|
كلمة القائد أمام جمع كبير من عشاق أهل البيت (ع) بمناسبة مولد الإمام الحجة (عج) 4/12/1998(الموافق: 15 شعبان 1419 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم أهنئ بمناسبة هذا العيد السعيد العميق في مغزاه ومعناه، الحضور المحترمين الأعزاء وخاصة العوائل المبجلة لشهدائنا الكرام والمعاقين الأعزاء والمضحين، وكل من أتوا من أقاصي البلاد وشرفوا بقدومهم مجلسنا هذا. كما وأبارك أيضاً بهذه المناسبة لكل أبناء الشعب الإيراني العظيم الذي يقف موقفاً مشرفاً من قضية انتظار واحترام صاحب هذا العصر، وعبّر عن تعلّقه واعتقاده وحبّه لها، وانتفع غاية الانتفاع من نفحات هذا الفيض الإلهي المقدّس.
قضية المهدوية من القضايا الأساسية في الاسلام: ان قضية المهدوية من القضايا الأساسية في الإسلام ولا ينفرد بها الشيعة دون سواهم، وإنما تذهب الفرق الإسلامية بأجمعها إلى ان المهدي(ع) من النسل الطيّب الطاهر لرسول اللّه (ص) وانه سيملأ العالم قسطاً وعدلاً وسيظهر لإقامة دين اللّه وبسط الحق. كما ويعتقد غير المسلمين على نحو أو آخر بمستقبل مشرق للبشرية يتحقق خلال قضية المهدوية. أما الخاصية التي تتفرد بها العقيدة الشيعية في هذا المجال فهي عدم وجود أي غموض فيها لأنَّ الشيعة يحيطون بكل تفاصيل هذا الموضوع على معرفة تامة بشخصية المهدي (ع)؛ فنحن نعرف وليّنا وسيّدنا وإمامنا، وسيد العالمين؛ ونعرف أباه وأمّه وتاريخ ولادته وكل ما يتعلق بولادته المباركة، وهنالك من نقلوا هذه القضايا بأخبار صادقة موثّقة. وهذه الأمور كلّها واضحة لدينا ولا لبس فيها. ومعنى هذا اننا على بيّنة بمن نحب وبمن نؤمن ونعتقد. كان إمامنا المعصوم، بقية عترة الرسول وأهل البيت، قائماً طوال الأزمنة الأخيرة بين المجتمعات البشرية، وهو موجود اليوم بين ظهرانينا؛ إلا ان الحكمة الإلهية اقتضت أن نعيش هذا الانتظار الكبير، وان يعيش الإمام ذاته مثل هذا الانتظار أيضاً؛ انتظار ذلك اليوم الذي يظهر فيه بنهضة كنهضة الأنبياء تنتهي بنصر ساحق على جبهة الكفر والنفاق، وينقذ العالم من الظلم والجور والتمايز والتسلط والاستغلال؛ وسيأتي ذلك اليوم ويتحقق هذا الوعد. أعدى أعداء هذه العقيدة، وأشدهم عداءً لشخصه منذ يوم غيبته، بل ومنذ يوم ولادته، هم الظلمة الذين اقترنت حياتهم بالجور والتسلط، وهم مصرّون على مقته وعلى مقت هذه الظاهرة الالهية وهذا السيف الرباني. كما ان المستكبرين والظلمة يعارضون اليوم ويناوئون هذه الفكرة وهذه العقيدة، لمعرفتهم بأنَّ هذه العقيدة وهذا الحب المغروس في قلوب المسلمين، والشيعة خاصة، يضيّق على مآربهم الجائرة. أشرت في وقت ما الى ان المستعمرين حينما احتلوا شمال أفريقيا، قدّم لهم عملاؤهم تقارير - وهي مدونة وموجودة - تفيد بأنَّ محاربة مثل هذه الشعوب في غاية الصعوبة، وذلك بسبب اعتقادهم بالمهدوية.
الاعتقاد بالمهدي مصدر فيض ونور وأمل: ان هذه العقيدة ستكون بالنسبة للشيعة - فيما اذا فهموها على حقيقتها وتعاملوا معها كما ينبغي - مصدر فيض ونور، كما انها توجب أيضاً على كل مسلم وعلى كل مؤمن بها وعلى كل شيعي ان يسعى فكراً وعملاً للحفاظ على علاقته المعنوية والفكرية بإمام زمانه، وتربية وتهذيب ذاته بالشكل الذي يبعث الرضا في نفس هذا الإمام المعصوم الذي يحيط - بإذن اللّه وارادته - بكل حركة من حركاتنا؛ أضف إلى ذلك ان لهذه العقيدة آثاراً وخصائص ذات أهمية بالغة بالنسبة لجميع الشعوب ومنها شعبنا، ومن أهم هذه الخصائص والآثار هو الأمل بالمستقبل. يعلم كل شيعي ان بساط الظلم والجور والتسلط الموجود اليوم في العالم سيطوى ذات يوم - وقد يكون قريباً جداً، أو قد يكون بعيداً، إلا انه على كل الأحوال سيأتي قطعاً - ويوقن ان هذا الوضع الذي أوجده المستكبرون في العالم - من قبيل الضغط على كل من ينطق بكلمة حق أو ينتهج سبيل الحق، وفرض ارادتهم الفاسدة على الشعوب - سينتهي يوماً ما، وسيجد الطغاة والمستبدّون والقوى المتجبرة أنفسهم مضطرين للاستسلام أمام الحق يوماً ما، أو ان يُزالوا عن طريق حركة الحق. وهذه حقيقة يؤمن بها كل مسلم، وكل شيعي على وجه الخصوص. من الطبيعي ان هذه العقيدة تزرع الأمل في النفوس وتدفع كل خير ومصلح إلى أداء واجبه على طريق الاصلاح برغبة مفعمة بالأمل بالمستقبل؛ فانظروا إلى مدى أهمية هذه العقيدة ومدى ما بها من فاعلية وتأثير. أود أن أعرض في ما يلي نقطة ذات أهمية بالغة وخاصة لأبناء شعبنا؛ وذلك ان أهم عنصر يتيح التسلط على الشعوب هو سلبها الثقة والأمل بالمستقبل وزرع اليأس والتشاؤم فيها ازاء الوضع القائم.
أول أعمال المستكبرين تجريد الشعوب من ثقتها بنفسها: تعلمون ان ثمة حركة استعمارية قامت بها الدول الأوربية قبل مائة وخمسين سنة اجتاحت خلالها كل مناطق الشرق - بما في ذلك الهند والصين والبلاد الإسلامية وحتى أفريقيا - وقيّدوا الشعوب التي كانت شعوباً حرة بقيود العبودية وأخضعوها لسيطرتهم ونهبوا ثرواتها. ولكن كيف أتيح للأوربيين الاضطلاع بهذه المهمة العسيرة والسيطرة على شعوب الشرق على الرغم مما تملكه من حضارة عريقة وثقافة ومع وجود تلك الحكومات؟! يكمن سر هذه القضية في أن أول عمل قاموا به هو أنهم جرّدوا الشعوب الإسلامية والشرقية من ثقتها بذاتها، وروّجوا لثقافتهم ونتاجهم الثقافي بأساليب جذابة وبواسطة ما أحرزوه من تقدم علمي. وفي بلدنا ظهر عدد من الأشخاص خلال تلك الفترة كانوا يعتقدون بوجوب الاعراض عن كل ما هو ايراني، والتوجه نحو كل ما هو غربي، وذهبوا إلى استهجان واحتقار الثقافة الإيرانية والعادات والتقاليد الإيرانية والتاريخ الإيراني وحتى ارتداء الزي الإيراني، وكل ما هو وطني. وقد استطاع الأعداء تحقيق هذه النتيجة عبر دعاياتهم، وتمكنوا من بسط سيطرتهم على هذا الشعب لسنوات طويلة.
الثقة بالنفس أساس النجاح والانتصار: أما النجاح الباهر الذي أحرزه الشعب الإيراني - الذي أفلح في انتزاع ذاته من مخالب الاستعمار والافلات من تحت وطأة التسلط الأمريكي البغيض - فيعود سببه إلى عودته إلى ذاته وإلى دينه وإلى معتقداته وثقافته وبسبب اعتقاده بذاته واعتماده عليها. حينما يثق شعب ما بذاته، وحينما يعير اهتماماً لإمكاناته ولثرواته المادية والمعنوية، يمكنه ان يُنجز تقدماً باهراً ويحرّر ذاته من سيطرة الأجانب؛ كالنهضة التي قامت بها ثورتنا الإسلامية بزعامة إمامنا الخميني الذي كان مظهراً لهذا الاستقلال. بقيت للأمريكيين على مدى سنوات متمادية اليد الطولى على كل ما لهذا الشعب: على نفطه، وعلى مصالحه، وعلى حكومته، وعلى سياسته، وعلى دوائره، وعلى علاقاته الاجتماعية، وعلى جامعاته، وعلى الدراسة فيه، وعلى كل شيء، وكانوا يصوغون الأمور وفقاً لما يتماشى مع مصالحهم بشكل مباشر تارة، أو بواسطة عملائهم المتمثلين بالحكم البهلوي الفاسد تارة أخرى. أمّا تحرر الشعب من مثل هذا العبء الثقيل فيعود الفضل فيه إلى أن الشعب أخذ يستعيد ثقته بذاته وبعقيدته وبفكره وبشبابه؛ ومن الطبيعي ان المرء حينما يثق بنفسه وبصحة مساره، يتكوّن لديه أمل بالمستقبل؛ ولقد سار الشعب الإيراني على هذا الطريق وهو مفعم بالأمل. القضية الاساسية هنا هي ان هذه الثورة الفتية، وبعد مضي عشرين سنة على عمرها الحافل بالنشاط والحركة، تركت أثراً في جميع البلدان الإسلامية، وأثرت ايجابياً في معنوية البلدان الإسلامية، وحرّكت الدماء في شرايين الشعوب كافة؛ وحتى ان الكثير من الشعوب غير الإسلامية استفادت من معطيات هذه الثورة.
|