كلمة القائد أمام جموع المصلي بمناسبة ألفية صلاة الجمعة العبادية/ السياسية

 30/10/1998   (الموافق: 9 رجب 1419 هـ).

  الخطبة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين. نحمده ونستعينه ونؤمن به ونستهديه ونستغفره ونتوكل عليه ونصلي ونسلّم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه وحافظ سرّه ومبلغ رسالاته بشير رحمته ونذير نقمته سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين المنتجبين الهداة المعصومين المطهرين سيما بقية اللّه في الأرضين.

قال اللّه الحكيم في كتابه: {يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون}.

تقام اليوم في طهران صلاة الجمعة الألف بهمّتكم ومشاركتكم أنتم ابناء الشعب المؤمن المخلص، وقد تجسدت هذه الشعيرة كأثر مبارك وخالد لإمامنا الراحل شأنها شأن سائر السنن الحسنة التي سنّها سماحته وكانت مصدر خير وبركة لمجتمعنا الإسلامي. أتحدث في الخطبة الأولى بعض الشيء عن صلاة الجمعة. وبما أننا نعيش هذه الايام في شهر رجب؛ شهر الدعاء والتوسل والتوجه إلى اللّه، وشهر يزدان بيوم ولادة أمير المؤمنين وسيد الأولياء والمتقين ومراد العارفين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسأورد مقطعاً قصيراً من احدى خطبه يوم الجمعة لتكون إكليلاً نزيّن به خطبتنا هذه.

وقبل الدخول في صلب الموضوع أرى لزاماً عليَّ أن أتقدم بالشكر من صميم قلبي لكل من أدى دوراً بأي نحو كان في اقامة هذه الصلاة؛ أنتم أبناء الشعب المؤمنين، وأئمة جمعة طهران المحترمين، والعاملين على اقامة صلاة الجمعة – سواء العاملين في تهيئة المقدّمات أم في مجال بث وايصال صوت صلاة الجمعة إلى الآخرين - وأخص بالذكر المرحوم آية اللّه الطالقاني باعتباره مقيم أول صلاة جمعة في طهران بأمر من الإمام، وقد تأسس هذا البناء على يده وبمشاركته. كما وأرى وجوب ذكر المرحوم آية اللّه ربّاني الأملشي الذي كان في عداد السادة المحترمين الذين كانوا يقيمون صلاة الجمعة بين الحين والآخر، ونسأل اللّه لهم الرحمة جميعاً. ومن الطبيعي ان قصّة صلاة الجمعة لا تختص بصلاة جمعة طهران وحدها. وهذا المعنى سأشير إليه لاحقاً.

 

خطبة أميرالمؤمنين (ع) في الجمعة

ورد في الرواية التي نقلها المرحوم المجلسي عن مصباح المتهجّد ان أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب في احدى الجمع وافتتح خطبته بحمد اللّه والثناء عليه بأبلغ وأعمق وأجمل الكلمات، ثم صلى وسلّم على محمد رسول اللّه، خاتم الأنبياء صلى اللّه عليه وآله وسلّم وشهد له بالنبوّة والعبودية للّه، ثم أعقب ذلك بخطبة بليغة نورد فيما يلي مقاطع منها.

قال أمير المؤمنين: «أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، واغتنام طاعته ما استطعتم في هذه الأيام الفانية، واعداد العمل الصالح لجليل ما يشفي به عليكم الموت». أي عليكم الاستعداد بالعمل الصالح للمصائب والأهوال الكبرى والمجهولة التي ستحل بكم في عالم ما بعد الموت. فالموت حادثة عظمى كان الأكابر والأولياء يرتعشون خوفاً منها؛ لأن الحوادث التي تواجه الإنسان بعد الموت لها عظمة وخشية لا تطاق. وهناك طريق واحد لمقابلة هذه المصاعب والشدائد الكبرى التي كان عباد اللّه وأولياؤه الصالحون يخشونها بسبب ما لديهم من خبر عنها على وجه العموم، وذلك هو العمل الصالح لوجه اللّه. لأن الشيء الوحيد الذي يغيث الإنسان هناك هو العمل الصالح.

«وآمركم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم»، فهو (عليه السلام) أمير معنوي وأمير مادي، وأمير ظاهري وأمير باطني، وأمير الأجسام وأمير الأرواح؛ ويأمر الناس بترك زخارف الدنيا، وعدم الاستغراق في شؤونها المادّية لأنها «الزائلة عنكم، وان لم تكونوا تحبّون تركها، والمبلية لأجسادكم وان أحببتم تجديدها». فهذه الدنيا تبلي أجسادكم وتضعفكم وتعدم قواكم حتى وان كنتم ترغبون في بقاء هذه القوى على الدوام.

«فانّما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلاً فكأنهم قد قطعوه وأفضوا إلى علم فكأنّما بلغوه، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرّائها وبؤسها، فانّ عزها وفخرها إلى انقطاع، وان زينتها ونعيمها إلى ارتجاع، وان ضرّاءها وبؤسها إلى نفاذ، وكل مدّة منها إلى منتهى، وكل حيّ فيها إلى بلى».

كان أمير المؤمنين يحيي الأرض بنفسه ويزرعها، ويحفر البئر. وقد تحدّث بهذا الكلام في وقت كان فيه حاكماً على دولة تمتد حدودها من بلاد ما وراء النهر إلى البحر الأبيض المتوسط. فهو كان يدير دفة شؤون الدولة ويهتم بشؤون الحرب والسلم والسياسة وبيت المال وغيرها من نشاطات البناء الأخرى. وكلامه هذا لا يدعو فيه إلى عدم اعمار الدنيا، وانما يعني به ان لا يجعل الإنسان ذاته محوراً لجميع الأعمال والنشاطات المادية، ولا تنفقوا كل الطاقات لأجل أنفسكم ولا تحولوا الدنيا إلى جحيم من أجل نصيبكم من الحياة. ولا تكدروا عيش الآخرين لأجل المال والمنال والرفاه والراحة.

عليكم بالتقوى. أي عليكم بالحذر لئلا يكون في أي عمل أو قول أو قرار يصدر عنكم ضرر يلحق بالإنسانية وبالمجتمع، ولا تكون فيه اساءة إلى أخراكم أو انتقاص من دينكم. هذا هو معنى التقوى. وفي كل جمعة يكرر امام الجمعة مخاطبة الناس ومخاطبة نفسه بالقول: «أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه». كلنا بحاجة لسماع مثل هذه الوصايا. وهذه من جملة الأمور التي تعطي لصلاة الجمعة أهميتها. ومن هنا أدخل في الحديث عن صلاة الجمعة.

 

أهمية صلاة الجمعة ودورها في توعية المجتمع

صلاة الجمعة من جملة المعطيات التي تحققت بعد الثورة على يد سماحة الإمام. فقبل الثورة كانت صلاة الجمعة تكاد تقترب من خط الصفر؛ من حيث عدد الأماكن التي تقام فيها، ومن حيث عدد المشاركين فيها، ومن حيث مغزى الخطب التي كانت تُلقى فيها، باستثناء بعض الحالات المحدودة. وبعد الثورة تصدّرت صلاة الجمعة في إيران قائمة صلوات الجمع في البلدان الإسلامية. وهذا الكلام خال من أي مبالغة. ففي طهران والمدن الأخرى تقام ألف صلاة جمعة، أو ما يزيد أو ينقص عن هذا الرقم قليلاً.

أما من حيث عدد المشاركين فيها، فمن المؤكد انها في بعض الحالات لا يوجد لها أي نظير، وقليلاً ما تجد لها نظيراً في حالات أخرى. أما من حيث المواضيع التي تُلقى في خطبها، فلا تضاهيها صلاة أخرى في العالم الإسلامي. كما انها تنفرد في مدى ما تتركه من تأثيرات على قلوب أبناء الشعب وعلى أرواحهم وعلى نهجهم السياسي وعلى ما يتخذونه من قرارات كبرى.

ان السنوات الثمانية من الدفاع المقدّس كانت تستمد طاقتها من صلاة الجمعة وتُطرح قضاياها في صلاة الجمعة، لقد كانت هناك مؤامرة سياسية كبرى تُحاك وتُنفذ ضد الإمام والثورة والبلد في أصعب الظروف التي مرت بها الثورة - أي في العامين 1359 و 1360 [هـ.ش] – إلا انها فشلت في صلاة الجمعة. فطوال هذه المدّة كان أبناء الشعب يتلقون في صلاة الجمعة الآراء والتحليلات من لسان امام عادل ونَفَس أمين – أي من ألسنة أئمة الجمعة المحترمين في طهران والمدن الأخرى - ازاء قضايا بلدهم وقضايا العالم، وازدادت معلوماتهم كثيراً في هذا المجال. وهذه الظاهرة لا مثيل لها في أية بقعة أخرى من العالم. وهذا كله من بركات الثورة.

 

هناك مسألتان تسترعيان الانتباه في هذا الحقل

الأولى: هي الممارسات العدائية التي اتخذت ضد صلاة الجمعة منذ أول الثورة وإلى اليوم؛ ففي كل اسبوع كانت توجه ضد صلاة الجمعة دعايات مكثفة من الأعداء الذين كانوا يطرحون أموراً لا تقصير لهم في طرحها وذلك يعود سببه إلى عدم استيعابهم لطبيعة الشعب الإيراني، فكان كلامهم ينقلب بالضرر عليهم كما هو الحال في الكثير من الاماكن الأخرى التي تنطلق منها أصوات وآراء معادية للشعب الإيراني. وهؤلاء في حقيقة الأمر يفضحون أنفسهم أمام الشعب الإيراني ويكشفون عن جهلهم. فقد كانوا يقولون ما يجلب عليهم سخرية المشاركين في صلاة الجمعة؛ فكانوا يزعمون على سبيل المثال ان كل من يشارك في صلاة الجمعة يُقدم له كذا مبلغ من المال، وكذا مقدار من السلع. في حين ان أبناء الشعب هم الذين كانوا يمدّون تلك الحرب العظيمة بمعوناتهم المادية. ومن صلاة جمعة طهران هذه كانت الأموال والسلع والهدايا الشعبية تتدفق نحو الجبهة. إلا ان الذين لا يعرفون الشعب الإيراني أخطأوا كثيراً بحقّه وأساءوا إليه وأثاروا ضده الكثير من التهويل الكاذب.

ولم يكتفوا بالدعايات وانما جعلوا صلاة الجمعة غرضاً لهجمات دموية؛ واستشهد على أيديهم خمسة أئمة جمعة معتبرون معروفون هم: المرحوم آية اللّه قاضي، والمرحوم آية اللّه مدني، والمرحوم آية اللّه صدوقي، والمرحوم آية اللّه دستغيب، والمرحوم آية اللّه أشرفي؛ قتلوا خمسة مجتهدين كهول اتقياء ورعين زهاد كان الناس يقتدون بهم بقلوبهم وأرواحهم كل أسبوع، وضرجوهم بدمائهم في صلاة الجمعة أمام أعين الناس الذين كانوا يأتمون بهم. وجرت عدّة محاولات لاغتيال شخصيات أخرى لكنها أخفقت في تحقيق مآربها. والكثير منكم يتذكر الأحداث التي وقعت في صلاة جمعة طهران، وفي هذه الساحة التي تجلسون فيها. وكان الناس يشاركون في صلاة الجمعة رغم القصف الصاروخي الذي كثيراً ما تعرضت له مدينة طهران. وفي احدى المرات التي استمر فيها القصف الصاروخي على مدينة ايرانشهر ليلاً ونهاراً على مدى خمسين يوماً أو ما يقارب الشهرين، كانت صلاة الجمعة تقام حينذاك ويشارك فيها حشد جماهيري هائل، ويمكن القول ان الجموع التي كانت تشارك فيها تفوق ما كانت عليه في سائر الأوقات، وذلك لأن الوضع كان خطيراً وكان الناس يستشعرون انهم يخاطرون في سبيل اللّه. وهذا ما كان يحفّزهم نحو المشاركة بغية نيل ثواب مضاعف.

أتذكر ان بعض صلوات الجمعة كانت تسمع اثناءها أصوات انفجارات الصواريخ على مقربة من محل اقامتها، وفي صلاة الجمعة هذه دبّر العدوّ عدة تفجيرات دموية استشهد على أثرها عدد من الأبرياء أمام أعين المصلين، إلا ان المشاركين في هذه الصلاة صمدوا كالطود الشامخ ولم يتزعزعوا. كنت حينذاك واقفاً في هذا المكان نفسه حين وقع الانفجار. وتصورنا للوهلة الأولى انه قصف صاروخي أو جوي. وخشيت أن ينفرط عقد صلاة الجمعة. ولكن تبين لنا أنه حتى نحن لم نعرف شعبنا حق معرفته. واللّه يشهد ان هذه الصفوف لم تضطرب. فبعد ان وقع الانفجار في موضع محدود حصلت ضجة هناك لبضعة لحظات ثم نقلوا الشهداء والجرحى. لكن المصلين بقوا جالسين على ما كانوا عليه واستمرت الخطبة. لقد شهدت صلاة الجمعة مثل هذه المشاهد. وكانت هذه المعطيات والبركات هي التي جعلت صلاة الجمعة في طهران طوال العشرين سنة المنصرمة غرضاً وهدفاً لأشرس الهجمات المعادية.

أما النقطة الثانية فهي ان الشعب استطاع الحفاظ على ما تتسم به صلاة الجمعة من حرارة وحيوية رغم كل العداء الذي نُصب لها. وهو الذي اضطلع بحراستها طوال هذه السنوات حتى في أشد الظروف قسوة؛ في برد الشتاء القارص وعلى الارض المتجمدة ثلجاً أو تحت الأمطار والبَرَد المتساقط، وأحياناً على الأرض الحارة وعلى الاسفلت الحار في وقت لم تكن فيه هذه الساحة قد سقُفت بعد. وفي الوقت الحاضر تقام صلاة الجمعة في أماكن كثيرة وتحتشد فيها جموع غفيرة من المصلين، ويتحدث فيها أمناء الشعب ويبينون لهم القضايا الدينية والعقائدية والسياسية.

في يوم الجمعة يجتمع الناس على التقوى. ونفس الدور الذي تؤديه الصلاة اليومية للانسان إذ تحول بينه وبين الغفلة والنسيان وتجعله في حالة ذكر دائم للّه في الصباح وبعد ذلك بنصف نهار؛ أي عند الظهيرة، ثم بعد ذلك بساعة أخرى. وهكذا على الدوام، تؤدي صلاة الجمعة مثل هذا الدور ازاء المجتمع. ففي يوم الجمعة يجتمع الناس على ذكر اللّه وعلى التقوى. وما ان تمضي عدّة ايام وتحل جمعة أخرى حتى يجتمعون ثانية على التقوى. وهكذا تتواصل السلسلة على الدوام. ويشارك في هذه الفريضة الشباب والشيوخ والنساء والرجال ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، ويستشعرون فيها لذّة ذكر اللّه فينتعش المجتمع ويتجدد إيمانه ويتزوّد بزاد التقوى.

اللّهم نقسم عليك بأوليائك ان تدخل السرور على روح إمامنا الراحل إلى يوم القيامة، وان تحشره مع أوليائه لأجل هذه السنّة الحسنة. اللّهم وتفضل باللطف والفضل والقبول والبركة على كل من بذل جهداً على هذا السبيل، أو شارك في هذا الحشد الجماهيري الهائل وأقام هذه الشعيرة.

أدعو الشباب إلى معرفة قدر صلاة الجمعة لأنّها لهم. وأدعو كل واحد من ابناء الشعب إلى ان يعتبر صلاة الجمعة ملاذاً وموئلاً آمناً لقلبه وروحه، فهي تبعث في الفكر والروح النضارة والايناع. وعلى الجميع الاهتمام بإقامة صلاة الجمعة.

أرجو ان يهتم المسؤولون عن اقامة صلاة الجمعة؛ ومن جملتهم أئمة الجمعة المحترمون حيثما كانوا، بتقديم الزاد المعنوي الذي يحتاج إليه الناس، وان يعدّوا له عدّته في كل اسبوع ويقدّموه لقلوب وأذهان الناس المتعطشة له، على أحسن وجه.

وبما انه يُستحب الدعاء بعد الخطبة الأولى، أقرأ في ما يلي بضعة جمل في الدعاء. اللّهم نسألك بحق محمد وآل محمد ان تنصر الإسلام والمسلمين وتخذل أعداء الإسلام. اللّهم وعرفنا بك، ووفقنا للدعاء، ووفقنا للتوبة والانابة. اللّهم يَسر كل مشكلة ومعضلة يواجهها الناس، اللّهم امحق أعداء هذا الشعب جزاءاً على عدائهم الغادر له. اللّهم أعمر قلب أبناء هذا الشعب الكبير المؤمن الكريم الشريف بالإيمان والذكر.

{بسم اللّه الرحمن الرحيم: والعصر * ان الإنسان لفي خسر * إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

 

الخطبة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المعصومين سيما أمير المؤمنين والصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف القائم المهدي، حججك على عبادك وامنائك في بلادك. واستغفر اللّه لي ولكم وأوصيكم بتقوى اللّه.

أيّها الاخوة والأخوات أوصيكم في أول جملة من هذه الخطبة بأن لا تنسوا زاد التقوى، وان تتواصوا فيما بينكم بالورع والتقوى؛ في البيت يوصي الآباء والامهات أبناءهم، ويوصي الأبناء آباءهم وأمهاتهم واخوانهم وأخواتهم، وفي أجواء العمل يتواصى العاملون فيما بينهم، وعلى الصعيد الاجتماعي يتواصى أبناء المجتمع فيما بينهم بالتمسّك بالتقوى. ولا تسمحوا لحالة عدم التقوى ان تتبلور – لا سمح اللّه - بيننا، أو تستشري في الوسط الاجتماعي.

المواضيع التي أشير إليها باقتضاب في الخطبة الثانية هي ابداء الشكر لكم أنتم أبناء الشعب لمشاركتكم الرائعة في انتخابات مجلس الخبراء، واقدم في الموضوع الثاني بحثاً موجزاً عن الاتفاق المذل الأخير الذي حصل ضد الشعب الفلسطيني.

 

الشهيد فهميده رمز ونبراس

أشير ابتداءً إلى ان هذا اليوم هو يوم الشباب والفتيان، والمناسبة التي خُصص لها هذا اليوم هي ذكرى استشهاد فتى من أفراد قوات التعبئة وهو الشهيد حسين فهميده. وهذه من الموارد التي تتحول فيها الشخصيات الحقيقية إلى رمز وإلى اسطورة. ولدينا في تأريخنا الكثير من هذه الأمثلة. وهنالك حوادث إذا سردت اليوم ظُنَّ انها من شدّة غرابتها أساطير، إلا انها حوادث حقيقية. وقد رأينا وسمعنا أمثلة كثيرة لها في الوقت الحاضر. ومن جملة الملاحم التي سطرت في هذا العصر هي شهادة هذا الفتى الذي كان يبلغ الثالثة عشرة من عمره، ولكنه كان واعياً مدركاً وذا ارادة وعزيمة، وكان عارفاً ببلده وإمامه وعدوه، وكان مستوعباً أيضاً لأهمية وجوده ولقيمة عمله؛ فانبرى لتقديم هذه الثروة قرباناً لعزة البلد ولمستقبل الثورة ولمصالح الشعب. فذهب جسمه الا ان روحه بقيت حيّة، وتخلّد اسمه، وتحولّت ذكراه إلى اسطورة. وصار مثالاً يُحتذى به.

أيّها الشباب الأعزاء، أيها الفتيان: بإمكان كل واحد منكم أن يؤدّي دوراً في حياة بلده. فقد كان الدور ذات يوم هو دور حسين فهميده، وقد تكون الادوار في يوم آخر على نحو آخر. فهناك أبواب مفتوحة للجهاد على صعيد القضايا الدينية والثقافية والسياسية والأخلاقية، والنظرة المستقبلية المفعمة بالأمل، واضفاء النشاط على أجواء العمل، والتعبد والتقيّد بالشريعة الإسلامية والالتزام بأحكامها لما فيها من دواعي العزّة والرفعة للفرد وللمجتمع. ومن الطبيعي ان مثل هذه الميادين لا تستلزم التضحية بالنفس، ولكنها تستلزم همة وعزماً وارادة. وبإمكان كل واحد منكم تأدية دور ما في المدارس وفي الجامعة وفي أماكن العمل. ان الشاب النشط النزيه المفعم بالأمل باستطاعته ان يكون ضمانة للمستقبل، وهذا هو السبب الذي جعل الصهاينة والمستعمرين وأصحاب الشركات العالمية يكثفون نشاطاتهم ضد شباب بلدان العالم بغية افساد الأجيال الشابة وسلب ارادتها وقتل الأمل في نفوسها ورسم صورة قاتمة للمستقبل في أعينها، وزرع اليأس في قلوبها من جدوى المستقبل واغراقها في مشاكل نفسية وأخلاقية. وما نشاهده اليوم في العالم لم يأت بمحض الصدفة.

ومن الطبيعي انهم نصبوا الكثير من الشباك ورسموا الكثير من الخطط للإيقاع بكم أنتم شباب وفتيان بلدنا الأعزاء. إلا انهم - والحمد للّه - أخفقوا، ولم يكن اخفاقهم إلاّ نتيجة لوعيكم. فعليكم إذن ان تكونوا أكثر وعياً - سواء في الجامعات أم في المدارس - وأكثر استيعاباً للمعارف الإسلامية، وأكثر التزاماً بالفرائض الدينية والأخلاق النبيلة. فهذا البلد الذي يسعى منذ عشرين سنة في سبيل سعادته، وخطا كل هذه الخطوات الجبارة في عهدكم، عليكم أن تحوّلوه إلى بلد متقدّم من جميع الجوانب. وهذه المهمة تقع على عاتقكم وزمامها بأيديكم. وعليكم ان تعدوا لها عدّتها في نفوسكم منذ الآن. ومن أولى شروط هذه المهمة هو ان تكونوا اتقياء وفطنين، وتسخّروا عقولكم، وتعرفوا العدو من الصديق.

 

الانتخابات حيّرت الأعداء والمغرضين

أما فيما يخص انتخابات مجلس الخبراء فإنني - كما سبق القول - اعبّر عن عميق وخالص شكري لكم أنتم أبناء الشعب. واداؤكم الذي عبرتم عنه عبر الادلاء بأصواتكم في هذه الانتخابات قد حيّر الأعداء والأجانب والمحللين المغرضين. فانهم قد تصوروا بعد كل تلك الدعايات انّ هذه الانتخابات لن يشارك فيها أكثر من أربعة أو خمسة ملايين شخص، وان مجلس الخبراء سيكون مجلساً بلا سند جماهيري.

لقد قال بعضهم ان عدد المشاركين في هذه الانتخابات سيبلغ أربعة ملايين شخص، في حين خمّن آخرون الرقم بخمسة ملايين، بينما قال غيرهم ان العدد سيبلغ ستة ملايين، وزعم آخرون انه سيبلغ ثمانية ملايين. إلا ان أحداً لم يتوقع ان عدد الأصوات سيكون أكثر بنسبة خمسين بالمائة مما كان عليه في انتخابات الدورة السابقة للمجلس. فقد هبّ حوالي ثمانية عشر مليون ناخب للادلاء بأصواتهم لصالح مرشحين لا يأملون منهم تبليط الشوارع لهم ولا ايصال الماء والكهرباء إلى مناطقهم، وانما ساهموا في عملية التصويت لدوافع معنوية خالصة ومن منطلق الشعور بالتكليف ولمعرفتهم مصلحة بلدهم وبسبب ادراكهم لأهمية الخبراء وخطورة دورهم. وهذه المسألة على جانب عظيم من الأهمية، إلا ان الدعايات المعادية تحاول التقليل من شأنها طبعاً. لأن واجب الأجهزة الاعلامية المعادية هو بث الدعايات. فهذه الأجهزة تزعم شيئاً، إلا ان الأوساط السياسية التي تقف وراءها وتعتبر بمثابة العقل المدبّر لها، تدرك تمام الادراك حقيقة ما يجري.

لقد ضمن الشعب الإيراني بهذه الانتخابات الرائعة مستقبل بلده، وأثبت للعدو حضوره الدائم في الساحة السياسية، وبرهن على تمسكه بدينه وبقيم الثورة وأهدافها، وعلى احترامه وتكريمه للعلماء الأعلام، وعلى اصغائه لآراء مراجع التقليد العظام، ولأقوال المسؤولين الحريصين. ومن الطبيعي ان هذه الظاهرة لها مغزىً عميق عند الأعداء. والتأثير الذي أفرزته هذه الانتخابات - سواء الانتخابات نفسها، أم النتائج المتمخّضة عنها - يعد من نوع التأثيرات الباقية والعميقة والمثيرة لدهشة العدو والصديق. ولهذا السبب نفسه أطلق الأعداء كل هذا الحجم من الدعايات ضد هذا المجلس وبذل الجهود وانفقوا الأموال طوال سنة كاملة تقريباً من أجل الانتقاص من أهميته، وكرروا الأقاويل والمزاعم بأنَّ أعداداً كبيرة ستمتنع عن المشاركة في التصويت. إلا ان كل ما وقع جاء خلافاً لتصوراتهم وأبدى الشعب الإيراني وعياً عميقاً حتى بات رمزاً لمجد نظامه الجمهوري الإسلامي وثورته وبلده. وهنا يجب ان أشكر من صميم قلبي كل من أدى دوراً في هذه الممارسة الشعبية الكبرى.

كان لدخول مراجع التقليد العظام في هذا الميدان تأثير بالغ الأهمية. وادرك الجميع ان كل الاشاعات والمزاعم التي تحدثت عن وجود تيّارين متناحرين كانت مجرد هراء فارغ؛ لأن كل الاتجاهات انضوت تحت راية الإسلام. ودخلت التجمعات السياسية وكبار المسؤولين إلى الساحة وتحدّثوا معبّرين عن رأيهم في هذا المجال.

أما التيارات السياسية المختلفة الموجودة في بلدنا، والتي يروق للأعداء وصفها بالتكتلات واطلاق مسميات مختلفة؛ فيصفون احداها باليسارية، واخرى باليمينية وغيرهما بالمتطرفة، ورابعة بالاصلاحية؛ فأنا أعتبر هذه التسميات من عنديّاتهم ومنافية للواقع وترمي إلى مجرد بث الفرقة بين صفوف الشعب، ولكنها لم تؤثر شيئاً على وعي الشعب ويقظة المسؤولين وفطنة التيارات السياسية. وادرك الجميع ان مصلحة البلد تكمن في المشاركة في هذه الانتخابات؛ فنزلوا إلى الساحة مع وجود بعض الاختلاف طبعاً. فالبعض قد شارك بنسبة كبيرة بينما شارك البعض الآخر بنسبة ادنى، ووقف البعض الآخر موقفاً لا أبالياً. وأنا ارجو أن تكون في هذا تجربة لنفس الأشخاص الذين اتخذوا موقفاً لا أبالياً ليعيروا مثل هذه القضايا أهمية أكبر بإذن اللّه.

لقد شارك الشعب في ممارسة كبرى، وأدّت أجهزة الاعلام وخاصة الاذاعة والتلفاز واجبها أداء حسناً يجب ان تشكر عليه. كما وكان لأغلب الصحف مثل هذا الموقف. وأنجز المسؤولون الاداريون في وزارة الداخلية ومجلس صيانة الدستور مهامهم على أحسن وجه، وخاصة مجلس صيانة الدستور المحترم الذي أبدى صبراً وثباتاً إزاء الاشاعات والاقاويل وأدى الواجب الذي كلّفه به القانون خير أداء. وبذل العاملون في وزارة الداخلية جهوداً كبيرة وعملوا ليلاً ونهاراً من أجل ايصال صناديق الاقتراع إلى أقصى نقاط البلد لتكون عند متناول أيدي الناس، وفرزوا الأصوات في أقصر فترة زمنية ممكنة وأعلنوا النتائج للشعب. وكل هذه الجهود تستوجب الشكر والتقدير، وأجرها عند اللّه تعالى.

لم يوفّق الكثير من الناس للادلاء بآرائهم؛ وقد كانوا بطبيعة الحال يرغبون في الادلاء بأصواتهم ولكنهم إما كانوا بعيدين عن أماكن التصويت أو كانوا في سفر أو انشغلوا ببعض المشاغل الطارئة، وكانت هناك أيضاً قرى نائية لم يتيسّر لأهاليها الادلاء بأصواتهم، فهؤلاء مثابون طبعاً ومأجورون على قدر نواياهم وعزمهم. وان كان هناك أفراد اشتبهت عليهم الحقيقة ولم يدلوا بأصواتهم، فإذا لم يكونوا مقصرين – أي اساؤوا الفهم - فهم ان شاء اللّه مثابون على نواياهم.

وقد حاول البعض طبعاً ثني الناس بعناد عن الادلاء بأصواتهم، وهؤلاء ليسوا منا. وأمثال هذه المواقف كانت موجودة في زمن الإمام ومنذ أول الثورة وأول انتخابات؛ إذ كانت هنالك مواقف سلبية ومعارضة ومتذّمرة ومثيرة للاشاعات. ولازالت موجودة حالياً ونحن لم ولا نتوقع منهم موقفاً أفضل من هذا. نأمل ان تكون هذه التجربة الناجمة مدعاة للتقدم والأمل لدى شعبنا، وان يتمكن مجلس الخبراء من اداء واجباته القانونية.

 

أهمية مجلس الخبراء

ان لعمل مجلس الخبراء أهمية بالغة. فقد تكون هناك حاجة يوماً ما لشخص يأخذ بزمام قيادة وزعامة البلد. وفي مثل هذه الحالة يجب ان يكون مجلس الخبراء مستعداً لأداء واجبه. ثم يجب عليه بعد ذلك ان يراقب الشخص الذي أحرز توفر شروط العلم والعمل والتدبير لديه، ان تبقى هذه الشروط محفوظة فيه. فالخبراء تقع عليهم مهمة المراقبة ابتداءً واستدامة. عليهم ان يراقبوا ويعوا؛ فهذه الواجبات ذات أهمية بالغة.

من الطبيعي ان مهمّة الخبراء ليست من نمط المهام اليومية. فليس لديهم أكثر من جلسة أو جلستين في السنة الواحدة، ولكن لديهم لجان وهيئات تلتقي وتتباحث وتتداول في الأمور بين الفينة والأخرى. وعظمة مثل هذا العمل يدركها الناس الأذكياء. وقد كان الشعب الإيراني ذكياً حين أدرك هذه الحقيقة. اللّهم تقبل بفضلك وكرمك من كل من بذل جهداً على هذا السبيل.

 

اتفاقية "واي بلانتيشن" المخزية

القضية الأخرى التي اتناولها بالحديث هي الاتفاقية المخزية التي عقدت مؤخراً بين الصهاينة وبين من يعتبرون أنفسهم ممثلين عن الشعب الفلسطيني. لا أريد هنا الدخول في تفاصيل الاتفاقية؛ لأن توضيح وبيان مثل هذه القضايا يقع على عاتق الاذاعة والتلفاز والمسؤولين الحكوميين والمسؤولين في وزارة الخارجية وغيرهم من المعنيين بأمثال هذه القضايا، وهم مكلفون بتسليط الأضواء عليها ليكون الشعب على بيّنة من مدى قبحها وخطورتها. فما زالت الاتفاقيات التي عقدت قبل سنين من هذا، لم تُنفّذ بعد، ولكنهم رغم ذلك وقعوا اتفاقية أخرى مناهضة تماماً للشعب الفلسطيني المظلوم ولفلسطين وللعالم العربي والعالم الإسلامي.

لقد اهتم الأمريكيون بهذه القضية اهتماماً جاداً وذلك بسبب حاجتهم الملحة لها؛ سواء بسبب المشاكل الشخصية التي يعاني منها الرئيس الأمريكي، أم بسبب فشل وانتكاس الدبلوماسية الأمريكية في قضية الشرق الأوسط والذي اعترف الأمريكيون أنفسهم به مراراً وأكدوا ان اتفاقيات السلام بين ما يسمى بمنظمة التحرير الفلسطينية و"إسرائيل" ليست سوى حبر على ورق وليس لها أي وجود خارجي. وقد أصيبت أمريكا بانتكاسة أمام العالم بسبب عجز دبلوماسيتها عن مواصلة رعاية هذه المفاوضات. هذا فضلاً عن وجود قضايا أخرى داخلية وخارجية تواجهها أمريكا.

فعقدوا مفاوضات مكثّفة في ظرف عدّة أسابيع ونجحوا في صياغة اتفاقية وقع عليها من يعتبر نفسه ممثلاً عن الشعب الفلسطيني، وهو في الحقيقة شخص حقير وخائن وغارق في مستنقع حب الذات وحب المطامع الدنيوية ولا يليق أساساً ليكون عضواً في المقاومة الفلسطينية فما بالك في ان يكون رئيساً لها.

لقد تبنّى هذا الشخص مهمة ملاحقة وايقاف نضال الشعب الفلسطيني؛ أي انه كفى الكيان الصهيوني معضلة التصدي لنضال المسلمين الفلسطينيين الثوريين، وأخذ هذه المهمة على عاتقه. وتحمل هو العبء الذي يجب ان يحمله ذلك الكيان؛ فسهل على العدو مهمّته، وخلق مشاكل ومتاعب كثيرة للثوريين الفلسطينيين ومهّد الأجواء لمزيد من التغلغل الأمريكي الذي يتّخذ دور الوسيط.

وبالاضافة إلى الاجتماعات الدولية التي يجب ان تعقد كل اسبوعين بين الصهاينة واتباع عرفات لمتابعة انجاز هذه المهام، وافق هذا الشخص على عقد اجتماعات مع الأمريكيين يطلعهم فيها على ما يفعله ضد أبناء شعبه من سجن واعتقال وعقوبة. وإذا ما أطلق سراح أحد السجناء الثوريين يؤاخذونه على عمله ويعترضون على عدم اعتقاله لهذا وذاك. فهنا تلعب "إسرائيل" دور المقرر الذي يقدّم المعلومات، بينما تلعب أمريكا دور القاضي، ويقوم السيد ياسر عرفات بدور المنفّذ لحكم ذلك القاضي. تباً لأمثال هؤلاء الحقراء.

هذا هو الذي يبدو من ظاهر القضية حيث يجب على هذه المجموعة العميلة ان تقوم بقمع الفلسطينيين وكبتهم، أما باطنها فهو حرمان الفلسطينيين لأجل طويل حتى من مساحة الأرض التي في أيديهم. ظاهر القضية يتلخص في قمع الثوار الفلسطينيين، أما باطنها فيعبّر عن تبرّم الحكومة الصهيونية حتى على هذا المستوى من الوجود الفلسطيني بل يرون وجوب التشدد وممارسة الضغط إلى الحد الذي لا يتيح لأي فلسطيني حر في العيش بكرامة، إلا ان يكون خادماً مطيعاً لـ"إسرائيل". فضلاً عن انه فسح المجال لأمريكا، وفسح المجال لنشاط وكالة الـ"سي.آي. إيه" أكثر مما كان عليه من قبل، وأتاح لهم امكانية التدخل على نحو أوسع، مع التضييق على الثوريين الفلسطينيين. وهذا كله طبعاً في أوهامهم وأحلامهم.

يريدون توفير الأمن للصهاينة المجرمين، ولكنهم لن يحققوا هذه الغاية، وليعلموا علم اليقين انهم لن يتمكنوا من توفير مثل هذا الامان. فالصهاينة تمكنوا في أول الأمر من ايجاد هذه الحكومة الصهيونية في الأراضي المحتلة بمساعدة الانجليز، ومن بعدهم الأمريكان والكثير من دول العالم وعبر أنواع الممارسات الخيانية والارهابية إلى جانب اشاعة الخوف والرعب، وبعد مضي أربعين أو خمسين سنة بقيت هنالك مشكلة أساسية غير محلولة وهي ان الصهيوني الغاصب لا يمكنه ان يذوق طعم الراحة في هذه الدار المغصوبة، ولا يمكنه ان يستشعر الأمان. وهذه حقيقة مفروغ منها.

أجل قد تكون لديهم ثروات كبيرة وتقنية متطورة ودعم سياسي من القوى الاستكبارية، واسلحة كثيرة، ووسائل تعذيب وقدرة على ملاحقة الفلسطينيين وحتى الفتيان منهم في داخل مدارسهم، إلا ان اللّه تعالى سلب الأمن والراحة من هذه الفئة الجبانة الميّالة للراحة والرغد، وذلك لأن فلسطين حية، ولأن الشعب الفلسطيني حي، ولأن الشباب الفلسطينيين أحياء وأعوان.

ارادوا محو اسم فلسطين من خارطة العالم، وحاولوا ايداع اسم فلسطين طي النسيان، واستهدفوا تذويب الشعب الفلسطيني في الشعوب الأخرى، واجتثاثه من جذوره لكي لا يبقى هنالك شيء باسم فلسطين. إلا ان ما حصل جاء على العكس مما كانوا يأملون.

فقد أصبح الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 حتى الآن أكثر عزماً واصراراً ووعياً. وأكثر نفوساً، واصبحت الشخصيات الأفضل أكثر مما كانت لديه من قبل. فإذا كان الفلسطينيون بالأمس وهم في دارهم على درجة من الضعف أتاحت للعدو ان يقودهم من أيديهم ويخرجهم منها على نحو مهين، فهم اليوم على درجة من القوة بحيث تسلب الأمن والراحة من الصهاينة الذين يبلغ عددهم بضعة ملايين مجهزين في قصورهم وأحيائهم ومستوطناتهم. فالصهاينة لديهم كل شيء إلا امكانية الحياة، والا عنصر الأمن والراحة. وجاءت هذه الاتفاقية على أمل ان يتسنى لهم تحقيق هذا الأمن بواسطة الأيدي الفلسطينية الخائنة؛ وذلك لأنهم جرّبوا ولم يستطيعوا تحقيق هذه الغاية فهم يحاولون الآن لعلهم يستطيعون تحقيقها على يد عرفات. ولكنني أؤكد أن الشعب الفلسطيني عدو للصهاينة، وعدو لعملاء الصهاينة حتى وان كان ياسر عرفات .

نسأل اللّه تعالى أن يزيد العالم الإسلامي، والشعب الفلسطيني والمجاهدين في سيل اللّه عزة ورفعة.

يجب ان أشير إلى ذكرى ولادة جواد الأئمة (عليه السلام). نقرأ في دعاء أيام رجب: «اللّهم اني أسألك بالمولودين في رجب محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب». فهذا شهر تقع فيه ذكرى ولادة الإمام الجواد، وذكرى ولادة الإمام الهادي ^، وهما يومان يجب علينا تكريمهما. أعرب على لساني وعن قلبكم عن اعتزازنا وحبّنا وولائنا الخالص لهذين الإمامين الهمامين. ندعو الباري عزّ وجلّ ان يحيينا في الدنيا والآخرة بمعارفهما وشخصيتهما وذكرهما، ويحشرنا معهما.

{بسم اللّه الرحمن الرحيم: إذا جاء نصر اللّه والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً * فسبّح بحمد ربك واستغفره انه كان تواباً}.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته