|
كلمة القائد أمام جمع كبير من قوات الحرس والتعبئة بمناسبة ولادة الإمام الحسين (ع) ويوم الحرس وأسبوع التعبئة - 22/11/1998. (الموافق: 3 شعبان 1419 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم إزدان اجتماعنا هذا - ببركة ذكرى المولد السعيد للحسين بن علي (ع)، سيد عشّاق الحق الثملين بمحبّة اللّه - بحضور حاشد معطاء، وعبقت في اجواء هذا اللقاء نفحات ذكرى الشهداء مع حضور المقاتلين الأبطال، وآباء وأمهات الشهداء، وتعابيرهم النابعة من القلوب، عسى ان يكون يوم ولادة أبي عبد اللّه (ع)، ويوم حرس الثورة، وأسبوع التعبئة، مباركاً لكم انتم أعضاء حرس الثورة، ولجميع أفراد قوّات التعبئة ولعموم أبناء الشعب الايراني وخاصة عوائل الشهداء والمضحّين. ان من جملة عشرات بل مئات الخصائص التي تنفرد بها الأمة الاسلامية بفضل القرآن والاسلام وأهل البيت، هي ان لهذه الأمة قدوات كبيرة ومشرقة نصب عينيها. وللقدوات أهميتها في حياة الشعوب؛ فإذا ما وجد لدى أمة شخصية فيها نفحة عظمة، فان تلك الأمة لا تنفك عن تمجيد تلك الشخصية والتغني بها وتخليد اسمها، من أجل توجيه المسار العام لحركة تلك الأمة في الاتجاه المتوخي لها. وقد لا يكون هناك في الواقع أي وجود حقيقي لمثل هذه الشخصية، وانما يستقى من شخصية خيالية مطروحة في القصص والأشعار والأساطير الشعبية؛ وهذا كله نابع من حاجة الأمة لرؤية قدوات كبار امام عينيها من ابنائها. وهذه الظاهرة موجودة في الاسلام على نحو وافر ومنقطع النظير، ومن جملة أكابر تلك القدوات هي شخصية ابي عبد الله (ع) إمام المسلمين وسبط الرسول، والشهيد الكبير في تاريخ الإنسانية.
أهم الأبعاد في شخصية الامام الحسين (ع): ان لشخصية ابي عبد الله (ع) أبعاداً شتى يستلزم كل واحد منها بياناً وتوضيحاً شاملاً، أشير هاهنا الى ان من جملتها «الاخلاص»، والاخلاص معناه الالتزام بالواجب الالهي وعدم ادخال المصالح الذاتية والفئوية والدوافع المادية فيه. والبعد الآخر هو الثقة بالله، اذ ان ظواهر الأمور كانت تقضي بأنّ تلك الشعلة ستخفت في صحراء كربلاء، ولكن كيف يرى ذلك الفرزدق الشاعر في حين لم يكن يراه الحسين؟! ويراه الناصحون القادمون من الكوفة، ولا يراه الحسين بن علي الذي كان عين اللّه؟! لقد كانت ظواهر الأمور توحي بهذا المآل،إلاّ ان الثقة باللّه كانت توجب عليه اليقين - رغم كل هذه الظواهر - بأن الغلبة ستكون لكلامه الصدق ولموقفه الحق. وجوهر القضية هو ان تتحقق نيّة المرء وغايته. والانسان المخلص لا تهمه ذاته فيما اذا تحققت الغاية التي يرمي اليها. رأيت ذات مرّة أحد أكابر أهل السلوك والمعرفة كتب في رسالة: اننا اذا افترضنا - على سبيل المحال - ان كل الاعمال التي كان رسول اللّه(ص) يطمح الى تحقيقها قد تحقّقت، ولكن باسم شخص آخر، فهل كان ذلك يغيظ رسول الله(ص)؟ وهل كان قد يقف منها موقفاً سلبياً مادامت باسم شخص آخر، أو انه يقف منها موقفاً ايجابياً بدون الالتفات الى الاسم الذي تتحقق على يده؟ اذاً فالغاية هي المهمة، والانسان المخلص لا يأبه كثيراً بالشخص وبالذات وبالأنا، باعتباره انساناً مخلصاً وله ثقة باللّه، وموقفاً بأن الباري تعالى سيحقق هذا الهدف؛ لأنه تعالى قال: {ان جندنا لهم الغالبون} فالكثير من الجنود الغالبين يخرون صرعى في ميادين الجهاد، إلاّ انه تعالى قال في الوقت ذاته: {ان جندنا لهم الغالبون}. أما البعد الثالث فهو ادراك الموقف، وعدم الوقوع في الخطأ في اتخاذه، فقد كان الامام الحسين متصدياً لزمام المسؤولية والامامة مدة عشر سنوات، مارس خلالها نشاطات اخرى ليست من طراز الفعل الاستشهادي في كربلاء، ولكن بمجرد ان سنحت له الفرصة للاتيان بعمل كبير استغل تلك الفرصة ووثب وتمسك بها، ولم يدعها تفلت من بين يديه.
أصالة الثورة والصمود أمام أحابيل الأعداء أقاويل المرجفين: لهذه الأبعاد الثلاثة طابع مصيري ولها دورها في كل العهود. وفي احداث ثورتنا أيضاً منح الباري تعالى امامنا الخميني منزلة رفيعة {ورفعناه مكاناً عليّاً}، وصانه وحفظه وخلّده بالرغم من كل القوى المادية والاستكبارية في العالم التي كانت تكيد له المكائد وتسعى للقضاء عليه ومحو ذكره والحطّ من شأنه. ويكمن سبب ذلك في تحلّي الامام بتلك الخصال الثلاث؛ فهو – أولاً، كان مخلصاً لا يبغي شيئاً لذاته. وكان – ثانياً – على ثقة بربه وعلى يقين بأن غايته ستتحقق ، وكان أيضاً على ثقة بعباد اللّه، وحرص – ثالثاً - على عدم تفويت الفرصة وسارع في اللحظة المناسبة الى القيام بالفعل اللازم والكلام اللازم والموقف اللازم. لقد وقعت ثورة كبرى لم يستفق الأعداء حتى الآن من الدوار الذي سببته لهم، ولا بمقدورهم معرفة حقيقتها؛ وانا أدعي هذا وقادر على اثباته، اذ يستشف من مجمل كلامهم وتصرفاتهم واجراءاتهم الهادفة – حسب ظنهم - للقضاء على هذه الثورة، انهم لم يفهموها على حقيقتها حتى الآن. لقد بلغ صدى هذه الثورة الى عنان السماء، بينما يتوهم قصيرو النظر ان يتيسّر حلّ القضايا كلها بكلمة واشارة وابتسامة. والأكثر سذاجة منهم أتباعهم وأذنابهم الذين يرددون أقاويلهم هنا بين الحين والآخر ويردّون على بسماتهم بالبسمات! هذه الثورة ثورة كبرى وضاربة بجذورها في القلوب وفي أعماق التاريخ ولها امتدادها على صعيد العالم المادي المعاصر؛ فكثيراً ما تطالعنا الصحف بأخبار – لا في بداية الثورة، وانما في الوقت الراهن - تفيد ان اتباع المسيحية الذين يعيشون في العالم المادي الغربي أخذوا يتجهون نحو الإسلام، والإسلام يستقطبهم انطلاقاً من مركزه هذا الذي يعتبر الآن في ذروة فاعليته، بينما يتوهم البعض ان هذا المركز قد خمد أواره، ويصرحون بأقاويل تثير السخرية وتنمّ عن وهم وبلادة، وسيدركون عمّا قريب انهم كانوا واهمين. وخلاصة القول هي ان نهضة الإمام اتخذت هذا الطابع العميق بسبب توفر هذه العناصر الثلاثة فيها، وهي: الاخلاص، والثقة باللّه، واستمكان الفرصة واقتناصها. وانتم اعضاء حرس الثورة يجب عليكم العمل على هذه الشاكلة، ومثلما فعلتم حتى يومنا هذا.
الإعراض عن المغريات وخلوص النيّة لدى حرس الثورة: يجب ان أشير إلى ان حرس الثورة هم اولئك الذين اعرضوا عن المغريات التي تستهوي الشباب في هذا العالم المادي، وارتدوا ثوب العفاف والتقوى واستلهموا المعنويات ونزلوا إلى الساحة في سبيل اللّه وضحوا بكل ما كان ينبغي لهم التضحية به من أنفس وسلامة، وحضور بين أفراد الاسرة، وغير ذلك من نعم اللّه. ومع ان الكثير من أعضاء حرس الثورة والشباب الآخرين يتمتعون بالصحة والسلامة ولم يستشهدوا ولم يفقدوا سلامتهم، إلا انهم في حكم الشهداء لأنهم قدموا للثورة وللشعب ما كان يجب عليهم من مشاركة في الجبهة ونشاط في الساحة السياسية. ولا شك في انهم ساروا على تلك الخطى نفسها؛ إذ انهم عرفوا الفرصة المناسبة وتوكلوا على ربهم واخلصوا في نياتهم. شهداؤنا الأكابر الأعزاء المعروفون من أمثال الأخ زين الدين – الذي وقفت والدته الكريمة على المنصة وتحدثت قبل قليل - وغيره من الشهداء الكبار، لم ينزلوا حينذاك إلى الساحة من أجل ان تذكر أسماؤهم في أجهزة الاعلام في بلدنا وفي هذا العالم، وانما ذهبوا إلى الجبهة كأشخاص عاديين لأداء واجبهم، وحيثما شعروا ان الواجب يتطلب وجودهم هناك، ذهبوا إلى هناك، وهذا هو الاخلاص؛ ومثل هذا الاخلاص موجود اليوم لدى شعبنا وتتجسد أبهى وأكمل مظاهره لدى الشباب المؤمنين الذين تمثل قوات حرس الثورة أفضلهم وأبرزهم. كانت هناك منذ اليوم الأول عناصر تعارض استقلال هذا البلد، وتعارض هذه الثورة، وترفض الانعتاق من سيطرة الاستكبار، وترفض السير على نهج الإسلام، وتعارض عفاف النساء والرجال، وتعارض النزاهة الأخلاقية للشباب، ويستهويها فساد الثقافات الأجنبية، وتعارض وجود حرس الثورة. وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل ان هذه المعارضة كانت موجودة منذ اليوم الأول، ويوجد اليوم أيضاً من يحملون هذه الخصائص على نحو أو آخر، مع مرور الزمان ومع ما يطرأ على أوضاع العالم من تغيّرات؛ فتراهم اليوم يعارضون وجود حرس الثورة وما يتصف به من تديّن وما يحرزه من نجاحات أيضاً، وهذا أمر بديهي لا نتوقع منهم غيره، ولكن المهم هو ان الكلمة إذا كانت كلمة إلهية طيبة لا تأثير حينذاك للمعارضة أو التأييد. إذا كان الأساس سليماً - وهو سليم والحمد للّه - وإذا كان السبيل واضحاً - وهو واضح طبعاً - وإذا كان الأفراد يتصفون بالإيمان والإخلاص - وهما صفتان متوفرتان فيكم - لا أهمية عند ذاك لأقاويل ولظنون الآخرين. والسائر حينما يبدأ مسيرته على طريق طويل فان أهم ما يستلزمه هو الارادة والعزم على بلوغ غايته، فإذا ما توفرت لديه الارادة والعزم فانه يتحرك نحو غايته ويبلغها على الرغم من التصورات والظنون التي تشكك في مقدرته وفي صحة مسيرته.
الحضور التعبوي في الميادين كافّة ضرورة دائمة: أريد أن أتحدث أيضاً عن قوات التعبئة؛وذلك ان البعض يتصور ان التعبئة تشكيل عسكري كبقية التشكلات العسكرية – كالجيش أو الحرس - وهذا تصور مغلوط فيه، فالتعبئة إنّما هي قوة فاعلة في جميع الميادين والقطاعات؛ فحينما كانت الحرب مستعرة أثبتت التعبئة فاعليّتها هناك، ناهيك عن الميادين الأخرى التي أثبتت التعبئة وستثبت أيضاً فاعليتها فيها. فهذا الشاب المحب والمطيع لأمر قائده، حتى انه أثار الدهشة والحيرة في نفس ذلك القائد من شدّة اخلاصه وتضحيته في ساحة الحرب، هو نفسه حينما يدخل الجامعة يثير الدهشة لدى استاذه، وهكذا الحال أيضاً فيما إذا دخل إلى المختبر العلمي أو في معترك التحليلات السياسية. اعلموا ان جميع البلدان توجد فيها مثل هذه الظاهرة، ولكن ليس على هذه الدرجة. والبلدان التي تساس فيها الأمور على نحو مغلوط فيه، لا يؤدي الشعب أي دور وليست له أية قيمة أو ارادة أو مشاركة؛ أما الشعوب الحيّة التي تؤمن ساستها بدور الشعب، فتجد في كل مكان فيها حالة شبيهة بحالة التعبئة، بيد انني لا أعرف بلداً يرقى إلى هذه الدرجة من الشمولية والتألق والروعة والفداء حسب ما لديّ من معلومات عن مختلف البلدان سواء في ماضيها القريب – أي على مدى مئة أو مئتي سنة من تاريخ العالم - أم في الوقت الحاضر. ظاهرة التعبئة لا تختص بشريحة الشباب، بل نهض بها الشباب جنباً إلى جنب مع الشيوخ، وكان الأب والابن يأتيان معاً، وفي بعض الحالات كان والجد الحفيد يأتيان سوية، وفي الوقت الحاضر يعملان سوية أيضا؛ كما ان التعبئة لم ينفرد بها الرجال وحدهم، وانما كان الرجال والنساء معاً، ولم تكن قضية الخصائص والمزايا مطروحة عند ذاك بل كانت قضية أداء المسؤولية هي القضية المهمة، ومتى ما كان البلد يجابه مشكلة كانت قوات التعبئة الجماهيرية العظمى هي التي تضطلع بحلّها بالدرجة الأولى؛ أضف إلى ان التعبئة الشعبية لا تنحصر في اطار جغرافي معين ولا توجد في موضع معين دون غيره، بل تشارك فيها جميع الفئات والشرائح من الشباب والشيوخ والجامعيين والطلبة والعمال والكسبة والمهنيين وعلماء الدين. أما السبب الذي يقف وراء ازدهار ظاهرة التعبئة الجماهيرية وتألقها في بلدنا فهو الايمان العميق المنطلق من مشاعر الحب الممتزج بالعاطفة التي تعتبر من خصائص الشعب الإيراني؛ فهذا الشعب يتّسم أبناؤه – كما هو الحال بالنسبة لبعض الشعوب الأخرى - بعاطفة جيّاشة تُحل بها الكثير من المشاكل، ولقد امتزج هذا الايمان بتلك العواطف وتحول هذا النهر الهادر إلى بحر مترامي الأطراف استطاع ان يجتث المشاكل حيثما وجدت، وهكذا شأنه اليوم أيضاً، ويجب ان يكون كذلك وان يستمر على هذا المنوال. في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها البلد تتعالى من البعض صيحات منطلقة من تفسير مغلوط فيه، يتصور ان التعبئة تشكيل عسكري لا حاجة لوجوده ولا لوجود الجيش وحرس الثورة وقوى الأمن الداخلي إلا في أوقات الحرب، ويجب ان تُلغى كلياً في الوقت الحاضر، وان كل القيم والمثل التعبوية وكل الفضائل الإلهية - التي تُعتبر التعبئة تجسيداً لها - يجب ان تزال آثارها من المجتمع، وهذا بطبيعة الحال صادر من الاعلام المعادي، والويل لشعب يصغي للاعلام المعادي؛ لأن العدو لا يريد الخير للإنسان؛ ولو ان العدو أثنى عليكم يوماً فعليكم ان ترتابوا لهذا الثناء، وإذا ما ذمّكم يوماً يجب ان تقابلوا تلك المذمة بضحكات الاستهزاء، واذا أشار إلى ان الأوضاع سيئة فاعلموا انها على ما يرام، وإذا أعلن ان الطريق الذي تسيرون عليه غير صحيح، فاعلموا ان سيركم على هذا الطريق يلحق به الضرر، وإذا رأيتم العدو أطرى عليكم فانظروا ما هو العمل السلبي الذي صدر عنكم وبعث السرور فيه؛ فيما إذا كان اطراؤه حقيقياً طبعاً وخالياً من الألاعيب.
أساليب الاستكبار تُحبطها يقظة الشعب: اعلموا يا أعزائي ان الاستكبار إذا أراد نشب مخالبه في أي موضع من العالم فانه يستخدم لهذه الغاية ثلاثة اساليب، إلا ان أيّاً منها لم يُجده نفعاً حتى الآن، وتلك الأساليب الثلاثة هي: المال والترهيب والاعلام؛ فهو يغري الناس بالأموال ويشتري ضمائرهم؛ وليس المراد بعنصر المال انه يتدخل في اقتصاد البلاد، فما من بلد يستطيع ترك تأثير بالغ على اقتصاد بلد آخر على المدى البعيد فيما إذا كان الشعب في ذلك البلد واعياً.أجل، قد يستطيع ايجاد خلل أو بلبلة في اقتصاده، ويؤثر على أسعار النفط مثلاً ويخفض عائدات ذلك البلد إلى النصف، مثلما فعلوا ببلدنا حالياً. وأشير هنا إلى ان البعض يسعى لتضخيم الحالة الاقتصادية التي يمر بها بلدنا في الوقت الحاضر ويحاول اثارة ضجة حولها. والحقيقة هي انه ليست هناك قضية ذات أهمية، فهل نحن شعب لم يواجه أزمة اقتصادية؟ ألم نجابه نقصاً في العائدات المالية والنفطية وغيرها على مدى عشرين سنة مضت؟ لقد واجهنا هذه الحالة في الماضي، وكانت العائدات تنخفض حيناً وترتفع حيناً آخر، إلا ان المسؤولين الحريصين كانوا يجتازون تلك الأزمات بمعاضدة أبناء الشعب وبصبر الجماهير المؤمنة، وسيجتازون أيضاً العقبة التي تواجههم اليوم. ولكن الاعلام المعادي يحاول الايحاء إلى ان الشعب الإيراني يجب ان يقيم مآتم الحزن لأن عائدات النفط قد انخفضت. إذاً، فالشعب إذا كان حياً ويقظاً وناهضاً ومتحداً ويساند مسؤوليه ويثق بالمتصدين لادارة دفة الأمور - إذ يجب عليكم ان تثقوا بمن نصبتموهم لإدارة شؤون البلد، واعلموا ان المسؤولين الحكوميين يبذلون جهودهم ويعملون، ويجب ان تطرحوا بهم كامل الثقة لكي يتمكنوا من أداء واجبهم - لا يمكن للأعداء ان يؤثروا في اقتصاد البلاد تأثيراً طويل المدى، أو ان يوجهوا أية ضربة له. والشعب الحي يصدّ الضربة الاقتصادية مثلما يصد ضربة السيف ويدرؤها ولا يُبقي لها أثراً. الأسلوب المالي - كما أشرت - يعني تقديم الرشوة وشراء ذمم ذوي النفوس الضعيفة، والاستكبار العالمي يستعبد بالأموال الطمّاعين؛ وهذه الظاهرة متفشية في عالم اليوم، إذ ان الاستكبار بعدما يكتشف ذوي النفوس الضعيفة يجود عليهم بالأموال ليستعبدهم، وقد ألحق هذا الضرر بالكثير من دول العالم عبر شراء ذمم الطمّاعين من عبيد المال والبطن، واستعبدوهم بهذا المتاع القليل. الأسلوب الآخر هو الاسلوب العسكري الذي يُتخذ كأداة للترهيب؛ فحيثما يثور جدل بين جانبين في بقعة من بقاع العالم، تنطلق الاساطيل الامريكية الى هناك وتبدأ باطلاق التهديدات؛ فالاساطيل الامريكية تمخر عباب الخليج الفارسي منذ سنوات طويلة، فهل بعث وجودها هنا الخوف في نفوس بعض افراد الشعب الايراني؟ أو اضطر البعض الآخر الى التخفّي؟ أو تراجع بعض المسؤولين في البلد عن مواقفهم السابقة خوفاً من الأساطيل الأمريكية؟ كلا، فالشعوب الحيّة لا تخاف، والشعب المؤمن لا يخاف، والقلب المملوء بالايمان لا يبالي بمثل هذه التهديدات؛ وهذه الاساطيل بما تستبطنه من تهديدات انما تثير الفزع لدى الجبناء الذين لا ايمان لهم. امّا الاسلوب الثالث، فهو الاعلام الذين يحاولون من خلاله قلب الحقائق وخداع الشعوب. واعلموا يا اعزّائي ان اول عمل يمارسه الاعلام ضد الدول هو التشكيك في مصداقية المراكز الحقيقية للصدق والصفاء فيها؛ فيشكك في طبيعية عمل اجهزة الاعلام الصادقة، ويثير الشكوك حول شخصيات الناس المؤمنين، ويكيل التهم لهذا وذاك، ويخلق التردد في قلوب الناس، ويحرف العقول ويقلب الحقائق. والاستكبار يتعامل اليوم مع العالم بواسطة هذه الاساليب الثلاثة. ولكن ما هو العلاج الكفيل بمكافحة هذه الاساليب الثلاثة؟ فكّروا وانظروا ما هو العلاج الكفيل بمكافحة عنصر الاغراء بالمال الذي يُستعبد به الناس؟ وكيف يمكن مجابهة اسلوب التهديد العسكري الذي يثير الرعب في قلوب الناس؟ وماذا يجب العمل في مواجهة الاسلوب الاعلامي الذي يعتمد الخداع كأداة لعمله؟ ان الكفيل بمكافحة هذه الاساليب هو الايمان المقرون بالبصيرة، وهذه الصفة كانت ولازالت موجودة لدى شعبنا منذ اول الثورة؛ وهي الصفة التي تتميّز بها قوات التعبئة ايضاً.
إيران الإسلامية معضلة الاستكبار الكبرى: القضية الكبرى التي تحققت على يد شعبنا بفضل الإسلام هي استطاعته إلحاق الهزيمة بأسطورة التسلط الاجنبي والتسلط الامريكي الذي لا يعرف الهزيمة؛ فهنالك بلدان تئنّ تحت وطأة التسلط الامريكي، لكنها غير قادرة على وضع حدّ له. لا تتصوروا ان جميع البلدان الخاضعة للتسلط الامريكي تشعر شعوبها بل وحتّى حكوماتها بالارتياح؛ من الطبيعي ان البعض يشعر بالارتياح لوجود مثل هذا التسلط لأن لهم مصالحهم فيه ويتقاضون رشوة لقاء وجوده، إلاّ ان الكثيرين منهم مستاؤون منه، ولكن ليس باستطاعتهم ازاحة كابوس التسلط الامريكي الجاثم على صدورهم، إلاّ ان هذا الشعب استطاع كسر هذا الطلسم كليّاً وبتر يد الأعداء. ان لإيران موقعاً حساساً وأرضها مليئة بالثروات، وذات ثروة ثقافية غنية، وذات موقع ستراتيجي بالغ الأهمية؛ ولهذا السبب لا يهون عليهم التخلّي عنها بهذه السهولة، وهم في سعي دائب للعودة اليها وبسط نفوذهم عليها من جديد والاستيلاء على ثرواتها ونهبها، وسخّروا لأجل هذه الغاية اساليبهم الثلاثة: المال، والقوة العسكرية، والاعلام، إلاّ ان شعبنا واقف لهم بالمرصاد، وكذلك قوات التعبئة وكل القوى المؤمنة المسؤولين كافّة والدولة صامدة امامهم. فهل يمكن لأحد ان يتجرأ اليوم على القيام بعمل يتعارض مع توجهات هذا الشعب الذي يريد الإسلام ويعادي من يناهض الإسلام؟! لقد ادرك جميع ابناء شعبنا شباباً وشيوخاً وطلبة وعلماء وصغاراً وكباراً وبمختلف شرائحهم – إلاّ من شذَّ وندر منهم ممّن تعلق بمغريات وزخرف الغرب - أن سعادتهم تكمن في فهم الإسلام بوعي وبصيرة واتخاذه نهجاً للحياة لكي يتسنى لهم درء مخاطر الاعداء، وهذه هي حقيقة التعبئة الجماهيرية وهذه هي فكرة جيش العشرين مليوناً التي طرحها الامام الراحل. اعلموا ان معضلة وجود ايران الإسلامية لم ولن تحلّ بالنسبة للاستكبار العالمي وبالنسبة لأمريكا؛ امّا الدعايات التي تثيرها بعض الصحف هنا وهناك وبأساليب مختلفة فلا تمثل ملاكاً للحقيقة، ولا تعدو الاساليب الثلاثة التي ذكرناها آنفاً؛ وهذا هو السبب الذي يدعوهم لشن هذه الدعايات، وهي دعايات يروجها البعض ويهدف من ورائها حثّ الشعب على الارتماء في قيود الذلّ والتبعية. فهل هنالك ما هو اكثر بلاهة من هذا؟! فهل هنالك شعب أو انسان عاقل يدعو الى الخضوع والانقياد لدولة استكبارية ظالمة والى الانضواء تحت سلطتها؟! توجد بطبيعة الحال فئات سياسية تطرح آراء تستهدف من ورائها تحقيق مآرب سياسية، فيما يردد آخرون كالببغاوات آراءهم؛ وهذا لا يعبّر - طبعاً - عن رأي جماعة مدركة وسالمة وقوية. ان استقلال هذا البلد اليوم رهين بالتمسك بالإسلام والعمل به وبوحدة الكلمة وبمعرفة العدو؛ وعدو ايران اليوم هو الاستكبار وعلى رأسه أمريكا؛ وهذا هو سبيل سعادة هذا الشعب، وسيمضي الشعب على سبيل سعادته هذا. والكل ملزمون بتشخيص متطلبات هذا العصر والرد عليها، والمجال مفسوح امام قوى التعبئة الجماهرية لأخذ قصب السبق في شتّى الميادين الفكرية والثقافية والعلمية والفنية،لأنها قوى شابة وناشطة ومنطلقة من صميم الشعب. يجب على كل القوى المؤمنة التوكل على الله والثقة به، واتّباع السبيل الواضح النيّر الذي اختطّه الامام الخميني امام هذا الشعب، وسيبارك الله لهم في مساعيهم ويعينهم وينصرهم ويمكّنهم من بلوغ اهدافهم النبيلة، ويبعث البهجة والرضا عنهم في القلب المقدس لولي العصر (ارواحنا فداه). |