كلمة القائد أمام جموع من أهالي مدن محافظة مازندران

  أيار 1998 (الموافق: محرم 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين المعصومين لا سيّما بقية اللّه في الأرضين.

أحمد اللّه ان وفّقني للوفاء بوعد سابق كنت قد قطعته لكم، أهالي مدينة «آمل» المؤمنين الثوريين، بالقدوم إلى مدينتكم ولقائكم. وانني لأشعر بالبهجة لوجودي بينكم أيّها الإخوة المؤمنون سواء كنتم من هذه المدينة نفسها، أم شرفتم بالقدوم إليها من القرى والمدن الأخرى. والحقيقية انني كنت أخشى ان لا أُوفق للوفاء بوعدي، إلاّ ان الباري تعالى منَّ عليَّ وانجزت ما كُنت قد وعدتكم به.

كانت مدينتكم سواء في الماضي أم في عهد الثورة مدينة متألّقة، ولهذا الشعب المؤمن الناشط تاريخ حافل بالأمجاد. فأهالي مدينة آمل لم يستسلموا أمام السيوف في الماضي، في وقت كانت سيوف الغزاة تتوغل في كل أرجاء العالم يومذاك. إلا انّهم أخذوا نداء الحق والحقيقة عن آل الرسول بما يحملونه من مشاعر مودّة ومحبّة لهم.

هذه البقعة من البقاع المعدودة التي تلقّى أهلها الإسلام من آل الرسول مباشرة وبلا أي وسيط. فهي قاعدة الولاية، وموضع التفات أهل بيت الرسول (عليهم الصلاة والسلام) وموطنكم هذا أُقيمت فيه أقدم الحكومات العلوية، إذ استطاعت شخصيات كبيرة من أهل بيت الرسول عليهم الصلاة والسلام كالداعي الكبير وناصر الكبير ووجوه من السادة الحسنيّين، وبالاعتماد على أهالي هذه المنطقة من رفع راية الإسلام وراية الولاية وراية المعارف القرآنية على هذه الربوع، وارواء أهاليها من هذا الينبوع الزلال. ولهذا السبب برز من هذه المنطقة على امتداد الزمن علماء كبار من فقهاء وفلاسفة ومؤرخون ومن مشاهير العرفاء.

عندما ننظر إلى فهرست المكتبات والمفاخر العلمية في العالم الإسلامي والعالم الشيعي نلاحظ اسم آمل، ولقب الآملي مرّات ومرّات. فقد برز من هذه المنطقة فقهاء وفلاسفة وعرفاء وشعراء وأكابر يمثل كل واحد منهم كوكباً لامعاً في سماء الثقافة والمعارف الإسلامية. ها هنا هي قاعدة الثقافة الإسلامية والشيعية الأصيلة. ونحن نحمد اللّه على ما جعله لهذه المنطقة من بركة.

لا تقتصر بركات اللّه عليكم، على ما لديكم من طبيعة خضراء مزدهرة، وانما هناك ايضاً ازدهار عالم الفكر والذهن والمعنى، بل والأسمى من ذلك هو {والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه}. كما ويوجد اليوم والحمد للّه أكابر تألّقوا من هذه المنطقة، إذ برز من آمل في الوقت الحاضر جوهران نفيسان - وقد حضرا محفلنا هذا - هما سماحة آية اللّه حسن زاده، وسماحة آية اللّه جوادي الآملي، وهناك بحمد اللّه علماء وأفاضل وشخصيات كبيرة في هذه المنطقة استطاعت أن تبرز من بين جميع المتلهّفين للعلم والمعرفة.

حينما ينظر المرء إلى أوضاع ما بعد الثورة يرى ان هذه المنطقة من جملة المناطق التي كانت لها مواقف خالدة في ترسيخ أُسس الثورة، وقدّمت الكثير من الشهداء والمعوّقين قبل الحرب وفي اثناء فترة الحرب وعند التصدّي للعدوان الذي وقع على حدودنا.

والمعنى الأسمى من كل ذلك هو ان أهالي هذه المنطقة من الرجال والنساء قد هبّوا بأجمعهم واتخذوا في مدينتهم ألف موضع قتالي ضد أعداء الثورة الداخلين ممن توهموا انهم قادرون على رفع راية معارضة الإسلام والثورة الإسلامية في هذه المنطقة. والحقيقة هي ان أهالي هذه المدينة قد جعلوا منها حصناً للإسلام وللثورة، فهنيئاً لكم هذا الحصن المنيع وهذا الثبات على النهج.

أود في هذه المناسبة الاشارة إلى ان اقامة حكومة على أُسس القرآن كانت ظاهرة فريدة بعد صدر الإسلام. ولم يتمكن المسلمون من تحقيق ما كانوا يتطلعون إليه في هذا المجال. إلا ان الشعب الإيراني استطاع تحقيق هذه الغاية بفضل الالطاف الإلهية الخاصّة وبفضل الهبة الإلهية التي منَّ بها عليه الباري تعالى في هذا العصر، وأعني بها تلك الشخصية الملائكية المعنوية الإلهية، وذلك الفقيه الحكيم العارف باللّه، والمؤمن المتقي، الإمام الخميني الذي كان وبحق هدية قيّمة لا نظير لها منحها اللّه للشعب الإيراني.

لو لم تكن اقامة الحكومة الإسلامية من صُلب مبادئ الإسلام، أي لو لم يكن الإسلام مقارعاً للجور والشر والفساد، فمن الممكن ان لا يكون له عدو ذو شأن. إلا أنَّ الإسلام لا يكتفي بالدعوة إلى التمسك بالمثل الإسلامية، وانّما يدعو لمجابهة الشر والعدوان في سبيل تحقيق هذا الشعار.

إذا اراد الإسلام تحقيق السعادة لبني الإنسان - وحياة البشرية مرهونة بهذا - لابدّ له من محاربة العوامل والعناصر المعادية للإنسانية، والسائرة في الاتجاه المضاد لسعادة الإنسان، ومعنى هذا ان الإسلام فيه مقارعة وجهاد. قد ورد اسم الشيطان ومفهوم الشيطنة في موارد كثيرة في القرآن الكريم وتكرر ذكره أكثر من كثير من المفاهيم الأُخرى، وذلك لكي لا ينسى الناس الشيطان ووجوده.

إذا نسيتم ان العدو يتربّص بكم، فستلفّكم الغفلة، ويتمكن عند ذاك من إيقاف حركتكم والقضاء عليها، وهذه طبعاً فرصة ذهبية أمام العدو. ولذلك تلاحظون طوال هذه السنوات متى ما تحدث أحد وحيثما كان، عن العداء والأعداء وعن التآمر الاستكباري، وعن عداء أمريكا و"إسرائيل" وبقية الدول المناهضة لحرية وسعادة الإنسان، يوصف من قبل أجهزة الدعاية العالمية بالخطأ ومجانبة الصواب.

تريد تلك الأوساط للشعب الإيراني ان ينسى عدوه؛ لكي تتمكن في ظل هذا النسيان الهاءه بقضايا تافهة وزرع بذور الفرقة بين ابنائه. ولكن حينما يكون شعب ما على وعي بأن العدو متربص له، فلا ينهمك بشؤون يومية تافهة ولا بقضايا من الدرجة الثانية. وحتى إذا كانت لديه بعض المشاكل فهو يضعها جانباً ولو وقتياً على أدنى الاحتمالات. بيد انه حينما يغفل عن العدو، تأخذ القضايا الداخلية الصغيرة أبعاداً كبيرة وتضخم الاختلافات ويتناهش الأفراد فيما بينهم، وتتبلور التيارات المتخاصمة. وهذا كله ناجم عن الغفلة عن العدو.

انتبهوا يا أعزائي، ان أحد المحاور التي يعيرها العدو أهمية كبرى هو الهاؤكم والهاؤنا عن وجوده، لكي ننشغل بالبحث عن عدو لنا من بين أنفسنا، إلاّ ان من يتنبّه إلى ان له عدواً كبيراً يتربص له الفرصة خارج الحدود، لا يأبه اطلاقاً للخصومات التافهة ولا للعداوات الوهمية ولا للتكتّلات الفئوية؛ فنحن لنا أعداء كبار.

الشعار الذي تُنادي به الأمة الإسلامية والشعب الإيراني هو شعار التحرر. ولكن التحرر من ماذا؟ إنّه التحرر من هيمنة المتجبّرين ومن النفوذ الأجنبي ومن تغلغل العناصر التي حيثما تغلغلت جلبت الشر والفساد والفقر والشقاء. لو نظرنا إلى الدول المسمّاة بالدول النامية أو الدول المتخلفة أو ما يُطلق عليها دول العالم الثالث لا تجد أياً منها ذاقت طعم الراحة والسعادة والرخاء من جرّاء تدخل أمريكا وصندوق النقد الدولي واقطاب السياسة العالمية في مقدّراتها. الشعب الحر والمستقل هو الشعب الذي يعوّل على ذاته ويعمل بإمكاناته، ويتحرّك بإرادته، ويسير متضامناً في الاتجاه الصحيح نحو ما فيه صلاحه وضمان مستقبله. ومن الطبيعي ان النجاح يحالف مثل هذا الشعب.

لقد خطا الشعب الإيراني خطوات واسعة وانجز أعمالاً كبرى خلال هذه السنوات التسعة عشر التي مرّت من عمر ثورته المباركة، إلا انه لا زال هناك - بطبيعة الحال - بون شاسع بيننا وبين الغاية النهائية، وهذا ما يفرض علينا بذل المزيد من الجهود. بيد اننا استطعنا وبفضل الانعتاق من الهيمنة الاستكبارية السقيمة والمضرّة ان نعنى بأمرنا؛ فقد تحقق خلال هذه الفترة الكثير من التطور العلمي والازدهار والتحرك الواسع ونال الشعب كرامته وغرس فيه الأمل، فهو إذن قد بُعث من جديد. ويجب أن تتواصل المسيرة على نفس هذا المنوال.

وصف القرآن الكريم بعض الناس في مطلع ظهور الإسلام، بالنفاق، وقال عنهم: {في قلوبهم مرض}. فهم عند الشدائد وحين مجابهة العدو لا تجد لهم أثراً أو قد تجدهم خائفين يؤثرون العافية ويطلبون العزلة {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالّذي يُغشى عليه من الموت} أي نظر من يرى الموت أمامه، يخافون من الموت؛ وذلك لأنهم استشعروا الخطر. ولكن حينما يزول الخطر، وحينما لا يكون ظرف ابراز الجوهر الحقيقي للإنسان، ولا مجال اظهار جوهر الرجولة والجهاد والمجالدة والفداء تراهم يسلقون المؤمنين بألسنة سليطة، وترى السنتهم طويلة ضد شبّان قوّات التعبئة وضد عوائل الشهداء. ومن الطبيعي ان القرآن لا ينظر إلى أمثال هؤلاء الناس بعين الرضا والثناء، وانما يثني على من يصمدون عند الشدائد ويقفون في مقدمة الصفوف حينما يكون هناك خطر يهدد الشعب والبلد. ويشيد بمن يحرصون بكل شرف وشهامة وواقعية على القيام بما ينفع المجتمع حينما يكون ظرف عمل اجتماعي وبناء ومجال دراسة وتربية وطاقات وكفاءات. ونحن نحمد اللّه على أن أمثال هؤلاء الناس في مجتمعنا كثير، وأمثال أولئك قلائل.

أقول وأؤكد وأُكرر مرّة أُخرى، يا أهالي آمل الأعزّاء ويا أهالي مازندران الشرفاء ويا أيّها الشعب الإيراني العظيم، ان بلدكم هذا قد ملأه اللّه تعالى بالنعم المادية والمعنوية، وله ثقافته وتاريخه، وفيه طاقات وامكانيات لا تعد ولا تُحصى. وأنتم قادرون بل وخليقون بأن تكونوا شعباً تقتدي به بقية الشعوب.

كانت في عهد حكومات الطواغيت ثمة معوقات تقف على طريق تفجّر وازدهار هذه الطاقات، غير ان ثورتكم العظيمة أزالت تلك المعوّقات، وأضاء الإسلام العزيز الطريق بواسطة الأنوار الباهرة للآيات القرآنية، فانطلقتم على هذا الطريق وقطعتم فيه خطوات كبيرة. ومع ان أعداءكم يتربّصون لكم، إلاّ أنكم إذا شئتم يمكنكم قطع هذا الشوط، مثلما شئتم حتى الآن وقدرتم.

هناك شرطان اساسيان لابدّ منهما في سبيل قطع هذا الشوط، أولاً: الحفاظ على وحدة الكلمة، وثانياً: عدم الانقطاع لحظة واحدة عن تعاليم الإسلام والقرآن. فإمامنا العزيز لم يكتف بالتوجيهات التي كان يبدي بها في أيام حياته، بل خلّف من بعد رحيله وصيّة قيّمة لو انكم نظرتم إلى ما فيها - وأنا أحضّ الشباب خاصّة بالرجوع إليها والتأمل بما ورد فيها - لوجدتموها تنطوي من أولها وحتى آخرها على نقطتين بارزتين هما: أولاً: التمسك بالإسلام والمثل الإسلامية واتباع تعاليمه التي تقودكم نحو السعادة، وتوجهكم نحو السبيل الصواب، وثانياً الاتّحاد والتلاحم. يحاول العدو تخطئة كل صوت يشير إلى ان لهذا الشعب عدواً يتربّص له. وغرضه من ذلك هو الايحاء لأبناء الشعب ولهؤلاء الشبّان المخلصين المؤمنين الغيارى بأن يكونوا مطمئني الخاطر بعدم وجود عدو يتحدّاهم.

وحينما تشعر جماعة ما بعدم وجود أي خطر يهددها من الخارج، تبحث في داخلها عن عداءات وهمية وتافهة وفئوية، ومن هنا تأخذ الاختلافات بالظهور والنمو.

لكن الحقيقة هي أن لنا أعداء ألدّاء يتربصون الدوائر بهذا الشعب وهذا البلد وهذه الثورة. إلا انهم مع ما لديهم من قوّة ظاهرية لا يستطيعون القيام بأي عمل معادٍ لنا، إلا ان هذا لا يوجب علينا الغفلة عن وجودهم.

وصيتي لكم يا أعزّائي هي ان لا تتصوروا ان العدو يأتيكم على الدوام من الحدود الجغرافية، فالحدود الجغرافية مغلقة بالكامل ولم يخرقها أحد. ولكن العدو قد يأتي عبر الحدود الثقافية ويحدث ثغرات في الحصون العقائدية. ولهذا يجب عليكم اليقظة تجاه هذا النمط من العداء أيضاً؛ لأن يقظتكم تمهد السبيل نحو سعادة هذا الشعب.

اسأل اللّه ان يوفقكم أيّها الشباب .. أيّها المؤمنون .. أيّها الغيارى.. أيّها الأحرار من الرجال والنساء جميعاً.

لم أكن موقناً بقدرتي على التحدث معكم هذا القدر، ولكني أحمد اللّه أن حالتي تحسّنت برؤيتكم واستطعت أن أتكلم. وأكتفي بهذا القدر من الحديث وأدعو ببعض الادعية.

اللّهم بحق محمّد وآل محمّد احينا وامتنا في خدمة الإسلام.

اللّهم انا نسألك أن تعزّ الإسلام والمسلمين، وان تنصر الشعب الإيراني وتدحر أعداءه، واجعل الأرواح الطيبة للشهداء في أعلى علّيين واشملهم برحمتك واحشر إمام الشهداء مع الأئمة المعصومين.

اللّهم وفّق هذا الشعب للسير على سبيلك، ورسّخ اللّهم عرى الوحدة والتلاحم بين أبناء هذا الشعب. واجعل الإسلام العزيز أكثر مجداً وعزّة بين ابناء هذا الشعب يوماً بعد آخر.

اللّهم أحيي جميع مسلمي العالم بالإسلام، واجعلهم في خدمة الإسلام. وتفضل على جميع الأمّة الإسلامية بنعمة الحياة الإسلامية الطيبة.

اللّهم اجعل السرور والرضى في قلب إمام الزمان، بنا وعنّا، واجعلنا من جنده في حضوره وغيبته. واجعل موتنا شهادة في سبيلك.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته