|
كلمة القائد بمناسبة اليوم الوطني لمقارعة الإستكبار العالمي 29/10/1996(الموافق: 17 جمادى الثانية 1417 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم اُرحّب بجميع الاُخوة والأخوات الأعزاء، وخاصة الاُخوة والأخوات القادمين من مناطق نائية، ومن المدن الاُخرى. هذا الاجتماع اجتماع شيّق جداً ومطلوب؛ إذ هو حافل بشباب يقفون في طليعة الجهود العلمية، أي طلبة الجامعات، والتلاميذ، والمعلمين وأعضاء مكاتب ممثلية الولي الفقيه، ومن يهتمون بالعلم والمعرفة. وبما أنّ هذا الاجتماع يعقد على مشارف يوم (الثالث عشر من آبان) يوم مقارعة الاستكبار العالمي، يبدو من المناسب جداً التحدث فيه قليلاً عن القضية الأساسية لهذا الشعار، أي قضية مقارعة الاستكبار. للشعارات التي ترفع في أي بلد وفي أي نظام، أهمية فائقة، والتعامل مع الشعارات المختلفة في أي بلد يحظى بحساسية ورونق خاص. وإذا كان ذلك الشعب أو المسؤولون لا يتقنون كيفية التعامل مع الشعارات، فانّهم سيتعرضون لأضرار جسيمة. وبطبيعة الحال يتناهى إلى الأسماع أحياناً ما يردده البعض: أنّ اليوم ليس يوم شعارات وإنّما يوم عمل. وهذا الكلام غير صحيح، وإن كان بعض من يتلفظ به تحدوه نيّة مخلصة، ومراده أنّ البلد لا يمكن ادارته بالشعارات وحدها، وهو كلام صحيح؛ إذ اطلاق الشعارات لا يُصلح شأن البلد، بل ولا يصلح حتّى شأن قرية ولا يديرها ولا يبنيها، فلابدّ إلى جانب الشعار من العمل، إلاّ أنّ البعض يفسّر هذا الكلام - عن سذاجة - بشكل آخر، أو ربما فسّره البعض الآخر عن غرض؛ وكأنّهم يريدون الايحاء إلى الشعب بوجوب التخلّي عن الشعارات. وهذا خطأ؛ فالشعار كالراية، مرشد ودليل، والعمل بلا شعار كالشعار بلا عمل. ولأجل أن يعرف شعب مَساره، وما ينبغي له فعله، فلابدّ له من الحفاظ على شعاراته بصراحة ووضوح. وإذا فقدت الشعارات، يصبح الحال كحال جماعة من الناس تسير في الصحراء من غير دلالة. الخاصية المميّزة للشعار أنّه لا يدع شعباً أو بلداً يسير في الطريق المنحرف. إذن فليكن هذا شعار أيضاً: الشعار والعمل؛ الشعار إلى جانب العمل، والعمل في ظل الشعار. كان الشعار الأساسي للشعب الإيراني هو: «الاستقلال» و «الحرية»، الذي انتهى بشعار «الجمهورية الإسلامية». ومع تقادم الزمن وتقدّم الثورة أضحى هذا الشعار أكثر وضوحاً وجلاءً، أي تولدت من تلك الشعارات، شعارات جديدة ترسم معالم الطريق ومن جملة تلك الشعارات هو شعار: مقارعة الاستكبار. لا شكّ أنّ لكلمة الاستكبار معنيً واسعاً. في القرآن الكريم جاءت مشتقات كلمة الاستكبار، كما واستعمل القرآن نفس كلمة الاستكبار في عدة مواضع، ويبدو أنّ الاستكبار هو غير التكبّر، وربّما أمكن القول: التكبر أكثر ما يُشير إلى صفة قلبية ونفسية، أي أن يعتبر الإنسانُ نفسه أفضل من الآخرين، أمّا كلمة الاستكبار فهي أكثر ما تُعنى بالجانب العملي للتكبّر، أي أنّ من يتكبّر ويرى نفسه أفضل من الآخرين، ينظّم سلوكه مع الآخرين بشكل يجعل هذا التكبر واضحاً وجلياً في العمل؛ فيحتقر الآخرين، ويهينهم، ويتدخّل في عملهم، ويبرز نفسه أمام الآخرين وكأنّه هو الذي يتّخذ القرارات. وهذا هو معنى الاستكبار الذي جاء في الآية الشريفة التي تتحدث عن المستكبرين في قوله تعالى: {فلمّا جاءهم نذير ما زادهم إلاّ نفوراً * استكباراً في الأرض ومكر السيّئ} أي أنّهم استكبروا أمام النبي (ص) وكلام الحق. لم يقولوا نحن أفضل، بل أظهروا هذه الأرجحية والأحقية - التي اعتقدوها أو اعتبروها لأنفسهم - في اطار العمل وفي هذا الصراع الطويل وغير المتناهي لجبهة الكفر والعناد والطغيان ضد رسالة الحق والمعنوية والنور والهداية. هذا هو معنى الاستكبار. قد يتخذ الاستكبار في كل زمن ولدى كل شعب معنىً خاصاً؛ فمعناهُ عندنا - أبناء الشعب الإيراني - في أحداث الثورة وما قبلها وبعدها وحتّى هذه الساعة، هو القوى السلطوية في العالم التي كان لها دور جائر ومتجبّر في قضايا هذا البلد وفي مصير وشؤون هذا الشعب. كان هذا هو معنى الاستكبار بالنسبة لنا. لو أردنا العثور على المستكبر من بين دول العالم، لما واجهنا أية صعوبة؛ إذ أنّ أمريكا - التي أطلق عليها الإمام (ره) اسم الشيطان الأكبر - أبدت تكبّرها أمام النداء الحق للشعب الإيراني، فالاستكبار الذي تبلور في زماننا هو الاستكبار الأمريكي. وقبل الثورة كان الحال على هذه الشاكلة أيضاً، وبقى على نفس المنوال في أيام الثورة وحتّى يومنا هذا. الحوادث الثلاث التي يعكسها يوم (الثالث عشر من آبان)، لها صلة بهذا الموضوع، فقبل الثورة عارض الإمام (ره) تدخل وايحاءات الأمريكيين، واستنكر قانون الحصانة، وبسبب موقفه ذلك، نُفي الإمام في يوم (الثالث عشر من آبان) هذا هو معنى الاستكبار. توهموا أنّهم كسروا قول الحق في صدر الناطق به، لكنهم أخطأوا ولم ينكسر ذلك الصوت طبعاً، بل أثمر بحمد اللّه شجرة طيبة. في أثناء الثورة، وفي مثل هذا اليوم نزل تلاميذنا إلى الشوارع، واستشهدوا بسبب قولهم «الموت لأمريكا» وبسبب تصديهم لأمريكا فارتبطت هذه القضية أيضاً بموضوع الاستكبار الأمريكي. وبعد انتصار الثورة انتهت مؤامرات الأمريكيين بأشكالها المختلفة ضد دولتنا الإسلامية الفتية؛ بأن ذهب طلبتنا واحتلوا بؤرة تآمر الأمريكيين ووكر التجسس الذي كان مقرّاً للسفارة الأمريكية في طهران. وهذه أيضاً حادثة اُخرى في سلسلة مقارعة الاستكبار، أي أنّ قضية مواجهة الاستكبار، وتبلور الاستكبار في صيغة نظام الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأ قبل الثورة واستمر إلى ما بعد انتصارها. وهو قائم حتى يومنا هذا. إذن على الشعب الإيراني أن يحافظ على شعار مقارعة الاستكبار كراية ومشعل. ولكن لماذا؟ لأنّ هذه الراية إذا لم تبق منشورة، وإذا اضمحلّ هذا الشعار وفقد، تاه الطريق على الشعب. والبرهان على ذلك واضح؛ إذ أنّ عدوّنا وإن كان عداؤه بيّن وغير خافٍ على أهل البصيرة، إلاّ أنّ سافِر العداء، له أساليب في الخداع والتمويه. وأغلب الشعوب التي خدعت والحكومات التي أخطأت، انّما كان سبب خطئهم هو عدم معرفتهم بأساليب العدو بشكل صحيح. إن لم نعرف أساليب العدو، وتنصلنا عن مجابهة العدو الذي يبغي القضاء علينا، فمن الطبيعي اننا سنسلك في المسار الذي يحبّذه العدو، أي طريق الهلاك والدمار والفساد. إذن فمقارعة الاستكبار شعار دائم. غاية ما في الأمر هو أنّ الشعب الواعي يختار على الدوام الطريقة الأصوب في التعامل مع الشعارات، فقد ترى انسان تارة يلهج بالشعار فقط، وهذا لا عبرة فيه. إلاّ أنّك تراه تارة اُخرى يسبر غور الشعار ويتعمق فيه ويعمل على أساسه، وهذا هو الصحيح. وقد أدى شعار مقارعة الاستكبار - حيث ذكرتُ أنّ مُجسّد معنى الاستكبار اليوم هي دولة أمريكا المعتدية - بالأمريكيين وزعماء أمريكا إلى انتهاج عدّة طرق من أول الثورة وحتّى الآن في سبيل تقويض هذا الشعار وازالته من أجواء إيران، لماذا؟ لأنّه طالما بقي هذا الشعار مرفوعاً، ومادام ذهن الشعب مشبّعاً بـ «الموت لأمريكا»، لن يتسنى لأمريكا التسلط مرّة اُخرى على هذا البلد وخيراته. إذن طالما ظلت اجواء بلدنا مشحونة بالعداء لأمريكا المعتدية - بالشكل الذي بيّناه - لا يبقى أمام أمريكا أي سبيل على هذا البلد؛ فلا هي قادرة على التدخل فيه، ولا بإمكانها الهيمنة على ثرواته، ولا يتاح لها حتّى أن تبني لنفسها وجوداً ثقافياً هنا. وإذا شاءوا العودة إلى هذا البلد ثانية فليس أمامهم سوى ازالة هذا الشعار أولاً، أي أن يقضوا أولاً على نزعة الشعب الإيراني في مناهضة التسلط والنظام السلطوي، وخاصة ضد أمريكا المستكبرة. لا شكّ أنّ لدى أمريكا سبل متعددة أيضاً وقد مارستها منذ اليوم الأول للثورة بصور مختلفة. أحدُها محاولة ايجاد فكرة في أذهان أبناء بلدنا هي أنّ أمريكا قوّة لا تُقهر وأنّ لها وجود وهيبة في العالم ولا يمكن مواجهتها. راجعوا ذاكرتكم؛ فمنذ عهد الإمام (رضوان اللّه عليه) ولاسيّما من بعد رحيله حتّى اليوم، حاوَلوا ايجاد هذه الفكرة بأساليب متنوعة، بالمقالة، والقصة، والشعر، والتنظير والتحليل السياسي، وغير ذلك، سواء من قبل العناصر المرتبطة بأمريكا صراحة، أو حتّى العناصر الموجودة في داخل البلد وغير مرتبطة بأمريكا بشكل صريح. إذا كنتم ممن يطالع الكتب - وأنتم كذلك أيضاً - يمكنكم العثور قطعاً في أذهانكم على موارد من هذا القبيل، أي أنّهم يوحون لشعب بالقول: لا تذهبوا جهودكم هدراً؛ فمع من تريدون المجابهة والصراع؟ إنّه فكر خاطئ. حينما يقول الشعب الإيراني إنّنا نواجه الاستكبار، فليس المراد من ذلك اننا نعد الجيوش لنضرب الاسطول الأمريكي في الخليج الفارسي مثلاً؛ فالشعب الإيراني ومسؤولو البلد لا يقدمون على عمل تتخذه أمريكا المتجبّرة ذريعة لتقوم في وقت ما بحركة جنونية عنيفة ضدنا. إذن فليس المراد من المواجهة، مواجهة عسكرية بهذا النمط. إلاّ إنّنا إذا تعرضنا - بطبيعة الحال - إلى هجوم عسكري، فسيرد عليه الشعب الإيراني بضراوة، ولن يتخاذل أمام العدو. المراد من المواجهة والمقارعة - هنا - هو أنّ الشعب الإيراني سيقف بصلابة أمام كيد العدو وحيله ومساعيه السياسية، وأمام مختلف الأعمال التي يقوم بها لأجل اعادة إيران إلى عهد التبعية وتحويلها ثانية إلى ذنب من أذنابه، هذا هو معنى المواجهة. مواجهة الاستكبار تعني انّنا سنفضح الاستكبار في أي مكان من العالم تبلغه أيدينا، وسنقف إلى جانب أي مظلوم اُصيب بالضرر على يد الاستكبار في أي موضع من العالم. لقد حاول الامريكيون بشتى الأساليب ربط إيران الإسلامية بمسيرة المساومة الخيانية في قضية الشرق الأوسط التي أطلقوا عليها اسم مفاوضات السلام. إلاّ إنّ إيران الإسلامية رفضت ذلك رفضاً قاطعاً. وقلنا منذ اليوم الأول إنّ هذه المسيرة محكومة بالفشل لأنّها على خلاف الحق. ولاحظتم أنّ هذا، هو ما حصل بالفعل، واليوم يرى العالم بأجمعه صحة مقالنا. مواجهة الاستكبار تعني أنّنا سنكشف ونُفشل أية خدعة او حيلة تمارسها أمريكا إن هي أرادت استخدام تلك الاساليب ضد شعب ما، أو ضد أي مبدأ من مبادئنا الإسلامية، وضد أيّة حقيقة نتمسّك بها. وهذا ما فعلناه حتّى الآن. إنّ أمريكا - في هذه المواجهة - ليست قوّة لا تقهر؛ بل انها شديدة الوهن وتُقهر. انظروا الظرفَ الحاضر؛ تلاحظون أنّ أمريكا هُزمت في عدة جبهات؛ دخلت في أفغانستان لإزاحة الحكومة التي كانت على الظاهر حكومة قانونية، والاتيان بحكومة تابعة؛ خدمة لمصالحهم، لكنهم لم يتمكّنوا. وفي الشرق الأوسط بذلوا جهوداً واسعة، إلاّ انّهم اخفقوا. وعلى صعيد السياسة العالمية حاولوا تأليب اُوروبا ضد إيران، فلم يفلحوا، وأرادوا فرض حصار اقتصادي على الجمهورية الإسلامية ولم ينجحوا، وسعوا إلى اثارة الرأي العام لشعوب العالم ضدنا ولم يتمكّنوا إلاّ في الأقليّة من الشعوب التي تماثلهم في نمط التفكير، فيما فشلوا في بقية دول العالم. أصبحت شعوب العالم اليوم في آسيا وأفريقيا وحتّى في اُوربا، تتفاعل مع اسم الجمهورية الإسلامية؛ ومع اسم الاسطورة الخالدة لهذه الثورة - أي إمامنا الراحل - وحتّى أنّ تلك الشعوب ترفع الشعارات في الأماكن التي تستطيع فيها ذلك. إذن، فأمريكا ليست قوة لا تُقهر؛ بل تُقهر. وفي داخل بلدنا ركزوا جميع جهودهم لعلهم يستطيعون ايجاد حالة من التشكيك في أذهان أبناء شعبنا ازاء مقدسات هذه الدولة؛ إلاّ انّهم خابوا. إذن فهذا الكلام الذي يشيعه البعض ويرّوج له ويكتب ويقول لماذا تُذهبون جهودكم سديً، كلام مغلوط؛ نحن لا نسعى بلا طائل. إن كانت جهودنا قد ذهبت سدى، لكانت الجمهورية الإسلامية قد استحالت عظامها رميماً منذ خمس عشرة سنة! ولكن ترون بحمد اللّه أنّ الجمهورية الإسلامية إن كانت بالأمس برعماً فهي اليوم شجرة باسقة. ومن جملة المساعي الاُخرى للاستكبار - وهو ما ينبغي أن يلتفت إليه الشبان الأعزاء - هو اثارة الضجة ضد من يريدون القضاء عليه وطرده من الساحة. وهذا ما جرى ضد الجمهورية الإسلامية بأعتى الأشكال طوال السبع عشرة سنة المنصرمة. حقّاً ينبغي لشبّاننا ومثقفينا ومن يرغبون في تكوين رؤى واضحة عن القضايا العالمية والسياسية أن يلتفتوا إلى هذه النقطة. إنّ للأمريكيين سياسة يتّخذونها، لا في مقابل إيران فقط، بل في مقابل كل دولة لا يشعرون ازاءها بالارتياح في أية زاوية كانت من العالم، فدولة كالجمهورية الإسلامية يعارضون أصل وجودها، وهناك دول اُخرى يرفضون عملاً من أعمالها أو موقفاً من مواقفها. وهذه السياسة لا تقتصر على الأمريكيين وحدهم، بل إنّ جميع القوى المتجبّرة تنتهج هذه السياسة في عصر الاتصالات الحديثة والتقنية المتطورة؛ غاية ما في الأمر ان الأمريكيين قد اتخذوا اليوم هذا الموقف غير الشريف، ازاءنا. وتتلخص هذه السياسة في ممارسة شتّى الضغوط على تلك الدولة ومواصلة هذا العمل حتّى يضعفونها حسب تصورهم. أي يبثون الدعايات ضدها في أرجاء العالم حتى يُعرض شعب ذلك البلد عن حكومته، ويحاصرون تلك الدولة اقتصادياً، ويعيقونها عن التقدم في مجال العلوم والمعارف والصناعات الحديثة. لاحظتم كيف انّهم اثاروا ضجة حول منشآت الطاقة الذرية وايجاد الفرن الذرّي، فأشاعوا في كل أرجاء العالم أنّ إيران تهدف إلى صناعة القنبلة النووية! وهم يعلمون بطلان هذا الادعاء. فهم يرمون إلى حرمان البلد من الحصول على الطاقة الذرية، ولا يريدون أن تصل الأساليب الحديثة والتكنولوجيا العصرية إلى هذا الشعب؛ لأنّ هذا الشعب بما لديه من كفاءات إذا حصل على العلم والتكنولوجيا الحديثة، لا يعود باستطاعتهم مواجهته بأي شكل من الأشكال. وهذا من جملة تلك الأساليب. إذن فهم يمارسون الضغوط السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والاعلامية، ويثيرون ضدها الضجيج والمذمّة ما استطاعوا، هذا من جهة، ومن جهة اُخرى حينما يشاهدون وهنها - حسب تصورهم - يلمحون لها بالضوء الأخضر؛ إنّنا على استعداد للتفاوض والعمل معكم. ومن الطبيعي أن الدول التي يحكمها مسؤولون ضعفاء، ترتعد فرائصهم في مثل هذه المواقف. ويتبيّن من هذا أنّهم يمارسون الضغوط المتزايدة من جهة، ويظهرون البشاشة ويفتحون أمامها الأذرع من جهة اُخرى. فتكون النتيجة هي أنّ الدولة - التي يظهرون لها العداء - ترتكب هذا الخطأ وتستجيب لدعوتهم، فتفقد بذلك أدنى درجات العزّة والكرامة التي كانت قد حصلت عليها بسبب استقلالها، وتفقد - إن كان لها سند شعبي - سندها الشعبي، وإذا كان لها دعم عالمي، تفقده، وان كانت لها ارادة، فستنهار تلك الارادة. ويضاعفون هم من ضغوطهم حتّى تسقط في قبضتهم، أي إنهم إذا أرادوا القضاء عليها، قضوا عليها، وإذا أرادوا فرض شيء عليها، فرضوه عليها، وهي مذعنة لذلك طواعية. وهذا الاُسلوب بات متعارفاً. يكمن خطأ الساسة الأمريكيين في أنّهم يرمون تطبيق هذا الاُسلوب على كيان عظيم ذي ارادة واقتدار واعتماد على الذات، كالشعب الإيراني. خطأ الأمريكيين هو في انتهاجهم هذا الاُسلوب - الذي يجسّ به نبض دولة ضعيفة لا تستند على القواعد الشعبية، أو ان دور الشعب لا وجود له أساساً في ذلك البلد - مع كيان عظيم له عزم راسخ وجذور تاريخية عريقة وجذور ثابتة في أرض الفطرة، كالشعب الإيراني. شعبنا شعب قوي وله ارادته وثقافته، ودولتنا تستند إلى مثل هذا الشعب، فالنظام الإسلامي لا يستند على الأشخاص والحكومات. من جملة الأقوال المهمة - حسب رأيي - لإمامنا الكبير هو قوله: هذا النظام غير مرتبط بي وبزيد وعمرو. فالإمام الذي يعد أباً ومبدعاً لهذا النظام ومعلماً لهذا الشعب، استطاع أن يخلق هذه المعجزة، ويظهر هذه المقدرة الكبرى، وهو صرّح أنّ النظام غير متكئ ولا مُعلّق عليه، فالشعب والنظام قائمان حتى إن لم أكن. هذا الكلام عميق المغزى. فعندما يكون الحال هكذا بالنسبة للإمام، فهو كذلك بالنسبة لسائر الأشخاص أيضاً. هذا النظام لا يستند على الأشخاص، بل يستند على الحقائق وعلى أبناء الشعب، وقيامه بالروح المعنوية التي يتحلى بها أبناء هذا الشعب. وطالما بقي هذا الشعب يسير قدماً بهذا الإيمان وبهذا الاخلاص، فلا يؤثر وجود شخص في العالم وفي النظام، وعدمُه؛ فان الباري تعالى يشمل هذا النظام برعايته، سيبقى هذا النظام محتفظاً بقدرته وفاعليته وحيويته الفائقة. إذن فشعار مقارعة الاستكبار شعار حي، خلافاً لما يروج له المستكبرون. فمواجهة الاستكبار ممكنة، وفيها أيضاً ضمانة للمستقبل، وهي اليوم فريضة على الشعب الإيراني. غاية ما في الأمر انكم أنتم أيّها الشبّان، وأنتم أيّها المثقفون، وأنتم أيّها الناس الواعين، مكلفون بالعثور على الأساليب المختلفة لهذه المواجهة. وهذا هو كلامنا الأساسي. اعرفوا عدوكم، اعرفوا أذناب العدو في داخل البلد، تعرّفوا على أساليبهم العدوانية، واكتشفوا تطبيقات تلك الأساليب في داخل البلد. تعرفوا على مخلفات الاستكبار في الجامعات، والمدارس، وبين صفوف المجتمع، وفي الأجهزة الادارية، وفي الاعلام والمطبوعات. الاستكبار لا يحلو لهُ ان يتعمق الإيمان في هذا البلد وبين أبناء هذا الشعب، بل يرغب في أن ينهمك في الشهوات، وأن يضيّع «المعروف» ويشيع ما هو «منكر» في الإسلام. الاستكبار يريد أن يشيع الكسل والبطالة في هذا البلد، وان لا يكون ثمة بناء وإبداع واصلاح للشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب. ويريد الاستكبار أن لا يكون هناك تقدم علمي، وان لا تكون هناك تحقيقات، ولا صفوف دراسية. ما أكثر من ينفّذ ما يبغيه الاستكبار، من خلال طرحهم للشعارات الخدّاعة، فعليكم إذن أن تتيقظوا تماماً. وهذا هو أملنا بالجيل الشاب. علينا ان لا نكتفي بالقول: «الموت لأمريكا» و«الموت للاستكبار»، هذا شعار، وهو واجب؛ إلاّ أنّ القضية لا تنحصر في مجرد هذا؛ فمن جملة الأعمال التي ذكرنا انها يجب ان ترافق هذا الشعار، هو العمل وفقاً لهذا الشعار. أنتم أيها الشبان اجلسوا إلى بعضكم وتحدّثوا. وهذا هو معنى قولي أن الجامعة والأجواء الشبابية يجب أن تكون ذات طبيعة سياسية. اشرحوا وحللوا ما يطرح باعتباره عَلَماً ودلالة في مسيرة هذا الشعب وهذا البلد، أي مواجهة الاستكبار العالمي. إنّ الأمريكيين اليوم يعارضون الاستبداد في شعاراتهم، فان كانت هناك حكومة مستبدّة في مكان ما، تراهم ينادون: اننا نعارض الاستبداد! ولا نريد هنا التحدث عن بعض الحالات - وعن بعض الدول التي تعرفونها، ولا أريد ذكر أسمائها، التي تتصف فيها الحكومات بأبشع أنواع الاستبداد إلاّ أنهم يوفرون لها الدعم والحماية، بل وتراهم ينسجمون مع أقبح أنواع الاستبداد - إلاّ أنّهم يمارسون الاستبداد بأنفسهم على الصعيد العالمي؛ فما يقوله الأمريكيون يجب أن يتحقق، وليس ما تقوله الشعوب، أو تقوله وتبغيه الحكومات الشعبية. إنّهم يتدخلون في جميع شؤون الدول، وخاصة في القضايا المتعلقة بهذه المنطقة الثرية المنتجة للنفط، وفي ما يتعلق بنظام الجمهورية الإسلامية. وعلى جميع أبناء الشعب الإيراني التفكير بشأن شعار مواجهة الاستكبار، وعليكم أنتم أيها الشبّان ان تفكروا فيه أكثر، في مقابل هذه التدخلات، وفي مقابل هذه الروح العدوانية التي يتصف بها الاستكبار. الشعب الذي يحب العمل والنشاط، ولا يملّ من السعي، ترى شبّانه يكسبون العلم، وتهتم جامعاته بالدراسة والبحوث والتحقيقات، وسائر الاهتمامات التي يجب أن يمارسها الشبان في الأنشطة العلمية والاجتماعية، وتهتم حكومته بمطاليب شعبها وتستشعر آلامهم ومعاناتهم وتعمل لأجلهم، ويمارس علماؤه التبليغ في سبيل اللّه بكل صدق واخلاص، ويسير كل واحد من أبناء ذلك الشعب نحو المعرفة الصحيحة ويعملون في سبيل اللّه، ويحافظون على نشاطهم الثوري. وهذه المعايير - والحمد للّه - موجودة في بلدنا إلى حد بعيد، ومن الممكن طبعاً - بل يجب - أن تصبح أفضل وهذا العامل، وهذا المثقف، وهذا التلميذ. والبلد الذي تتوفر فيه مثل هذه الخصائص؛ وبمثل هؤلاء الطلبة، وبمثل هذا العالم، وبمثل هذه الحكومة، وبمثل هذه الدوافع والاخلاص، لا يمكن لأمريكا، ولا حتّى لعشرة قوى بعدل أمريكا - إن فرض لها وجود في ساحة السياسية الدولية - أن تنال في مواجهته للشعب الإيراني حتى شعرة من الرأس. ومن هنا فان وصيتي لكم أيّها الشباب الأعزاء - فتياناً وفتيات - هي هذه. عليكم أن تعملوا وتتواجدوا بقوة في جميع الأنشطة الشبابية، والعلمية والدراسية، وجميع المجالات التحقيقية، والاجتماعية، والسياسية المختلفة، وكذلك الثقافية، والصحفية، والفنية، والرياضية مع مراعاة جوانب الطهارة، والتقوى، والإيمان، والاخلاص، التي تعتبرون فيها - حقاً - قدوة بين شبان العالم. ولو سادت هذه الجهود المؤمنة والمخلصة والنزيهة بين خصوص شبابنا وعموم أبناء شعبنا - كل حسب موقعه - فمن المؤكد قطعاً أن الاستكبار سيركع في صراعه مع شعب إيران لا مرّة واحدة، وانما مرّات ومرّات، وسيُمنى بهزيمة نكراء. وهذا ممّا لا شكّ فيه. من أي شيء نخاف؟ ولماذا نخاف؟ من البديهي أننا حينما نتحدث عن المواجهة فمعنى ذلك اننا نقف هذا الموقف المقتدر النابع من الإيمان، ولا نستسلم لأحد. وليس المراد من ذلك أننا نحشد الجيوش متجهين لمحاربة أمريكا ! فليس هذا واجبنا ولا هدفنا. إلاّ أنّ أي معتدٍ إذا بغى علينا - أياً كان ذلك المعتدي - اعتباراً من أمريكا وانتهاءً بأذنابها وادواتها وبدائلها في أي مكان من العالم، ستلقى ضربة موجعة من هذا الشعب. وهذا أمر لاشكّ فيه. ان الأمر الأساسي بالنسبة لهذا الشعب هو الصمود والمقاومة والمجابهة الحقيقية التي ترضي اللّه، وتسر القلب المقدّس لولي العصر (عج)، وتقوّي لديكم حالة انتظاره، وتبعث البهجة في روح الإمام المباركة، وتصيب العدو بالخيبة. أدعو اللّه ان يمنّ عليكم جميعاً بهذه الموفّقية. |