ذلك لوجود بعض الإبهامات في ذلك المصداق، والتقريرات العامة هي التي تطغى عليه أكثر من عملية تعيين المعتقد والحالة، والإسم والخصوصيات، ومع ذلك فقد أصيب المستعمرون بالذعر من هذه العقيدة. الشــاه ًوقضية المهدي (عج)ً وفي بلدنا نفسه، نقل لي أحد كبار العلماء المحترمين الموجودة بيننا اليوم أن أحد العلماء المرتبطين بالبلاط الشاهنشاهي في أوائل استيلاء النظام الفهلوي المشؤوم والفاسد والعميل استُدعي من قبل ذلك المتآمر الأمي الفاقد لأي نوع من المعرفة والقيم المعنوية (أي محمد رضاه شاه) وسأله قائلاً: قل لي ما هو سر قضية إمام العصر بحيث أنه سبب لنا كل هذه المشكلات والمتاعب، ما هي حقيقة هذه القضية يا ترى؟ فما كان من هذا الملا إلا أن أجاب الشاه بما يطابق رغبته وميله. ثم أمر الشاه هذا علماء البلاط على أثر ذلك بأن يحلوا هذه القضية ويخرجوا هذه العقيدة من قلوب أفراد الشعب. فأجاب ذلك العالم المرتبط بالبلاط: بأن هذه المهمة ليست سهلة، وأن هناك مشكلات كثيرة تعترضها، وأن علينا أن نبدأ بشكل تدريجي ومن خلال مقدمات. وبالطبع فإن هذه المقدمات باءت بالفشل في تلك الفترة بفضل الخالق وبوعي ويقظة العلماء الربانيين والفئة الواعية في هذا البلد، فلم يستطع المستعمرون أن ينفّذوا ذلك المخطط المشؤوم. وعلى كل حال، فإن انقلابياً ومتآمراً غاصباً كُلّف من قبل أجهزة القوى الإستعمارية أن يستولي على إيران ويسلمها إليهم بكلتا يديه لكي تستطيع تلك القوى أن تسيطر على هذا الشعب، أقول إن من ضمن أساليبه ومقدماته أن تُزال هذه العقيدة من قلوب الشعب، فالإيمان بـإمام العصر يحول دون أن يستسلم الشعب إذا ما أدرك شعب ما هذه العقيدة بشكل صحيح. الإمام المهدي (عج) حاضر فحضور الإمام الغائب يحسّ به بين الشعب عندما تترسخ هذه بشكل حقيقي في القلوب، فرغم أن الإمام العظيم والعزيز والمعصوم ونصب عام الإمكان وملجأ جميع الخلائق غائب ولم يظهر للآن، ولكنه حاضر، فليس من الممكن أن لا يكون حاضراً، وهذا الحضور يشعر به المؤمن في قلبه وفي كيانه، وبحوثه، والشعب الذي يجلس ليناجي ربه وليقرأ دعاء الندبة بحضور قلب ويُهمْهِم بزيارة آل ياسين ويتأوه، هذا الشعب يفهم ما يقوله، ويشعر بحضور هذا الإنسان العظيم حتى وإن لم يكن قد ظهر، فهو غائب ولكن غيبته لا تضر بالشعور بحضوره، صحيح أنه لم يظهر ولكنه حاضر في القلوب وفي صلب حياة شعب، وهل من الممكن أن لا يكون حاضراً؟! الشعب الإيراني مفخرة البشرية والشيعي المثالي هو الذي يحس بهذا الحضور ويشعر أنه يعيشه، وهذا ما يمنح الإنسان الأمل والنشاط قبل كل شيء. وهذا الشعب العظيم الذي يكافح في طريقه ويجاهد من أجل تحقيق العظمة للإسلام أضحى مفخرة تاريخ البشرية كله، وتاريخ الإسلام برمته، ذلك لأن هذا الشعب جعل راية الإسلام خفاقة في عصرنا، ومثل هذا الشعب بحاجة أكثر من أي شيء آخر الى هذا الأمل المشرق، وهذه العقيدة هي التي تمنحه هذا الأمل. وقبل انتصار الثورة وظف العدو جميع إمكانياته من أجل أن يبعث اليأس في نفوس أفراد الشعب من انتصار الثورة، ولكن هل من الممكن أن ينفذ اليأس الى قلب شعب استطاع بأيدٍ عزلاء أن ينتصر على حكومة مدججة بالسلاح.. إن هذا مستحيل أصلاً، لقد كانوا ينشرون هذا اليأس بآلاف الأساليب بين الشعب، ولكن هذا الشعب لم يفقد أمله، فإمامنا العظيم باعتباره قائداً بكل معنى الكلمة، كان قد عقد كل عزمه من أجل إبقاء الأمل في نفوس الشعب، فعندما تكون قلوب الشعب عامرة بالأمل فإنه سوف يتحرك ويبذل جهده، ولا توجد هناك أية قوة تستطيع المقاومة إزاء مساعي وجهود الشعب، المهم أن يشعر الشعب بالأمل، والإمام هو الذي كان قد رسّخ هذا الأمل موظفاً جميع الأساليب، الأساليب الإلهية والملكوتية والمعنوية، فنفخ هذا الأمل في الشعب، وهذا الإنتصار العظيم إنما حدث ببركة هذا الأمل. الأعداء وبث اليأس وبعد انتصار الثورة كان أعداء هذا الشعب يعزفون دائماً على وتر اليأس ولسان حالهم يقول: إنكم لا تستطيعون إدارة بلد بأكمله، ومواجهة أميركا، وهل من الممكن مجابهة العالم المادي، لا جدوى من جهودكم، عليكم أن تستسلموا وأن تذعنوا؛ وكلما حدث انتصار في موضع ما قاموا يسارعون الى كتمانه والتعبير عنه بشكل آخر في الإذاعات ووسائل الإعلام العالمية، وإذا ما حدث فشل بسيط في مكان ما طبّلوا له قائلين: لقد انتهت القضية لا فائدة من هذه الثورة، وكل ذلك كان هدفه إشاعة اليأس في قلوب الشعب. الشعب الإيراني: مرحلة الحرب والبناء ولكن هذا الشعب لم ييأس فاجتاز الحرب واجتاز مرحلة ما بعد الحرب وطوى مرحلة البناء، والى هذا اليوم فإن الشعب بفضل الخالق ما زال يسعى ويجاهد وأملي يزداد يوماً بعد آخر، ذلك لأنه يشاهد التقدم، فأين هذا الشعب في بدء الثورة من حالته اليوم؟ في ذلك اليوم لم نكن نمتلك سوى حصرم فجميع مرافق هذا البلد كانت مرتبطة بالغرب، فما كان قد تبقّى من عهد النظام السابق كان أكثره مقترناً بالتبعية والأسس الواهية والمتزعزعة. واليوم، فإن الشعب قد تحرك وأضحى قوياً واختبر قدرته العسكرية، ولمس قوته السياسية، ورأى كيف أنه من الممكن المقاومة إزاء عالم الظلم والإستكبار، وجرّب البناء، والآن فإن جهود البناء مشهودة بفضل الخالق في جميع أرجاء البلاد لمن يرى ويشاهد، فمن المعلوم - إذاً - أن يعجزوا عن سلب الأمل من هذا الشعب. المؤامرات الأميـركية ضد إيران والآن فإن العدو يتوسل بمساعٍ مفضوحة وما ترَونه الآن من اضطراب وحيرة الجهاز السياسي في أميركا وعدم معرفته لما ينبغي أن يفعله تجاه الشعب الإيراني سببه هذه الممارسات غير الموزونة التي يقومون بها إزاء الشعب والحكومة الإيرانية، وسببه قوتكم، وهذه الظاهرة مدينة لقوة هذا الشعب، وأمله على أثر عزمه الراسخ بحيث أن العدو لا يعلم ماذا عليه أن يفعل إزاء هذا الشعب، فهو يرتكب الحماقات، وأن ما يصدر اليوم من المتنفذين في أميركا وسياسييها سواء من رئيس جمهوريتها أو أولئك الأشخاص الآخرين الذين يقومون بهذه الأعمال ويطلقون هذه التصريحات، كل ذلك هو في ضررهم، فأية حكومة هذه التي تفضح نفسها الى هذا الحد بحيث أنها تخصص ميزانية للقيام بأعمال تخريبية في بلد آخر؟ فهل تتصورون أن عقلاء العالم وسياسيي العالم والأشخاص المتحضرين في العالم لا يدركون كم هذا العمل وقح ومخجل؟ من البديهي أن مساعيهم فاشلة والجميع يعلم ذلك، فمنذ اليوم الأول للثورة خصصوا الميزانيات وأنفقوا دون أن يذكروا اسماً أو يعيّنوا مكاناً، إنهم يبذلون جهودهم ضد الجمهورية الإسلامية فهذه الأعمال التخريبية وهذه التدريبات للمنافقين كلها مدعومة بطبيعة الحال بميزانيتهم فإلى أي حد استطاعوا أن ينجحوا؟ من المعلوم أنهم فاشلون، لا شك في ذلك، ولكن أن يكشفوا عن فضيحتهم الى هذا الحد أمام الرأي العام العالمي بحيث يصادقون عليها في الكونغرس فإن هذا أمر عجيب.. إن هذا هو ختم البطلان الإلهي على جباههم، والآخرون يفهمون ذلك، وعقلاء العالم يدركونه ولكنهم هم أنفسهم لا يفهمونه. لقد تصور النظام الأميركي أنه بالمصادقة على مبلغ يصل الى عشرين مليون دولاء أو مئتي مليون دولار أو ملياري دولار، أو أي مبلغ يتصور من أجل القيام بأعمال تخريب في إيران العظيمة، إيران الإسلامية المرفوعة الرأس، لقد تصور أنه سوف يفرض على إيران العزلة، في حين أن العزلة كانت من نصيبه هو دون أن يعلم ويفهم ذلك، لقد توهموا أن الرأي العام العالمي لا يدرك كم هي سخيفة ومفضوحة حركتهم هذه، من الممكن أن يدركوا الآن ذلك بعد أن استنكر الرأي العام هذا العمل، وسوف يستنكره أكثر يوماً بعد آخر، نعم من الممكن أن يدركوا ذلك ومن الممكن أن يندموا، ومن المحتمل أن يقوموا بعمل بحيث يطوي النسيان ذكر هذه القضية، ولكننا سوف لا نجعل ذلك يحدث، سوف نريهم أننا لا ننسى هذه القضية الأميركية. إن على العالم وجميع الأجيال القادمة أن يعلموا أن وقاحة النظام الأميركي تصل في عصر من العصور الى حد بحيث أنه يخصص ويصادق بصراحة على ميزانية لتخريب ولمواجهة حكومة حرة وشعب مقتدر، إن هذا الإجراء هو أقبح وأسوأ عمل من الممكن أن تقوم به حكومة في قضية العلاقات الدولية، إن المسؤولين الأميركيين يتصورون أن العالم سوف يستسلم لدكتاتوريتهم، يا له من خطأ، يا له من خطأ سوف يسبب خسارة كبرى لهم. وبالطبع فإنهم اليوم مشغولون بالإنتخابات ومنشغلون بحملات بعيدة حتى عن المبادئ الإنسانية المعمول بها لديهم في مجال الإنتخابات، إنهم لا يعلمون ماذا يفعلون وعندما تنجلي الغبرة سوف يدركون حينئذ الخطأ الذي ارتكبوه، إنهم يتصورون أن العالم سوف يذعن لهم، يا له من خطأ.. الشعوب ومكافحة الإستبداد إن أكثر شعوب العالم في أرجاء الأرض اتحدت وتحملت مظاهر الحرمان والصعوبات، وقد اتحد شعب بأكمله، وحطم الإستبداد داخل بلاده، لاحظوا الخمسين سنة الماضية وسترَون أن الكثير من البلدان التي كانت تحكمها أنظمة مستبدة خلال الخمسين أو الستين أو المئة سنة السابقة حاربت هذه الأنظمة وبذلت الجهود، وقد كان كفاح الشعوب خلال القرن الأخير وخصوصاً الخمسين سنة الواقعة بين طرفي هذا القرن موجهاً الى الدكتاتوريات الداخلية. إن هذه الشعوب التي كافحت الإستبداد الداخلي، أي أن مواطناً لها أراد أن يفرض عليها إجراءات تعسفية، إستطاعت أن تسحب من تحته عرش السلطة بالقوة، هذه الشعوب التي لم تتحمل الإستبداد الداخلي هل ستتحمل الإستبداد الأميركي؟ يا له من خطأ، نعم من الممكن أن تستسلم حفنة من الحكومات الضعيفة الفاقدة للشخصية، والمقطوعة عن شعوبها إزاء التهديدات والتهويلات الأميركية وإزاء الضغوط والتدخلات، ولكن الشعوب لا تستسلم وكذلك الحكومات التي تمتلك شخصية، والحكومات التي تربطها بشعوبها علاقات منسية، لا في أوروبا ولا في آسيا ولا في أفريقيا. وإذا كان هناك شعب مثل شعب إيران المجاهد والواعي قد جرّب ساحات الجهاد وأعطى كل هؤلاء الشهداء وكل بحار الدم يزأر رجاله ونساؤه كالأسود في ساحات الخطر، إذا كان هناك شعب كذلك فإنه سوف يصفع أميركا إن تقدمت خطوة واحدة صفعة لا يبقى بعدها أثر لها، فالشعب الذي يؤمن بالله ويعتقد به ويعتمد عليه ويكون مرتبطاً بعالم الغيب، والشعب الذي تشرق في قلبه شمس الأمل بالمستقبل والحياة واللطف والمدد الإلهيين، مثل هذا الشعب لا يمكن أن يستسلم ويُصاب بالذعر وينسحب من الميدان بهذه التصريحات. التوسل بالمهدي (عج) طريق الرشاد وهذه هي خصوصية الإعتقاد بتلك المعنوية المهدوية والثناء، والإعتقاد بـإمام العصر عليه آلاف التحية والثناء، يمتلك مثل هذا التأثير العظيم في كلٍّ من باطن الفرد وحركة المجتمع، وفي الحاضر، يجب معرفة قدر ذلك، وأنا أوصي أن تتضاعف هذه التوسلات التي كان يقوم بها شعبنا والحمد لله، وأن تستمروا فيها بكيفية أفضل قدر الإمكان، وأن تجذبوا اهتمامات وألطاف هذا الإنسان العظيم باتجاهكم، فهو حاضر وليس منفصلاً عن شيعته وأتباعه وليس غافلاً عنهم، وهو موجود بين صفوف الشعب، وهذا الشعب سوف يسلك من خلال توسله به طريق الرشاد وطريق الهداية وطريق الفتح والإنتصار بـإذن الله. نأمل أن تكونوا جميعكم أيها الأعزاء مشمولين بالأدعية الذاتية لهذا الإمام العظيم وأن تقر جميع الأعين المتطلعة الى جماله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كلمة القائد خلال استقباله جمعاً من العلماء - 17/1/1996. مقــدمــة أكد ولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله) أهمية مهمة التبليغ والدعوة الى الدين، وأوضح في كلمة ألقاها الأساليب الصحيحة لهذه العملية ودورها المؤثر في هداية المجتمعات البشرية، وضرورة أن يأخذ الدعاة والمبلّغون بنظر الإعتبار مستلزمات واحتياجات عصرنا الراهن على مستوى البلد والعالم الإسلامي. كما وأكد سماحة القائد في هذه الكلمة القيّمة التي ألقاها على أعتاب حلول شهر الله وربيع القرآن ضرورة الإهتمام بعملية التبليغ والدعوة الى الدين، وخصوصاً في هذا الشهر الكريم الذي تزداد فيه بركات الدعوة الى الله سبحانه وتعالى. كلمة سماحة القائد ألقاها خلال استقباله جمعاً من العلماء على أبواب شهر رمضان، وهنا نص الكلمة: شهر رمضان والتبليغ بسم الله الرحمن الرحيم على أعتاب الدخول في شهر الله الأكبر، وُفقنا الى الإلتقاء بالسادة المحترمين العلماء والفضلاء والمبلّغين، وهذه فرصة لأن أتحدث في هذا المجال المهم للغاية الذي ينبغي أن يؤدي اليوم - دون شك - أحد أبرز الأدوار في مجتمعنا وحياتنا. إن التبليغ والدعوة الى الدين لا يقتصران على شهر رمضان، ولكن شهر رمضان هو شهر البركة وشهر الرحمة، والتبليغ هو إحدى البركات الإلهية، وإذا استطاع بعض الأشخاص أن يدعو في هذا الشهر الى دين الله والى الطريق الصحيح لحياة المجتمع، فإنه من المتيقن أن ذلك سيُعتبر من البركات الإلهية لهذا الشهر، ولذلك فإن من المناسب حقاً في شهر رمضان وبعض المناسبات الأخرى أن يولي المسؤولون في مجال التبليغ والمتصدون له في كل مكان وخصوصاً في الحوزات العلمية، الإهتمام الخاص بهذه السنّة العريقة في المجتمع الشيعي. ًالتبليغً فـي التاريخ الشيعي وعلينا أن نقول قبل كل شيء في هذا المجال إن هناك فرقاً أساسياً بين الشيعة وعلماء الشيعة وغيرهم، فالدعوة الى الدين بواسطة العلماء ليست وظيفة حكومية مقررة، وليست مهمة رسمية جافة، ففيها تؤثر الدوافع الشخصية ومن جملتها الدوافع المعنوية والإلهية وكذلك الأذواق، وهذه الظاهرة تُعدّ من جهة نقطة قوة في سائر الأديان ومظاهر التبليغ. ولكن جوهر الأمر بيننا نحن علماء الشيعة يعتبر جوهراً خاصاً، فالشعور بالواجب الإلهي هو الذي يدفع أكثر الى مبادرتنا لأداء مهمة التبليغ، وبالطبع فإن هذا لا يعني أن الدوافع المادية لا وجود لها، أو أن الوظيفة الإلهية تتنافى - مثلاً - مع بعض الدوافع المادية، إن الأمر ليس كذلك بالنسبة الى المبلّغ، فمبادرة عالم دين الى القيام بمهمة التبليغ سوف تفتح المجال أمامه فإن كان من أهل الإخلاص والتقرب الى الله، والإهتمام بالثمار المعنوية للتبليغ وما الى ذلك فإن مجال العمل سوف يفتح أمامه، وهذا أمر مهم وفرصة تستحق الإهتمام، وهي تحت تصرفنا. وعلى أي حال، فإن هذه السنّة تمتد الى ألف عام، وإذا ما تأملنا أوضاع حوزة من الحوزات العلمية والأوساط العلمية الشيعية قبل تلك السنوات الأف، فإننا سوف نرى ظاهرة التبليغ محط اهتمام النخبة من علماء الشيعة، ولكننا نستطيع أن نذكر بالإسم والمواصفات ما هو واضح ومدوّن، ففي خلال هذه الفترة ظهرت الحوزات العلمية، ففي عصر السيد المرتضى (رض) والشيخ الطوسي (رحمه الله تعالى) كان هناك فقهاء وعلماء كبار يتوجهون من حوزات بغداد آنذاك ومن حوزة النجف في ما بعد الى المناطق الإسلامية المختلفة، وكانوا يسكنون هذه المناطق من أجل التبليغ وبيان الأحكام. وفي الحقيقة فإن منطقة حلب والشام والعلماء الكبار الموجودين هناك، كل ذلك هو من بركات تلك البعثات التبليغية التي كان أولئك العظام يرسلونها من النجف وبغداد، وبذلك المستوى الرفيع من المجتهدين الكبار الذين ما زالت آثارهم ومؤلفاتهم العلمية متداولة. وبالطبع فإن الشيعة وعلماءهم اجتازوا خلال ذلك العصر فترات مختلفة من مثل فترة التقية العسيرة والإضطهاد الذي تعرضوا له من قبل الحكام الظلمة آنذاك، فقد حصل في فترة من الفترات أنهم إذا ظفروا بالدعاة والمبلغين الشيعة في مجتمع ذلك العصر، بل وفي مدن بلادنا الحالية نفسها، فإنهم كانوا يعدّون لهم أقسى العقوبات، لقد كان الوضع على هذه الشاكلة، ولكن التبليغ لم يتوقف على الرغم من جميع الضغوط التي كانت تمارس ضده، وإذا ما راجع الإخوة الأعزاء التاريخ فإن مراجعتهم هذه ضرورية جداً لفهم الظروف الحالية، كما أنها تساعدنا على أن ندرك المرحلة التي وصل إليها اليوم الدعاة الى الإسلام، والظروف التي يعيشونها. لقد كانت توجّه أقسى العقوبات الى المبلغين، وخصوصاً أولئك المبلغين الذين كانوا يشدّون الرحال الى المدن المختلفة من أجل القيام بعملية التبليغ وبيان الأحكام الإلهية والفقهية في المذهب الجعفري، وحقائق القرآن من خلال أساليب التقية التي كانوا يتّبعونها، ومع ذلك فإن مسيرة التبليغ لم تتوقف ولم تنقطع. العلماء والتبليغ وأنا إنما أريد أن أتحدث عن ذلك بهدف أن يأخذ بنظر الإعتبار العلماء المشغولون بتلقي علوم الدين والحقائق الدينية وفضلاء الحوزة والعلماء في الأقضية أن التبليغ يمثل الواجب الأول لعالم الدين، فالتبليغ هو هدف العلوم الدينية، صحيح أن تربية العالِم وتربية المبلّغ بحاجة الى علماء كباراً ومتخصصين عليهم أن يجلسوا في موقع ما لكي يتوجه إليهم التلاميذ وفضلاء الطلاب وينتفعوا منهم، فليس من المتوقع أن يتعاملوا ويواجهوا بشكل مباشر عامة الناس والطبقات المختلفة، فعملهم هو - في الحقيقة - تربية المبلغين وتربية العلماء والإختصاصيين، كل ذلك صحيح في موضعه، ولكن عندما ينظر الإنسان نظرة عامة الى علماء الدين فإنه سيكتشف أن عدد المتخصصين في التربية قليل جداً، وأنهم لا يشكلون سوى عدد ضئيل. المبلغون وطبقات المجتمع إن أساس العمل بين علماء الشيعة عبارة عن التبليغ الديني وإيصال الحقائق الدينية، وبالطبع فإن هذا العمل تتقاسمه مستويات مختلفة، فهناك مستوى عامة الناس، وهناك مستوى يتمثل في الأشخاص الذين يتمتعون بالمعرفة والوعي الى حد ما، وهناك مستوى آخر هو مستوى المتميزين والزبدة في المجتمع، وهناك أشخاص قد لا يمتلكون وعياً ومعرفة في الدين، ولكنهم يُعتبرون أشخاصاً بارزين في الفروع العلمية الأخرى أو فنون الحياة المختلفة، ويتمتعون بذهن متوقّد وحس مرهف وتجربة ووعي ومعرفة، وهم يُعتبرون بطبيعة الحال جزءاً من الذين يخاطبهم مبلّغو الدين، هؤلاء يحتاجون أيضاً الى أن يبيَّن الدين لهم، وهذا هو أيضاً مستوى آخر. وبناءاً على ذلك، فمن خلال نظرة عامة نرى أن مبلّغ الدين يواجه طبقات وشرائح مختلفة، فهو لا يتعامل مع الطبقة العامة المحضة فحسب، بل إنه يتعامل الى حد ما أو الى حد كبير مع الأشخاص الذين يتمتعون بالمعرفة والعلم والتجارب، وهذا موضوع يستحق الإهتمام، وهو أساس في اتخاذ القرار بهذا الشأن. التبليغ مسؤولية العلماء الملاحظة المهمة الثانية هي أن العالِم هو الذين اختير لتبليغ الدين، وقد أشرنا سابقاً الى أن تبليغ الدين هو من ضمن واجبات علماء الدين، وإلا لكان من الجائز أن نقول: إن عملية التبليغ للدين من الممكن أن تقع على عاتق الأشخاص من غير العلماء. في حين أن الأمر على العكس من ذلك، فالتبليغ هو من اختصاص العلماء، فالأشخاص الذين يريدون أن يؤدوا مسؤولية الدعوة الى الدين عليهم أن يتمتعوا بالنصيب الذي يحتاجون إليه في عملية التبليغ. فما معنى ذلك؟ تطوير وتنمية المخاطَب إن ذلك يعني أن على مبلّغ الدين أن يشمّر عن ساعد الجدّ من أجل أن يرفع الأشخاص الذين يخاطبهم من المستوى الذي يراهم عليه، وأن لا يتوقف عند نقطة معينة، ولا يُبقي مستمعيه عند مستوى واحد، فأساس عملية التبليغ هو دفع المخاطَبين الى الأمام، علينا أن نزودهم بالوعي ونطورهم وننميهم فكرياً. إذاً هذه هي الملاحظة الثانية، وهي أنه لا يكفي أن نمتلك مستمعين في عملية التبليغ وأن نبقيهم على مستوى محدود من المعلومات، كلا، بل علينا أن نقودهم باتجاه علم الدين والوعي الديني والتقرب الى الخالق، وباتجاه الكمالات النفسية، حالهم في ذلك حال التلميذ الذي يتعهده الإنسان يوماً بعد يوم بالتربية، ويأخذ بيده الى الأمام، وهذا هو واجب المبلّغ. المبلغون: إقتران القول بالعمل الملاحظة الثالثة تتمثل في ما قيل مرات عديدة، وما قاله علماؤنا وما استند إليه الإمام (رض) مراراً، كنا ذكّرنا بهذه الملاحظة، وأنا نفسي محتاج الى فهم هذا الموضوع، وهو أن مبلّغ الدين ومبيِّن المعارف الدينية عليه أن لا يكتفي بالكلام، بل إن عمله أيضاً يجب أن يشير الى ذلك، فعمله يجب أن يثبت للمخاطَب إيمانه وإخلاصه وخلوص نيته في إيضاح هذه الحقيقة، وما نراه من مسارعة أفراد الشعب في أداء أي عمل يكون علماء الدين سبّاقين إليه دليل على ذلك، فيجتمعون وينفذون سواء في الجبهات أو في القضايا السياسية، علماً أن الثورة هي كذلك عادة. فإن سبب ذلك أن هذا العمل استطاع بفضل الجهود التي بذلها الأخيار والصلحاء من قَبلنا أن يوجه ويجذب إيمان الشعب الى الله، ولذلك فإن الشعب يمتلك الإيمان، وهذا بفضل إخلاصهم، إخلاص علمائنا وعظمائنا السابقين. تجسيد الإيمان والإخلاص علينا أن نشعر بذلك، إنه رأس مال نفيس، وعندما يجسّد علماء الدين مثل هذا الإيمان ومثل هذا الإخلاص في أنفسهم وبين أوساط الشعب ويثبتونهما له، فإنهما يسهلون بذلك عملية هدايته، فيجد الطريق الى الله، وما أعظم الأجر والثواب اللذين ينتظران الشخص الذي يستطيع أن يهدي الناس الى صراط الله، وهذا يتوقف على العمل، وعلى الصدق في الحديث، كما هي الحال بالنسبة الى التأثير الخارجي، فعندما يكون الإنسان صادقاً فسيبارك له في كلامه وعمله وطريقه في عالَم الواقع والخارج. إن صدق شعب وأمة ومجتمع من شأنه أن ينصرهم في الميادين المختلفة، وقد كان إمامنا العظيم صادقاً في طريقه، ولذلك استطاع أن يجذب إيمان الشعب، كما أن الشعب كان بدوره صادقاً بحيث تمكن من إيصال هذه النهضة الى هذا المستوى، وإلا فإن هذه النهضة كانت ستواجه الفشل لو لم يكن ذلك الصدق والإخلاص والإيمان. وقد قال أمير المؤمنين (ع): "فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر"، لقد كانت الحال كذلك في صدر الإسلام، فالصدق واجب، وهو يعني أن يؤيَّد كلام المبلّغ بواسطة عمله وسلوكه، ونحن إذا دعونا الشعب الى الإعراض عن زخارف الدنيا، فمن المفترض أن يُرى هذا المعنى في سلوكنا، وإذا دعونا الشعب الى أن يبذل الجهود الخالصة التي لا يتوقع منها أجراً ومنّة في المواضع التي يحتاج إليها النظام، فإن علينا نحن أيضاً عندما نشعر أن النظام الإسلامي والبلد الإسلامي بحاجة الى مساعينا، أي حاجة كانت وبأي مقدار كان، فإن علينا أن نبادر دون تلكؤ الى بذلها، دون أن نمنّ على أحد. وبعد، فهذه هي الأمور المهمة التي تؤثر على عملية التبليغ، وهناك ملاحظة أخرى أود أن أبيّنها في ما يتعلق بالتبليغ، وقد أوضحتها للفضلاء والنخبة في قم، وسأوضحها لكم خلال حديثي. اليوم لسنا معذورون.. إن العصر الحاضر - يا أعزائي - هو عصر حكم الإسلام، عصر حاكمية الإسلام، وليس مقبولاً منا اليوم أي عذر، فإن كان عملنا متعثراً في موضع ما إننا كنا نعتذر في عهد الطاغوت بأننا لا نمتلك الوسائل والأدوات لأداء عملنا، أما اليوم فإن علماء الدين لا يمكنهم أن يقولوا ذلك، فإذا لم يؤدِّ اليوم وسطنا العلمي والديني، أي هذا الوسط العلمائي، عمله حق أدائه في ما يتعلق بمقتضيات العصر وحاجة البلد والمجتمع والعالم الإسلامي، فإنه لا يمتلك عذراً أمام الله، كما أننا لا نمتلك عذراً أيضاً أمام التاريخ، والأجيال القادمة سوف تضع علينا علامات استفهام جدية. ولذلك فإن علينا أن ننتبه الى هذه الأمور، علينا أن نُقدِم، وبالطبع فإن كل شخص من الأشخاص قد لا يستطيع الإقدام، ولكن عندما يريد المجموع فإن ذلك سيكون ممكناً، بل أن من المستحيل أن لا يكون، فالمهم أن يريد الجميع. تعلّم فن التبليغ أما بالنسبة الى الملاحظة التي ذكرتها في قم، وسأفصلها لكم، فتتمثل في أن التبليغ فن بحاجة الى تعلّم وتلقٍّ، وبحاجة الى أن تبيّن ضروراته ومستلزماته للمبلغين بشكل متواصل وبتجدد مستمر، وهذه هي الأشياء الضرورية، فالأوساط التبليغية يجب أن تكون قادرة على أداء عملها بشكل صحيح، ومن الواجب تعلّم فن التبليغ، ومن الواجب أن يتعلم بعض الأشخاص هذا الفن ويعلّموه ويوصلوه الى حد الكمال، وكما قلنا سابقاً فإن الإمكانيات يجب أن تكون تحت تصرفه يوماً بيوم. موضوعات التبليغ إضافة الى ذلك، ماذا يجب علينا أن نقول للناس اليوم، وما هو الموضوع الذي يتمتع بالأولوية؟ هناك بعض القضايا عامة، إفترضوا - مثلاً - بعض المسائل الدينية التي يجب أن يُتحدث عنها على صعيد عامة الشعب كالأخلاقيات والمعارف الدينية، فالجميع يحتاجون إليها، وكبعض المعلومات السياسية التي يحتاج إليها الجميع مثل القضايا المتعلقة بالنظام والقضايا الموسمية، علماً أن موسم الإنتخابات قريب، وفي هذا المجال على المبلّغ، أينما ذهب، أن يوضح للشعب أهمية الإنتخابات، وهذا واجب يتعلق بجميع أنحاء البلاد، ولا يقتصر على فئة معينة أو مكان معين، إلا أن هناك بعض الموضوعات يختص ببعض الفئات، مثل: الأوساط المثقفة والوسط الطالبي والجامعي، فهناك أشياء معينة تحتاج إليها هذه الأوساط، ومن الممكن أن لا تكون هناك حاجة الى هذه الأشياء في أماكن أخرى، وكل ذلك من الواجب أن يبيَّن. الحوزة ومهمة تعليم التبليغ وبناءاً على ذلك، فإنه من الضروري أن يكون هناك مركز لتعليم التبليغ، والحوزة نفسه يجب أن تقوم بهذه المهمة، فالآخرون لا يستطيعون القيام به، وهناك بعض الأوساط لا تؤتمن على أدائها، فهذه المهمة هي مهمة الحوزة، وليس من المهم في هذا المجال أن تكون حوزة قم أو أي حوزة أخرى. تعيين موضوعات التبليغ والنقطة الثانية هي تعيين الموضوعات العامة وتبيينها على مستوى عام، كأن يجتمع فريق من الفضلاء والعلماء الكبار ليعيّنوا ويحددوا المواضيع المهمة، علماً أننا لا نقصد من ذلك أن يُعدّ شخص ما كتاباً، بل أن على الأشخاص البارزين من أصحاب الرأي، وعلى كل مبلّغ أن يعلم الحد الأدنى من المعلومات التي يجب أن يضعها تحت تصرف المخاطَبين، وعلماً أن بعضاً من معلومات السادة قديمة لا منسوخة، إنها معلومات تعتبر جديدة بالنسبة الى بعض الأوساط الدينية الخاصة، واليوم فإن هذه المعلومات والأحاديث لا تعتبر جديدة، فعلى المبلغين أن يبحثوا عن المعلومات التي لا يعرفونها وأن يبيّنوها، وبالطبع فإن تكرار ما يعرفونه قد يكون ضرورياً في بعض الحالات، فهناك أشياء يجب أن تتكرر، وهناك أشياء يكون تكرارها مملاً، وبناءاً على ذلك فإن الموضوع المهم بالنسبة الى المبلّغ هو تعيين المستوى اللازم للمعلومات. لاحظوا - مثلاً - المادة الدينية التي تدرّس في المدارس والجامعات، ما هي المفاهيم التي تبيّنها؟ عندما يتعامل مع مبلّغ الدين مثل هؤلاء المستمعين، فليس من الصحيح أن يهبط مستوى موضوعه الديني عند مستوى تلك المادة التي تدرّس لهم، بل يجب أن يكون أفضل منه وأكثر تميزاً لكي يستطيع أن يهديهم ويجعلهم يتقدمون الى الأمام، وهذه هي إحدى الحاجات. حل المعضلات الفكرية/ مؤامرات العدو أعزائي، إن هذه الحقيقة الساطعة تحت تصرفكم، وطبيعي أنها سوف تضيء على الأقل أجواء العالم الإسلامي، وهذا هو الحد الأدنى من القضية، وليس بـإمكان العدو أن يقوم بأي عمل، فعندما لا يكون هناك فراغ، وعندما تقدم الإجابة الفكرية بالشكل المناسب، وعندما تحل المعضلات الفكرية للمخاطَبين بالشكل المناسب، وعندما تحل المعضلات الفكرية للمخاطَبين بحكمة، فما هو الذي يستطيع أن يقوم به العدو؟! وما هو الأثر الذي سيتركه تبليغ ودعاية هذا العدو؟! وعلى العكس من ذلك، فعندما يكون هناك فراغ فإن العدو يستطيع أن يفعل كل شيء، بل أنه سيستطيع أن ينفذ الى عقر دارنا، يستطيع أن يخطف منا شبابنا، ثم يكون من الواجب علينا بعد ذلك أن نلحق به، فعلينا أن لا نسمح بحدوث مثل هذا الوضع. التبليغ من مستلزمات العلم الدينـي وعلى هذا، فإذا ما استثنينا الموضوعات التي نوضحها ونبيّنها عادة لهذه الأوساط، فإنني أؤكد أن وسطنا التبليغي يجب أن ينظر الى عملية التبليغ على أنها عمل رئيسي، ومن المستلزمات الأكيدة للعلم، علم الدين، فالواجب الأول لوسطنا العلمي والديني، أي علماء الدين، هو التبليغ، فالتبليغ ليس واجباً من الدرجة الثانية، ولا يقتصر على فئة خاصة من علماء الدين، بل أنه يمتلك شروطاً ومستلزمات وحاجات، وهو بحاجة الى مساعٍ. فيجب على المبلغين والدعاة أن يشمّروا عن ساعد الجد، وعلى الأشخاص المتخصصين في هذا العمل أن يقوموا بهذه الحركة وأن يدعموها ويؤيدوها، والله بدوره سوف يعينهم ويجعلهم - بـإذنه تعالى - موضعاً للإهتمام والعناية الخاصة لبقية الله الأعظم (أرواحنا فداه). أرجو من الله تعالى أن يخصكم بذلك ويؤيدكم ويوفقكم لأداء هذا الواجب المهم المتمثل في التبليغ على أحسن وجه قولاً وعملاً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كلمة القائد خلال لقائه المسؤولين في وزارة الداخلية والمحافظين - 17/1/1996. الشعب الإيراني: الحضور المستمر خلال لقائه المسؤولين في وزارة الداخلية والمحافظين، أشار قائد الثورة الإسلامية وولي أمر المسلمين آية الله العظمى السيد علي الخامنئي الى الوعي العميق والدقيق للشعب الإيراني المسلم، وحضوره المستمر في أحداث الثورة الإسلامية قائلاً: "سيؤدي الجميع - بـإذن الله - واجباتهم بشكل من الأشكال في ما يتعلق بانتخابات مجلس الشورى الإسلامي لكي تكون هذه الإنتخابات مفخرة للبلاد والشعب". المشاركة فـي الإنتخابات واجب عقلي وشرعي وأوضح قائد الثورة الإسلامية الأبعاد المختلفة للإنتخابات، واعتبر المشاركة في هذا الأمر المهم "واجباً عقلياً وشرعياً يستند الى مصالح البلد". وتابع سماحته: "إن المشاركة في الإنتخابات ليست واجباً مفروضاً بل أنها تشبه مسؤولية الشخص الذي يتوجب عليه استناداً الى حكم العقل أن يحافظ على سلامة قوته الداخلية وشرفه وعزته". وقال: "إذا أراد الشعب أن يبقي اقتدار البلد والحكومة التي يؤيدها محفوظاً، وإذا أراد أن لا يتدخل العدو في حياته وشؤونه، فإن عليه أن يحضر دائماً في الساحة، وأن يحافظ على عملية الإنتخابات، كما فعل ذلك - والحمد لله - منذ بدء الثورة وحتى اليوم، وهو يعلم مدى الدور الذي تؤديه الإنتخابات في مصير الشعب والبلد، والمجلس ملك للشعب، والشعب هو أساس العمل، وهو ينتخب الممثلين الذين يوافق عليهم ويوكل الأمور إليهم؛ بهذه الأمور تدار البلاد كما يريد الشعب". وزارة الداخلية ومشاركة الشعب وأضاف قائلاً بهذا الخصوص: "إن وزارة الداخلية هي أمينة الشعب في تثبيت الإنتخابات، وعليها أن توفر إمكانيات حضوره من خلال اتخاذ موقف مسؤول ومحايد يخدم الشعب بشكل كامل، ومن الضروري أن يشعر الشعب بعدم وجود أي تدخل في عملية الإنتخابات، وأن لا يُسمح لشخص باستغلالها، لكي يحضر أفراد الشعب في الساحة بـإرادتهم ورغبتهم". فئات الشعب وتوظيف القوى وأضاف القائد الخامنئي: "على رؤساء المنظمات والأحزاب والجمعيات، والأشخاص المعروفين في الساحة السياسية، والشخصيات وعلماء الدين والمثقفين والأشخاص الثوريين المناضلين والوجوه البارزة الأخرى التي يعرفها الشعب، عليهم كلهم أن يوظفوا جميع قواهم من أجل أن يشارك الشعب في الإنتخابات". وتابع سماحته: "يتوجب اليوم على كل شخص، سواء الأشخاص المسؤولون في المرافق الحكومية، وعلماء الدين الموجودون في مناطق البلاد المختلفة، والوجوه التي تمتلك تاريخاً وسوابق في القضايا السياسية أو الأشخاص المتكلمون أو الكتّاب الذين يديرون الصحف وكل شخص آخر أينما وجد، يتوجب عليهم أن يشجعوا الشعب على المشاركة في الإنتخابات". عدم المشاركة مخالفة للواجب وأكد سماحته: "إن أي شخص يقوم - بشكل مباشر أو غير مباشر - بعمل يؤدي بشكل ما الى إعراض الشعب عن المشاركة في الإنتخابات، فإنه يكون بذلك قد عمل بما يخالف الواجب، مثل الأشخاص اللامسؤولين الذين من الممكن أن يكونوا مرتبطين من الناحية العملية أو الفكرية بحيث أنهم يكتبون أو يتحدثون متوخّين بذلك تشجيع الشعب على عدم المشاركة في الإنتخابات". المحافظون: الواجبات الحساسة وفي جانب آخر من كلمته وصف قائد الثورة الإسلامية واجبات المحافظين "بأنها حساسة وذات أهمية بالغة"، واعتبر تهيئة الأجواء المناسبة "باعتبارها الممهد للهدوء والأمن السياسي والإقتصادي للشعب والأداء الأفضل والصحيح للأعمال في الأنشطة الإجتماعية والفردية، من الواجبات المهمة الملقاة على عاتق وزارة الداخلية والمحافظين". وقال بهذا الخصوص: "إن المحافظين أشخاص فاعلون ونشطون ومبدعون، وهم يؤدون بكفاءة الواجب المهم المتمثل في التنسيق بين الأعمال والأجهزة المختلفة في المحافظة، وإقرار الإنسجام بين الأقسام والأبعاد المختلفة للأنشطة على نطاق المحافظات مع الوضع العام للبلاد، ويدفعون المحافظات الى التحرك وبذل الجهود". تعزيز العلاقة بالله وأوصى سماحة القائد المحافظين بتعزيز علاقتهم مع الله سبحانه، والإخلاص والإهتمام بالجوانب الروحية قائلاً: "من الواجب أن تكون جميع الأعمال بقصد القربة، وإذا ما تحقق هذا الجانب ونبذ الإنسان جانباً القضايا والأغراض الفردية، والصراعات السياسية والفئوية، وأضحت الأعمال خالصة لله، فإن الله سوف يبارك له بدوره، فتتفتح الآفاق أمام الإنسان وتخلد الأعمال". تعزيز العلاقة مع الشعب واعتبر "إقامة وتعزيز العلاقة المتواضعة والأخوية مع الشعب، في الوقت نفسه الذي يؤدي فيه واجباته باقتدار، من ضمن المسؤوليات الأخرى للمحافظين". وأضاف قائلاً: "في ظل النظام الإسلامي يستمد المسؤولون قوتهم من قوة الإسلام العظيمة والشعب الإيراني المسلم، وعلى المسؤولين أن يؤدوا باقتدار واجباتهم من خلال الإعتماد على القوة الإلهية الأزلية". المؤامرات الأميـركية ضد إيران وأشار قائد الثورة الإسلامية الى المساعي والأراجيف الأميركية الأخيرة بهدف ضرب الجمهورية الإسلامية في إيران قائلاً: "إن الذي أفشل جميع المؤامرات هو اقتدار النظام الإسلامي والشعب الإيراني المسلم، هذا الإقتدار الذي هو في الحقيقة التجلي للقدرة الإلهية، وقد أدانت ورفضت اليوم الشخصيات المختلفة في العالم قرار أميركا بشأن مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إيران على الصعيد التجاري". كلمة القائد في المراسم الختامية لتلاوة القرآن الكريم - شباط 1996. مقــدمــة في المراسم الختامية الخاصة بتلاوة القرآن الكريم التي أقيمت لمناسبة شهر رمضان المبارك في حسينية الإمام الخميني (قده) أكد قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي خلال كلمة ألقاها في هذه المراسم ضرورة نشر الثقافة القرآنية، وفقاً لمحور القرآن الكريم. القرآن والشعور بالمسؤولية وقال سماحته: "على الشباب والأشخاص الذي يمتلكون استعداد تعلم القرآن وتلاوته، أن يشعروا بالمسؤولية، وأن يدرسوا تعاليمه وأحكامه في الوقت نفسه الذي يمارسون فيه التلاوة، ذلك لأن جميع تفاصيل حياتنا ونظامنا يجب أن تسير على ضوء المحور القرآني". القرآن اليوم وفـي العهد البائد وأضاف الولي الفقيه: "هناك بون شاسع بين الحياة في عهد الطاغوت، هذه الحياة التي حفر الطغاة فيها هوة عميقة بين القرآن والمجتمع، وحياة الشعب اليوم التي تدور بشكل كامل حول محور القرآن". وأشاد القائد بالشعب الإيراني المسلم الذي يتحرك الى الأمام بـإيمان وحب وهمّة باتجاه تعلم ونشر القرآن الكريم قائلاً: "من أجل أن يقوم نظامنا على المحور القرآني، فإنه من المتعيّن أن يكون القرآن الكريم في المجتمع، لكي يتعرف أفراد هذا المجتمع الى تعاليمه ومفاهيمه، وقد كانت هذه العملية تتم في العهد الإرهابي البائد بصعوبة بالغة تشبه الى حد كبير السير في أرض وعرة مليئة بالصخور. أما اليوم، فإن الله - والحمد لله - قد هيأ الأرضية للتعلم والتحرك في هذا الإتجاه أمام الجميع، وإذا ما تعلّم الشعب الإيراني المسلم القرآن الكريم ومعانيه، فإن عملية بناء المجتمع على أساس المحور القرآني سوف تكون سهلة". الشعوب والتعاليم القرآنية وفي ختام كلمته أشار سماحته الى عبارات لمولى المتقين الإمام علي (ع) حول القرآن الكريم قائلاً: "إن دواء آلامكم وآلام جميع الشعوب يكمن في القرآن، فالمرض الرئيس الذي تعاني منه الشعوب سواء في عصر أمير المؤمنين (ع)، وسواء اليوم هو عدم التمتع بحياة عادلة وصحيحة، وعدم وجود الأرضية المناسبة لنمو الإنسان. إن النظام الذي تحتاج إليه البشرية يكمن في القرآن وتعاليمه، وعلى القلوب والأرواح أن تذعن لهذه الحقيقة بالمعنى الواقعي للكلمة، وأن تهيئ الأرضية لنمو المجتمع، والتحرك في هذا الإتجاه على أساس المحور القرآني وذلك من خلال التدبر في القرآن". كلمة القائد خلال لقائه أعضاء لجنة تكريم الفيلسوف الملا صدرا - شباط 1996. المؤتمر وتعميق النظريات الفلسفية إلتقى قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي أعضاء اللجنة العليا لمؤتمر تكريم الفيلسوف الإسلامي الكبير الملا صدرا، وفي خلال كلمة قصيرة ألقاها في هذه المناسبة، إعتبر سماحته إقامة هذا المؤتمر خدمة جليلة لا يقتصر نطاق تأثيرها داخل البلاد، بل إنها تسهم أيضاً في تطوير وتعميق النظريات والآراء الفلسفية في العالم. الملا صدرا: واضع أسس الفلسفة وأشاد قائد الثورة الإسلامية بالمنزلة الشامخة للفيلسوف الإسلامي الكبير المرحوم الملا صدرا قائلاً: "إن الأفكار والآراء الفلسفية، والبيان السلس والعذب لصدر المتألهين بوصفه واضع أسس الفلسفة والحكمة المتعالية في إيران، كل ذلك مشهود بشكل كامل ومسيطر على الأجواء الفلسفية في إيران، ولكن الأجواء الفلسفية في الغرب لا تحيط علماً بهذه الآراء؛ وإجراءات مثل إقامة هذا المؤتمر ونشر الكتب حول حياته وخصوصياته، وترجمة كتب هذا الفيلسوف العظيم، من شأنها أن تزيل هذا النقص". فلسفة الملا صدرا وفي معرض إشارته الى خصوصيات صدر المتألهين قال سماحة ولي أمر المسلمين: "إن فلسفة الملا صدرا هي فلسفة عقلية وذوقية وشرعية، وهذه الخصوصية هي من أعجوباته، فقد استطاع أن يجمع في مدرسته الفلسفية الأسس التي تبدو مستحيلة الإجتماع، فالملا صدرا أقام الفلسفة العقلية على أساس الشرع المقدس، فقد انبثقت آراؤه من الأسس التعبيرية، والنظرة الفلسفية لهذه الشخصية العظيمة الى الكون هي نظرة قرآنية". وأضاف سماحته قائلاً: "إن فلسفة صدر المتألهين منقطعة النظير، وبحر أفكاره الموّاج إكتسبه الملا صدرا من الرياضة الروحية والإختلاء بالخالق والعبادة وتسليم قلبه لله، وتلقي الفيض من عالم الغيب، لا من الأساتذة والمدارس، وهذه ظاهرة عجيبة". واعتبر سماحة آية الله العظمى الخامنئي "شدة إقبال المفكرين والعلماء على آراء ونظريات الملا صدرا طيلة التاريخ من ضمن الخصائص الأخرى لهذا الفيلسوف العظيم". التعاون لإقامة المؤتمر وأضاف قائلاً: "إن إقامة مؤتمر تكريم الملا صدرا تعتبر عملاً يستحق التقدير إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار الخصائص السابقة". وأكد الولي الفقيه ضرورة "تعاون علماء ومفكري الحوزات العلمية والمؤسسات المختلفة الأخرى، وخصوصاً الإذاعة والتلفزيون ووزارة الإرشاد، في مجال إقامة مؤتمر تكريم صدر المتألهين". وأشار الى خصائص أعضاء اللجنة المقيمة لهذا المؤتمر، مشيداً بالبرامج والأنظمة التي تمت من أجل تكريم هذا الفيلسوف الشهير. كلمة القائد خلال لقائه أعضاء مجلس صيانة الدستور - شباط 1996. الإنتخابات قضية مصيرية خلال لقائه بأعضاء اللجنة المركزية واللجان المشرفة في مجلس صيانة الدستور في المحافظات، سلّط قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي (حفظه الله) الأضواء على أهمية الإنتخابات، وقال في هذا المجال: "تعتبر الإنتخابات قضية مهمة للغاية، وأساسية ومصيرية، وتتعين إدارة شؤون المجلس والإنتخابات من خلال نظرة شمولية". إيمان الشعب سر منعة النظام الإسلامي واعتبر قائد الثورة الإسلامية الإستناد الى "إيمان وعواطف ومشاعر الشعب سر منعة النظام الإسلامي". وأضاف سماحته: "إذا لم يتجسد السر الإلهي - أي توقّد الإيمان في قلوب وسلوكيات الشعب - فلن يكون باستطاعتنا جذب نفوس وقلوب أفراد الشعب، والحصول على التأييد الإلهي. الشعب الإيراني ومؤامرات الأعداء وقد هب الشعب الإيراني المسلم للدفاع عن النظام الإسلامي بالإستناد الى هذا السر الإلهي، فدخل ساحة الدفاع عن النظام الإلهي والقرآني دون أن يمنّ أو يطلب ثمناً، بحيث أن أكبر واضعي السياسات وأقوى المنظمات الجاسوسية في العالم بذلوا جهودهم مدة سبعة عشر عاماً من أجل توجيه الضربة القاضية الى الثورة الإسلامية، ولكن جهودهم هذه باءت بالفشل، وسوف تبوء بالفشل في المستقبل أيضاً بـإذن الله". المجلس تجسيد لآراء الشعب وقال سماحته: "في ظل النظام الإسلامي المعتمد على الشعب، يُعدّ المجلس تجسيداً لآراء الشعب في إدارة النظام، وهو - أي المجلس - يقف في مقدمة الأمور، ولذلك فإن انتخابات المجلس تعتبر مهمة وذات قيمة الى أبعد الحدود". إنتخاب الصالحين والحث على المشاركة وفي معرض إشارته الى واجبات الشعب والمسؤولين في قضية الإنتخابات قال سماحته: "يتوجب على أفراد الشعب أثناء مشاركتهم في الإنتخابات أن يصوّتوا للمرشحين الصالحين، إستناداً الى المقاييس الدينية والشرعية والثورية، وأن يرسلوا الى المجلس كل شخص يجدونه أقرب الى المقاييس الإلهية والثورية من دون أن يعيروا أهمية للعلاقات الشخصية أو القومية أو العشائرية". وأضاف سماحته: "كما يتوجب على الأشخاص الذين يمتلكون لساناً فصيحاً وقلماً قديراً ويتمتعون بالوجاهة بين الناس، أن يشجعوا الشعب على الإشتراك في الإنتخابات، وأن يرشدوهم ويعرفوهم الى العناصر الصالحة، وبالطبع فإنه من المتعين أن تؤخذ بنظر الإعتبار التوجهات الدينية والإعتبارات الشرعية فقط في عملية الإقتراع للأشخاص، لا العلاقة الشخصية أو الصداقة". مجلس الصيانة والعمل بحزم وقال سماحته: "عندما يصل مجلس صيانة الدستور الى نتيجة تتطابق مع القانون والمقررات في موضوع الإنتخابات، فإن عليه أن يعمل بحزم دون الإهتمام بأي اعتبار أو توصية، ويجب أن لا يحول أي شيء دون تحقيق ذلك". مجلس الصيانة: المكانة الخاصة ووصف قائد الثورة الإسلامية مجلس صيانة الدستور بأنه الضامن لعدم حدوث انحراف في المسيرة الدينية للنظام، وأشار الى أهمية هذه المؤسسة في هيكلية النظام الإسلامي قائلاً: "يتمتع مجلس المحافظة على الدستور - حاله في ذلك حال بعض الظواهر الأخرى مثل الدستور - بمكانة خاصة، ذلك لأنه إذا ما تصرف بشكل صحيح وسليم فسوف يزول خطر انحراف النظام عن الدين، وهذه الميزة لا يمكن مقارنتها مع أي ميزة أخرى". المحافظة على هيبة واقتدار المجلس وأشار سماحته الى الخسائر التي تكبدها الشعب والبلد بسبب انحراف الحكومة الدستورية عن الأسس والمبادئ الدينية، وإمساك النظام البهلوي بزمام الأمور، فقال: "إن مجلس صيانة الدستور هو الضامن لاستمرار النظام على المسيرة الدينية، كما هي حال الدستور الذي هو العمود الفقري والمركز الرئيس لبنية النظام، وبناءاً عليه فإنه من المتعين المحافظة على هيبة واقتدار وحرمة مجلس الصيانة، وأن يحول أعضاؤه دون أن يعمد أصحاب النيات السيئة الى هتك حرمته تحت غطاء الإعتراض، كما يجب على أصحاب الأقلام والمنابر أن ينتبهوا الى أن الإساءة الى مجلس الصيانة تعتبر عملاً لا يمكن قبوله واحتماله". العدل فـي الإنتخابات واعتبر سماحته: "تحري العدل والإنصاف في عملية الإنتخابات من القضايا الضرورية ومن واجبات المجلس". وقال في هذا المجال: "تجب المحافظة على كرامة الأشخاص وحرمتهم بشكل كامل أثناء تنفيذ عملية الإنتخابات". مقاييس صلاحية المرشحين واعتبر سماحة القائد الخامنئي أن "الإعتقاد بالنظام والإسلام والثورة، والسعي من أجل أداء مسؤولية وواجب التمثيل في المجلس، المقاييس الرئيسة في تحري صلاحية المرشحين للتمثيل في مجلس الشورى الإسلامي". وأكد قائلاً: "تجب الحيلولة دون دخول الأشخاص النفعيين الذين لا يؤمنون بالرسالة الثورية والمسؤولية الحساسة للتمثل في المجلس، عليكم أن ترفضوا الأشخاص الماديين وعملاء الإقطاعيين والأشرار والأشخاص الذين يريدون أن ينفذوا في المجلس لتحقيق مصالحهم المادية والدنيوية عبر ترغيب أفراد الشعب، وبالطبع فليس من الصحيح توجيه تهمة معارضة مبدأ ولاية الفقيه لأسباب واهية مثل التفوّه بكلمة ما في موضع من المواضع، ونبذ هؤلاء الأشخاص جانباً من خلال التحريات غير الضرورية، والنظرات الضيقة". المحافظة على نزاهة الإنتخابات وأعرب قائد الثورة الإسلامية عن أمله وتفاؤله قائلاً: "لتكن (بفضل الله) إنتخابات الدورة الخامسة لمجلس الشورى الإسلامي جيدة ونزيهة وسليمة ومماثلة للدورات السابقة، وأن لا يدخل المجلس سوى المرشحين الحقيقيين للشعب". كلمة القائد في مؤتمر ًالأسس الفقهية لشخصية الإمام الخمينيً - آذار 1996. مقــدمــة بدأ مؤتمر دراسة الأسس الفقهية لشخصية الإمام الخميني الراحل (رض) أعماله تحت عنوان "دور الزمان والمكان في الإجتهاد"، وذلك بخطاب لسماحة قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (حفظه الله). وقد عقد هذا المؤتمر الذي يستغرق ثلاثة أيام في مدرسة القضاء العليا في مدينة قم المقدسة، وفي ما يلي الترجمة الكاملة لخطاب سماحة القائد: إنعقاد المؤتمر من بركات الإمام بسم الله الرحمن الرحيم إن انعقاد هذا التجمع العلمي والتحقيقي، بجميع الآثار والنتائج التي ستتمخض عنه بـإذن الله تعالى، يعدّ من البركات الخالدة الأخرى لشخصية عظيمة لا نظير لها خلّفت لنا أعظم وأروع ظاهرة تاريخية في مجال القضايا المتعلقة بالإسلام والمسلمين، ألا وهي تشكيل وتأسيس نظام الجمهورية الإسلامية. الإحاطة العلمية ومعرفة المستقبل وإذا كان ظهور حكومة على أساس الفكر الإلهي رافعة لراية العدل الإسلامي في عالم مليء بفوضى الأفكار والأهداف والشعارات المادية، يدل على إرادة وتوكل وحكمة ذلك الرجل الفريد؛ وإذا كان انتشار القيم الأخلاقية وتجديد مفاهيم الزهد والتقوى والورع في أخلاقيات وسلوك الرجال المسؤولين في هذه الحكومة يضعان إزاء الأجيال الحاضرة والقادمة المشعل الوهاج لإخلاص وانتماء وخشوع ذلك الرجل الذي اصطفاه الزمان، فإن نظرته العلمية الحكيمة والعميقة الى الفقه والشريعة، والإستناد الى شعار "دور الزمان والمكان في الإستنباط الفقهي"، كل ذلك يكشف بوضوح أيضاً عن إحاطته العلمية وبصيرته ونظرته الثاقبة، ومعرفته بالمستقبل وغناه الفكري، على أن كل ذلك الذي يعتبر بدوره تركيباً بديعاً لا مثيل له في السلسلة المتألقة من الشخصيات الإسلامية لا يشكل - بدون شك - جميع أبعاد شخصية الإمام الراحل العظيم. دور الزمان والمكان فـي الإستنباط وفي ما يتعلق بموضوع الزمان والمكان ودوره وتأثيره في عملية استنباط الأحكام الإسلامية، فإنني سأورد كلمة قصيرة تتمثل في أننا لو عرفنا ووظفنا بالشكل الصحيح هذا الينبوع المبارك، فإنه سوف يشكل مورداً عظيماً تنهل من خلاله المجتمعات البشرية من كوثر الشريعة الإسلامية؛ فحتى الآن كان التبرير الأكبر الذي تشبث به الأشخاص الذين أرادوا أن يحرموا المجتمعات البشرية من فيض الهداية والإسعاد الكامن في الشريعة هو أنهم تصوروا الأحكام الدينية حقيقة جامدة غير مرنة واعتبروها غير منسجمة مع الحركة المستمرة والجياشة والمتغيرة للحياة. وبرغم أن هذه الإدعاءات كانت في بعض الأحيان ناجمة عن نيّات وأغراض سيئة وعدم إيمان بأصل الدين، إلا أنها كانت في حالات أخرى ناتجة عن انعدام وعي المطلقين لها وجهلهم، وكثيراً ما أدت ردود الفعل المتسرعة والجاهلة لبعض من المتدينين الى توسيع نطاق هذه الشبهات والإدعاءات المضطربة. إن الحقيقة التي طرحها الإمام الراحل (رض) تتمثل في أن كوثر الشريعة والفقه هو تيار يجري على الدوام والى الأبد من ينبوع الوحي الى المجالات المختلفة في الحياة، فمصدر ومادة الحكم الإلهي - بعيداً عن الفكر والعقل المحدودين للإنسان وبعيداً عن تدبيراته القاصرة المتقولبة والمتجمدة في الظروف المختلفة للحياة - هذا المصدر يتمثل في العلم والحكمة الإلهية الشاملة وغير المحدودة التي تضم بأجنحتها الواسعة جميع الأزمنة والأمكنة، وتمطر على جميع ربوع الحياة وحقولها وتروي كل مكان وزمان. إن الزمان والمكان والأوضاع والأحوال المختلفة في حياة البشرية ومستجدات العالم، من شأنها أن تساعد الفقيه العارف بدينه وعصره على أن يروي ظمأ نفسه وأهل زمانه من ذلك الكوثر، أعني ذلك الينبوع الأبدي المتنامي، وأن لا يتسبب بحرمان البشرية منه التي هي بحاجة دوماً وفي كل مكان الى الدين والشريعة الإلهية. ومن أجل فهم هذا المبدأ والأساس العام وتطبيقه، فإن من الواجب أن تكون لدينا بصيرة واضحة وانضباط فكري كامل في الوقت نفسه، فأي نوع من الإفراط أو التفريط في هذه المهمة الحساسة والخطيرة من شأنه أن يتسبب بأضرار جسيمة لا يمكن تلافيها الى درجة أننا نستطيع أن نقول إن أضرار الإنغلاق العلمي جسيمة بنفس مستوى جسامة أضرار الجمود الفكري والنظرات القاصرة. إن معرفة دور كل زمان وكل مكان يجب أن تكون مقترنة دوماً بالإلتزام بأصول المدرسة الفقهية التي هي "أسلوب" علمي واختصاصي، وهذا هو معنى كلمة الإمام الراحل (رحمة الله عليه) التي اعتبر فيها الفقه المتحرك والمتكيف مع الحاجات الدائمة في كل زمان ومكان هو ذاته الفقه التقليدي، ولذلك فقد شدد عليه دوماً. ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقرر أن الفقهاء المجربين والمتخصصين هم وحدهم الذين يملكون صلاحية معرفة تأثير الزمان والمكان في أحكام الشريعة وإصدار الفتاوى على أساسه، ولذلك فإن هذا الأمر الخطير بعيد كل البعد عن متناول الأشخاص غير الخبيرين وغير المتبحرين في المدرسة الفقهية. الزمان والمكان وثبات الشريعة والآن فإن تجمعكم أيها الحكماء والعلماء العارفون بالدين والخبراء في الفقه يؤدي دوراً مهماً وأساسياً. وفي هذا المجال يتعين في البدء معرفة الهدف الحقيقي من دور الزمان والمكان في الإجتهاد، وإزالة شبهة عدم انسجام هذا المبدأ مع مبدأ "ثبات وخلود الشريعة" بأسلوب علمي دقيق، ثم تبين أن حدود هذا المبدأ المهم، وتقديم تعريف جامع ومانع، وتحديد أساليب الإستفادة منه. ومن الواجب في هذا المجال التحلي بسعة الصدر والتحمل العلمي بالإضافة الى الدقة وتحري التطبيق للمبادئ والأصول المسلّم بها والمفروغ منها. ومما لا شك فيه أن وجود العلماء والفقهاء والأساتذة البارزين في حوزة قم العلمية في هذا التجمع وكذلك الشخصية العلمية لرئيس المؤتمر، الباحث الكبير المرموق، والمسؤولين الفاضلين والمتخصصين المتحسسين للمسؤولية الذين أشرفوا على إقامة هذا المؤتمر، كل ذلك يحدو على الأمل والتفاؤل بنتائج هذا التجمع العلمي. السيد أحمد الخمينـي وتشكيل التجمع وأرى هنا أن من واجبي المحتّم أن أشيد وأشير بالتكريم والإجلال الى النجل والخلف الصالح والعظيم للإمام الراحل، المرحوم حجة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الخميني (طيب الله رمسه وقدّس الله نفسه) الذي أجرى هذه السنّة المباركة بفضل علمه وحكمته وذكائه وشعوره بالمسؤولية، والذي كان أول مَن وضع فكرة تشكيل هذا التجمع، وأن أدعو من الخالق لروحه الطاهرة بالفضل والرحمة، وأقرر بكل ثقة واطمئنان أن قدراً عظيماً من الأجر والثواب الأخروي والذكر الدنيوي الطيب في هذا العمل الكبير يعود إليه. والسلام عليه وعلى والده العظيم والفقهاء الراشدين وعليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.. كلمة القائد في تخريج الدورة السابعة والعشرين للقوة البرية - آذار 1996. الإرهاب الأميـركي الصهيوني ألقى سماحة قائد الثورة الإسلامية القائد العام للقوات المسلحة كلمة في مراسم تخرج الدورة السابعة والعشرين لطلبة الكلية العسكرية التابعة لقيادة القوة البرية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي هذه الكلمة إستنكر سماحة القائد الممارسات والأنشطة الإرهابية التي تقوم بها وكالة الإستخبارات الأميركية والدوائر الصهيونية، وأعرب عن شجبه لهذه الممارسات المشينة. وفي المراسم التي حضرها لفيف من الضباط والقادة العسكريين رفيعي المستوى في القوات المسلحة، والملحقون العسكريون للسفارات الأجنبية في إيران، أشار القائد العام للقوات المسلحة الى استمرار العداء والممارسات الحاقدة للقوى الإستكبارية قائلاً: "إن وسائل الإعلام الخبرية المرتبطة بالصهيونية تتهم الشعب الإيراني ومسؤولي النظام الإسلامي بالإرهاب، ولكن الإرهاب - في رأينا - يمارسه الأشخاص المنحرفون في ذاتهم. واليوم، فإن الذين يحكمون في فلسطين المحتلة والذين يدعمونهم من الأميركيين يقفون في مقدمة الإرهاب الدولي". مؤامرات الإستكبار والشعب الإيراني وأكد قائد الثورة الإسلامية شجب الشعب الإيراني للممارسات الإرهابية الأميركية والصهيونية، وقال في هذا الصدد: "ما دامت إيران العزيزة تتألق بين البلدان والشعوب باعتبارها بلداً إسلامياً، فإنها ستظل مستهدفة من قبل الأنشطة الإرهابية والممارسات المشينة لأعداء الإسلام، المتمثلين في وكالة الإستخبارات الأميركية والأجهزة الصهيونية وحلفائها من ذوي الأفكار والنيّات السيئة. وعلى الأشخاص الذين لا يكفون عن ممارساتهم العدائية الحاقدة والماكرة ضد هذا الشعب بسبب نياتهم السيئة، عليهم أن يعلموا أنهم سيفشلون كما حدث في الماضي، ذلك لأن الشعب الإيراني وقف ويقف أمامهم بثبات وصمود كالجبل". الإعلام الإستكباري وانتخابات مجلس الشورى واعتبر سماحة السيد علي الخامنئي أن هدف وسائل الإعلام الإستكبارية من تكرار وترديد الشعارات المضادة للجمهورية الإسلامية في إيران هو حرف أذهان الشعب على أعتاب إجراء الحملات الإنتخابية لمجلس الشورى الإسلامي. وتفضل قائلاً في هذا المجال: "إن يوم الجمعة هو يوم الإمتحان ويوم تعيين مصير البلاد لدورة تستغرق أربع سنوات، والشعب الإيراني سيوجه في هذه المرة أيضاً من خلال إقدامه الحازم صفعة ماحقة على وجه أعداء الإسلام". المجلس الجيد مفتاح الأعمال السليمة وأكد سماحة قائد الثورة الإسلامية أهمية اختيار الممثلين الجيدين لمجلس الشورى الإسلامي قائلاً: "إن الممثلين الذين يحملون صفات الشجاعة والإيمان والمعرفة والشعور بالمسؤولية والخدمة للشعب وإفشال مخططات الأعداء سوف يشكلون مجلساً جيداً وصالحاً، ومثل هذا المجلس سوف يختار بدوره حكومة جيدة وكفوءة تكون نتيجتها الحركة الصحيحة والعمل الجيد للشعب. وبناءاً على ذلك، فإن المجلس الجيد هو مفتاح الأعمال الصحيحة والسليمة في البلاد". الشعب الإيراني والمشاركة فـي الإنتخابات وأكد قائد الثورة الإسلامية أهمية وضرورة الحضور الواسع للشعب في الإنتخابات قائلاً: "على أفراد الشعب أن يراعوا الدقة في البحث والتقصي في ما يتعلق باختيار ممثليهم، وأن يتوجهوا الى صناديق الإقتراع إنطلاقاً من الشعور بالواجب والمسؤولية، وأن يدلوا بأصواتهم مدفوعين بهذا الشعور. وفي يوم الجمعة سوف يدرك العالم، وخصوصاً أعداء الإسلام، المفهوم الحقيقي لـ "إيران الثورة"، وسوف يرَون أن الشعب الذي يمتلك تجربة سبعة عشر عاماً من عمر الثورة يتصرف الآن وهو يحمل تجارب أكثر من الماضي، ويتمتع بقوة أكبر، ووعي ويقظة أكثر، ولسوف يخرج من هذه التجربة أيضاً فخوراً مرفوع الرأس". الجيش والحرس ساعدا الجمهورية الإسلامية وفي ختام كلمته وصف القائد العام للقوات المسلحة الجيش والحرس بأنهما الساعدان القويان للجمهورية الإسلامية في إيران، وأكد لخريجي الكلية العسكرية أن الجهود التي يبذلونها في المراكز العلمية والعسكرية تعدّ خدمة كبيرة للشعب الإيراني". الجدير ذكره أن قائد الثورة الإسلامية وقف في بداية المراسم أمام نصب الشهداء إحتراماً وإجلالاً لهم، ثم قرأ سورة الفاتحة تكريماً لمنزلتهم الرفيعة. بعدها قام باستعراض الوحدات العسكرية. كما سلّم القائد العام للقوات المسلحة شهادات التخرج والجوائز للطلاب والأساتذة الأوائل والمسؤولين المميزين في الوحدات الإدارية للكلية العسكرية. كلمة القائد في مدينة مشهد - 1/4/1996. مقــدمــة ألقى ولي أمر المسلمين آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (حفظه الله) خطاباً مهماً في مدينة مشهد في الحشود الإيرانية وزوار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، تحدث فيه عن قضايا داخلية وخارجية أهمها الحملة الإستكبارية ضد الجمهورية الإسلامية. وهنا بعض ما جاء في الخطاب حول الهجمة الأميركية الصهيونية الأخيرة على إيران. الجمهورية الإسلامية والتعاون الدولـي بسم الله الرحمن الرحيم أريد أن أعرض الموضوع بشكل مختصر موجهاً حديثي إليكم يا شعبنا العزيز، في ما يتعلق بالقضايا العالمية للجمهورية الإسلامية: إنني أؤمن بالتعاون الدولي، فنحن نؤمن أيضاً في ما يرتبط بالعالم أنه إذا كانت هناك وحدة بين الأشخاص المريدين للخير، فإن أوضاع العالم سوف تؤول الى الإصلاح؛ ولكن هذا الهدف من الصعب جداً تحقيقه في العالم، ولذلك فإن أمامنا في العالم نوعين من الأعمال: العمل الأول الذي هو عملنا الرئيس عبارة عن التعاون الدولي، التعاون مع الشعوب والحكومات والمساعي المشتركة، وهذا هو العمل الرئيس في الساحة الدولية. الجمهورية الإسلامية وأعداءها وهناك عمل آخر على الصعيد الدولي ألا وهو الكفاح، فنحن على الصعيد الدولي مجبرون على أن نكافح ضد عداء هذا الشعب، علماً بأننا نتمنى لو أن هذا الشعب ليس له أعداء فلا نُجبر على أن نكافح ضده، ولكن لهذا الشعب أعداءاً عنيدين وخبثاء وخطيرين علينا أن نجاهدهم، وفي مجال الكفاح الدولي فإننا نواجه نوعين من الأعداء: أعداءاً أساسيين من المتعيَّن علينا أن نجاهدهم، فنحن لا نجاهد ضد الأعداء غير الأساسيين، بل نحاول أن نتفاهم معهم وأن نصلحهم ونقنعهم بأنهم على خطأ، ونصرفهم عن عدائهم لنا، وهذا الموقف يقتصر على الأعداء من الدرجة الثانية. بل إننا في بعض الحالات لا يمكننا أن نصفهم بأنهم أعداء، فالمهم أن نواجه الأعداء الأساسيين. لكن مَن هو العدو الرئيسي؟ إن العدو الرئيسي للجمهورية الإسلامية في العالم يتمثل في الصهيونية والإستكبار، فالصهيونية والإستكبار يمثلان أساس القضية في العداء ضد الإسلام ونظام الجمهورية الإسلامية. أميـركا مصداق الإستكبار وإذا ما أردنا أن نعيّن المصداق بشكل دقيق للإستكبار، فإنه ينطبق اليوم على الحكومة الأميركية المعتدية والمستكبرة والمتجبرة، فأعضاء هذه الحكومة يمثلون المستكبرين الرئيسيين في العالم، علماً بأن قصة الإستكبار تحمل الكثير من المرارة لجميع الشعوب، الإستكبار يعني أن هناك قوة في العالم لا تعير أهمية الى مصالح الشعوب ولا تهتم بمطالب البشرية، ولا تولي أي أهمية الى المفاهيم والقيم الإنسانية. الشيء الوحيد الذي يحظى بالإهتمام لديها هو تحقيق مصالحها، وهذه المصالح نفسها لا تحققها إلا بروح التكبر والجشع والغطرسة، مثلها في ذلك مثل قطّاع الطرق الذين لا يفكرون بأي شيء سوى بمصالحهم ومنطق القوة والعنف. إسرائيل أشد قذارة من أميـركا واليوم فإن أميركا تسودها هذه الحال، وبالطبع فإن الحكومة الصهيونية في فلسطين المحتلة أكثر قذارة من أميركا، لماذا؟ لأن الحكومة الأميركية هي حكومة على أي حال تستند الى شعب، ولكن الحكومة الصهيونية الغاصبة لا تمثل في الأساس شعباً، فالشعب الساكن في تلك المناطق هو الشعب المشرّد اليوم. الجرائم الصهيونية والشعب الفلسطينـي وإسرائيل وُجدت منذ البدء من خلال الظلم وسفك الدماء؛ فلقد قَدِمت الى منطقة فلسطين شرذمة من الأشخاص الظالمين والمعتدين بدعم من الحكومة الإنكليزية، وأخرجت أهالي هذه المنطقة الذين لا يزال أولادهم وذووهم البالغ عددهم الملايين يعيشون في المخيمات، إما تحت الخيم أو شيء شبيه بها كالأكواخ. وهكذا، فإن الشعب الفلسطيني يعيش خارج فلسطين في الأكواخ والمخيمات، في حين أن بيوتهم ووطنهم تحت تصرف أشخاص جاؤوا من أوروبا وأوستراليا وأميركا وآسيا وأفريقيا، ليستوطنوا في فلسطين ويشكلوا شعباً وكياناً مزوراً. الجمهورية الإسلامية والقضية الفلسطينية إن مثل هذا الشعب لا وجود له، ولا هوية له، ولا ذنب للجمهورية الإسلامية سوى أنها تصرّح بهذا الكلام. وخلافاً للحكومات الأخرى التي تكتم الحق وتغطيه، خوفاً من أميركا أو بترغيب منها، فإن الجمهورية الإسلاميية تقول هذا الكلام بصراحة وتعلن أن "الحق حق والباطل باطل"، فنحن لا نستطيع أن ننكر أن الشعب الفلسطيني كان له وجود وأنه اليوم مشرّد، وليس بـإمكاننا أن ننكر أن أرض فلسطين قد اغتُصبت من الشعب الفلسطيني، والأدهى من ذلك أنها اغتُصبت بأسلوب وحشي، وبسفك الدماء والممارسات الظالمة، فالحكومة الإسرائيلية إنما ظهرت عبر المذابح الجماعية، والحكومة الإسرائيلية إنما تشكّلت منذ البدء من خلال ركل كل القيم الإنسانية. وحتى الآن مرّ خمسون عاماً على عمر هذه الحكومة المزيفة، وطيلة هذه الأعوام كان القمع مستمراً وكان إزهاق الأرواح مستمراً، وكان الكذب والدجل والإعتداء على الأبرياء هو أساس حياة واستمرار حكومة إسرائيل، وهذه حقيقة إسرائيل. الرئيس الأميـركي والإرهاب الصهيوني في حين أن الرئيس الأميركي - والإنسان يتعجب حقاً - لا يمنعه الخجل من أن يقف ليقول في وضح النهار أمام الرأي العام العالمي وبأعلى صوته "إننا من أجل أن نمنع الإرهاب فإن علينا أن نتعاون مع إسرائيل". إن الإنسان ليتعجب حقاً! إنهم يريدون أن يتعاونوا مع إسرائيل التي ظهرت على أساس الإرهاب، مع أخطر وأقذر إرهابيي العالم؛ هؤلاء الأشخاص الذين يمسكون بزمام الأمور في فلسطين المحتلة المظلومة، ترى هل تريدون أن تتعاونوا معهم من أجل مكافحة الإرهاب والإرهابيين؟ أي إرهابيين هؤلاء؟ إنهم أولئك الأشخاص الذين شُرّدوا من وطنهم سنين طويلة، وضاقت بهم الأرض على أثر الضغوط الموجهة إليهم، أفليس من حقهم أن يلوّحوا بقبضاتهم ويصرخوا محتجين؟ وهل من حقنا أن نصفهم بأنهم إرهابيون لمجرد أنهم فعلوا ذلك؟! العداء الأميـركي لإيران؟ إننا نعلن هذه الحقائق ولا نكتمها، فلقد اعتبرنا أنه من الذنب أن نكتم هذه الحقائق التي هي أكثر الحقائق وضوحاً لمجرد أن أميركا تريد ذلك. هناك الكثير على الصعيد العالمي ممن تربطهم معنا علاقات تجارية أو سياسية يقولون لنا ولمسؤولينا وشخصياتنا سراً "إن سبب عداوة أميركا لكم هو قضية الشرق الأوسط هذه - وقصدهم من ذلك قضية إسرائيل - فلماذا تعارضون؟"، إنهم يقولون لنا بصراحة: "إن قضية حقوق الإنسان والمحاكمات وحقوق المرأة، وما الى ذلك من تُهم تُوجه الى الجمهورية الإسلامية في وسائل الإعلام الأميركية والصهيونية في العالم، إن كل ذلك مجرد كلام"، ونحن أيضاً نعلم أنه مجرد كلام، والجميع يعترف بذلك الآن. وأنا كنت دائماً أقول للأشخاص الذين يشعرون بالضعف "لماذا تُخدَعون بالإعلام، ولماذا تصدّقون أن أميركا عندما تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، إنها حقاً قلقة إزاء ضياع حقوق الإنسان في إيران؟ إنهم لا يشفقون على الإنسان، فهم - أنفسهم - أكبر منتهك لحقوق الإنسان، إنهم الأشخاص الذين أحرقوا ثمانين إنساناً في بيوتهم أحياءاً في إحدى المدن الأميركية من دون أن يحرك أحدهم ساكناً، فما هي علاقتهم بالإنسان، وما هي علاقتهم بحقوق الإنسان، وما الذي يعرفونه عن حقوق الإنسان؟". إن قضيتهم تكمن في مكان آخر، إنهم يتساءلون قائلين: "لماذا تصالحون إسرائيل؟ لماذا لا توقّعون - على حكم قتل الشعب الفلسطيني - كما فعل الآخرون؟"، هذا هو كلامهم، وأنا كنت أقول ذلك دائماً للجميع، والآن فإنهم هم أنفسهم يعترفون بذلك ويقولون لنا: "إن هذه الضغوط الأميركية، وهذا الحصار الإقتصادي، وهذا الإعلام العدائي الوضيع، كل ذلك موجه ضد الجمهورية الإسلامية بسبب قضية إسرائيل". إنهم يقولون لنا: "لماذا ترفضون السلام في الشرق الأوسط، ولماذا تقولون إنه ليس سلاماً بل هو في حقيقته مصالحة بين الذئب والحمَل، لماذا تقولون ذلك، لماذا لا توقّعون كالآخرين على حكم قتل الفلسطينيين؟! إنهم يريدون منا ذلك، وهذه هي حقيقة القضية. أميـركا لعبة بيد إسرائيل وبناءاً على ذلك، فإن النظام الصهيوني الغاصب والخبيث والمتحكم بفلسطين المحتلة ونظام الولايات المتحدة الأميركية الذي يقف وراءه هما في مقدمة الأعداء لهذا الشعب، علماً بأن جهادنا السياسي الرئيسي في الخارج موجه ضده، فالولايات المتحدة الأميركية بطولها وعرضها وبتقدمها العلمي، هذا البلد الكبيربهذا الشعب الكبير، أضحى لعبة بيد الصهاينة، حاله في ذلك حال ذلك المارد الذي يمسك بزمامه كلب ويقوده الى حيث يشاء. واليوم فإن أميركا بذلك الحجم وتلك الثروة والأهمية التي تراها لنفسها في العالم من الناحية السياسية والإقتصادية والعسكرية، أصبحت لعبة بيد الصهاينة وحكومة إسرائيل، فعندما يريد الرئيس الأميركي أن يتخذ قراراً ضد الجمهورية الإسلامية فإنه يذهب أولاً الى المحافل الصهيونية في أميركا ليقدم لها تقريراً بما ينوي فعله، إن هذا عارٌ على الشعب الأميركي. إيران والحكم القضائي الألماني إن هؤلاء هم الأعداء الرئيسيون، علماً بأن هناك عداءاً يوجه إلينا في هذه الناحية أو تلك من العالم، هناك خبث وعداء يمارسان ضد الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني من هذه المنطقة أو تلك في العالم، ولكن هذا العداء لا أهمية كبيرة له ولا يمثل قضيتنا الرئيسية، مثل القضية الأخيرة التي أثارها الجهاز القضائي في ألمانيا، وعلى أي حال فإن هناك ضغوطاً من قبل الصهاينة على الحكومة الألمانية ومؤسساتها القضائية، علماً بأن كل ذلك لا أهمية له، فهو يمثل أموراً من المتعيّن على حكومتنا ووزارة الخارجية أن تحسمها وستحسمها. كل ذلك لا يمثل قضية مهمة بالنسبة الى الشعب، بل إن ما هو مهم للشعب هو ما عرضنا له، ألا وهو قضية أميركا وقضية إسرائيل، هذا هو أساس القضية. الثورة الإسلامية والشعب الإيراني أيها الشعب الإيراني العزيز، إن الكلام الذي أستطيع أن أقدّمه كخلاصة واستنتاج عام لسبعة عشر عاماً من عمر الثورة المنتصرة والمرفوعة الرأس، وكخلاصة لآراء إمامنا الراحل وآراء هذا الشعب يتمثل في كلمة واحدة، وهي أن كل حكومة وكل مجموعة وكل شعب وكل شخص في العالم يتصور أن بمقدوره أن يؤثر على الشعب الإيراني بالقوة والتهديد إنما هو على خطأ كبير. في ذلك اليوم الذي تحرر فيه هذا الشعب بواسطة الثورة الإسلامية العظيمة من مخالب العملاء الأجانب ومخالب العائلة الفهلوية، والقادة والعسكريين التابعين لها، في الواقع لقد كان الشعب آنذاك ظاهراً من دون باطن، وهيكلاً خاوياً، لقد بدّدوا ثرواته، وقضَوا على زراعته، وأسسوا صناعته على أساس التبعية الكاملة، وأفسدوا بشكل تام القيم المعنوية والأخلاقية. وما ترَونه الآن طيلة سبع عشرة سنة إنما وجد بفضل همتكم يا أبناء شعبنا، وباقتدار المسؤولين الذين تحملوا المسؤولية على الرغم من جميع الموانع والمشكلات. الأعداء وعزل إيران واليوم فإن الأعداء الخارجيين يرَون ذلك فيصيبهم الحسد والإنزعاج من دون أن تكون لهم حيلة ما. وبفضل الخالق، وعلى الرغم من الأعداء الخارجيين، وعلى الرغم من أميركا وإسرائيل، وعلى الرغم من أولئك الذين لا يستطيعون أن يرَوا تقدم هذا الشعب، فإننا سوف نوسع علاقاتنا على مستوى العالم. وعلى الرغم من أولئك الذين يريدون أن يرَوا إيران معزولة فإن هذا البلد يوسع نطاق علاقاته يوماً بعد آخر؛ وإذا كان هناك أشخاص قد وقعوا تحت تأثير أميركا ويريدون أن يعادوا الجمهورية الإسلامية فإننا لا نخشاهم، لهذا الشعب يستطيع - والحمد لله - أن يقف على قدميه. وطيلة عمر هذه الثورة هُدّد هذا الشعب مرات عديدة بقطع العلاقات من قبل الحكومات المختلفة، في الماضي استدعت حكومات البلدان الأوروبية بشكل جماعي سفراءها من إيران متصورة أن السماء سوف تطبق على الأرض، ولكن شيئاً لم يحدث. ولا شك في أن الحكومات الأوروبية تتذكر - ونأمل أن تتذكر وأن لا تقع في الخطأ ثانية - أن جميع السفراء الأوروبيين قد خرجوا من طهران في يوم من الأيام، فما كان من الجمهورية الإسلامية إلا أن قالت لهم "مع السلامة"، وبعد أن مرّت فترة رأَوا أن الجمهورية الإسلامية لا تبدي أي احتياج إليهم، وهي لم تكن محتاجة إليهم - والحمد لله - بل هم الذين كانوا محتاجين إليها، فما كان منهم إلا أن بدأوا بالعودة الواحد تلو الآخر. الشعب الإيراني ووحدة الكلمة لقد كان الأمر كذلك دوماً، المهم أن يعرف هذا الشعب قدره، وأن يعرف مسؤولو هذا البلد قدر هذا الشعب، وهم يعرفون قدره. وعلى كل شخص يعمل في أي مجال أن يعلم أن هذا الشعب هو شعب مقتدر مؤمن مستعصٍ على الهزيمة ما دام محافظاً على وحدة الكلمة ومتوكلاً على الله، فما دمتم تتوكلون على الله وتعتصمون بوحدة الكلمة، فإن أي قوة في العالم لا تستطيع أن تنتصر عليكم. نداء القائد الى حجاج بيت الله الحرام (1416 هـ) - نيسان 1996. مقــدمــة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الأولين والآخرين محمد المصطفى وآله الميامين، والسلام على بقية الله في الأرضين. الحج.. هذا الينبوع الفيّاض بالتقوى والمعنوية والخير والبركة، يتدفق بعطائه كل عام والى الأبد على العالم الإسلامي وعلى كل مسلم موفّق، لينال كل فرد وكل جماعة من عطائه بقدر الوسع والقابلية. عطاء هذا النبع الفيّاض لا يقتصر على حجاج بيت الله الحرام، إذ لو عرفت هذه الفريضة العظيمة وجرى العمل بها بشكل صحيح، فإن كل الأفراد والشعوب في جميع أرجاء العالم سينعمون ببركاته. العالم الإسلامي والتهديد الداخلي والخارجي الأفراد والجماعات البشرية يتعرضون للكوارث من جانبين، الأول: من داخل أنفسهم، ومنشؤه الضعف البشري، والأهواء الجامحة والشكوك، وجدب الإيمان والخصال المخرّبة؛ والثاني: الأعداء الخارجيون، فهم النكد لحياة الأفراد والجماعات بسبب طغيانهم وأطماعهم وعدوانهم ووحشيتهم، وهم البلاء الداهي بسبب حروبهم وظلمهم وتجبّرهم وتعنّتهم. العالم الإسلامي بأفراده وشعوبه كان دائماً عرضة لهذين التهديدين، وهو اليوم مهدد أكثر من ذي قبل، فمن جانب نرى إشاعة الفساد في البلدان الإسلامية وفق خطة مدروسة، ونرى فرض الثقافة الغربية، بمساعدة بعض الأنظمة العميلة، على مظاهر الحياة بدءاً من السلوك الفردي وحتى تخطيط المدن والحياة العامة والصحافة وغيرها. هذا من جانب، ومن جانب آخر نشاهد الضغوط العسكرية والسياسية والإقتصادية على بعض الشعوب المسلمة، والمذابح الوحشية في لبنان وفلسطين والبوسنة وكشمير وأفغانستان.. وكلها شواهد بارزة على هذين التهديدين في أجوائنا الإسلامية. الحج وعناصر مواجهة التهديدات الحج.. هو ذلك النهر الذي لا يتوقف تدفقه، والهدية التي لا ينضب معينها، به يستطيع المسلمون أن يتخلصوا الى الأبد من نكد العيش ومرارته، ومن مرض الإنحراف ولوثته، وبمساعدة هذا الذخر الأبدي يقدرون أن يحصنوا أنفسهم في كل زمان من هاتين الكارثتين. ما في الحج من عناصر التقوى والذكر وحضور القلب والخشوع والتوجه، الى الله سبحانه وتعالى، هي كفيلة بمواجهة التهديد الأول، وما فيه من عناصر التجمع والتوحد والإحساس بعظمة الأمة الإسلامية الكبرى وقدرتها، هي كفيلة بمقابلة التهديد الثاني. كلما قوي هذان الجانبان في الحج إزدادت حصانة ومقاومة الأفراد والمجتمعات الإسلامية إزاء هذين التهديدين، ومتى ما ضعف أو زال أحدهما أو كلاهما فإن الأمة الإسلامية بأفرادها وشعوبها وبلدانها تصبح أكثر عرضة للكوارث. في نص القرآن الكريم، وفي نصوص الشريعة الإسلامية المقدسة تصريح بكلا الجانبين، بحيث لا يبقى مجال للشك لكل ذي عين وقلب وإنصاف. ما فرضه الله سبحانه وتعالى في قوله {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} (البقرة، 200) جاء الى جانبه فريضة أخرى حيث يقول سبحانه {وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولُه} (التوبة، 3). واتساقاً مع قول الحكيم جلت قدرته {لن ينالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخّرها لكم لتكبّروا الله على ما هداكم وبشّر المحسنين} (الحج، 37). نزل قول اللطيف سبحانه {ليشهدوا منافع لهم} (الحج، 28). كل توصية وإعلام وسعي لتضعيف واحد من هذين الجانبين أو إبعاده، إنما هو مجابهة مع آيات القرآن الكريم وتعاليمه. ليس ثمة خسارة للأمة الإسلامية أفدح من أن تتعرض تعاليم الإسلام وتوجيهاته، برصيدها الحياتي للمسلمين وجميع البشرية، لغفلة وجهل الزعماء الدينيين والسياسيين، وأن يحال بينها وبين أن يتزود من عطائها الناس أجمعين. الحج جزء من هذا الرصيد الحياتي الدائم، وعلى كل المسلمين أن يتعمقوا في معرفته ويزدادوا انتهالاً من زاده. مشكلات العالم الإسلامي والإستكبار يعاني العالم الإسلامي اليوم من مشكلات متفاقمة تهدد كيانه، وإذا لم تتضافر جهود المسلمين وتتجه، بقوة الإيمان والجهاد والتوكل وبعلوّ الهمة واليقظة وبالإستفادة من رصيد القوة المودع في هذا الدين الحنيف، الى تجاوز هذه المشكلات، فإن أعداء الإسلام المستكبرين المجهّزين بسلاح القوة السياسية والعسكرية والتكنولوجية سيعملون على تصعيد هذه المشكلات وتشديدها، وسيدفعون موعد تحرر الشعوب الإسلامية وخلاصها عقوداً، بل قروناً الى الوراء، ولعل بعض الشعوب ستذوب تماماً وستفقد بالتدريج هويتها الإسلامية بعدما تتعرض لضغوط المسخ والإفساد الثقافي الغربي. العالم الإسلامي ووسائل الإعلام الإستكبارية |