كلمة القائد أمام جمع من مسؤولي القضاء بمناسبة أسبوع السلطة القضائية -.

 28/6/1998(الموافق: 3 ربيع الأول 1419 هـ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

أُرحّب بالإخوة والأخوات، كبار المسؤولين في السلطة القضائية، والعوائل الكريمة لشهداء حادثة السابع من شهر تير المريرة. من الضروري ان أُعبّر في البداية عن اخلاصي واعتزازي بالأرواح الطيّبة لأُولئك الشهداء الكرام، وخاصة الشهيد الجليل العزيز المظلوم، قليل النظير، المرحوم البهشتي (رضوان اللّه عليه).

يا حبّذا لو نضع نصب أعيننا على الدوام ان هذا التاريخ وهذه الثورة جاءا كحصيلة لذلك الجهاد ولتلك الدماء، لكي نتنبّه إلى طبيعة وماهية الأعداء السفّاكين الظلمة الذين كانوا - ولا زالوا - يتربّصون لهذه الثورة ولهذا البلد ولهذا الشعب وخاصة الشخصيات البارزة في هذه النهضة.

هؤلاء الأعداء هم الذين اختطفوا الشهيد البهشتي من يد هذا الشعب، ولا زالوا في الوجود، والذين كانوا يقدّمون لهم العون لا زالوا يقدّمونه لهم حتّى اليوم. وعسى ان لا ينتهي بنا السذّج أو المنحرفون فكرياً إلى التصور بأنَّ عهد الأعداء والعداوات قد ولّى. لأنّ مثل هذا التصور يوقعنا في خطر جسيم. فليس ثمة خطر أفدح من نسيان المرء انه يعيش في مواجهة مع عدوّه.

وعلى كل الأحوال فقد استوفت هذه الشخصيات جزاءها الأوفر. والحقيقة هي ان أمثال شهيدنا المظلوم البهشتي، مع كل جهوده ومع كل ما كان يتصف به من همّة وحمية ما كان ينبغي له الموت على الفراش، بل كان حرياً به أن يمضي شهيداً. والشهادة كرامة كبرى لهم من اللّه. ونحن نسأل اللّه تعالى لهم النعيم الأبدي وعلو الدرجات، وان يلحقنا بهم على نفس الطريق ذات الغاية.

أما بالنسبة للسلطة القضائية، فإنني وبعد التعبير عن اخلاصي وتقديري لكم أيّها الإخوة ممّن يعمل في هذا الجهاز، والاعلان عن فائق شكري لكل العاملين في سلك القضاء في كل أرجاء البلاد تقديراً لما أنجزتموه أو ما أنتم عازمون على انجازه، وخاصة الرئيس المحترم لهذا السلك وللشخصيات البارزة فيه، وللقضاة الشرفاء النزيهين الشجعان، أود الحديث في نقطتين هما:

الأولى: هي ان السلطة القضائية من أركان الدولة ولا يجوز اضعافها. أما موضوع تقويتها ودعمها فأشكاله تختلف، يعود البعض منها إلى الكفاءات العاملة في هذا الجهاز العظيم، كما يُعزى بعضها الآخر إلى الآخرين. من الواضح ان القاضي، حتى وان كان يقضي بالحق، فهو على الدوام موضع سخط أحد الطرفين المتخاصمين. وعادة لا يخرج كلا الطرفين من عند القاضي بالرضا، إلاّ في ما ندر.

يجب أن لا يكون هذا السخط، أو ما ينجم عن الجهل بما يجري في هذا الجهاز سبباً يدعو البعض لأن يسوّغوا لأنفسهم المساس بهذه السلطة التي تعتبر ضماناً للأمن والعدل ولتطبيق القانون في البلد، وتمثل في الحقيقة سنداً لاستتباب الأمن والنظام فيه.

يجب أن يعلم العاملون في هذا الجهاز انهم يؤدّون عملاً مهمّاً وأساسياً. ولو انّ جميع الأجهزة في البلد تؤدي عملها، لكن السلطة القضائية كانت معطّلة أو غير كفوءة، لأُصيبت حينذاك كل الأنشطة بالشلل. أما إذا كانت سائر الأجهزة غير كفوءة، وجهاز القضاء كفوء، فكفاءته تترك تأثيرها على سائر الأجهزة الأُخرى وتسير بها تدريجياً نحو الصلاح والسلامة.

فإذا ما عرفتم مدى أهمية مكانتكم والتأثير الصالح لعملكم ومثابرتكم وصدقكم وأمانتكم ونزاهتكم ودقّتكم وفطنتكم في فهم القضايا، فعليكم بمواصلة عملكم على هذه الصلابة لوجه اللّه تعالى وللبركات التي جعلها في عملكم، بدون الاصغاء لاعتراضات أو اساءات هذا وذاك. وهو ما لا ينبغي لهم طبعاً فعله؛ إذ من المستقبح ومما يتعارض والمصلحة أن تُشاهد أحياناً من الكتل السياسية أو الأجهزة الاعلامية مواقف غير مسؤولة ازاء صيانة احترام هذه السلطة التي يجب ان تحظى بثقة أبناء الشعب. فأحد أساليب زعزعة الثقة لدى أبناء الشعب هي هذه الاشاعات وهذا الكلام الذي يُثار من دون شعور بالمسؤولية.

فالنقطة الأولى إذن هي ان يعلم الجميع ان السلطة القضائية كفوءة وذات أهمية وفيها والحمد للّه شخصيات بارزة، ورئيسها من أكثر العلماء أمانة وحمية في هذا البلد، وهذه نقطة ذات أهمية فائقة لأي جهاز. كما ويوجد فيها والحمد للّه علماء بارزون وقضاة كبار أُمناء ونزيهون واتقياء.

شهادتي هذه أُدلي بها مُطّلعاً؛ فأنا أعرف الكثير من الشخصيات والقضاة فيها، ممن يعملون في كل أرجاء البلاد ويؤدون واجبهم بنزاهة واخلاص من أجل الحقيقة بعيداً عن اية مطامع أو أيّة ضجّة. ومن المهم جداً أن توجد في البلد مثل هذه المجموعة، ونحن والحمد للّه لدينا هذه المجموعة. وهذه حقيقة يجب ان يدركها الجميع ويتصرفون إزاءها بمسؤولية، بعيداً عن المواقف غير المسؤولة والمنطلقة من الانفعالات السياسية، والدوافع السياسية، والاقاويل السياسية وما شابه ذلك.

النقطة الثانية التي يجب أن تحظى بالاهتمام إلى جانب تلك، هي ان جهازنا القضائي غير كامل، وفيه نقاط ضعف لا يمكننا انكارها. وأنا أحمد اللّه ان جعلني بلطفه موضع مراجعات كثيرة من طرق شتّى، وتصلنا الكثير من الرسائل والشكاوى، أو يُعلمونا بذلك على أدنى الاحتمالات. وان ما كنا نبتغيه لهذا البلد ولهذا الشعب هو أن يشعر بالاستقرار عبر وجود السلطة القضائية، وهذا ما لم يتحقق حتى الآن، ولكن يجب أن يتحقق.

سبق لي وأن عرضت على حضراتكم، أن النظام الإسلامي يجب أن يكون على النحو الذي إذا ظُلم أحد أو هضم حقّه أو أُهينت كرامته ولم تكن لديه القدرة على الذب عن نفسه أو استرداد حقّه، فبإمكانه ان يستعين بسلطة القضاء. وهذا ما يجب عليكم توفيره في البلد. والعدالة القضائية هي الكفيلة بتوفيره، إلى جانب الأنواع الأُخرى من العدالة الاجتماعية.

قد اضطلع هذا الجهاز بمهام كبرى وقام بإجراءات قيّمة، نأمل بعون اللّه بذل مزيد من الجهود؛ سواء من قبل الحكومة أو من قبل العاملين في هذا السلك، عليكم أن توفروا الأجواء الكفيلة بإيجاد الثقة لدى الناس عند التظلم لدى السلطة القضائية.

وأُذكّر ان من جملة ما عرضته على حضراتكم - أنتم أفراد هذه المجموعة القيّمة التي تخدم في هذا الحقل - هو موضوع العدالة الاقتصادية والثروات المتضخّمة وظهور طبقة جديدة. ولستم وحدكم المعنيين بهذا الكلام، وانّما يعني أيضاً جميع الأجهزة في البلد، كالحكومة وخاصة القطاعات الاقتصادية فيها، والسلطة التشريعية، والمسؤولين الكبار في كافة الأجهزة والمؤسسات.

حينما تحدثت بهذا الموضوع في العام الماضي. أخذ أبناء الشعب يعبّرون عن آرائهم فيه ويطرحون وجهات نظرهم بشأنه، وانبثقت الآمال في قلوبهم. بديهي طُرحت في الاثناء أيضاً أقوال مجانبة للانصاف وبعيدة عن الصحّة. إلاّ ان هذا الموضوع يستلزم المتابعة.

العدل أهم قضايا المجتمع؛ فبالعدل قامت السماوات والأرض، وكذلك النظام الاجتماعي قائم بالعدل. وإذا انعدم العدل لا يبقى في المجتمع شيء ذو أهمية.

إذا فقدت العدالة في مجتمع حرّ - فيما إذا كانت حرّيته على الطريقة الأمريكية، وهو مجتمع تنعدم فيه الحرّية، وانما الحرّية فيه لصالح طبقة ضد طبقة أُخرى - إذا انعدمت العدالة يعمد عدّة أشخاص إلى حمل شخص أسود معاق من فوق كرسيه السيار .. يربطونه بسيّارتهم ويجرّوه صوب البراري ويقتلونه هناك. هذه هي الحرّية المتوفّرة هناك.

إذا انعدمت العدالة يصبح الأمن في خدمة الطبقة المرفّهة والمستغِلَّة، وإذا انعدمت العدالة تصبُّ جميع الخيرات لصالح فئة معيّنة.

ذكرت لكم في العام الماضي أنّ سنوات البناء الثمانية التي انتهينا منها كانت من أفضل وأكثر العهود عطاء ومثابرة، وبذلت فيها جهود كثيرة. إلاّ ان من جملة خصائص مرحلة البناء والاعمار هي وفرة الأموال في المجتمع. ومن الطبيعي ان تُستغل هذه الظروف من قبل الناس الأكثر دهاء، الأقل تمسكاً بالقانون والقيم، الأقل خوفاً من اللّه، ممن لا حميّة لهم على دماء أمثال شهداء السابع من تير. فالذين يحملون العبء الأثقل لا يحصلون على شيء؛ وأعني بهم الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب وهم المستضعفون الحفاة الذين يقع على كواهلهم ثقل التضخم وينوؤون تحت وطأة الغلاء؛ كالموظفين والعمال وصغار الكَسَبة، والقضاة الشرفاء. فالقاضي الذي يتأبّط عدّة كيلوغرامات من الملفات والأضابير وهو على مشارف سن التقاعد، ليأخذها معه إلى داره ويجلس في غرفة لا تتوفر فيها مستلزمات التدفئة والتبريد، لينظر فيها لعلّه يتوصل من خلالها إلى بعض الحيثيات، غالباً ما تنصب الضغوط على أمثاله، وهؤلاء يتخلفون عن الركب. وهذا مخالف لمبدأ العدالة، ونحن لم نأت لأجل هذا.

الغاية من وجودي - وأنا طالب علوم دينية - ووجود أمثالي في هذا المكان هي ان نحقق العدالة ليس إلاّ. والدعاء الذي ندعو به من أجل ظهور إمام زماننا - الذي هو أعز الخلائق عند اللّه وعند عباده الصالحين - هو (حتى تملأ به الأرض قسطاً وعدلاً). ولا نقول في هذا الدعاء ليملأها ديناً وخُلقاً؛ فالبشرية متعطّشة للعدل، وتبحث عن القسط.

الفت نظركم يا أعزّائي إلى ان الدول الغربية تتشبث بشعارات أُخرى للتنصّل عن تحقيق العدالة، إلاّ انها - العدالة - ليست مما يمكن احلال شيء آخر محلّها، فهي من ضرورات المجتمع، وهي واجبة في كافة الأمور الاجتماعية، ومن جملتها العدل في المجال الاقتصادي. وأنا طبعاً لا أدعو إلى المساواة في المداخيل، إلاّ أنّه لا بدّ من توفير فرص الاستفادة من الامكانات العامّة أمام الجميع على قدم المساواة وبدون أي استغلال.

اشار البعض إلى ان حديثنا عن العدالة يذهب بالأمن الاقتصادي. ولكن على العكس؛ فإذا ما توفّرت العدالة، استتب إلى جانبها الأمن الاقتصادي. واللصوص والناهبون هم الذين ينتفعون من وراء انعدام العدالة. فالإنسان الذي يريد استثمار أمواله والحصول على أرباح وفق القانون تستهويه العدالة، وتكون له سنداً.

تابعوا هذه القضايا واعثروا على تلك العناصر ويجب على الحكومة معاضدتكم في انجاز هذه المهمّة.

مفخرة السلطة القضائية هي مقدرتها على توفير العدالة في المجتمع، والتصدي للجريمة ومثل هذه المهام تستلزم عملاً، وأنا على علم بأنَّ جهوداً كبيرة قد بُذلت في هذا السبيل. وأحمد اللّه ان لي لقاءات منتظمة مع سماحة الشيخ اليزدي، وتصلني تقارير جيّدة في هذا المضمار. إلاّ انني أؤكد للجميع، للتشكيلة القضائية، للأفراد وللشخصيات في السلطة القضائية، على ضرورة العمل والبحث والمتابعة لتتوصلوا إلى الأساليب الكفيلة بإنجاز هذه المهمة التي لا بدّ من انجازها وإلا فلا نستطيع بلوغ نتائج وأهداف هذه الثورة.

يجب توفير العدالة في المجتمع. وانه تعالى سيشمل برحمته هذه الجهود، وينزل رحمته على شعبنا، وتطبق الحدود الإلهية. وسيكون لكم بإذنه تعالى خير سند وخير معين.

أسأله تعالى أن يشملكم بلطفه ورحمته الواسعة وبفيضه، وتشملكم ألطاف بقية اللّه الأعظم (أرواحنا فداه). عسى أن يعينكم الباري ويوفّقكم جميعاً ليتسنّى لجميع الحريصين على الثورة انجاز هذه الأعمال الكبرى.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته