خطاب القائد أمام جموع من المعلّمين والعمّال بمناسبة يوم المعلم ويوم العمال

   بتاريخ: 28/4/1998(الموافق: 2 محرم 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

أُرحب بجميع الاخوة والأخوات المعلمين والعمال الأعزاء وسائر الحضور الكرام. وأرجو ان يكون هذا اليوم الذي اتّخذ كمناسبة لتكريم شريحتين مهمّتين في مجتمعنا واقترن هذا العام بإطلالة شهر محرم الحرام، أول أشهر السنة الهجرية، وأيام ذكرى عزّة وعظمة الحسين بن علي(ع) ودعوته إلى الحق، يوم يُمن وبركة ومصدر خير وعطاء.

أشكر هؤلاء الشباب الأعزاء الذين انشدوا هذه الأناشيد، خاصة نشيد المعلم الذي كان نشيداً رائعاً ومؤثّراً. إنّ من أصعب اللحظات التي تمر عليَّ هي اللحظات التي أرى البعض يثني فيها عليَّ - أنا العبد الضعيف المسكين - بما لا أرى نفسي أهلاً له، فأستشعر الخجل في نفسي. وأدعو اللّه تعالى أن يجازيكم على حسن ظنّكم ويجعلنا بإذنه عند أحسن ما تظنون.

 

قيمة العمل

تكتسب طبقة العمال، وهي احدى الطبقتين اللتين يدور حولهما محور هذه المناسبة، مكانتها الاجتماعية والإلهية العظمى من العمل الذي هو واجب انساني أمر به الباري تعالى. وينبغي الالتفات هنا إلى ان العمل بحد ذاته واجب؛ وكل من يؤدي هذا الواجب عزيز ومحترم ومأجور عند ربّه.

يتصور البعض ان الإنسان يؤجر على ما يؤدّيه من عمل حينما يكون قصده امتثال الأمر الإلهي لا غير. بيد انني أرى ان كل من يعمل لأجل تمشية أمور حياته له أجره عند ربّه؛ لأنَّ للعمل بحد ذاته قيمة شريفة وكريمة وله دور أساسي في تحديد مصير الإنسان ومستقبله.

إذن يجب ان يشعر العمال الأعزاء بالدرجة الأولى انهم حينما يعملون - في عمل بنّاء مفيد - انهم يؤدون عملاً للّه فيه رضيً، وهو واجب إنساني.

 

قيمة العمل في بلدنا

والآن وبعد ان فهمنا أنّ العمل - أي عمل كان - هو بحد ذاته واجب، والبطالة مرفوضة ومخالفة للواجب، يجب ان نلتفت إلى ان العامل الايراني اليوم يحصّل رضى اللّه لأمرين آخرين بسبب عمله:

الأول: انه ينفع بعمله شعبه، وأبناء وطنه، وبلده وأُمته الإسلامية. فاعلموا انكم بكل عمل تؤدونه، تنفعون هؤلاء المسلمين والمؤمنين بشكل مباشر أو غير مباشر. إذا افترضتم ان نتاج عملكم يصدر إلى الخارج وترجع عائداته إلى البلد، وحينها ينتفع منها الشعب والنظام الإسلامي وبلدنا العزيز، فهذا هو أحد طرق الثواب وقصد القربة إلى اللّه.

أما السبب الآخر فهو ان عملكم يغني البلد عن الأجانب، حيث ان الكثير منهم ليسوا أجانب فقط وانّما أعداء أيضاً. وأنا أعتقد ان من أكبر الآثام التي اقترفها نظام حكم محمد رضا بهلوي انه ربط البلد فنياً وصناعياً واقتصادياً بالأجانب. فهو قد ربط مصير البلد في الخبز والقمح وسايلوات القمح، ومطاحن القمح، والغذاء وأشياء أُخرى، بالخارج، فأنتم تلاحظون ان كل شيء في إيران؛ ابتداءً بالطعام والخبز وانتهاءً بأيّ شيء آخر، مرتبط بالخارج، بحيث ان الأعداء لو شاؤوا في وقت ما لاستطاعوا حرمان هذا الشعب من كل شيء. فكل من يبني بلداً على هذا المنوال ويتعمد الوصول به إلى هذه المرحلة يكون قد ارتكب خيانة لا تضاهيها خيانة.

إنّ الذي تؤدّونه اليوم من عمل فاعل وما يرافقه من ابداع وابتكار وتجديد - حسب ما ورد في تقرير الوزير المحترم - أمر مهم وينقذ البلد من التبعية. إذن يجب عليكم أيّها العمال الأعزّاء ان تلتفتوا انه بالاضافة إلى ما في العمل الذي تؤدونه من عبادة وثواب مزيداً على وجوبه، فانّ له وجهين آخرين يمكن بهما التقرب إلى اللّه تعالى وهما: منفعة الناس، واستغناء الشعب عن الأجانب. فعليكم ان تقصدوا وجه اللّه، واعلموا ان في عملكم هذا بهذه النيّة وبهذا القصد قربة للّه تعالى.

والحقيقة هي ان العمل يجب ان يُنظر إليه في بلدنا وفي نظامنا بصفته مفخرة. حاول الكثيرون منذ أوائل الثورة اقصاء الأيدي العاملة عن العمل، وتأزيم أجواء العمل. إلا انكم تصديتم لهم وقاومتم مؤامرات الأعداء؛ وصمد العامل المسلم المؤمن لما فيه خير بلده. وكل ما تحقق اليوم – والحمد للّه - في كل حقل من حقول الانتاج والصناعة والتطور والاختراع والابداع، انما جاء بفضل هذا الصمود والثبات.

من الطبيعي ان المسؤولين المعنيين مكلفون بالارتقاء بمستوى العمل وكيفيته، بحيث تكون للعمل الإيراني ميزته في مواطن التنافس مع الأعمال الأخرى في العالم، وحينما يقال ان هذه البضاعة قادمة من ايران، يُفهم انها تتسم بالجودة والمتانة. وهذا ما يوجب طبعاً الارتقاء بمستوى العمل وتحسينه واتقانه. كما ويجب على الأجهزة المعنية الاهتمام بمشاكل العمال بجد وحرص، مع علمي طبعاً بأن المسؤولين عن شؤون العمّال في بلدنا أُناس مخلصون حقاً وحريصون على الطبقة العاملة، ويعتبرون أنفسهم منهم ولهم ويبذلون في سبيلهم كل مساعيهم.

إنّها لنعمة كبرى ان يتاح للإنسان التقرّب إلى اللّه بعمله.

 

منزلة المعلم ودوره في تربية الإنسان

أمّا بالنسبة للمعلمين فأُشير هنا إلى ان المعلم عامل أيضاً، ولكن عمله من الطراز الثقافي والمعنوي، ويتميّز طبعاً بأهمية كبرى، إذ ان جميع أفراد المجتمع المتقدم والمجتمع الإسلامي مدينون للمعلم. وإذا نظرتم حالياً إلى كل من بلغ مرتبة في هذا البلد أو انجز عملاً متميّزاً أو أدّى خدمة كأمثال هؤلاء الأكابر والقادة والشهداء والعلماء وهذه الشخصيات البارزة والمتفرّدة والمسؤولين الكبار وحتى شخص الإمام الراحل، فهم مدينون للمعلم؛ فالمعلم هو الذي ربّاهم وصاغ شخصيّاتهم منذ مرحلة الطفولة.

فكم هو عزيز هذا المعلّم! وكم مهنة التدريس كريمة! وكم منزلة التعليم رفيعة وسامية، بحيث ان كل الحكماء وكل الشخصيات الكبرى والبارزة أينما كانت تعتبر نفسها صنيعة يد المعلم وتستشعر ظل المعلم يخيم فوق رؤوسها.

تحية لكم أيّها المعلمون. كم لكم من حق في رقابنا منذ عهد طفولتنا وصبانا وشبابنا! وأي عطاء ضخم قدمتم لنا ولكل إنسان يعمل ويجهد ويثابر! أجل، هذه منزلة المعلّم.

يجب ان يدرك المعلم الذي يدرّس صفّاً ابتدائياً في أقصى نقاط قرية من القرى، انه يؤدي أكبر الأعمال؛ يصنع انساناً. ومن البديهي ان أفضل عطاء عالَم الخلقة هو الإنسان الصالح والإنسان الخيّر. وهذا الإنسان نفسه إذا أُسيئت تربيته يغدو أسوأ افراز لعالَم الخلقة ويصبح أكثر شراسة من الوحش الكاسر، وأحط مرتبة من الحيوان والجماد. فالمعلم هو الذي يصقل الإنسان بالشكل الذي يبرز نورانية جوهره ويصقلُ وجوده. لاحظوا كم لهذا العمل من قيمة وعظمة.

على المعلمين الالتفات إلى أهمية وعظمة عملهم، وشكر اللّه على هذه المهنة الثمينة. كما ويجب على كل أبناء الشعب أيضاً معرفة قدر المعلم في ضوء هذه الرؤية. فللمعلم مكانة سامية ورفيعة، وكلما عظمت المسؤولية ارتفع معها هذا المقام وهذا الشأن. وهذا ما يفترض طبعاً مضاعفة الشعور بالمسؤولية بنفس ذلك المستوى.

 

مؤامرات الأعداء وتمنياتهم

لقد بلغت ثورتنا الإسلامية الكبرى؛ وهذا الإعصار العاصف الذي زعزع قصور الجور في العالم، مرحلة من النضوج اليوم، زرعت الرعب في أعماق وجود الكيان الاستكباري. وكان الخوف من هذه الثورة قد دبَّ إلى نفوسهم منذ بداية انطلاقها، إلا انّهم كانوا يسلّون أنفسهم بأمل انها لن تبقى وسيكون مصيرها الزوال! ولكن جاءت التجارب تلو التجارب، وما ان انتصرت الثورة حتى تأملوا انها لن تبقى أكثر من ستة أشهر. ثم قالوا في ما بعد: انها لن تصمد أكثر من سنتين. وتصوروا بعد بدء الحرب المفروضة انه لن يمضي وقت طويل حتى تستسلم الثورة، وطفقوا يقدّمون العون للمعتدي من كل جانب. ولكنهم لاحظوا ان ايران الإسلامية وقفت بعزم وصلابة كالطود الشامخ ودحرت المعتدين بدون السماح لهم بتحقيق مكتسب واحد في أرضنا وحافظت على حدودها بكل فخر ومجد. ولم يكن هذا بالأمر الهيّن.

إلا انهم استمروا يمنّون أنفسهم قائلين: إنّ حالة الحرب كانت تثير المشاعر ولهذا لم نستطع القيام بأي عمل، غير اننا سنرغمهم في مرحلة البناء على التبعية لنا، والتراجع عن منهجهم والشعور بالسأم والملل من الثورة. ومرّت ثماني سنوات من البناء استطاع خلالها الناس المخلصون المؤمنون تقديم الكثير من العطاء لبلدهم وبكل اقتدار وبدون الاعتماد على الأجانب حتى غدا أولئك في هذا الميدان العظيم من القادة الكبار. وكانت النتيجة ان الأعداء اخفقوا في مرحلة البناء أيضاً عن ربط هذا البلد بعجلة سياستهم، وجرّبوا كل السبل والوسائل لكنهم فشلوا فيها جميعاً.

والحقيقة هي ان الأجهزة الاستكبارية قد امتلأت اليوم وبكل وجودها خوفاً ورعباً من هيبة هذه الثورة الكبرى ومن هذا الشعب العظيم الذي صمد تسع عشرة سنة رغم كل هذه المصاعب.

وأنتم لاحظتم بأم أعينكم كيف أحيى هذا الشعب ببهاء ذكرى الثورة في الثاني والعشرين من بهمن هذا العام، ورأيتم كيف يمجّد هذا الشعب معالم ثورته. وشاهدتم كيف يكرّم شبابنا وجامعيّونا وعمّالنا وكل طبقات شعبنا شعائر الدين ومظاهر العبادة على الرغم من كل المساعي التخريبية للأعداء. وقد شاهد العدو هذه المظاهر وشاهد اعتكاف الطلبة الجامعيين في مسجد الجامعة، ورأى المساجد مليئة بالمعتكفين وأكثرهم من الشباب، فامتلأ رعباً. وهذه الأبعاد كلها انعكاس لعظمة هذه الثورة وعظمة هذه الرسالة وعظمة الإمام الراحل.

 

السبيل الوحيد للعدو

وبقي أمام العدو اليوم سبيل واحد، وهو الحصار الاعلامي. فيجب عليكم - أنتم المعلمون والعمال والمسؤولون - الالتفات إلى ان الحصار الاعلامي هو السبيل الوحيد الذي يريد العدو تجربته بكل ما أوتي من قوّة، وكان حتى الآن قد حشد مئات الاذاعات والصحف والمجلات والتلفزيونات وشتّى أنواع وسائل الاعلام في العالم كله وفي إيران ضد الثورة ومفاهيمها. إلا انهم يريدون بل ويعملون حالياً على مضاعفة هذا النشاط. فما هو الهدف من وراء ذلك؟ الهدف هو زعزعة تمسك الشعب بهذه الركيزة الإيمانية الحصينة. وهو طبعاً جانب بالغ الأهمية.

إعلموا يا أعزائي ان المقاتل حينما ينهزم أمام العدو في جبهة الحرب، فان السبب في هزيمته يُعزى إلى وجود انكسار داخلي فيه. وطالما كانت روحه سليمة، فلا تعرف الهزيمة في ساحة القتال إلى نفسه سبيلاً. ولكن كيف تتسرب الانهزامية إلى روح الإنسان وإلى قلبه؟ ذلك حينما يتزعزع إيمانه طبعاً. وما صمود شعبنا في كافة الميادين حتى يومنا هذا إلا بسبب ما يتصف به من إيمان راسخ. هذا حال عامة الشعب بما فيهم الفتيان والشباب والآباء والامهات إلا ثلّة من حثالات العهد البهلوي العفن ممّن قد غرق في الفساد ولا صلة لهم بالدين، ولا إيمان لهم حتى اليوم لا هم ولا بعض ذويهم. وكل ما رأيتموه أو سمعتم به من معارضة للدين انما مصدره مثل هؤلاء الأشخاص. بيد ان قلوب عموم أبناء شعبنا تتسم بالإيمان الراسخ.

أمّا الشيء الذي تتخذه هذه الدعاية والحصار الإعلامي هدفاً لها فهو هذا الإيمان. بمعنى انهم يرمون إلى زعزعة هذا الإيمان والنيل منه، بواسطة الدعاية الكاذبة والزيف والمعلومات الخبيثة المغرضة عن الدين وعن الثورة وعن الشخصيات وعبر قلب الحقائق وبث التحليلات المغلوطة إلى الشعب وإلى الشباب خاصة. وهذا هو دأبهم اليوم. وليس كلامي هذا من باب الحدس والتخمين بل عن علم ويقين.

لديَّ معلومات عمّا يجري وراء الكواليس في هذا العالم. فلدينا والحمد للّه أجهزة معلومات قوية وذات إعداد عال بحيث نستطيع ان نتعرف من خلالها على ما يجري في العالم. وذاك هو ما يجري في العالم حالياً. أضف إلى ان بعض مجريات الأمور أعلنوا عنها هم بأنفسهم صراحة واتضحت حقيقة مقاصدهم ومآربهم من بين ثنايا تلك التصريحات.

 

مسؤوليات المعلمين

وهنا يقع على عاتق المعلمين مسؤولية ثقيلة. فأنتم تتعاملون مع أعز الطبقات الاجتماعية وأكثرها تأثّراً بالدعايات، وهي طبقة الأحداث والشباب. وتقع على أجهزة التعليم والتربية مسؤولية مضاعفة في هذا الحقل. ويجب اتّخاذ التدابير التي ترسّخ في شباب اليوم - الذين يعيشون اليوم هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من تاريخ الثورة والنظام ممن لم يسبق لهم ان رأوا الإمام، ولا شهدوا الثورة ولا الحرب - إيماناً يمكّنهم من الوقوف كالجبل الأشم بوجه أطماع الأعداء، والمعتدين الأجانب، والتسلط الأمريكي، وتغلغل الأجهزة الاستعمارية التي واصلت نهب هذا البلد وهذا الشعب عمراً مديداً، واتخذت منه أُلعوبة لها. وهذه هي المهمّة الخطيرة الملقاة على عاتق الجميع كالأجهزة الاعلامية والصحافة وما إلى ذلك في هذه الحقبة الزمنية.

 

الوحدة حصانة الإيمان

واعلموا يا أعزائي ان ما يمكن بواسطته اليوم تحصين هذه الجبهة - جبهة الإيمان وجبهة الحق - هو التمسك بوحدة الكلمة تحت راية الإسلام وتحت ظل الحسين بن علي(ع)، وفي ظل المعارف الإسلامية السامية التي بيّنها وشرحها لأبناء الشعب علماء من أمثال الشهيد المطهري الذي يعيش شعبنا هذه الأيام ذكراه. ولاشكّ في ان التمسك بالوحدة في ظل هذه الشموس الساطعة سيمكّن البلد بإذن اللّه من اجتياز هذه المرحلة كما اجتاز المراحل السابقة ويخيب مطامع العدو.

سيكون مستقبل هذا البلد بإذن اللّه تعالى وبفضل صمود الشعب الإيراني وثبات شبابه، وإيمانه الراسخ العميق، مستقبلاً يغيض الأعداء ويسر الأصدقاء ويدفع الشعوب لتحذوا حذو هذه التجربة.

أدعو اللّه تعالى ان تكونوا ممن سيشهد هذا اليوم المشرق القريب، وان تكرّسوا الكثير من مساعيكم في سبيل تحقيقه.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته..