كلمة القائد أمام جمع غفير من العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر رمضان المبارك

      13/12/1998(الموافق: 24 شعبان 1419 هـ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

أرحب بكم جميعاً أيّها السادة والعلماء المحترمون والفضلاء والطلبة الأعزاء والمبلغون المخلصون الذين تأهبتم للنزول إلى ميدان الدفاع عن الحق والحقيقة الإلهية المظلومة على مرّ التاريخ. كما وأشكر السادة العلماء المحترمين والأفاضل الحاضرين بينكم ممن لبّوا دعوتنا في باب هجرة النخبة من الحوزة إلى سائر أرجاء البلاد، واختاروا السكن في القرى.

أدعو اللّه أن يحفظكم جميعاً، كما وأشكر كل الأعزة الذين أخذوا قضية التبليغ في كل أرجاء البلاد على يد علماء الدين وفضلاء الحوزة العلمية مأخذاً جاداً، ولم ينظروا إليها كقضية مستحبّة من الدرجة الثانية، والتفتوا الى شأن التبليغ وهدف التبليغ ومخاطب التبليغ، وأهمية التأثير الذي يتركه التبليغ وفق أسلوب معين، في هداية النفوس، وخططوا لهذه الغاية. كما وأعرب عن شكري لكل واحد منكم أنتم أيّها الشباب المؤمنون المتحمسون الذين وضعتم أفضل مراحل أعماركم في خدمة دين اللّه ولأجل الحق الإلهي المظلوم، وفي سبيل اعداد المجتمع لظهور بقية اللّه الأعظم أرواحنا فداه. أسأل اللّه العلي القدير أن يتقبل منكم هذه الجهود والمشاق.

اعلموا يا أعزائي ان الشكر الإلهي والرضا الإلهي أسمى من أي شيء آخر {فإن اللّه شاكر عليم}. ولاشك في ان أدنى جهد من جهودكم لا يخفى على علم النافذ المحيط بكل شيء، وان لكل جهد وعمل ثوابه الكريم عند الباري تعالى.

 

شهر رمضان فرصة لبناء الذات:

نقترب هذه الأيام من شهر رمضان وشهر الضيافة الإلهية، وهي فرصة ثمينة ونادرة من أجل بناء الذات ومن أجل استنقاذ نفوسنا الظلمانية الأمّارة بالسوء وسوقها نحو مسالك النور. أول ما نبتدئ به في شهر رمضان هو خلاص أنفسنا؛ أي ان ندخل في صراع مع ذاتنا ونقدّم لها النصح ونربّيها وفق المعايير الإلهية، وعلى أساس ما يقودها إلى رضا اللّه وينتهي بها إلى لقائه. ثم نوجه اهتمامنا من بعد ذلك للمخاطبين.

شهر رمضان شهر يفوح شذاه، وهو شهر مبارك وشهر عزيز، وهو شهر اللّه. والحمد للّه ان هذه السنّة الحسنة التي أخذت تُطبّق خلال السنتين الأخيرتين في بلدنا؛ وهي سنّة احياء المساجد وتنظيفها وتعطيرها استعداداً لاستقبال شهر رمضان، تجعل المرء يشعر بحلول هذا الشهر المبارك. وعليكم، وخاصة أنتم الشباب، ان تركزوا حلول هذا الشهر في قلوبكم النيّرة أولاً جهد استطاعتكم، ثم ان هذا الاشعاع الذي ينطلق منكم سيترك تأثيره من غير شك في مخاطبيكم وفي الأجواء المحيطة بكم.

هناك نكتة مهمة في باب التبليغ أود الاشارة إليها. لا ريب في أن كل ما كان ينبغي أن يُقال في باب التبليغ قد قيل طوال هذه السنوات المتمادية من قبل إمامنا الراحل بالدرجة الأولى، ومن بعده بقية الحريصين والمهتمين والأكابر ومراجع التقليد العظام والفضلاء المعروفين، حتى أصبح من الواضح لدى الجميع ان «التبليغ» هو المهمة الأساسية لعلماء الدين. وما دراستنا وتفكيرنا وبحثنا وعثورنا على الشذرات والدرر النفيسة في المعارف الإسلامية من كنوز النصوص الإلهية، ما كل هذه الأعمال القيمة التي تعتبر واجباً على كل واحد منّا، إلا مقدمة لتبليغ دين اللّه وتبليغ الحق.

 

المعارف والحقائق الالهية أمانة يجب ابلاغها الى الناس كما هي:

التبليغ معناه الايصال. ونحن إذا استطعنا ايصال رسالة اللّه إلى القلوب، وعكسنا هذا النور الساطع على النفوس الطيّبة، نكون قد أدينا مهمّتنا الكبرى هذه؛ وهي نفس المهمة التي من أجلها بُعث الأنبياء. وحتى ان اقامة الحكومة الإسلامية، والجهاد في سبيل اللّه، والمجاهدة المريرة التي قام بها الأنبياء والأولياء والعلماء كانت مقدمة لتحقيق هذه الغاية، وهي ايصال الحقائق الإلهية إلى القلوب الطاهرة. لاحظوا إذن مدى أهمية حقائق الدين والحقائق الإلهية. وهذا يوجب علينا – طبعاً - ان ننظر إليها نظرة جادّة. وهذا هو السبب الذي نُُدعى من أجله إلى الكشف عن الحقائق الأصيلة وعرضها على الناس.

فالحقيقة الخالصة، والإسلام الخالص الذي كان سماحة الإمام الخميني يركّز عليه إلى هذا الحد هو من أجل ان نبلّغ هذا الزاد - الذي يغذّي الأفكار والعقول والقلوب - إلى الناس خالصاً نقياً لا تشوبه شائبة ولا يمازجه غشّ، وبعيداً عن الزوائد والنواقص التي أحدثتها فيه الأيدي الخائنة الأثيمة أو الغافلة الجاهلة. وهذه هي أكبر أمانة إلهية في أعناقنا: {ان اللّه يأمركم أن تأدّوا الأمانات إلى أهلها}. ان أكبر وأنفس وأغلى وأثمن أمانة وضعها الباري تعالى في رقابنا هي المعارف والحقائق الإلهية. وعلينا ان نتناولها خالصة نقيّة وأقرب ما تكون للواقع وابلاغها إلى المخاطبين. إلا ان ثمة معوقات على هذا السبيل ومن جملتها التساهل.

 

التساهل والجهل آفتان تنجم عنهما الكوارث:

ومعنى التساهل هنا هو أن المرء يُلقي كل ما يخطر على ذهنه باسم الدين؛ ومن الطبيعي ان كل من لا يجيد التبليغ يُلقي إلى الناس باسم الدين كل ما يستذوقه وكل ما يراه حسناً. وفي الحقيقة ان هذه آفة تنتهي بتكريس الأخطاء وايجاد الانحرافات الفكرية والعلمية التي تنجم عنها كوارث اجتماعية فادحة.

الآفة الأخرى التي تقف دون أداء هذه المهمة هي التحجر، والفهم الخاطئ، وعدم تشخيص الموضوعات المهمة، وتضخيم الموضوعات الجزئية. ويجب العثور على الصراط الإلهي المستقيم بين هذين السبيلين. وهذه المهمة تقع على عاتقكم أنتم الشباب، وعلى عاتقكم أنتم فضلاء الحوزة، وعلى عاتقكم أنتم العلماء العظام. هذه المهمة ينبغي القيام بها تحت اشراف الأكابر والاعلام والمراجع الكبار في الحوزات العلمية. حيث كانت هذه المهام قد بدأت والحمد للّه بفضل وجود الثورة، وهي تسير حالياً بوتيرة بطيئة تارة أو سريعة أو معتدلة تارة أخرى. وعلى كل الأحوال فقد بدأت هذه المهام تأخذ طريقها إلى حيّز التطبيق، ويجب مواصلتها.

 

أدخلوا السكينة إلى قلوب الناس:

أما ما أريد اضافته اليوم إلى النكات التي عرضتها مرات عديدة من قبل، فهو ان من شأن عالم الدين - وهذا الشأن هو أيضاً أحد مصاديق هذا التبليغ - هو أن يوجد الاطمئنان والسكينة في قلوب المؤمنين {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}. السكينة تعني الاستقرار والطمأنينة النفسية والفكرية التي تقف في مقابل حالة التوتر والاضطراب في الأفكار والمشاعر التي تجلب على الإنسان المصائب والكوارث الفردية والاجتماعية. لو انكم اطلعتم اليوم على معاناة العالم الحديث الحافل بالتطور العلمي والتقني والصناعي، والذي يدعي لنفسه زعامة العالم - وأعني به أوربا وأمريكا - لعلمتم ان مأساتهم الكبرى تتلخص في فقدانهم لهذه الحالة من السكينة والهدوء والطمأنينة.

الهدوء والاستقرار والسكينة التي يعلمناها القرآن الكريم هي ليست حالة السبات والغفوة، ولا هي حالة الخدر والانحلال؛ لأن الدين الصحيح لا يدفع بأتباعه إلى الخدر، وانّما يزيل عنهم حالة الخدر الفكري والروحي التي تصيبهم نتيجة لشتّى العوامل والمؤثرات، ويدعوهم إلى التنبّه واليقظة، ولكنه ينتشلهم في الوقت ذاته من حالة القلق والاضطراب والهواجس الفكرية. الدين الصحيح يمنح الانسان حالة السكينة والطمأنينة والثقة باللّه والأمل بالمستقبل. ومن جملة المهام التي تقع على عاتق المبلغين اليوم هي ايجاد هذه الحالة في قلوب المؤمنين والمخاطبين وعموم أبناء الشعب. وهذه الحالة تقف في النقطة المعاكسة تماماً لما يريده الأعداء.

 

عداء الاستكبار حقيقة قائمة:

ان الكثير من الناس بمجرّد أن يسمع بكلمة الأعداء أو كلمة الاستكبار حتى يسارع إلى القول: انكم تنسبون كل شيء إلى الاستكبار! والحقيقة هي ان هذا العداء موجود، فماذا عسانا ان نفعل؟ هنالك اليوم في القضايا العالمية نقطتان لهما حساسية فائقة بالنسبة لأمريكا: احداهما مجابهة الإسلام، والتركيز على ايران الإسلام ونظام الجمهورية الإسلامية على وجه الخصوص. والنقطة الأخرى هي القضية الفلسطينية التي تتابعون وقائعها في هذه الأيام.

لقد ركزت الأجهزة الأمريكية والرئيس الأمريكي جهودهم على محو اسم القضية الفلسطينية من قضايا العالم والشرق الأوسط، لكي لا تبقى هناك أساساً قضية باسم القضية الفلسطينية والأهداف الفلسطينية والثورة الفلسطينية. وهذا واحد من أهدافهم البالغة الأهمية التي يسافرون ويتحركون من أجلها؛ وقد استسلم لهم ضعاف النفوس الخونة الحقراء من الفلسطينيين – كما هو الحال بالنسبة للشعوب الأخرى التي يوجد فيها أمثال هؤلاء الأشخاص، ومن المؤسف ان المجتمعات البشرية في أكثر الأدوار التاريخية حافلة بمثل هؤلاء الناس الحقراء المرعوبين – ووضعوا بين أيديهم الميثاق الوطني الفلسطيني ليحذفوا منه ما يشاؤون من البنود التي تنص على محاربة الصهاينة والمحتلين وقتلة الشعب الفلسطيني والمجرمين بحقّه، وحذفت منه فعلاً. ولكن حتى لو حُذفت من الورق، أيمكن ان تزول بواعث الدفاع عن أرض فلسطين وشعب فلسطين وهوية فلسطين من قلوب الفلسطينيين؟! حتى وان جلس أربعة اشخاص في غرفة مغلقة واستبدلوا نصاً مكتوباً على الورق. وهل فعل الشبّان الفلسطينيون ما فعلوه حتى الآن في الانتفاضة، في الارض المحتلة، أو في لبنان، والتضحيات التي قدّموها انطلاقاً من المسؤولية الإلهية - التي توجب على كل مسلم الدفاع عن أرض الإسلام - كانت لأجل الميثاق الوطني الفلسطيني؟ من المؤكد ان جهاد الفلسطينيين ضد الصهاينة وحامي الصهاينة - أي أمريكا - لن يكون أضعف ممّا هو عليه اليوم، ان لم يصبح أشد وأقوى.

 

العدو يخشى الإسلام الأصيل وصحوة الشعوب:

وكما أشرت فان النقطة الأكثر حساسية بالنسبة للأمريكان هي محاربة الإسلام الأصيل والنهضة الإسلامية والصحوة الإسلامية التي تُشاهد معالمها اليوم في شتى أرجاء العالم الإسلامي على نحو أو آخر، وتثير قلقهم إلى أبعد الحدود، ولهذا ما فتئوا يركزون ضغوطهم ضد ايران الإسلامية لعلمهم بأنها هي المصدر لهذه النهضة، وهي المركز الأساسي لهذا الغليان الشعبي ذي الصبغة الإلهية. ومن هذا نراهم يحاولون ايجاد الاضطراب والخلل في هذا البلد الإسلامي وفي نظام الجمهورية الإسلامية، وبين أوساط شعبنا المسلم.

أعرض على أسماعكم في ما يلي أوضاع بلدنا لتروا انها مما يجب ان يخشاه العدو؛ فشعبنا يعتبر من جهة شعباً كبيراً وواعياً ومقتدراً وشاباً – إذ يشكل الشباب أكثرية أبناء الشعب -، ومن جهة ثانية قلما تجد لبلدنا نظيراً بين البلدان ذات الخيرات والثروات الغنية، ويتصف من جهة ثالثة بوجود نظام يوفر لأبناء الشعب فرصة المشاركة والعمل والنشاط وتفجير طاقاته ونموه وتكامله العلمي والفكري.

كان هذا البلد وهذه الأرض وهذه الثروات تحكمها يوماً ما حكومات تقتل الطاقات، والدليل على ذلك هو عدم حصول أي تقدم علمي على امتداد ما يناهز مئة سنة؛ منذ دخول الأوروبين إلى هذا البلد حتى عام انتصار الثورة – منذ ما يقارب عام 1257 إلى عام 1357 هـ.ش - أي بداية النصف الثاني من العهد القاجاري إلى نهاية العهد البهلوي، وعدم ظهور عقلية علمية مفكرة، ولا اية مظاهر للعلم والتقدّم؛ بمعنى انهم لم يسمحوا بذلك؛ وحتى لو ظهر شخص متميّز كانوا يلتفّون عليه ويسرقونه وينقلونه إلى مكان آخر ليستفادوا منه هناك. ففي ذلك الوقت الذي كان فيه العالم كله ينطلق بسرعة فائقة صوب التقدم والمدنية والبناء المادي، أبقوا شعبنا في حالة مزرية من التعاسة وأشغلوه بأشياء لا تنطوي إلا على ضرره. لقد كانت لنا في عهد من العهود جامعات وصحافة ومجلس شورى، إلا انها جميعاً كانت تحت هيمنة السلطة المتجبرة التي لم تكن تكترث بمصالح الشعب ومستقبله، وانما كان همّها الأول هو تأمين مصالح الأجانب ومصالح رؤوس النظام يومذاك.

أما في الوقت الحاضر فقد أضحت احدى الخصائص البارزة لهذا النظام هو انه نظام يوفر لأبناء الشعب امكانية النمو والازدهار. فبإمكان الشاب ان يدرس وينمّي طاقاته ويتقدم ويخترع ويصنع ويعتمد على ذاته. وقد أدى وجود هذا النظام إلى ان يكون المسؤولون من أبناء الشعب أنفسهم؛ يتفهمون آلامهم، ويدركون مشاكلهم. ومن الواضح – طبعاً - ان الحكومة حكومة شعبية، ورئيس الجمهورية شخصية شعبية أيضاً، ومجلس الشورى مجلس شعبي، وليس هناك أي شخص من المسؤولين في الجهاز الحكومي أو الجهاز القضائي من أبناء الأعيان والذوات. وما من أحد منهم لا يدرك آلام الشعب، ولا يشعر بالغلاء، ولا يفهم معنى الجوع.

والأهم من كل ذلك هو النهج الواضح الذي يسير عليه هذا البلد، وهو نهج المسير على هدي الإسلام - ومن الطبيعي ان السير على هدي الإسلام يكفل للبلد وللشعب العزّة في الدنيا والآخرة - وهو نهج يرفض العمالة للأجنبي ويترفع عن الخضوع له، والشعب الذي يعيش على أرض هذا البلد شعب واعٍ وحيّ وحساس ازاء شتى القضايا، ويحكمه مسؤولون صالحون وحكومة شعبية، كما وان المسؤولين عن ادارة شؤون البلاد هم أشخاص متديّنون ومتعبدون. ورئيس الجمهورية عالم دين، والكثير من المسؤولين الآخرين وحتى الذين لا يرتدون زي علماء الدين، متمسكون بأحكام الدين إلى حد بعيد. وهذا من دواعي تقدّم ورقي البلد، ويثير في الوقت ذاته قلق أعداء الدين.

ان ما حصل خلال العشرين سنة المنصرمة - وحتى في فترة الدفاع المقدّس وما رافقها من محن - يفوق كمّاً وكيفاً كل ما حصل خلال تلك المئة سنة من إعمار وبناء وتقدّم علمي ومادّي واتساع في الجامعات ومراكز البحوث - وفي جميع المناحي والمؤشرات ذات الأهمية للشعب ومستقبله - ألا يعدّ هذا نذير خطر على الجهاز الاستكباري الذي يحارب نهضة العالم الإسلامي وصحوة المسلمين؟ يعتبر نذير خطر طبعاً، ولابدّ لهم من اتخاذ المواقف المناوئة له، ومن الطبيعي ان يخصص مجلسهم ميزانية مالية لمحاربته. لقد خصصت أمريكا ميزانية معينة لمجابهة الجمهورية الإسلامية، وهذا هو الأمر الظاهر للعيان، أمّا ما تخفيه قلوبهم وما يدور في نشاطاتهم الأمنية ووكالة المخابرات الـ "سي.آي.إيه" فهو أشد وأكثر.

ولكن ما هو الداعي لكل ذلك؟ لأنهم يخشون هذا النظام وهذا الشعب وهذا البلد، ويعلمون ان هذا البلد إذا بقي يتقدّم ويسير على هذه الوتيرة المتصاعدة - وستكون وتيرة التقدّم أكثر سرعة بعون اللّه - سيكون بمثابة قدوة حيّة لسائر الشعوب الإسلامية.

 

كل مأساتنا من الشيطان الأكبر وأذنابه:

عُقدت قبل فترة ندوة حضرها أصحاب النظر الأمريكيون من الصهاينة وغيرهم وطرحوا فيها انهم يجب ان لا يسمحوا بظهور نموذج حيّ في العالم الإسلامي بحيث يكون كأسوة يقتدي به سائر المسلمين! وهذا النموذج هو الجمهورية الإسلامية، وبلد الايمان والجهاد والايثار، والبلد المبارك المقدس لإمام الزمان، والذي يشكل خطراً جسيماً عليهم. ولهذا يحاولون ايجاد الاضطراب فيه من سبل شتى، ومن جملة الأساليب التي يتبعونها في هذا الصدد هي الضغوط الاعلامية، والحصار الاقتصادي، اضافة إلى الممارسات التي افتعلوها في الآونة الأخيرة بهدف زعزعة أمن البلاد.

فحوادث القتل التي تجري في البلد حالياً - وهي طبعاً ليست المرة الأولى التي تحصل فيها مثل هذه الحوادث، ولكنها أصبحت في هذه المرة أشد - تتنافى ومشاعر الأمن القومي؛ فالشعب يجب ان يشعر في بلده بالأمن؛ وبما ان النظام الإسلامي نظام مقتدر، يحاول العدو النيل من هذا الاقتدار والايحاء بعجز النظام وعجز الحكومة وعجز المسؤولين في الأجهزة الأمنية والقضائية، ولهذا يحاول اقتراف الجرائم بشكل مباشر أو غير مباشر، من ناحية، ويوجه من ناحية أخرى أصابع الاتهام إلى النظام القائم. ويتصور انه يرمي بذلك عصفورين بحجر واحد. وإذا استمعتم إلى الدعايات التي تبثّها الاذاعات الأجنبية هذه الأيام لوجدتموها قد ملأت العالم ضجيجاً. ولكن هذه الأجهزة نفسها لم تنبس بكلمة واحدة يوم كان المنافقون - الآلة العلنية الطيّعة بأيديهم - يقترفون الجرائم ويعلنون عن مسؤوليتهم في ارتكابها؛ إلا انهم يثيرون اليوم كل هذا الضجيج على الرغم من ان هذه الجرائم من سنخ تلك.

ان قتل المواطنين، وارتكاب الجرائم بحق الأشخاص – أيّاً كانوا - من غير الطريق الذي تعمل به الأجهزة المختصة ووفقاً للقانون وبناءً على ما لديها من صلاحيات، يعتبر عملاً منافياً للأمن؛ وقد كلّفت الأجهزة المختصة سواء الحكومية منها كوزارة الداخلية ووزارة الأمن، أو الأجهزة القضائية، وأكلّفها الآن أيضاً بالمتابعة الجادة لحوادث القتل الأخيرة المتعددة التي حصلت خلال الشهر الأخير تقريباً. ومن المؤكد انهم إذا تابعوها وحققوا فيها فسيمسكون رؤوس الخيوط، وسيجدون بلا شك ان للعدو يداً مباشرة أو غير مباشرة فيها؛ فالعدو هو الذي يهدف إلى انعدام الأمن في البلاد، والعدو هو الذي يريد اتخاذ مثل هذه الذريعة لإشاعة الأجواء غير الآمنة؛ فمن جهة يجري تنظيم تلك الجرائم، وتعمد الأبواق الدعائية من جهة أخرى إلى تضخيمها أضعاف حجمها، وتتابعها الأقلام الأجيرة؛ وجريمة الأقلام الأجيرة لا تقلّ عن جريمة الاذاعات الأجنبية. لأن هذه الأقلام تستنتج بأنَّ البلد لا أمن فيه. وهذا العمل مكمل لعمل العدو. والعدو يعمل ويهاجم من هنا وهناك والهدف واحد، وهو ان يكفّ الشعب الإيراني عن مساره صوب غاياته ومُثُله الإلهية والإسلامية السامية.

ليعلم عدو الشعب الإيراني ان الشعب الذي خاض بكل بطولة وشجاعة ثماني سنوات من الدفاع المقدّس واستطاع الصمود بمفرده طوال عشرين سنة ضد أشرس الهجمات المعادية وحطّم قلعة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط - أي الحكم البهلوي - بنداء الإسلام وباسم الإسلام، لن يتراجع عن شعاراته الإسلامية خطوة واحدة.

ان كل شرائح هذا الشعب مسلمة مؤمنة، وذات إيمان عميق؛ فالشباب مؤمنون، وعلماء الدين مؤمنون، وطلبة الجامعات مؤمنون، والطبقات الأخرى كلّها مؤمنة. وعلى هذا الإيمان الخالص يقوم هذا النظام الشامخ العزيز. وعلى هذه الشاكلة يستطيع مسؤولو البلد مقاومة الضغوط المعادية باقتدار.

فلولا وجود الإيمان الراسخ، ولو كان باستطاعتهم زعزعة إيمان أبناء الشعب بمثل هذه الأراجيف، لكانوا حتى الآن قد قضوا على النظام الإسلامي مرات ومرات، إلا ان النظام الإسلامي الشامخ قائم على أكتاف الإيمان الخالص لهذا الشعب؛ ونحمد اللّه ان هذا الايمان على درجة من الصلابة يستشعرها العدو عن بعد، وكلما دنا شعر بصلابة هذا الايمان أكثر فأكثر.

 

عمّقوا الشعور في نفوس الناس باقتدار الإسلام:

انني أدعوكم أيها المبلغون إلى ان تعمقوا في قلوب ونفوس أبناء هذا الشعب الشعور باقتدار هذا النظام، والايمان بالوعد الإلهي، واستشعار الطمأنينة في سفينة الأمن والأمان والسكينة. وان تعملوا جهد استطاعتكم لتزرعوا في قلوب المؤمنين تلك السكينة نفسها التي انزلها الباري تعالى في قلوب المؤمنين على عهد الرسول في معركتي بدر وحنين وغيرهما من المواقف الأخرى. ان العدو يسعى لإشاعة الاضطراب بين الناس؛ وأحد سبل توفير السكينة والاطمئنان هو الوحدة وتآلف القلوب، ووحدة أبناء الشعب بشتى طبقاتهم، وتقارب القلوب ومحبّة الناس بعضهم لبعض. وهذه النقطة معاكسة تماماً لما يريد العدو اشاعته؛ العدو يحاول ان يصوّر وكأن الشعب والمسؤولين وشتّى الفئات والتيارات، متعطّشون لدماء بعضهم الآخر. وهذه الايحاءات لا نصيب لها من الصحّة. وكل من يتصرف أو يتكلم اليوم بشكل يوحي إلى وجود اختلاف وتطاحن مقيت بين مختلف التيارات والشرائح، فهو بعمله هذا يساعد العدو ويقدم له خدمة كبرى. ومن المؤسف ان البعض يتصرف على هذا النحو عن سذاجة وبساطة.

من الطبيعي ان اختلاف الأذواق موجود بين الناس، ومثله في ذلك كمثل زميلين يتباحثان حول قضية أو موضوع معيّن ويختلفان في وجهتي نظرهما ويتناقشان، إلا انهما على كل الأحوال زميلان، وقلباهما متقاربان. وهكذا الحال أيضاً في الشؤون السياسية والاجتماعية، بل ويجب ان يكون الحال كذلك.

 

حفظ النظام الإسلامي مسؤولية الجميع:

مسؤولو البلد كلهم يتحملون مسؤولية واحدة، وتلك هي حفظ هذا النظام الإلهي، وادارة دفّة البلاد، وتمشية شؤون الناس، والاهتمام بمشاكلهم. ويجب عليهم التعاون والعمل سوية لانجاز هذه المهمة. فإذا وجّه البعض الاهانة لرئيس الجمهورية، واستهان البعض الآخر بمجلس الشورى، وأهان البعض الآخر السلطة القضائية، فهذه هي الحالة التي يبتغيها العدو، ويرمي إلى ايجادها.

عليكم ان تعززوا وتكرموا مسؤولي البلاد، فهم بمثابة الخدم لأبناء الشعب. والمسؤولية اليوم في بلدنا خدمة، وليست مكسباً؛ المسؤولية اليوم في هذا البلد مسؤولية إلهية، ويجب ان لا يسمح أحد لنفسه بالاساءة إلى المؤسسات القانونية وكبار المسؤولين، ومن البديهي ان المؤمنين والمخلصين والحريصين على الثورة لا يرتكبون مثل هذه المخالفة. والمسؤولون قلوبهم طافحة بالشعور بالمسؤولية والتكليف، ونحن نرى عن كثب انهم عاكفون على العمل والجهد وتقديم الخدمة للشعب؛ فيما يسعى العدو لإثبات ما يعاكس ذلك، ويركز اهتمامه على اشاعة القلق والتوتّر والاضطراب. وأنتم بصفتكم مبلّغين للدين يجب عليكم توفير أجواء تنقض ما يريد العدو خلقه من أجواء، مثلما فعلتم أنتم الشبّان المؤمنين، والمبلغين الشباب، وأنتم علماء الدين والأفاضل الشباب في أيام الثورة وملأتم كل أرجاء البلد بندائها، وضحيتم أثناء الحرب المفروضة بكل وجودكم في سبيل تعبئة عموم أبناء الشعب، وفي سبيل الدفاع عن حدود البلد وعن الثورة. وفي فترة ما بعد الثورة كانت لكم مشاركة فاعلة حيثما استوجبت الحاجة إليكم وحيثما شعرت الحكومة والمسؤولون بضرورة وجودكم.

واليوم أيضاً عليكم ان تنتشروا كالملائكة الإلهيين في ارجاء البلاد وبين الناس واعكسوا في كل مكان ما تستشعرون به هنا من مشاعر الثقة والسكينة والوحدة والوفاق والتعاطف والمودة.

ان بلدنا مستقر بحمد اللّه، والحكومة مستقرة، والمسؤولون أمناء وموضع ثقة، وحريصون ويعملون بجد واخلاص، وقد كانت وستبقى رعاية بقية اللّه (أرواحنا فداه) تحرس - بفضل اللّه - هذا البلد. وقد كانت وستبقى يد العدو قاصرة بإذن اللّه - رغم كل جهودها المحمومة - عن المساس بساحة هذا الشعب وهذا البلد.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته