كلمة القائد أمام جموع من الجامعيين لدى زيارته جامعة طهران - .

10/5/1998(الموافق: 14 محرم 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

أعزائي الطلبة الكرام، لم أتردد كثيراً في اختيار الموضوع الذي أروم التحدث فيه معكم، وهو موضوع طويل ومن المناسب جداً القاؤه على أسماعكم أنتم الشبّان الأعزاء وخاصة طلاب الجامعات. فهناك - كما يقال - أمواج كثيرة من الكلام يتقاذفها صدري على لساني بيد ان الموضوع الذي ارتأيت اثارته اليوم سبق لي وأن فكرت فيه ومحّصته وقلّبته على وجوهه مرات عديدة، وأراه ذا أهمية كبيرة، ولعلّه مما يمكن الاتساع والتنوّع فيه، وأنا أتطرق إليه للمرة الأولى، وسأواصل التحدث فيه فيما إذا قيّض لي ذلك وزرت في فرصة أُخرى هذه الجامعة أو جامعات أُخرى. وبإمكان طلبة الجامعات وخاصة طلبة قسم التاريخ أو العلوم الاجتماعية الأُخرى التفكير في الموضوع الذي سأطرحه عليكم والتعمق في دراسته. وهو موضوع يدور حول الثقافة والمثقفين في بلدنا، ويمثل حسب رأيي حقلاً جديراً بالاهتمام.

أُشير أولاً وقبل كل شيء إلى موضوع قدومي اليوم إلى هنا. فأنا قد عزمت منذ اسبوع تقريباً على المجيء إلى هنا ولم أخبر إلاّ شخصاً أو شخصين في مكتبي بما عزمت عليه. وتناهى إلى سمعي الليلة البارحة ان مجموعة من الطلاب كانت تعتزم تنظيم اجتماع - اليوم - تلقي فيه بعض الكلمات فأوعزت بالطلب إليهم لإرجاء اجتماعهم إلى وقت آخر، حتى نحضر اليوم هنا. وأخبروني لاحقاً انهم أوقفوا ما كانوا أعدّوه من برامج.

أود بهذه المناسبة تنبيهكم أيّها الطلبة الأعزاء إلى قضية وهي ان مثل هذه التجمعات والكلمات لا اعتراض عليها، ولكن لا ينبغي ان تقيم مجموعتان في جامعة واحدة، اجتماعين في وقت واحد. هذه وصية أبوية مني لكم. فإذا عزمت مجموعة على اقامة اجتماع تتحدث فيه وتتدارس بعض الشؤون التي تراها ذات أهمية، ومع ان هذه الشؤون قد تبدو غير ذات أهمية في رأي شخص آخر، ولكن لا بأس ان يجتمعوا. إلاّ انه إذا علمت الأُخرى بوجود هذا الاجتماع عليها تأجيل اجتماعها لوقت آخر. وهذا هو الأسلوب الصحيح.

اعلموا يا أعزائي ان كلامي هذا ليس مبعثهُ الظن وانما هو نابع من معلومات تشير إلى وجود نوايا تستهدف الايقاع بين الطلاب وتأليبهم ضد بعضهم والهائهم عن دروسهم بأُمور تافهة. ولهذا يجب عليكم اتخاذ موقف صلب يحول دون التلاعب بحيثية العنصر الطلابي.

كنت - ومنذ سنوات خلت - أُنبّه الطلاب إلى ان الصفة الطلابية تتعلق بهذه الأجواء. ومن يخرج من هذه الأجواء لا يعد يحمل هذه الصفة الطلابية وانما يأتي شخص آخر ويحل محلّه ويكتسب هذه الصفة. ولاشكّ في ان فترة الدراسة الجامعية فترة رائعة وجميلة وذات قدسية وحلاوة خاصّة بالنسبة لنا نحن الذين تصرّمت أعمارنا. وهذا ما يدفعني إلى ان أوصيكم وأؤكد عليكم ان لا تسمحوا لهذه الصراعات بتمزيق هذه المجموعة الطلابية وتمييع هويّتها.

أما كلامي عن موضوع الثقافة فهو انني لو أردت وضع تسمية للموضوع لسمّيته (رجعية المثقفين) أو رجعية الثقافة.

الثقافة، كما تعلمون جاءت كوثبة بوجه الرجعية، وتنطوي على معاني التقدمية والنظرة المستقبلية، ودخلت إلى اللغة الفارسية كترجمة لمفهوم «انتلكتوال» باللغة الفرنسية. ويؤكد ذوو الخبرة وأصحاب الاختصاص ان هذه الترجمة غير دقيقة لهذا المفهوم. وعلى كل الأحوال فان المقصود والمراد منها جلي وواضح، كما وانني سأوضح في ما بعد بعض معانيها.

هذه الهوية التقدمية ذات النظرة المستقبلية لا تتسق في معانيها مع مفاهيم الرجعية والعودة إلى الوراء، إذ انني شاهدت وأُشاهد حالياً ظاهرة لا أجد اسماً مطابقاً لها سوى اسم الرجعية الفكرية.

سبق لي وان ذكرت عدّة مرات ان الثقافة بما تحمله من خصائص متحققة على أرض الواقع - والتي يمتزج فيها الفكر العلمي بالنظرة المستقبلية، والنباهة والذكاء الذي يواكبه تحسس الآلام الاجتماعية وخاصة المتعلّق منها بالثقافة - ولدت في إيران مريضة. ويعود سبب ذلك إلى ان رواد الثقافة في بلدنا كانوا مرضى، ولو أردت الاشارة إلى أسماء بعضهم لذكرت منهم الميرزا ملكم خان الأرمني، والميرزا فتح علي آخوند زاده، والحاج سياح محلاتي. وهؤلاء هم الذين استلهموا أُولى معالم ثقافة القرن التاسع عشر في أُوربا ونقلوها إلى إيران. وكانوا أشخاصاً غير ثقاة؛ فالميرزا ملكم خان – على سبيل المثال - الذي كان يتبجّح برفع لواء الثقافة والتثقيف ضد السلطة الاستبدادية لناصر الدين شاه كان سمساراً لمعاملة استعمارية فادحة الضرر لحساب وكالة رويتر.

وكما تعلمون فان الامتيازات الأجنبية في العشرين سنة الأخيرة من حياة ناصر الدين شاه دمّرت البلد تدميراً تاماً. فالانجليز حصلوا على امتياز الجمارك، والتبغ، والسكك الحديد وما إلى ذلك. وكان الروس من الجانب الآخر يحتجون على الامتيازات التجارية التي حصل عليها خصومهم ويطالبون بالحصول على امتيازات في مقابلها، فقدّموا لهم الامتيازات وأطلقوا على ذلك تسمية «التوازن الايجابي»؛ أي الموازنة بين الروس والانجليز في السياسة الخارجية والعلاقات الاقتصادية، ولكن على أساس التنافس والتسابق. فما ان يعطى لإحدى القوى امتياز حتى تسارع القوة الأُخرى للمطالبة بامتياز مماثل، فيمنح لها، فتعترض الأولى على أساس انها أصبحت أدنى حظاً؛ فيُقدّم امتياز آخر لها. فكانوا ينهبون إيران لصالح العائلة الملكية؛ أي ناصر الدين شاه وافراد بلاطه وكل من كان بميسوره انتهاب لقمة من تلك المائدة.

إذن فهذا الشخص الذي يعتبر من أبرز دعاة الثقافة في إيران وأعني به الميرزا ملكم خان كان سمساراً لوكالة رويتر. وحتى ان صفقة امتياز التنباك الشهيرة التي حرّمها وتصدّى لها مرجع التقليد آنذاك؛ الميرزا الشيرازي، كان سمسارها الميرزا ملكم خان نفسه.

وكانت من أكبر صفقات السمسرة لهذا الشخص هو الامتياز المعروف بـ«رزي» الذي نال موافقة البلاط. مثل هذا الشخص يريد أن يكون رسولاً للثقافة في إيران وداعية للتجدد والحداثة بين الناس.

لا علم لي بمدى اطلاعكم على التاريخ المعاصر وكم طالعتموه. ويا حبّذا لو تضعون لأنفسكم منهجاً لاستثمار وقت فراغكم في العطلة الصيفية وتطالعون في الأثناء أيضاً شيئاً من التاريخ المعاصر ومن ضمنه قضية التنباك التي كُتبت بشأنها كتب عديدة.

وأقصد طبعاً الكتب التي ألّفها أشخاص أمناء لأن البعض يأبى الاعتراف بهذه المفخرة الكبرى أو التحدث عنها انطلاقاً من عدائه للدين وللعلماء الذين كان لهم دور أساسي فيها.

وكان الميرزا فتح علي آخوند زاده - من أفق آخر - شبيهاً بالميرزا ملكم خان.. كان آخوند زاده من أهالي خامنه، وقد سمعت عنه الكثير مما يتناقله عنه أهالي تلك المنطقة وبعض أقاربنا هناك. توجه هذا الشخص إلى بلاد القوقاز قبل ثورة اكتوبر وأخذ يقتات على موائد قياصرة روسيا، وقرر على حد زعمه الاستعانة بهم ومكافحة السلطة الاستبدادية في إيران تحت كنفهم. إلاّ ان مثل هذا الكفاح لم يكن مقبولاً ولا قائماً على أُسس وثيقة. وكان أول ما جعلوه غرضاً لهم - وبدلاً من محاربة الاستبداد والاهتمام بالجوانب السياسية - انهم أخذوا يحاربون الدين ومعتقدات الشعب والتقاليد الوطنية الأصيلة، وهو ما سأتحدث عنه لاحقاً.

والمثال الثالث على هذا الاتجاه هو الحاج سيّاح الذي دوّن تاريخ حياته في سفره إلى أوربا. ولا يشك كل من يطالع هذا الكتاب انه تعمد عن سابق قصد، عند الحديث عن أية قضية لأحد رجال الدين الأحرار الكبار دور فيها، طمس اسم رجل الدين وكتمان الاشارة إلى دوره.

هكذا ولد التوجه الثقافي في إيران.

لم تكن أجيال الاتجاه الثقافي اللاحقة في إيران موضع ثقة أيضاً لأنّ أكثر أفرادها كانوا من الأمراء والأعيان. إقرأوا تاريخ حياة عبد اللّه المستوفي الذي كتبه بنفسه في ثلاث مجلّدات، كان هذا الرجل من جملة أولئك المثقفين وكان في الوقت ذاته من الأمراء المتنفّذين في الحكومة القاجارية. لكنه كان بطبيعة الحال شخصية متزنة لا مؤاخذات عليها. وستعرفون إذا قرأتم هذا الكتاب من هم الأشخاص الذين كانوا في طليعة دعاة الثقافة، وحملة لوائها الأوائل الذين عرفوا واشتهروا بها.

وهكذا انتهى العهد القاجاري بدون أن يظهر فيه بين تلك الثُلة من المثقفين الإيرانيين، مثقف وطني غيور وحريص إلاّ من ندر.

ولمّا حل عهد رضا خان وضع مثقفو تلك الفترة من الأساتذة والكتاب والمفكرين الذين كانوا يعتبرون النخبة حينذاك، أنفسهم في خدمة رضا خان، وأخذوا يدافعون عنه بدون أي مبرر؛ فهو لم يكن شخصاً متعلماً ولا مثقفاً ولا وطنياً. والجميع كانوا على معرفة أن رضا خان منفّذ لسياسة الانجليز الذين جاءوا به ورفعوه حتى أوصلوه إلى سدّة الحكم وساندوه ومهدوا له السبيل وازالوا كل العوائق أمامه. ومع كل هذا فقد أضحى المثقفون آنذاك منظّرين يبتدعون التبريرات والمسوّغات الفكرية لأي عمل كان يحلو لرضا خان القيام به.

أود التحدث معكم عن هذا الموضوع لا بصفتي كمسؤول وانما بصفتي كطالب للعلوم الدينية وباعتباري قضيت كل فترة شبابي تقريباً في الأجواء الفكرية التي كانت سائدة يومئذ وكانت لي معرفة وثيقة بالكثير من هذه الوجوه الثقافية المعروفة، أو انني كنت على معرفة بآثارهم، وأعرفهم على وجه الدقّة سواء كانوا شعراء أم كُتاب أم فنّانين. وأريد منكم انتم شباب هذا العهد معرفة الأجواء الثقافية لبلدكم، لأنكم تدخلون في عداد الطبقة المثقفة، وحريّ بكم التعرف على ما كان، وما هو كائن حالياً وما ينبغي ان يكون.

بعد ذهاب رضا خان عام 1320[هـ.ش] حيث تشكلت حينذاك حكومة مثيرة للسخرية انضم بعض مثقفي تلك الحقبة إلى حزب توده. ومن الطريف ان أخلص أولئك المثقفين وأكثرهم صدقاً هم الذين انضموا إلى ذلك الحزب مع علمهم واقرارهم بالتبعية للاتحاد السوفيتي الذي كان له دور في ايجاد ومساندة ذلك التنظيم، فكانوا بمثابة الطابور الخامس الذي يعمل لصالح الاتحاد السوفيتي في إيران.

طالعوا مذكّرات كيانوري وغيره من زعماء حزب توده الذين تهاووا أمام النظام الإسلامي. وقد نشرت هذه المذكرات التي تتحدث عن قضايا ما قبل خمسين أو ستين سنة. وعلى الرغم من احتمال عدم رغبتهم في التصريح بجميع الحقائق ولكن يستشف من بين ثنايا كلماتهم حقيقة ما كان عليه حزب توده يومذاك. ومع كل هذا فقد التقى في ذلك التنظيم أخلص وأصدق المثقفين، وكان من جملتهم المرحوم جلال آل أحمد وخليل ملكي وغيرهم ممن كانوا في بداية الأمر في تنظيم حزب توده.

أنقل لكم عن المرحوم جلال آل أحمد - ولا أتذكر إن كنت سمعت ذلك منه، أم نقله لي عنه أحد الأصدقاء - إذ قد دار أمثال هذا الحديث في لقاء جمعنا واياه عام 1347 عند قدومه إلى مشهد. انه قال: اننا كُنّا نتقدّم في حزب توده من غرفة إلى أخرى بانتظام - وكان مراده انهم يقطعون المراحل والدرجات الحزبية - إلى ان بلغنا مرحلة سمعنا فيها صوتاً يأتي من خلف الجدار، فسألنا أين نحن الآن؛ فقيل لنا: في موسكو، فقلنا لهم: اننا لسنا معكم، وتركناهم وعدنا. أي بمجرد ان شعروا عبر سلسلة المراتب الحزبية ان هذا التنظيم مرتبط بالأجانب خرجوا من صفوفه. وبعد ذلك بادر هو وخليل ملكي وجماعة آخرون إلى تأسيس «القوة الثالثة» التي التفَّ حولها المخلصون. واستمرت الأوضاع على هذا المنوال إلى عهد الدكتور مصدّق تقريباً، وإلى ما بعد أحداث 28 مرداد عام 1332.

بعد واقعة 28 مرداد ساد أجواء الثقافة صمت مطلق من حيث الاعراب عن موقف الإنسان المثقف ازاء السلطة الفاسدة، وتحول الكثيرة ممّن حلّ عليهم غضب السلطة في العشرينات إلى مؤيدين مطيعين في الثلاثينات.

ويتحدث المرحوم آل أحمد في كتابه «خدمة وخيانة المثقفين» عن هذه المرحلة بالذات؛ أي مرحلة الثلاثينات. إذ دوّنه ما بين عام 1343 وحتى عام 1347، وهي السنة التي قدم فيها إلى مشهد والتقيته هناك، ودار بنا الحديث إلى ذكر هذا الكتاب فقال: انه منهمك منذ مدّة بعمل ما. وفهمتُ في ما بعد انه كان مشغولاً منذ عام 1343 بتأليف ذلك الكتاب. كان حينها يريد منّا الحصول على مواضيع كان يتصور اننا نملك معلومات عنها؛ ففهمنا حينها انه كان يؤلف هذا الكتاب الذي صدر بعد وفاته. ولم يكن كتابه ذاك مما يأذن النظام البائد بنشره وانما كان يدخل في عداد الممنوعات القطعية ولم يكن بالامكان نشره بأي حال من الأحوال.

لقد اتخذ جلال آل أحمد مواقف حسنة جداً. لكنه وعلى الرغم من شدّة اعتقاده بالدين وتمسكه بالتقاليد الإيرانية والوطنية وحبّه للأدب واللغة الفارسية وعدائه للغرب والتغرّب، إلاّ انه بقي يفكر ويتأمل ويتحدث بنفس تلك الأجواء والصيغ الثقافية. وهذا هو معنى قولنا ان الثقافة ولدت مريضة في إيران. وبقي ذلك المرض ملازماً لها ومواكباً لمسيرتها إلى أين ما حلّت.

ولكن ما هو ذلك المرض؟ وأين كان يظهر؟ فهذا ما أنقله لكم عن لسان آل أحمد شخصياً. ذكر آل أحمد: من جملة سمات المثقف هي السمات العامّية. ثم قال: وليس المراد من العامية هو التصور الذي يحمله العوام عن المثقف، وانما قد يحمل المثقف نفسه مثل هذا التصور أحياناً. واشار إلى ان تلك السمات ثلاثة:

الأولى: هي وجوب مناهضته للدين والمذهب؛ بمعنى ان المثقف يجب ان يكون مناوئاً للدين.

الثانية: الميل إلى التقاليد الغربية والسفر إلى أوربا وما شابه ذلك.

الثالثة: هي التحصيل الدراسي.

هذه هي التصورات التي يحملها العوام عن الثقافة، وهي خصائص المثقف. أي إذا كان الشخص متديّناً فهو حتى وان كان علامة دهره أو أفضل فنان أو أكبر فيلسوف، فهو لا يعد شخصاً مثقفاً.

ثم يضيف: ان هذه الخصائص الثلاثة التي تمثل تصور العوام عن المثقف هي في حقيقتها انعكاس لخاصّيتين أُخريين يمكن بيانهما بأسلوب علمي أو بلغة ثقافية، وهما:

أولاً: تجاهل التقاليد الوطنية والثقافة الذاتية. وهنا تخرج القضية عن اطارها العامّي وتصبح أمراً حتمياً.

ثانياً: الاعتقاد بالنظرة العلمية المحضة للكون، والربط العلمي بين الظواهر وعمد خضوعها لحقائق القضاء والقدر. ثم يضرب أمثلة لتلك الخصائص.

في حين ان الثقافة بالمعنى الذي صاغه وطرحه الغرب - واقتبسوه هم من الغرب واستوردوه منه - لا يتضمن مثل هذا المعنى ولا يحمل مثل هذا التوجه على أي نحو كان. فلماذا يجب ان يتجاهل المثقف تقاليده الوطنية؟. فالثقافة هي عبارة عن العمل والتحرّك والفعل المرتبط بنشاط الفكر. والمثقف هو الذي يعمل بفكره أكثر من عمله بساعده، وبأعصابه أكثر من عضلاته. ولهذا السبب فهو يذكر في الفصول اللاحقة من كتابه حين يتحدث عن الطبقات المثقفة يذكر، الشاعر والكاتب والمفكر ويبتدئ بهم طبقة المثقفين إلى أن يصل إلى استاذ الجامعة، والطالب الجامعي، والمدرّس والمعلم والصحفي – وآخرهم المحرر الصحفي والمراسل الصحفي - وما إلى ذلك.

ما هو السبب الذي يدعو إلى أن يكون من يعمل بفكره، غريباً أو مناهضاً بالضرورة لتقاليده القومية ولوطنه ولتاريخه؟ أو ان يكون معادياً للدين؟

يمكن استخلاص جواب هذا السؤال من بين ثنايا كلام المرحوم نفسه أو غيره من الكلمات التي تحدثت عن هذا الموضوع. وهو ان السبب الذي دعا إلى ظهور مفهوم الثقافة للمرة الأولى في فرنسا هي الظروف التي كانت فيها فرنسا وأوربا تنتقل من فترة القرون الوسطى نابذة وراءها الديانة المسيحية التي طبعتها الكنيسة آنذاك بالعنف والخرافات وقتل العلماء ومحاكمة المخترعين والمكتشفين وابادتهم أو نفيهم، واتلاف الكتب العلمية. فكان من الطبيعي ان يظهر حينذاك عقلاء يعرضون عن مثل ذلك الدين الحافل بالخرافات وبكل ما لا يرتضيه أي إنسان، ويتوجهون صوب أعمال جديدة ويضعون موسوعة فرنسية جديدة، ويشرعون بأعمال علمية كبرى.

من البديهي ان طبيعة عمل أولئك الأشخاص كانت توجب عليهم الاعراض عن ذلك الدين.

ثم جاء المثقف الإيراني المقلّد في العصر القاجاري حينما أدخل مفهوم الـ«انتلكتول» إلى البلد وأطلق عليه اسم «منوَّر الفكر» أولاً، واسم «المثقف» تالياً – بما يحمله من خصوصية مناهضة للدين - وجعله في مواجهة الإسلام الذي يحمل أفضل الأفكار والمعارف وأمتن الأدلة وأسمى الأخلاق، وكان يؤدي في ذلك الوقت في إيران نفس الغاية التي كان المثقفون الغربيون يطمحون إلى تحقيقها في بلدانهم.

في حقبة من حقب العهد الاستعماري أصبح المثقفون الغربيون يداً واحدة مع الشعوب المُستَعمَرة. فإذا كانت اسبانيا على سبيل المثال، قد استعمرت كوبا وهيمنت على ثروتها - كأن يكون السكّر مثلاً - نجد ان جان بول سارتر الفرنسي يدافع عن شعب كوبا وعن فيدل كاسترو وعن جيفارا ضد الاستعمار الفرنسي، ويؤلف كتاباً اسمه «حرب السكر في كوبا». وبعبارة أُخرى، كان المثقف الغربي في برهة من الزمن يناضل ضد دولته وضد النظام الحاكم في بلده لصالح الشعوب الضعيفة. ولكن من هم الذين كانوا يضطلعون بمثل هذه المهمة في إيران؟

كان يقوم بهذه المهمة في إيران كل من الميرزا الشيرازي والميرزا الاشتياني في طهران، والسيد عبد الحسين اللاري في اقليم فارس، وهؤلاء هم الذين كانوا يحاربون التغلغل الاستعماري. ومن هم الذين كانوا يمهّدون للسيطرة الاستعمارية وعقد المعاهدات الجائرة؟ كان يقوم بهذا العمل الميرزا ملكم خان واضرابه، إضافة إلى الكثير من رجال الحكم القاجاري الذين كانوا يعتبرون في عداد المثقفين.

وهذا يعني ان الأدوار قد بُدّلت. ولكن في الوقت ذاته حلّت محل مكافحة الديانة الخرافية المسيحية، في الثقافة الإيرانية محاربة الإسلام. وعلى هذا الأساس أصبحت احدى خصائص المثقف في إيران مناهضة الإسلام ومعاداته. وكان مما تمخّض عن ذلك بطبيعة الحال ان مثقفي العهد البهلوي لازال اتباعهم من كُتاب وشعراء ومحققين وكُتّاب سيرة، يقتفون على نحو صريح أحياناً نفس تلك الخُطى ويمجّدون شخصاً كالميرزا فتح علي آخوند زاده وكأنهم يمجدون نبياً؛ لأنه ارتمى بسبب عدائه ومحاربته للإسلام في أحضان القياصرة وأقتات على موائدهم وتلقّى العون منهم، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لمّا دخل البلاشفة والشيوعيون بلدة خامنه أطلقوا هناك معزوفة باسم الميرزا فتح علي آخوند زاده.

بما انني لم أقض فترة طفولتي في تلك المنطقة، فقد نقل لي بعض الأصدقاء ممن عاشوا فترة طفولتهم هناك ان قوات الاتحاد السوفيتي لما دخلت على عهد «بيشه وري» عام 1324 و 1325 إلى تبريز وسيطرت على بعض أجزاء اذربيجان وأقامت هناك ما يُسمى بالحكم المحلي - ثم دُمّروا في ما بعد تدميراً تاماً - صنع البلاشفة بعد احتلالهم لتبريز ودخولهم خامنه معزوفة باسم الميرزا فتح علي آخوند زاده. أي ان هذا الشخص كان له أنصار في الحكومة القيصرية، كان له في الوقت ذاته أنصار في الحكومة البلشفية التي أطاحت بالقياصرة. تلاحظون إذن ان هذا الرجل كان ذا شخصية متذبذبة. وإر فما هو القاسم المشترك بين الحكومة القيصرية والحكومة الشيوعية؟

لا شكّ في ان القاسم المشترك بينهما هو العداء للدين والإسلام، وكان هذا الشخص من دعاة مناهضة الدين.

من الطبيعي انكم تعتقدون ان الثقافة بمعناها الحقيقي لا تنطوي على أي عداء للدين ولا للتعبّد. وبإمكان الإنسان ان يكون مثقفاً - بالمعنى الذي ذكره جميعهم للمثقف، أي من ينظر إلى المستقبل ويؤدّي عملاً فكرياً، ولديه توجّه نحو التطور - وان يكون في الوقت ذاته متديّناً ومتعبّداً، وان يكون كالمرحوم الدكتور البهشتي، وكالشهيد المطهري، وكمثل الكثير من شخصياتنا المثقفة المتديّنة التي رأيناها. وليست هناك من ضرورة تدعوه لمعاداة الدين.

ومن المثير هنا حين احتساب عدم التعبّد شرطاً مؤكداً من الشروط الأساسية للثقافة ينتج عن ذلك ان العلامة الطباطبائي الذي يعتبر من أكبر فلاسفة عصرنا ويقصده من فرنسا فلاسفة وشخصيات كبيرة مثل هنري كوربان ويمكثون عدّة سنوات هنا للاستفادة منه، لا يعتبر مثقفاً! أما المتشاعر [شاعر ليس لشعره قيمة تذكر] الذي لا يؤمن بالدين ولا بالتقاليد الإيرانية العريقة، وأمضى عدّة أيام في أوربا وأمريكا فهو مثقف! وكلما كان قد مكث هناك أكثر، فهو أعمق ثقافة! ياله من تعريف مغلوط وياله من جو قبيح أشيع في إيران باسم الثقافة.

وفي الأحداث الكبرى التي مرّت على هذا البلد أدى المثقفون دورهم على نفس هذه السمات والخصائص؛ فلم يند عنهم أي موقف حقيقي معارض على هامش قضية 28 مرداد. من الطبيعي ان واقعة 28 مرداد قديمة جداً بالنسبة لعهدنا وبعيدة عن المتناول. إلاّ ان موقف النظام في تلك الحادثة وقسوته مع المثقفين الذين بدرت منهم أحياناً ميول للدكتور مصدق وللنهضة الوطنية دفع بهم إلى التنحي جانباً وعدم اتخاذ أي موقف مناهض للنظام من قبل مجموع المثقفين. في حين ان واجب المثقف يدعوه إلى النزول إلى الميدان ويكتب وينظم الأشعار ويبث الوعي بين الناس بما يخدم الشعب ومستقبله. إلاّ ان موقفاً كهذا لم يحصل.

أما إذا وصلنا إلى حادثة الخامس عشر من خرداد، وهي أكبر حادثة وقعت في بلدنا في القرن الحاضر، بين الشعب والنظام الحاكم آنذاك، فنجد ان الكلمة التي ألقاها الإمام الخميني بمدينة قم في يوم عاشوراء قد أحدثت ضجّة كبرى، في اليوم التالي وما بعد في طهران، وبدون أية زعامة معيّنة هناك. ثَمَّ وثائق مطبوعة تعكس المحادثات التي أجرتها الحكومة في تلك الأيام لمجابهة تلك الحادثة. لقد أحدثت كلمة الإمام زلزالاً هائلاً وجاء وقع حركته على أشد ما يكون، وأدت إلى استنهاض أبناء الشعب، ثم تلا ذلك نزول قوات النظام إلى الشوارع واطلاق الرصاص على الجماهير، مما أدى إلى اراقة الدماء ومقتل عدة آلاف من الناس الذين لم نتمكن قط من الحصول على احصاء دقيق عنهم.

ذكر جلال آل أحمد في كتابه ذاك «خدمة وخيانة المثقفين»: ان مثقفينا الإيرانيين - قد وصفهم بمثل هذا التعبير على ما أعتقد - غسلوا أيديهم بدماء الخامس عشر من خرداد. أي انهم لم ينبسوا ببنت شفة! هؤلاء هم المثقفون المعروفون وهؤلاء هم الذين كانوا ينظمون الأشعار، ويكتبون القصص، ويدبّجون المقالات، ويطرحون التحليلات السياسية، وهم الذين كانوا يدّعون لأنفسهم زعامة الشعب، وهم الذين كانوا يعتقدون بوجوب قبول الجميع أي رأي يطرحونه هم في صحيفة أو مقالة ما. إلاّ ان هؤلاء جميعاً التزموا الصمت حيال تلك القضية مما يدل على ابتعادهم عن الشعب وقضاياه، وبقي هذا الابتعاد قائماً على حاله.

كانت تصدر عنهم حينذاك بعض المؤشرات الضعيفة بين الحين والآخر، ولكن ما كادت السلطة تبدي سخطها حتى كانوا يتراجعون أمامها. ومن الأمثلة على ذلك ان شخصاً كان معروفاً توفي قبل بضع سنوات ولا أريد هنا ذكر اسمه، ولكنني أذكر اسم كتابه ومن عرفه فليعرفه. كان هذا الشخص قد كتب قبل الثورة مسرحية تحت عنوان «(آ) ممدودة و (ا) غير مدودة» وهو عنوان رمزي يعبّر شطره الثاني - أي الألف بدون مدّة - عن الانجليز، وشطره الأول - أي الألف بمدّة - عن الأمريكيين وقد قرأنا حينذاك تلك المسرحية التي يظهر في المشهد الأول منها عهد التسلط الانجليزي، ويظهر في المشهد الثاني منها عهد النفوذ الأمريكي. وفي كلا العهدين تمارس طبقات الشعب عملها ونشاطها كل من موقعه. أما المثقف الذي يظهر في تلك المسرحية تحت اسم «الواقف على التل» فيبقى بمعزل تام عن مجريات الأحداث، وقد يتفوّه بين الحين والآخر بكلمة، إلاّ انه لا يجازف مطلقاً ولا يزج بنفسه في وسط الأحداث.

بعدما وصلني كتاب تلك المسرحية وأنا في مشهد، تحدثت ذات مرّة للطلبة وللشباب عقيب احدى الصلوات وقلت في سياق كلامي ان الشخص الذي كتب هذه المسرحية هو نفسه «الواقف على التل». وانه في هذه المسرحية قد صوّر نفسه تماماً وكيف انه يعيش بعيداً عن الشعب!.

وعلى هذا الأساس كان أسوء ما يمكن ان تقوم به جماعة مثقفة في إيران، هي الأعمال التي قام بها مثقفونا في الأعوام الخمسة عشر للنهضة حيث ابتعدوا عن الساحة ابتعاداً تاماً. وكانت النتيجة معلومة سلفاً؛ فقد ابتعد عنهم الشعب أيضاً. إلاّ ان عدداً ضئيلاً منهم بقي في الساحة، وكان منهم المرحوم جلال آل أحمد نفسه. وحتى أصدقاؤه وتلاميذه لم يدخلوا الساحة وانما بقوا يتحركون عن بعد.

كانت السجون مليئة بأبناء الشعب من العلماء وطلبة الجامعات وطلبة العلوم الدينية، والعمال والكسبة، وكان أكثرهم من أنصار نهضة الإمام الخميني لأن أعمالهم ونشاطاتهم كانت تثير الرعب في أوصال أزلام السلطة. فهذه الشخصيات البارزة التي تعرفونها جميعاً، دخلت السجون وذاقت أمر ألوان التعذيب لساعات متمادية. أما أولئك السادة فلا!

لا شكّ في ان البعض منهم كانوا يدخلون السجن لأسباب بسيطة؛ لكنهم كانوا يبادرون من ساعتهم لكتابة رسائل يعربون فيها عن ندمهم وتوبتهم. ويوجد حالياً بين الوجوه المعروفة التي تريد ان تصبح عناصر للرجعية الثقافية في وقتنا الحاضر – وهو ما سأتحدث عنه لاحقاً – أشخاص كانوا يكتبون للسلطة رسائل ندم وتوبة، ويبكون ويتضرعون. ونحن نعرفهم حق المعرفة. وهم يعلمون أيضاً اننا نعرفهم. إلاّ ان الشباب لا يعرفونهم. لقد أثبتت تلك الفئة منذ ذلك اليوم وحتى عهد الثورة انها فئة لا يمكن الركون إليها في قيادة الشعب فكرياً.

لقد حدث نوع من التحرّك قبل انتصار الثورة بسنة أو سنتين، وكان سببه ان مدّ الثورة سرى إلى كل الأوساط بما يحمله من ثقل معرفي وعقائدي. وكان الكثير من الأشخاص لا يعتقدون بالإسلام، بيد انهم - وبفضل تلك النهضة - أخذوا يعتقدون به. وكانت الكثير من الفتيات لا يعترفن بالحجاب، إلاّ انهن أخذن في أيام النهضة بارتداء الحجاب بدون أن يأمرهن أحد بذلك. وهذا يعني ان نهضة الإمام عبر امتدادها واتساعها وبلوغها أوجها، ومن خلال اتّخاذها طابعاً كربلائياً وتقديمها للمزيد من التضحيات والشهداء، كانت تكسب المزيد من الأنصار، وينضم إليها المزيد من الدعاة. وكلما كان مدّ الثورة يتسع أكثر، كان ينتشر معه نداء الثورة بما يحمله من دعوة للتديّن والتمسك بالاصول والمعارف الإسلامية، وانضمت إليه مجموعة - أشخاص معيّنون لا أريد ذكر أسمائهم - دخلوا إلى الساحة إلى ان انتصرت الثورة.

بعد انتصار الثورة لم يسقط التيار الثقافي في إيران من الاعتبار، حيث كان هناك تيار ثقافي، إلاّ انه اتخذ في الحقيقة طابعاً جديداً حيث ظهر في عهد الثورة كُتّاب ومحققون وشعراء وناقدون ومحققون ومخرجون وسينمائيون ورسامون وكُتاب مسرحية من كلا الطائفتين اللتين خلقت الثورة عناصر أحدهما، وقلبت ماهية عناصر الأخرى التي كانت موجودة قبل الثورة. وعادت الثقافة تحمل طابعها الوطني الأصيل للمرّة الأولى في إيران بعد ما يقارب المائة عام من بداية التحرك الثقافي فيها، وبات الأشخاص المعنيون بالشأن الثقافي ومن يعيشون في اطار هذه الدائرة؛ من كُتاب وشعراء إلى غيرهم من أصحاب الاختصاصات الأخرى كالفنانين والرسّامين ومن حذا حذوهم، يفكرون للمرّة الأولى كإيرانيين، ويتحدثون كمسلمين، ويقدّمون نتاجاً أدبياً وثقافياً وفنيّاًً يصب في هذا الاطار. وكان هذا عهداً جديداً.

نعم، كان هناك بطبيعة الحال مقاومة من البعض، إلاّ ان التحرّك الثوري الهائل الذي كان كل شيء بمثابة المقدّمة التمهيدية له - واعلموا ان كل فكر وعمل يُعد مقدّمة لمثل هذا التحرّك، كالتحرك الذي انتهى إلى قيام الثورة في بلدنا - عاد على البلد بأوسع العطاء. لهذا هيمن المد الثقافي الإسلامي والوطني بفروعه المختلفة على كافة المجالات فبدأ الموسيقار والملحّن والفنان والأديب والشاعر يفكرون ويعملون على النمط الإسلامي، أو يحاولون على أدنى الاحتمالات ان يكونوا كذلك. وهذه طبعاً ظاهرة حديثة العهد.

كانت الحرب حقلاً خصباً لبروز مثل هذه الطاقات. وأنتم تعلمون ان الأحداث الكبرى والعصيبة التي تمر بكل بلد ومن ضمنها الحرب تؤدّي عادة إلى ازدهار الآداب والفنون فيه. ومن المعروف ان أجمل الروايات وأفضل الأفلام، وربّما أطول الأشعار هي تلك التي اعدت وأُنتجت للحروب وفي أيام الحروب. وهكذا كان الحال في حربنا أيضاً.

لقد اعتُدي علينا في هذه الحرب وتعرّضنا لظلم مرير من دون ان نعتدي على أحد أو نوفّر له ذريعة العدوان علينا، ولم نطلق ولا حتى رصاصة واحدة على الأراضي العراقية. إلاّ ان طبيعة الثورة هي التي دفعتهم للهجوم علينا.

زار أحد الزعماء الوطنيين الأفارقة (أحمد سيكوتوري) رئيس جمهورية غينيا سابقاً، زار إيران عدة مرّات في عهد رئاستي للجمهورية، وكانت احدى تلك الزيارات في أيام الحرب وقال لي حينها: لا تعجبوا من هذه الحرب التي فرضت عليكم. فكل ثورة تهب بوجه القوى الاستكبارية والاستعمارية العالمية المتنفذة فأول عمل تلقاه منهم هو انهم يؤلّبون عليها جيرانها، ولا تعجبوا ان شملكم هذا القانون العام، وإذا كانوا قد هجموا عليكم من طرف حدودي واحد، فأنا قد هجمت عليّ خمس دول من خمسة أطراف حدودية؛ لأن بلدنا صغير وتجاوره بلدان متعددة.

وانما تعرّض بلده للهجوم لأنه كان زعيماً ثورياً جاء إلى السلطة بواسطة الثورة.

لقد شارك الشعب كله في الحرب، وكان دور القيادة فيها دوراً بارعاً، وكانت القيادة سبباً في المشاركة الشعبية الواسعة. وأدّت ظاهرة الالتحاق بقوات التعبئة، وتشكيل الحرس الثوري، والتحرّك الهائل للجيش وما واكب كل ذلك من دعم ومساندة جماهيرية، إلى ايجاد الجو اللازم للرقي بالثقافة في الاتجاه الصحيح.

هذه هي الحالة الغالبة، ولا نقول ان الجميع كانوا هكذا؛ بل فيها استثناء. ففي أثناء الحرب كتب أحدهم قصة عن الحرب، إلاّ ان قصته تلك كانت فيها ادانة لإيران! وهكذا تكون النتيجة عندما يرفض المرء التخلّي عن مواقفه المغلوطة بأي ثمن كان. فما هي المؤاخذة التي تؤاخذ عليها إيران حين تعرضت الأهواز وآبادان وخرمشهر لهجوم عسكري معاد وهبت الجمهورية الإسلامية قيادة وحكومة وقوات مسلحة وشعباً للذود عنها؟

في حين نرى تلك القصة تزخر من أولها إلى آخرها بالانتقاد والاستهزاء بالشعب وبمسؤولي تلك المنطقة. وقد صدرت أمثال هذه الأمور من بعض القدماء أيضاً، إلاّ أن السياق العام لم يكن هذا، النهج العام كان وبقي إلى ما بعد مرحلة الحرب وما تلاها، يسير في الاتجاه الصحيح.

كان هذا تقدماً ورقياً يتطابق مع ما تمليه طبيعة الثقافة في عالم الحركة الثقافية؛ لأن من طبيعة الرُقي السير قدُماً. وهذه هي الحالة السليمة التي تنقذها من ذلك المسار المغلوط ومن تلك الأوضاع السقيمة. بيد ان مثل هذا التحوّل ما كان له ليحدث في ظروف ما قبل الثورة، وانما ظروف الثورة هي التي مهدت له السبيل.

بقيت لي كلمة واحدة أُلخّص فيها الموضوع الذي طرحت هذا البحث من أجله، وتلك الكلمة هي ان عملاً جاداً قد بدء من بعد انتهاء فترة الحرب لاعادة الثقافة الإيرانية إلى حالتها المرضية التي كانت عليها قبل الثورة، أي النكوص والرجوع إلى الوراء والخصام مع الدين ومناهضة المؤسسات الوطنية والأصيلة، والتوجه نحو الغرب والتبعية له بلا قيد أو شرط، والترحيب بكل ما يأتي من الغرب - من أوربا وأمريكا - واكبار كل ما هو أجنبي، واحتقار كل ما هو ذاتي، بما ينطوي عليه هذا المعنى تلقائياً من ازدراء بالشعب الإيراني واستهانة بمؤسساته، وهذا ما ألمس وجوده حالياً.

ولكن من هم الذين يبذلون مثل هذه الجهود؟ من الممكن طبعاً تخمينهم، ولكنني لا أستطيع ان أقدم هنا خبراً قطعياً متيقّناً. لاشك في ان بعضهم ممن لم يؤمنوا باللّه طرفة عين، ولم يعتقدوا بالإسلام ولا بإيران.. لم يرفعوا رؤوسهم في السنوات التي سادت إيران تياراتُ الثقافية الإلهية والإسلامية والدينية والحقيقية والإيرانية – أو سمّوها ما شئتم – وانّما انعزلوا في زاوية أو سافروا إلى الخارج وعثروا هناك على معبودهم وقبلتهم ومعشوقهم. ولم تكن لهذا الشعب ولهذا التاريخ ولهذه التقاليد ولهذه الثقافة اية أهمية لديهم، ومن الطبيعي ان مستقبل هذا الشعب لا أهمية له عندهم. وهؤلاء حتى وان تكلموا أو زعموا أمراً ما، إلاّ ان الماضي لا يحمل دلالة على صدقهم. وهم لا يفكرون بمصالح الشعب وانما يفكّرون بمصالحهم الذاتية.

من المحتمل ان البعض قد يقع تحت تأثير ما يثيرونه من عناوين ومسمّيات رنّانة، كما ويحتمل - ولا أجزم بذلك - ان يكون البعض مسخّرين لهذا الغرض بالأجرة؛ فمن جملة الأمور التي قد تدخل في خدمة المال بكل بساطة هي الأدب والفن والكتابة والشعر. ولا عجب في ذلك؛ فقد كان هناك شعراء كبار امتدحوا بأشعارهم ملوكاً كانوا يستحقون اللعن والهجاء. هناك أشخاص كثيرون دافعوا عن صروح العار والمخازي رغبة في المال والشهوة والمطامع الدنيوية، في حين كان ينبغي لهم البراءة منها. وكما سبق وان أشرت فانَّ كلامي هذا قائم على الحدس والتخمين وليس كلاماً قطعياً ومؤكّداً. وهذا ما يفرض على مثقفينا المسلمين (المتمسكين بالدين) عدم السماح لهم بالعودة بعجلة الثقافة إلى الوراء.

ولا يعني عدم السماح لهم بمثل هذا العمل، ان يقوم الإسلاميون من ساعتهم ويشتبكوا معهم. فالساحة الثقافية لا مجال فيها للتلاكم وانما هي ساحة للفكر وسلاحها سلاح ثقافي، ويجب على الشباب من أصحاب النشاطات الثقافية ان يكون لهم وجود قوي فيها.

أيّها الشباب! عليكم ببناء أنفسكم. فالشعب إذا أراد قطع شوط التقدم والكمال يجب عليه الاستناد إلى قاعدة رصينة في الإيمان والفكر. وإر فان الشعب أو الجيل أو الشاب الذي يريد الانقياد لفئة بعيدة عن الدين والإيمان ولا تعتقد بالقيم الأخلاقية والدينية، ومسايرتها على نهجها، سيجد نفسه قائماً على أساس هش. وسيكون جيل الشباب كما كان عليه في العهد البهلوي من يأس وخواء وميل إلى الفساد والتحلل واستعداد للانحراف. ويتحتم على من يريد انتشالهم من ذلك الطريق وتسديدهم نحو الصراط السوي بذل جهود شاقّة والقيام بحركة كالثورة الإسلامية، لا يتيسر حصولها في هذا البلد على مدى قرن، بل وعلى مدى قرون عديدة.

يجب إذن الحفاظ على الكيان الحالي بجميع الطاقات. ويجب ان لا يسمحوا لزمرة من الأشخاص الذين لم يستطيعوا طوال سنوات متمادية تقديم أية خدمة لهذا الشعب بما لديهم من وسائل وأدوات ثقافية، ولم يقفوا إلى جانبه في اية مشكلة أو قضية مهمة من قضاياه، بل ولم يستطيعوا حتى اللحاق به فما بالك بأن يكونوا سبّاقين أو ان يكون زمام الريادة والزعامة بأيديهم، لا يسمحوا لهم بأن يعودوا إلى البلد ثانية وينشروا ثقافتهم وأفكارهم. وما نشاهده اليوم في بعض الصحف والمجالات والاصدارات الثقافية ينم عن وجود رغبة في العودة إلى الماضي، وإلى الحالة الثقافية السقيمة. وهذه هي القضية الأساسية والمهمة المطروحة على بساط البحث اليوم.

من الطبيعي ان ادعياء الثقافة حينما يريدون التحدث في هذا المجال يجلسون عادة وينمقون الكلمات، زاعمين ان الثقافة لا تنسجم مع الدين. وان الدين إذا حلَّ في بلد، يطغى على كل جوانب الحياة فيه. ومن المؤسف ان المرحوم جلال آل أحمد نفسه وقع في مثل هذا الخطأ التاريخي إذ ذكر في هامش أحد كتبه، بما ان العلماء والكتاب والأدباء أصبحوا إلى جانب الجهاز الحاكم في العهد الصفوي - يعني مثلاً ان ميرداماد جلس إلى جانب الشاه عبّاس - لهذا فقد انحطت الفلسفة والشعر والأدب والفن آنذاك. إلاّ ان هذا التصور مغلوط، فليس هناك عهد أغزر عطاء في الأدب من العهد الصفوي.

لم يكن المرحوم آل أحمد شاعراً، ويبدوا لي انه صرّح بهذا الرأي عن عدم معرفة. ويعود سبب ذلك إلى ان الشعراء المعارضين للأسلوب الهندي القوا في الأذهان رأياً مغلوطاً شائعاً. فالأُسلوب الهندي قد ازدهر في العهد الصفوي وظل قائماً إلى عهد الزندية وأوائل العهد القاجاري. ثم برزت بعد ذلك جماعة يُقال لها (المتجددون) واتحاد أُدباء أصفهان عارضت الطريقة الهندية بشدّة. ومع ان أشعارهم لم تبلغ من الجودة ما بلغته الأشعار المنظومة على الطريقة الهندية، إلاّ انهم على كل الأحوال كانوا معارضين لها. وعلى هذا الأساس أُشيع منذ ذلك الحين ان العهد الصفوي كان عهد انحطاط الأدب.

والحقيقة ان الأمر ليس كذلك؛ فالكثير من الشعراء الكبار من أمثال صائب وكليم وعرفي وطالب الآملي، وهم شعراء كبار قلّما نجد نظيراً لهم في تاريخ الشعر، كانوا من شعراء العهد الصفوي. وقد أورد النصر آبادي في «تذكرة النصر آبادي» أسماء ما يقارب ألف شاعر في عصره في أصفهان مع تاريخ حياة كل واحد منهم. إذن كان في مدينة كمدينة أصفهان ألف شاعر، ولاشكّ في انهم شعراء جيّدون طبعاً.. واشعارهم موجودة، وتذكرة النصر آبادي موجودة أيضاً. فأين ومتى كان لنا مثل هذا العدد من الشعراء؟

وفي الفلسفة، برز الملا صدرا في العهد الصفوي وهو أكبر فيلسوف ظهر في تاريخ الفلسفة الإسلامية. والميرداماد أيضاً برز في العهد الصفوي، وفيه أيضاً برز الفيض الكاشاني العارف الشهير، وكذلك اللاهيجي الفيلسوف والمتكلم المعروف، فما معنى قولهم ان العصر الصفوي كان عصر انحطاط الشعر؟ بل بالعكس كان العهد الصفوي عهد ازدهار الأدب والفن.

المراد من الأدب طبعاً هو الشعر لا النثر. وحتى النثر ازدهر أيضاً ولكنه لم يبلغ تلك الذروة. وكذا الحال في الأعمال المعمارية والفنية؛ فقد كان أفضلها ما أُنجز في العهد الصفوي. لا يمكنكم العثور على امتداد التاريخ على مثيل لمسجد الشيخ لطف اللّه من جهة، وميدان نقش جهان في أصفهان من جهة أُخرى، وغيرهما من الأبنية الأخرى من جهة ثالثة، إلاّ في ما ندر.

في العهد الصفوي لم يكونوا يدخلون الشعراء إلى البلاط حتى يقال انهم كانوا يقدّمون لهم الأموال. وانني هنا لست بصدد الدفاع عن العهد الصفوي، لأننا على طرفي نقيض مع الملوك. والملكية أساساً أمر مستهجن، ولا يمكن لملك ان يكون صالحاً؛ فالملكية تعني التملك والمالكية، ومن يطلق على ذاته سمة الملك – أي الشاه - يتعامل مع شعبه ومع رعيته من منطلق ملكيته لهم. والإسلام يرفض الملوكية أساساً. وسبق لي ان أشرت إلى ان الخلافة والولاية هي النقطة المقابلة للملكية. وزعماء العهد الصفوي كانوا ملوكاً أيضاً وليس بوسعنا الدفاع عنهم.

إذ ان الكلام الذي سبقت الاشارة إليه مغلوط من الناحية التاريخية ولا يمكن القول ان الأدب والشعر قد انحطّا في العهد الصفوي. والاحظ حالياً بعض الآراء تطرح في الإذاعة وفي التلفاز وهنا وهناك انطلاقاً من تلك الاثارات. والحقيقة هي ان العهد الصفوي لم يكن عهد انحطاط أدبي؛ فلم يأت من بعد (حافظ) شاعر يضاهي (صائب) في الشعر الغزلي، ولم يأت من بعد الرودكي شاعر مكثر كصائب الذي له مائتا ألف بيت. وهو طبعاً شاعر مجيد يمكن الوقوف عند شعره والدفاع عنه، وإر فالشعراء العاديون كثيرون.

ويتّضح من هذا انه لم تكن ثمة مدينة تضاهي أصفهان بعدد ما كان فيها من الشعراء والفنانين والفضلاء والفلاسفة والفقهاء.

وعلى كل الأحوال، هذه هي الرجعية الفكرية التي تعني في ما تعنيه، العودة إلى عهد المرض الثقافي، والرجوع إلى حالة ترف المثقفين وتجاهل الأجهزة الثقافية والتيارات الثقافية لجميع القيم والتقاليد الأصيلة ولتاريخ وثقافة هذا الشعب. وكل من يحمل هذه الراية اليوم فهو رجعي حتى وان سمّي مثقفاً وشاعراً وكاتباً ومحققاً وناقداً. والرجعية الفكرية معناها العودة إلى ثقافة ما قبل الثورة بخصائصها وتوجهاتها المعادية للدين وللتقاليد الأصيلة.

أنتم أيّها الجامعيون جزء لا يتجزّأ من الطبقات المثقفة وعليكم التفكير بهذا الموضوع واجالة النظر فيه. ولو انني شئت التوسع بالحديث في هذا المجال لاستغرق الموضوع وقتاً أطول لأن الأمثلة في هذا الصدد كثيرة، والكلام في هذا المضمار ذو شجون، وهناك انتقادات كثيرة لمن كانت لهم آراء في هذا الشأن، ولو انني أردت تناولها بأجمعها لاستلزم ذلك متسعاً من الوقت. إذ انني أوكل البحث إلى فرصة أخرى ومجال آخر.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته