|
كلمة القائد أمام جموع من الشعب
بمناسبة حلول شهر رجب ـ.
21/10/1998
(الموافق: 30 جمادى الثانية 1419 هـ).
بسم الله الرحمن الرحيم
أرحب أجمل ترحيب بالاخوة والأخوات الأعزاء وخاصّة
عوائل الشهداء المحترمة والاخوة والأخوات الوافدين من مناطق نائية، وأرجو ان
تكون مساعيكم وجهودكم واخلاصكم موضع لطف اللّه ورحمته.
شهر رجب عيد أولياء اللّه
نحن اليوم على مشارف الدخول في شهر رجب، وهو شهر
كريم ومبارك، ويُعد هو وشهر شعبان وشهر رمضان عيداً لأولياء اللّه وعباده
الصالحين؛ لأنها موسم المناجاة والتضرع والتوجه إلى رب الأرباب. فالإنسان، في
أيّة برهة زمنية وفي أي شأن من شؤونه الاجتماعية، بحاجة إلى الارتباط باللّه
والدعاء والتوجه والتضرّع. وهذه حاجة أساسية إذ انه بدون الارتباط باللّه يبقى
خاوياً لا جوهر له ولا مضمون. والتوجه إلى اللّه والارتباط به بمثابة روح في
جسم الإنسان الحقيقي وهذا ما يوجب اغتنام كل فرصة تعرض في سبيل توثيق الصلة بين
العبد وربه. وفرصة حلول شهر رجب واحدة من هذه الفرص.
الأدعية دروس تربوية
الأدعية الواردة في هذا الشهر دروس تربوية يجب
معرفتها. ففي الوقت الذي يوصل فيه الدعاء قلب الإنسان بربّه ويشحن نفسه بالصفاء
والمعنوية يسهم أيضاً في هداية وتوجيه فكره وذهنه. فهذه الأدعية دروس. إذا
تأملنا معانيها عثرنا فيها على أثمن هدية معنوية إلهية.
الإنسان بحاجة ماسّة لهذه الدروس. كذلك فإن شهر
رجب وشعبان تمهيد لشهر رمضان، وكلهما مقدّمة لليلة القدر. فيا حبّذا لو يهيئ
شبابنا الأعزاء وعموم أبناء شعبنا قلوبهم في هذا الشهر استعداداً لدخول شهر
شعبان وشهر رمضان.
الفارق الأساسي بين النظام
الإلهي والأنظمة الأخرى
ان التغيير الذي يحصل في النظام الإسلامي ليس
تغييراً سياسياً بحتاً. وهنا يكمن الفارق الأساسي بين النظام الإلهي والأنظمة
الأخرى؛ ففي النظام الإلهي يتغيّر الإنسان معنوياً ويتحول من إنسان مادي إلى
إنسان معنوي وإلهي، وتستحيل النوازع المادية فيه إلى نوازع انسانية وإلهية
نبيلة وسامية. فقد تمكن المسلمون بفضل الحاكمية الإلهية التي استمرت لبرهة
قصيرة في صدر الإسلام، من تغيير العالم على مدى قرون طويلة، وأفاضوا عليه العلم
والحضارة والفكر والعقل والروح والمعنى والمنطق وكل شيء، وانشأوا تلك المدنية
الإسلامية الكبرى، ومهّدوا الأرضية للتقدم البشري في السنين والقرون اللاحقة.
وهذا كله ناجم عن التغيير الذي حصل في ذات الإنسان المسلم في صدر الإسلام.
واليوم أيضاً فانَّ المسلم الحقيقي الذي تغيّر
تغيّراً جذرياً بفضل ارتباطه باللّه وتحوّل إلى انسان ذي نزعة روحانية - لا
بمعنى تجاهله لحاجاته الجسدية والمادية، {ولا تنس نصيبك من الدنيا}. فالدنيا
أيضاً يجب اعمارها، والشؤون المادية يجب تطويرها، والعلم يجب ان يتقدم، والحياة
يجب أن تتسق وينتظم أمرها. ولكنه يجب ان لا يكبل ذاته في اطار قيودها. بل ينبغي
له ان يتغيّر بحيث يَنْدَكُّ في الأهداف المعنوية والمُثل الإلهية الكبرى وسوف
يكون بإمكانه تغيير مجتمعه نحو الأفضل، بل وبإمكانه أيضاً التأثير في العالم
كلّه، وفي مسيرة التاريخ، وفي صياغة مستقبل الإنسانية وهذا ما سيحصل بحول اللّه
وفضله.
والقاعدة والمنطلق الأساسي لمثل هذه المهمة هي ان
يوثّق أبناء الشعب اليوم في ظل النظام الإسلامي علاقتهم القلبية والمعنوية
باللّه تعالى والاستئناس به أكثر. والفرصة المتاحة في شهر رجب وغيرها من الفرص
المباركة الأخرى فرص ثمينة وجديرة بالاغتنام.
اعلموا يا أعزائي ان كل ما أحرزه الشعب الإيراني
حتى يومنا هذا من نجاحات انما جاء بفضل تمسّكه بالقيم المعنوية. هنالك دول أخرى
في العالم تفوق الشعب الإيراني من حيث الجوانب المادية، إلا انها لم تترك أي
تأثير في غيرها من الشعوب الأخرى نظير ما تركه فيها الشعب الإيراني من تأثير
عميق بثورته ومواقفه وإمامه وجهاده وباندفاعه نحو الشهادة. فأنتم قد تركتم في
الشعوب وفي مسار الأحداث للكثير من دول العالم تأثيراً عميقاً جداً بفضل ما
تحملونه من قيم معنوية وهذه المثل المعنوية يجب ان تتكرس أكثر يوماً بعد يوم.
فانَّ عزّة ورفعة الشعب الإيراني وأمله اللامتناهي جاء كنتيجة لتوكله على اللّه
ورجائه به. وهذا ما يزداد شفافية وجلاء وتألّقاً عبر تكريس هذه الصلة الوثيقة
به عزّ وجلّ.
ان كثرة تأكيدنا على الشباب الذين يرمزون في
الوقت الحاضر إلى الصفاء والنورانية، بالتوجه إلى الباري تعالى والتمسك بحبله -
مع انهم اليوم قد تغيّروا كلياً بالمقارنة مع الماضي وأصبحوا ذوي سمة نورانية
وقيمٍ معنوية مضاعفة - فذلك لأننا كلما وثّقنا صلتنا به تعالى، ازداد نصيبنا في
التوفيق والهداية وازدادت قلوبنا نوراً وجلاءاً.
لقد حاول أعداء الشعب الإيراني منذ اليوم الأول
زرع اليأس في قلوب أبناء هذا الشعب وشحن أفكارهم بأجواء قاتمة مظلمة. والموقف
المضاد لمثل هذه المحاولات هو التوكل على اللّه والاعتماد عليه والتضرّع
إليه؛لأن التوكل والاعتماد والتضرع يملأ قلوبنا نوراً، ويضيء الآفاق أمام
أبصارنا.
على الشباب ان يدركوا قدر شبابهم، كما وعلينا ان
نعرف جميعاً قدر فرصة الحياة وفرصة حكم الإسلام في هذا البلد. وحتى الذين لا
يؤمنون بالإسلام تعد فرصة حكم الإسلام فرصة ثمينة بالنسبة لهم. لأن أجواء
النظام الإسلامي زاخرة بالنقاء والصفاء والمعنوية والأنس والمحبة والوئام. ومثل
هذه الأجواء توفّر فرصة ثمينة ينبغي للجميع اغتنامها واستثمارها.
المشاركة في الانتخابات
اصطفاف أمام أعداء استقلال وعزة الشعب
أشير إلى موضوع بمناسبة قرب موعد انتخابات أعضاء
مجلس الخبراء. ويبدو والحمد للّه ان الشعب الإيراني يدرك بوعيه مدى حساسية هذا
الظرف، ويعي كما هو شأنه على الدوام أهمية الواجب الملقى على عاتقه. فالمشاركة
في انتخاب أعضاء مجلس الخبراء تعكس في الحقيقة اصطفافاً أمام أعداء استقلال
وعزة هذا الشعب. وكل من يروم الرفعة والمجد لهذا البلد ولهذا الشعب العزيز عليه
المشاركة في ميادينه الاجتماعية والسياسية التي تجسّد هذه الانتخابات أبرز
مظاهرها. تجري بين الفينة والأخرى انتخابات متفاوتة تعتبر انتخابات مجلس
الخبراء من أهمها. والحمد للّه فقد برهن الشعب في كل تجارب السنوات الماضية على
أنّه على جانب كبير من الوعي والنضوج، ويخيّب كيد العدو في المواقف المصيرية،
ويرفد حركة الثورة بزخم جديد. وفي هذه المرة أيضاً سيكون الموقف بإذن اللّه على
غرار ما سبقه من المواقف، وسيبرهن الشعب الإيراني على عمق وعيه ونضوجه.
وقد أعربت التجمعات السياسية والشخصيات البارزة،
والوجهاء المعروفون بين الناس عن تأييدهم ورغبتهم بشكل أو آخر في المشاركة في
هذه الانتخابات. وانني أتقدم من أعماق قلبي بالشكر لكل من أعرب عن وجهة نظره في
هذا المجال أو اتّخذ اجراءاً معيّناً، أو بيّن للناس قضية. لأن أي موقف في هذا
السياق يساهم في تنمية وتقدّم الشعب الإيراني. وقد تقدّم الكثير من العلماء
والأكابر والفضلاء والاعلام ورشّحوا أنفسهم لهذه المهمة معربين عن استعدادهم
للدخول في هذا الميدان. واني أسأل الباري تعالى ان يكون سعيهم مشكوراً عنده
سواء الذين دخلوا منهم في ميدان الانتخابات أم الذين لم يدخلوه لسبب أو آخر.
وعلى جميع الأحوال فقد أدوا مهمّتهم وعبّروا عن
علو هممهم. وهناك بعض التجمعات السياسية لم تقدّم قائمة بمرشّحيها. وموقفها هذا
لا مؤاخذة عليه في رأينا. وكل من يستطيع الادلاء برأي في هذا المجال فهو يدلي
به أو قد أدلى به. في حين لم ير آخرون أن من واجبهم القيام بمثل هذا العمل،
وهذا الموقف أيضاً لا اعتراض عليه. والمهم هو ان يشارك الجميع وتكون لهم مساهمة
بشكل أو بآخر في هذا العمل الذي يعتبر عملاً للشعب وللبلد وللنظام الإسلامي
وللثورة. وعلى الجميع ان يعملوا كل ما من شأنه تمهيد الظروف أمام أبناء الشعب
يوم الاقتراع ليأتوا إلى ميادين الانتخابات ويدلوا بأصواتهم. والجميع مكلفون
بأداء هذا الاختبار الإلهي.
المهم هو ان تخيب آمال العدو الذي دأب على
التخطيط منذ عدّة أشهر لثني الشعب عن المشاركة في الانتخابات. واعتقد ان أعداء
الشعب الإيراني - أي الاستكبار والأجهزة الخبرية المرتبطة بأمريكا والصهيونية،
ومن يحذو حذوهم - لو علموا ان انفاق المليارات يتيح لهم حجب الشعب الإيراني عن
المشاركة في هذه الانتخابات لما ترددوا في انفاق هذه المبالغ؛ بسبب ما تتصف به
هذه الانتخابات من أهمية بالنسبة لهم. صحيح ان الانتخابات كلها مهمّة، إلا ان
هذه الانتخابات هي الأكثر أهمية في رأيهم.
أهمية مجلس الخبراء
دأب بعض هؤلاء الأجانب على الايحاء بأن الشعب لم
يلمس أي تأثير لمجلس الخبراء! لكن الأمر على العكس من ذلك، إذ بما ان تأثير هذا
المجلس كان مشهوداً، لذلك فهو يلقى كل هذه الدعاية المغرضة من الأعداء. ان أكبر
مهمّة يؤديها مجلس الخبراء هو انه لا يدع منصب القيادة شاغراً. لقد كانت
الأنظار كلها مشدودة إلى إيران متى يفقد هذا الشعب إمامه العظيم؟ وكانت هنالك
آمال معقودة وخطط معدّة لذلك اليوم الذي كانوا يترقبون حلوله منذ عشر سنوات.
وكان يوم الرابع عشر من خرداد عام 1368 (4 حزيران 1989) يوماً مهماً وحاسماً في
رأي أعداء هذا الشعب وأعداء هذه الثورة، إلا ان مجلس الخبراء هو الذي حال دون
حصول هذا الفراغ.
وقضت المشيئة الإلهية ان وقع اختيارهم على شخص
عادي مثلي لينوء بأعباء هذا الحمل الثقيل؛ وكان في الاختيار مدعاة لشعوري
بالخجل. ولكن بغض النظر عمّن وقع عليه اختيار مجلس الخبراء، كان لهذا القرار
بحد ذاته أهمية بالغة لدى الأعداء والأصدقاء وعلى الصعيد العالمي بأسره. بمعنى
ان الشعب الإيراني نكب بفقدان الإمام وانتقاله إلى جوار ربّه ليلة الرابع عشر
من خرداد، ولم يكد يحل مساء ذلك اليوم حتى كان مجلس الخبراء قد انهى مهمّته
مغلقاً بذلك كل أبواب الأمل بوجه الأعداء.
هذا ما شهده الأعداء المستكبرون الأجانب بأم
أعينهم، ودفعهم إلى اتخاذ هذا الموقف العدائي ضد مجلس الخبراء. إذ ان سرعة
اتخاذ القرار وعدم فسح المجال أمام المؤامرات المعادية أمر له أهميته في العالم
ومن ورائه يكمن سبب معارضتهم له. والحقيقة على خلاف ما يزعمون من ان مجلس
الخبراء لم يظهر للعيان أثره، بل بما ان هذا المجلس ظهر أثره وانجز مثل هذه
المهمة الخطيرة في مثل ذلك الموقف العصيب؛ فهم يبدون مناهضتهم له.
مثل هذا اليوم يُحتمل حدوثه في أي وقت كان. فإذا
كان هناك مجلس للخبراء مدعوم بمساندة جماهيرية، ووقع اختياره على شخص ما، فانَّ
اختياره يمثل بطبيعة الحال اختيار الشعب، ولا يقع نتيجة له أي فراغ في القيادة.
وهذا ما لا يريده الأعداء وانما يريدون مجلساً مجرداً من الدعم الجماهيري ولا
يشارك في انتخابه إلا عدد محدود من الناس. فإذا ما دعت الحاجة هذا المجلس يوماً
ما إلى اتخاذ قرار معين تتعالى الصيحات عند ذاك بأنَّ هذا المجلس لا يستند إلى
رأي الشعب.
كان العدو منذ سنة تقريباً يركز نشاطه من أجل هذه
الغاية وفي سبيل صدّ الشعب عن المشاركة في الانتخابات، ولكي لا يكون لمجلس
الخبراء مساندة جماهيرية، ولأجل ان لا يكون هناك - بالنتيجة - دعامة شعبية لمن
سينتخبه المجلس في المستقبل لمنصب القيادة. هذه هي الغاية التي يجري العدو
وراءها. وهذا ما يفرض على الشعب الإيراني طبعاً توجيه صفعة للعدو، وهو ما
سيفعله بعون اللّه. وسيظهر الشعب الإيراني قبضاته كما هو دأبه على الدوام،
وستكون له مشاركة فاعلة في هذا الميدان وفي سائر الميادين.
اقتدار الدولة في المشاركة
الجماهيرية
ان اقتدار أية دولة واية حكومة يقاس بمدى ما لها
من مشاركة جماهيرية. والسبب الذي جعل الجمهورية الإسلامية على امتداد السنوات
الماضية على جانب من الاقتدار السياسي والمعنوي في العالم ومنعهم من المساس بها
يعود أساساً إلى حضوركم أنتم ابناء الشعب في الساحة السياسية. وبما ان العدو
يسعى لتجريد الجمهورية الإسلامية من هذه الصفة، فعلى الشعب ان يأتي بما ينقض
ارادة العدو؛ أي ان يركزوا حضورهم ومشاركتهم في جميع الميادين أكثر فأكثر.
وميدان انتخابات مجلس الخبراء هو أحد هذه
الميادين. واني لأرجو ان يتأهب عموم أبناء الشعب رجالاً ونساءً، وخاصة الشباب
منهم لأداء ما يزرع اليأس في قلب العدو.
إذا أبدى الشعب الإيراني همّة لقضاياه
المستقبلية، على غرار ما أبداه من همّة طوال السنوات المنصرمة - وهو ما سيتحقق
بإذن اللّه - فسيشعر العدو ايضاً وبلا ريب بالضعف والذلة والعجز أمام هذا
الشعب، وسيكون هذا الشعب في موقع الاقتدار، وسيتسنّى حينها للمسؤولين ورجال
الدولة التفرغ لإدارة شؤون البلد. فعندما تكون الحكومة واثقة من المساندة
الشعبية لها يمكنها الانطلاق لإدارة شؤون البلد ببال فارغ من أجل القضاء على
المشاكل واتخاذ ما يلزم من اجراءات. ان ما ينبغي ان يحصل، سوف يحصل بتوفيق
اللّه ورعايته. وهنا تقف ارادة الأعداء في مقابل ارادة الشعب الإيراني الذي
يريد لهذه المهمة ان تتحقق.
أرجو اللّه تعالى ان يعين الشعب الإيراني على
الخروج من كل هذه الاختبارات عزيزاً شامخاً، وان يفتضح خندق الكفر والاستكبار
في العالم على أيديكم أنتم أبناء الشعب الإيراني. وتشملكم بإذن اللّه أدعية
بقية اللّه (أرواحنا فداه).
والسلام عليكم ورحمة اللّه
وبركاته
|