كلمة القائد بمناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع)

24/11/1996 (الموافق: 13 رجب 1417 هـ)

بسم الله الرحمن الرحيم

بارك اللّه هذا العيد السعيد وهذا اليوم الحافل بالفيض من تاريخ الإسلام على جميع المسلمين والمستضعفين والداعين إلى الحق في العالم، وخاصة على الشعب الإلهي والداعي إلى الحق، والمحب لعلي، وعليكم أنتم أيّها الأعزاء الذين حللتم اليوم ضيوفاً على هذه الحسينية، لاسيّما وانّ بين جمعكم هذا طائفة من الأسر الكريمة للشهداء، التي شرفت بالمجيء من طهران ومن بعض المدن الاُخرى. آمل ببركة مولود هذا اليوم أن يشملكم اللّه بلطفه وفضله.

لعلّنا لا نستطيع العثور بين الوجوه المعروفة في العالم، وعلى الأخص بين الشخصيات الإسلامية على شخصية محبوبة لدى الشعوب وأتباع الأديان المختلفة وعلى مر العصور كشخصية أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) ولا حتى رسول اللّه (ص) نفسه؛ فحينما تنظرون تجدون حتى وفي ذلك الزمان الذي أوجد سيف عدالته الصارم في القلوب المتمردة والأرواح الأنانية البغض له، وأدى إلى تأليب جبهة واسعة من الخصوم ضده، تجدون خصومه حينما كانوا يراجعون أعماق نفوسهم يشعرون ازاء شخصيته بعقيدة مقرونة بالاجلال والتكريم والمحبّة. واستمرت هذه الحالة حتى في العصور اللاحقة.

كان علي (عليه الصلاة والسلام) أكثر الناس أعداءً، إلاّ انه كان في نفس الوقت أكثر من حاز على الثناء حتى ممّن لا يؤمنون بدينه ومنهجه.

كان آل الزبير في القرن الأول الهجري معروفين على الغالب بإظهار البغض والعداء لبني هاشم ولآل علي على وجه الخصوص. وكان مصدر هذا العداء في الغالب هو عبد اللّه بن الزبير.

سأل أحد أحفاد الزبير أباه، ما لعلي وآله يلهج الناس بأسمائهم ويعلو ذكرهم كل يوم؛ فيما لا يلقى أعداؤهم غير الافول والزوال السريع مع كل ما يحيطون به أنفسهم من دعايات؟ فقال له - ما يقارب هذا المضمون - إنّهم دَعوا إلى اللّه وإلى الحق، فلم يستطع أحد اخفاء فضلهم، لكن أعداءهم دعوا إلى الباطل.

وهكذا كان الحال على مر الزمن، أي ان المفكرين الكبار - من مسلمين وغير مسلمين - يعلنون اجلالهم لأمير المؤمنين (عليه السلام). إذا نظرتم إلى الأبطال العظام الذين سعوا وقاموا لأجل شعوبهم، تلاحظون أنّ اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) مبجّل ومكرّم لديهم. وإذا نظرتم إلى الشعراء والاُدباء والفنانين ومن يضمرون المحبة لبني الإنسان تجدونهم أيضاً يكرمون اسم أمير المؤمنين (عليه السلام). وخلاصة القول هي أنّ كل من يدرس تاريخ الإسلام - شابّاً كان أو شيخاً، عالماً كان أو من العامة - وتناهى إلى سمعه اسم وأخبار أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو يشعر ازاءه بالمحبة والتعطّش والولاء.

في وقتنا الحاضر اُلّفت عدّة كتب من قبل كتّاب واُدباء مصريين عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتب المسيحيون منها مجلدين أو أكثر، وهم وإن لم يعتقدوا بالإسلام، إلاّ انّهم يعتقدون بأمير المؤمنين (عليه السلام). وهذا من خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) من بين الشخصيات الإسلامية. ولعل سبب ذلك يعزى إلى أنّ هذا الرجل الكبير أنفق كل وجوده على أفضل وجه في سبيل الأهداف السامية في مختلف أدوار حياته، وفي جميع الأوضاع والظروف، وفي كل موضع عاش فيه.

ضعوا نصب أعينكم أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو شاب يبلغ من العمر ستَّ عشرة إلى تسع عشرة سنة عندما كان في مكة، أو في مطلع قدومه إلى المدينة؛ إذ لازال حينها شاباً يبلغ عشرين ونيفاً من السنين، واُنظروا إلى المراحل المختلفة لحياة هذه الشخصية الكبرى، ترون أنّ هذا الشاب يمثّل حقاً أفضل قدوة لأفضل الشبان في كل زمان؛ فلم تجتذبه جميع شهوات الشباب والملذات الدنيوية والمحاسن التي لها قيمة في نظر الشباب، ولم تكن تستهويه إلاّ تلك الأهداف الكبرى والسامية التي بُعث الرسول (ص) من أجلها، فكل وجوده كان في خدمة هذا الهدف، وكل شيء آخر كانت له أهمية ثانوية بالنسبة له.

وإنّه لأمر عظيم جداً أن لا يلتفت شاب حتى لحظة واحدة إلى الدنيا ولذّاتها ومحاسنها، وأن ينفق عنفوان طاقته ونشاطه واندفاعه - أي كل ما يتحلّى به الشاب من طراوة وجمال وايناع - في سبيل اللّه. وهذا منتهى الغاية في الاخلاص، وليس هناك - حقاً - ما هو أسمى من هذا.

لاحظوا هذا الرجل وقد بلغ سن الكمال والنضوج، وكان يعد واحداً من شخصيات مجتمعه، وهو محترم من قبل الجميع، ولعل آلاف الأشخاص قد سمعوا الرسول (ص) وهو يحمده ويثني عليه. ولا أتصور أنّ أحداً من المحدّثين المسلمين نقل بحق أي شخص ما يضاهي كماً وكيفاً هذا الثناء الذي نقل عن رسول اللّه (ص) بشأن أمير المؤمنين (عليه السلام). ومن الطبيعي أنّ فضائل اُخر قد نقلت بشأن صحابة آخرين، لكن لا أعتقد أنّ أياً من المحدّثين المسلمين - من أي الفرق الإسلامية كان - قد نقل بشأن أحد غير أمير المؤمنين (عليه السلام) أحاديث بهذه الكمية وبهذه الكيفية وبهذا المضمون.

ومن البديهي أنّ واحدة من هذه المحامد تكفي لإيقاع الإنسان في العجب والغرور وفقد الاتزان والخطأ في اختيار التكليف. كل هؤلاء سمعوا مئات الأحاديث من لسان النبي (ص) في الثناء على علي (عليه السلام)، ثم جاءت مرحلة الاختبار وعرضت قضية الخلافة - من غير أن نتناول قضية الحق والباطل والوصية وما إلى ذلك - ومن البديهي أنّ أمير المؤمنين كان يدّعي الخلافة؛ وهذا ممّا لا يشك فيه أحد، ولكنه حينما رأى أنّ مصلحة العالم الإسلامي تقتضي خروجه من الساحة، خرج منها.

أي ان أمير المؤمنين (عليه السلام) طوى كل ذلك الثناء والتمجيد والمؤهلات وكل ما كان يراه لنفسه، وما سمعه وما يعرفه آلاف الأشخاص، طواه في ملف النسيان المؤقت ووضعه جانباً. وبطبيعة الحال أنّ ذلك لم يكن يُنس، ولا يُنسى، وهو باقٍ إلى أبد الدهر، إلا أنّه (عليه السلام) أعرض عنه، أي انّه ومع كل ما ورد في حقه ومع كل ما في شخصه من المميزات لأمر الخلافة ورئاسة العالم الإسلامي والمسؤولية الكبرى، تنحى - عند شعوره بالخطر - جانباً وقال: ما مضمونه: فلما رأيت خطورة الوضع، والمجازفة بدين النبي (ص) كتّفتُ يدي واعتزلت.

وليس هناك كبح لجماح النفس أسمى وأفضل وأبلغ وأعجب من هذا بالنسبة للإنسان السياسي المخلص، وللإنسان العظيم الذي لا يبغي الاستجابة لأهوائه النفسية.

وتصوروا هذا الإنسان نفسه في موقع رئاسة العالم الإسلامي، حينما أصبح زعيماً للمسلمين. فانهال الناس عليه وانتخبوه، شاء أم أبى. فكان الكل - الصديق والعدو والمنافس وغيرهم - بين مبايع وبين مَن أعلن عدم معارضته، وهؤلاء الذين امتنعوا عن البيعة كان عددهم ضئيلاً جداً، أربعة إلى ستة أشخاص، لكنهم قالوا اننا لا نعارض، وتنحّوا جانباً، والبقية بايعوا بأجمعهم، وأصبح زعيماً لكل العالم الإسلامي.

أتعلمون ماذا يعني العالم الإسلامي يومذاك؟ إنّه من حدود الهند إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط. هذا هو العالم الإسلامي آنذاك حيث كان يضم العراق ومصر والشام وفلسطين وإيران وغيرها، أي لعله كان رئيساً لنصف العالم المعمور آنذاك، وبقدرة تامّة.

وكانت معيشة أمير المؤمنين (عليه السلام) وزهده الذي سمعتم به، يتعلق بهذه الفترة. فالحياة الجميلة ولذاتها ورغدها وجمالها وغيرها من الأمور - التي يكفي واحد منها لاستمالة شخصيات كبرى واضطرابها في بوتقة ذلك الاختبار وانزلاقها وخروجها عن الصراط - لم تستطع بأجمعها أن توقع أمير المؤمنين (عليه السلام) في مهاوي الشك والاضطراب حتى لحظة واحدة؛ ناهيك أن تميله عن الصراط.

لقد أثبت هذا الإنسان الكبير انه أقوى عزماً وشكيمة من كل عوامل الإغواء. وهذه هي معاني العظمة، وهذه هي العناصر التي خضعت لها الأجيال والتاريخ وبنو الإنسان والمجتمعات. ولو رام أحد الانصافَ لما أمكنه العصيان والتمرد على مثل هذه الشخصية؛ بل إنّ القلوب تخضع له طواعية.

إنّ مَن تعالتهُ رشحة مِن سجايا أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)، بإمكانه أن يتفوّق على الكثير من أنماط الزيغ والنوازع الداخلية والخارجية. فهذا الإمام الكبير الذي رأيتموه، كانت أكبر الشخصيات في عالمنا المعاصر تشعر أمامه بالضِعة. وحتى مندوبوه، فبما أنهم كانوا يحملون معهم اسم الإمام، فانّهم أينما حلّوا كانوا يرغمون الطغاة والأكابر واصحاب القوة في العالم على الخضوع والتواضع.

إمامنا الكبير - الخميني - قد استطاع أن يغرس في ذاته جزءاً وجانباً من معدن الجمال والاخلاص لذلك الرجل الفذ. وهذا الجزء الذي نتحدث عنه بالغ العظمة طبعاً، إلاّ انّه ضئيل، ولا يكاد يمثل إلاّ قطرة من المحيط المترامي لشخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإن كان بحد ذاته كبير وكثير جداً.

يا أعزائي، لا تتيسر معرفة أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الطريقة، لا يمكن ذلك. نعم للإنسان أن يستشعر شيئاً عنه (عليه السلام) عن طريق هذه المقارنات؛ فالإمام السجاد (عليه الصلاة والسلام) أجاب أحد أصحابه حينما سأله، يا ابن رسول اللّه لماذا تحمل نفسك على هذه المشقّة وتكثر من الزهد والعبادة؟ فما الذي يجعلك تحرص على كل هذا الزهد والعبادة؟ فلو رحمت نفسك وجسدك! فبكى الإمام السجاد (عليه السلام) وقال [ما معناه]: قارن بيني وبين أمير المؤمنين (عليه السلام)، وانظر أين أنا وأين أمير المؤمنين. اُنظروا؛ فهذا كلام زين العابدين (عليه السلام).

شخصية الإمام السجاد (عليه السلام) من الشخصيات النادرة، لا انها نادرة في العمل فحسب، وانما هي نادرة في الفكر أيضاً؛ إنّه من الشموس المنيرة التي لا نستطيع أن ننظر شعاعها إلا عن بعد؛ وهو حينما ينظر إلى أمير المؤمنين ينظر إليه بعين التعظيم والاجلال التي ينظر بها طفل صغير إلى بطل عملاق. هكذا هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبهذه العظمة.

يا أعزائي، إنّ الجانب الذي يعنيني ويعنيكم هو هذا البعد من القضية، وهو أنّ اتّباع هذا الرجل لا يتحقق بمجرد الكلام، فلو كنتم في ساحة الحرب وتؤكدون على الدوام أنّ فلاناً هو قائدنا، وتعلنون دوماً طاعتكم له، ولكن حينما يدعوكم ذلك القائد للاصطفاف لا تستجيبون، وعندما يأمركم بالتدريب لا تأتمرون، ويأمركم بالهجوم فتعرضون، فأية قيادة هذه؟ ليس هذا قائدكم؛ فالإنسان يمارس مثل هذا السلوك مع عدوّه ومع الإنسان الغريب. أمير المؤمنين (عليه السلام) مولانا وإمامنا وقائدنا، ونحن شيعة علي، وإنّا ونفتخر بهذا. ولو ان أحداً ذكر اسم أمير المؤمنين بقليل من التعظيم، امتلأت قلوبنا غيظاً عليه، إذن فلابدّ أن يكون لهذا تأثير في حياتنا.

لا نقول نكون كأمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فالإمام السجاد (عليه السلام) قد قال إنّه غير قادر على العمل كأمير المؤمنين (عليه السلام)، وأمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه قال: «ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك». ولمن قال أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الكلام؟ قاله لعثمان بن حنيف مع كل ما له من عظمة، إنّك لا تقدر على مثل ما أعمل. وهذا من الواضح. ولكن سيروا على الأقل في ذلك الاتجاه، وعلى ذلك الطريق، وفي ذلك المسار. وهذا واجب. فإذا ما أردتم أن تكونوا في خندق أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنَّ أبرز ما تميّز به في عهد حكومته - والذي يرتبط بحاضري وحاضركم - هو خصلتان: إحداهما العدل الاجتماعي، والاُخرى الزهد في الدنيا.

يا أعزائي: هذان الأمران يجب أن نرفعهما في مجتمعنا كالعَلَم. العدالة الاجتماعية هي ان تكون نظرة الحكومة إلى جميع أبناء الشعب متساوية، وأن يكونوا سواسية أمام القانون، وفي الامتيازات، وفي التعامل.

من البديهي أنّ لكل إنسان أصدقاء وأقارب، لهذا فان العلاقات ليست متساوية مع الجميع. فالشخص المسؤول - من دون فرق بين أن يكون مسؤولاً عن دائرة أو موظفاً صغيراً، أو كان حجم مسؤوليته كبيراً أولاً؛ فالجميع سواسية - له صلة بشخص، ولا صلة له بشخص آخر، لا نريد أن نقول هذا. ولكن نقصد أن يكون السلوك والتعامل قانونياً. أي حينما تكون ثمة امتيازات، ومن شأن الحركة والنظرة والإشارة من المسؤول ان تكون ذات أثر؛ يجب هنا أن يكون الجميع سواسية يجب أن يشعر الجميع بأنهم ينتفعون من خيرات النظام الإسلامي بشكل متساوي. طبعاً البعض يتميّز بالكسل ولا يلاحق العمل، والبعض يقصّر، والبعض الآخر يظلم نفسه، هؤلاء حسابهم على حدة.

أمّا معنى العدالة الاجتماعية فهو أن تطبّق جميع القوانين والمقررات على أفراد المجتمع عامة وأن لا يحصل البعض على امتياز خاص من غير سبب. هذا هو معنى العدالة الاجتماعية، وهذا ما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام).

كان هذا هو السبب الأساس في العداوات التي برزت ضد أمير المؤمنين (عليه السلام).

حينما تعدى ذلك الشاعر - النجاشي - الذي نظم كل تلك الأشعار بحق أمير المؤمنين وضد أعدائه، حدود اللّه في شهر رمضان، أقام عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) حد اللّه، مذكّراً أيّاه، إنّك تعديت على حدود اللّه. وكان ذلك الرجل قد شرب الخمر في نهار شهر رمضان علناً - فكان ذنبه شرب الخمر وهتك حرمة شهر رمضان أيضاً - فجاءه جماعة وقالوا: يا مولانا إنّ هذا الرجل نظم بحقك الكثير من الأشعار، وهو يعلن لك الولاء، وإنّ أعداءك قد بالغوا في اغرائه فلم يستجب لهم، فاحتفظ به. فقال لهم ما مضمونه: نعم، ليبقى، ولكنني اُقيم حد اللّه عليه. وأقام عليه الحد. فالتحق النجاشي بمعاوية. هكذا يتعامل أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أحكام اللّه ومع حدود اللّه.

لكن ومن جهة اُخرى جيء برجل سارق إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: كم تحفظ من القرآن؟ فقرأ آية. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «قد وهبت يدك بسورة البقرة». فيدك التي يجب ان تقطع وهبتها لك مقابل سورة البقرة، فاذهب.

لم يكن هذا التمييز عبثاً؛ وإنّما لأجل سورة البقرة، وتكريماً للقرآن. حينما تعرض الاُصول والقيم والمعايير لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يعير اهتماماً لأحد؛ فحينما فسق ذلك الرجل وفجر أقام عليه الحد الشرعي لفسقه وفجوره، ولم ينظر إلى ان هذا الرجل قد اسدى إليَّ خيراً، ولكنه تغاضى عن إقامة حد السرقة لأجل القرآن. هذا هو أمير المؤمنين.

أي أنّه يسير مائة بالمائة وفقاً للمعايير والقيم الإلهية - ولا شيء سواها -، والقول المأثور «إنّ علياً قتل في محراب عبادته لشدّة عدله» ولا أعلم قائله على وجه الدقّة، قول صحيح؛ فعدالة أمير المؤمنين جعلت أصحاب النفوذ لا يطيقون تحمّله.

ولعلّ البعض يقول الآن: يا مولاي إنّ العدالة التي لم تسمح لعلي (عليه السلام) بمواصلة حكومته المباركة، كيف تريدون تطبيقها اليوم؟ أقول: يجب تطبيق ما نقدر عليه وما نطيقه. إنّنا لا ندعي وجوب تطبيق العدالة مثل أميرالمؤمنين، بل نقول يجب تطبيق ما يقدر مؤمن العصر على تطبيقه. وهذا القدر من العدالة الذي يمكن تطبيقه ويجب تطبيقه، إذا اتخذ طابعاً ثقافياً وادرك الناس معنى العدالة، سيكون حينها قابلاً للتحمل. جماهير الاُمة كانت تحلو لها عدالة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم تكن كارهة لها، وإنّما أساءت عدالته أصحاب النفوذ.

والسبب الذي أعانهم على انكسار أمير المؤمنين (عليه السلام) ومكّنهم من ايجاد تلك الحالة في معركة صفين، ثم قتله، والسبب الذي ملأ قلب أمير المؤمنين (عليه السلام) قيحاً، هو أنّ قدرة التحليل كانت ضعيفة لدى الناس، والمتنفذون يؤثرون على أفكارهم. يجب تصحيح قدرة الناس على الفهم والادراك، ورفع مستوى الإدراك السياسي في المجتمع، ليصير بالإمكان تطبيق العدالة.

القضية الثانية هي زهد أمير المؤمنين. فمن أبرز المعالم في نهج البلاغة هو الزهد. والزهد الذي طرحه أمير المؤمنين آنذاك، انما طرحه كعلاج لمرض أساسي في المجتمع الإسلامي.

لقد ذكرت ذلك مراراً، واليوم يجب أن نقرأ نفس آيات الزهد تلك. وحينما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لا تغركم محاسن الدنيا واغراءاتها، كان الكثير من الناس لا يحصلون على تلك الملذات؛ بل لعل أكثر الناس كانوا على هذه الشاكلة، فخطاب أمير المؤمنين مع اُولئك الذين اغنتهم الفتوحات وأصبحوا خلال سنوات التوسع وتنامي قوة الإسلام الدولية، على درجة من الثراء والامتيازات. وكلام حضرته تحذير لهؤلاء.

ونحن اليوم إن أشرنا إلى الزهد وألفتنا النظر إليه، نرى البعض يقول: يا سيدي إنّ أكثر الناس لا يملكون هذه الأشياء التي تتحدثون عنها. والجواب هو، إنّنا لا نقول هذا، لهم، بل خطابنا مع المقتدرين، مع مَن فتحت لهم ملذات الدنيا أحضانها، مع مَن يستطيع بلوغ الملذات الدنيوية بطرق الحرام. ثم بعد ذلك مع مَن يستطيع بلوغها عن طريق الحلال.

إنّ الورع والنقاء واجتناب الحرام والتقوى، هي أرفع وأوجب أنواع الزهد البتة، إلاّ أنّ الزهد عن اللذات المحللّة له مرتبة رفيعة أيضاً؛ نعم،  مخاطبوه أقل أفراداً.

واليوم هو ذلك اليوم - مع التفاوت في ظروف الزمان والخصائص التاريخية لكل عصر -، وعلى من تصل أيديهم إلى الرغد والنعيم والملذات والرفاه المتزايد للحياة، أن يضعوا كلمات أمير المؤمنين في الزهد نصب أعينهم. ولاشكّ في أنّ هذا الخطاب أشد وأبلغ مع أصحاب المسؤوليات، وهو يعم مَن لا منصب ولا مسؤولية حكومية له - أيضاً - ولكن بشكل أضعف؛ فاُولئك أولى به.

ولو أنّ مجتمعنا الإسلامي الذي تحدق به كل هذه المخاطر، وكل هؤلاء الأعداء، وضع هذه التوصيات نصب عينيه وأولاها الاهتمام اللازم وأعطاها صيغة ثقافية، وأدرك كل هذا وتحدث فيه وطالب به، فلن يؤدي تطبيق مثل هذه العدالة ومثل هذا الزهد إلى ايجاد أية مخاطر على النظام الإسلامي ابداً، بل انها تجعله أكثر قوّة، وصلابة.

الناس الذين لا تغريهم اللذات والمطامع وشهوات الحياة، يمكنهم الوقوف بوجه الأعداء والخصومات، وانقاذ مجتمعهم ونظامهم في الظروف العصيبة. وهذا العداء المحدق بالجمهورية الإسلامية يجعل المسؤولية ثقيلة على الجميع، وخاصة على عاتق الشباب، ومن يتصدى للمسؤوليات، وخاصة على عاتق علماء الدين المحترمين وطبقات الشعب المختلفة، ومن ينظر إليهم الناس كقدوة.

لقد أوقد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذين المشعلين ليضيء كل التاريخ. والذين يتمردون سيلقون الضرر بأنفسهم، ويبقى اسم علي، وذكر علي، ودرس علي على مدى التاريخ لا يطاوله النسيان، وسيبقى على الدوام.

أدعو اللّه تعالى أن يجعلنا أهلاً لهذا الاسم العظيم والمقدّس «شيعة أمير المؤمنين» عليه الصلاة والسلام، وأن يرضي عنا الروح الطاهرة والقلب المقدّس لهذا الإمام العظيم. وأن يجعل القلب المقدّس لحضرة إمام الزمان (أرواحنا فداه) راضٍ عنا ومسرور بنا. وان يوفقنا للعمل بما نقول وبما نفكر. وأن يحشر حضرة الإمام إن شاء اللّه مع أوليائه، وأن يرد كيد الأعداء إلى نحورهم.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته