كلمة القائد أمام جموع من طلبة الجامعات والمدارس

 بمناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع) واليوم الوطني لمقارعة الإستكبار العالمي 

 3/11/1998    (الموافق: 13 رجب 1419 هـ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

بمناسبة ذكرى ولادة مولى المتقين وسيد الأحرار وأمير المؤمنين، علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، أهنئكم أيّها الحضور الكرام المشاركين في هذا اللقاء، وأهنئ الشعب الإيراني وجميع الشعوب الإسلامية وكل أحرار العالم. لقد تزامن هذا العيد الكبير في عامنا هذا مع يوم احتلال السفارة الأمريكية الذي عرف في أوساط شعبنا كيوم وطني واشتهر باسم يوم مقارعة الاستكبار العالمي.

 

أمير المؤمنين (ع) شخصية معنوية خارقة

لو شئنا الاكتفاء بإيراد بضعة جمل بحق شخصية أمير المؤمنين وأعرضنا عن ذكر التفاصيل عن هذه الشخصية التاريخية الاستثنائية العظيمة - وهي تفاصيل لا تستوفيها الكتب - لقلنا ان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل في عداد الشخصيات المحبوبة اليوم وبالأمس، ليس بين الشيعة فحسب وانما بين المسلمين كافة، بل وبين أحرار العالم قاطبة حتى من غير المسلمين، وقلما تجد شخصية كبرى حتى بين الأنبياء الإلهيين حظيت حتى بين غير أتباعها ومريديها بمثل ما حظيت به شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) من الثناء والتمجيد.

لا شكّ في أن معرفتنا ضئيلة ورؤيتنا قاصرة،وإلا فهو (عليه السلام) ذو شخصية معنوية خارقة. ونحن غير قادرين على استكناه كل أبعاد شخصيّته على الوجه الصحيح، وخاصة الجوانب المعنوية والإلهية منها، وهي جوانب يتعسر فهمها حتى على الكثير من أولياء اللّه. بيد ان الأبعاد الظاهرية لشخصيته كان لها من الجذابية والروعة ما جعلها تنال الاعجاب والحب حتى لدى من لا يفهمون القضايا والأبعاد المعنوية للشخصيات الإنسانية وأولياء اللّه.

كان أمير المؤمنين يتصف في مختلف أدوار حياته؛ سواء في مقتبل شبابه؛ أي في أوائل بعثة الرسول الكريم، أم في عنفوان شبابه؛ أي في الفترة التي وقعت فيها الهجرة إلى المدينة - وكان حينها شاباً في العشرين ونيّف من العمر - أم في مرحلة ما بعد رحلة الرسول (ص)؛ حينما واجه تلك الابتلاءات والمحن العسيرة، أم في السنوات الأخيرة من حياته، أي في السنوات الخمس الأخيرة من عمره حين أخذ بزمام الخلافة وتصدّى للمسؤولية، كان طوال هذه الخمسين سنة تقريباً، يتصف بخصائص بارزة يمكن للجميع - وخاصة الشباب - استقاء الدروس منها.

 

خصائص أمير المؤمنين (ع)

غالباً ما تحمل الشخصيات التاريخية العظمى بعض الخصائص منذ شبابها، بل منذ صباها أو انها تخلق تلك الخصائص في ذاتها. ان بروز الناس الكبار والمرموقين تقوم عادة على جهود طويلة المدى، وهذا ما نراه في حياة أمير المؤمنين. فأنا ألاحظ من خلال استشراف المسار العام لحياته المليئة بالمنعطفات أنه كان يتحلى منذ مطلع شبابه وحتى شهادته بصفتين هما البصيرة والصبر (اليقظة والثبات)، فهو لم يقع ولا حتى لحظة واحدة فريسة للغفلة وسوء الفهم والانحراف الفكري أو الخطأ في فهم الحقائق. فمنذ أن خفقت راية الإسلام بيد الرسول (ص) انطلاقاً من غار حراء في جبل النور وجرت على لسانه كلمة «لا إله إلا اللّه»، وصدح مبشراً بالنبوّة والرسالة، استطاع علي بن أبي طالب تشخيص هذه الحقيقة الوضّاءة وثبت على موقفه ذاك وألف كل ما نجم عن ذلك الموقف من مشاكل وصعوبات. فان تطلب جهداً، بذل له جهده، وان تطلّب حرباً حارب من أجله، وان استلزم تضحية، وضع روحه على طبق الاخلاص ونزل إلى الميدان، وإذا استدعى عملاً سياسياً ونشاطاً ادارياً وحكومياً، ادّاه خير أداء. ولم يكن في معزل عن الوحي والبصيرة حتى لحظة واحدة.

الصفة الثانية هي الصبر والثبات؛ فقد تمسك وثبت على هذا الصراط المستقيم. ولاشك في أن الصبر والثبات والجهد الذي لا يعرف الكلل وعدم مطاوعة الأهواء النفسية التي تميل بالمرء إلى التكاسل وترك العمل، تعد صفات بالغة الأهمية.

 

وجوب استلهام الدروس من أمير المؤمنين (ع)

أجل، إن عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) غير قابلة للتقليد، وشخصيته لا يمكن ان تقارن بها شخصية أخرى. وكل شخصية عرفناها في بيئتنا أو في تاريخنا إذا أريد مقارنتها بشخصية أمير المؤمنين تكون كمقارنة ذرّة بالشمس - إذ لا وجه للمقارنة بينهما - بيد ان هاتين الصفتين اللتين كانتا في أمير المؤمنين (عليه السلام) يمكن تقليدهما والاحتذاء بهما. فلا يمكن لقائل ان يقول إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحمل صفتي الصبر والبصيرة انطلاقاً من كونه أمير المؤمنين. فعلى الجميع السعي لاكتساب هاتين الصفتين والتقرب بهما - كل حسب همّته وكفاءته - من أمير المؤمنين (عليه السلام).

اعلموا يا أعزائي أن كل مشكلة يقع فيها الأفراد أو الجماعات ناجمة عن واحدة من هاتين الصفتين؛ اما انعدام البصيرة وامّا انعدام الصبر. فإمّا انهم يغفلون ويعجزون عن تشخيص الحقائق وفهمها، واما أنهم مع فهمهم لها يعجزون عن الصمود بوجهها.

ولهذا السبب نجد تاريخ البشرية حافلاً بالمحن الكبرى للشعوب، وطافحاً بغلبة الأقوياء على الشعوب الغافلة والعاجزة عن الصمود وذلك نتيجة لوجود واحدة من هاتين الصفتين أو كليهما معاً. فقد تمر على بعض الشعوب عشرات أو حتى مئات السنين تبقى خلالها رازحة تحت سيطرة قوّة كبرى. ولكن لماذا توجد هذه الحالة؟ ألم يكن لشعوبها شعور انساني؟ بلى، كان لهم ولكنهم اما كانوا يفتقدون البصيرة، أو أنهم إذا كانت لهم بصيرة، لم تكن لهم قدرة على الصبر. أي انهم كانوا يفتقدون اما للوعي أو للقدرة على الثبات والصمود.

وكلما أوغلنا في العهود التي سبقت الثورة ندرك مدى فداحة المحنة والذل والتعاسة وشتى ألوان الضغوط التي كانت تمارسها الطبقات الحاكمة والسلطات المستبدة، ومدى الغطرسة والاستخفاف الذي كانت تمارسه القوى الأجنبية في بلدنا. لقد مرّت على هذا البلد عهود من السيطرة البريطانية تارة، والروسية تارة أخرى، ثم كلاهما معاً تارة ثالثة، ثم أخيراً السيطرة الأمريكية وكان كل ما تقرره تلك القوى يجري على هذا الشعب. في وقت كان شعبنا هو هذا الشعب نفسه ويتصف بنفس هذه الطاقات والكفاءات التي ازدهرت اليوم وأشرقت لدى شبابنا كإشراقة الشمس والكواكب. إلا انّه كان حينذاك على قدر ضئيل من البصيرة والصبر بسبب وجود الحكومات غير الكفوءة وما كانت تشيعه من تربية مغلوطة. وحينما ظهرت بين أبنائه شخصيات واعية فاهمة حكيمة، وظهر شخص كالإمام الخميني نفخوا في هذا الشعب روح البصيرة وحفّزوه على الصبر وأشاعوا بينه مفاهيم {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. فنجم عن ذلك انبثاق هذا البحر الهادر ووضعت نهاية لحقبة تاريخية مليئة بالذلة والمحن، وقُطع دابر التسلط الأجنبي على هذا البلد.

إذا نظرتم اليوم إلى الأفق السياسي في العالم، ورأيتم شعباً لا وجود للتسلط الأجنبي عليه، فذلك هو الشعب الإيراني. وإذا وجدت عدة دول وشعوب تحمل مثل هذه الصفة، فلابد وان إيران والشعب الإيراني يحتلان مركز الصدارة بينها. ويعود سبب ذلك إلى أن أبناء هذا الشعب وشبابه ومسؤوليه وقادته استلهموا درس البصيرة والصبر من أمير المؤمنين (عليه السلام). إذن فهاتان الخاصيّتان على هذا القدر من الأهمية. كما ان الذين يمسكون بزمام القوى السياسية السلطوية ويترأسون الشركات الاقتصادية ويديرون الأجهزة الدعائية السرطانية والشبكات الاعلامية النفعية الهائلة، انما يسيطرون على الشعوب الأخرى بواسطة واحدة من هاتين الخاصيّتين، أو يحاولون سلبها بصيرتها وابقائها في حالة سبات وغفلة. وإذا لم يتأت لهم سلبها بصيرتها كلياً، يحاولون على الأقل سلبها تلك البصيرة في مورد معيّن وفي قضية خاصة تحظى لديهم بالأهمية، أو يحاولون ان يجعلوها عاجزة عن الصبر والتحمّل.

 

سبب عداء الاستكبار العالمي للثورة الإْسلامية

وقد تصاب الشعوب والجماعات احياناً بفقدان الصبر اثناء سيرها على النهج الصائب، وهي حالة مبعثها التلقين؛ أي ان هذه من الأشياء التي يمكن تلقينها للشعوب. ويجب ان تعلموا أن الشبكات الدعائية تنفق اليوم المليارات من أجل تلقين الشعوب هذه المفاهيم وجعلها إما عاجزة عن التشخيص السليم أو مسلوبة القدرة على الصبر والصمود. والسبب الكامن وراء عداء الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا، للثورة الإسلامية وللجمهورية الإسلامية هو انها طرحت ومهدت الأجواء لوعي عالمي شامل. ولعلكم سمعتم المحللين السياسيين الأمريكيين يصرحون في الندوات التخصصية وفي الجلسات الخاصة ان أكبر مشكلة تواجهنا اليوم هي الثورة الإسلامية. ولكن لماذا يعتبرونها أكبر مشكلة في حين أنها لا تتعدى ان شعباً اختار لنفسه طريقاً غير الطريق الذي تريده هذه الدولة المتجبّرة؟ وأين تكمن المشكلة هنا؟ تكمن المشكلة هنا في ان الاستكبار يستغل غفلة الشعوب. وحينما ارتفع في بقعة ما صوت نشر الوعي في العالم، وأيقظ الشعوب؛ فاختارت طريقها ووجدت أمامها تجربة عملية في مسارها، فمن الطبيعي ان تصبح تلك البقعة عدواً للسياسات التي تستهدف ابقاء الشعوب في سبات وغفلة.

أجل، هذه هي الحقيقة؛ إذ تسبب شعب إيران والثورة الإسلامية والنظام الإسلامي في نشر الوعي بين الشعوب الأخرى. فقبل ان تنبثق هذه الثورة الكبرى وقبل ان يتحرر الشعب الإيراني وينزل إلى الساحة بكل هذا النشاط والقدرة، لم تكن الكثير من الشعوب تطالب بالاسلام وترفع صيحات العداء لأمريكا وتعبّر عن رفضها واستنكارها للتدخل الأمريكي في بلدانها، كما هو شأنها اليوم، بل كانت تعيش مطأطئة الرأس. وإذا ما ظهر فيها رجل مثقف أو عالم ودعاها إلى ما فيه مصلحتها، كانت ترد عليه دعوته وتعلن عن عدم امكانية الانعتاق من قبضة التسلط الأمريكي. أي انها كانت تعيش في حالة يأس تام. فجاءت الثورة الإسلامية وقشعت غيوم اليأس من أفق حياة وبصائر الشعوب؛ فاستيقظ الكثير منها، ووجدت أمامها أبواب الأمل مشرعة واتجه شبابها نحو الإسلام.

ولكن ما هو الضرر الذي يلحق بالاستكبار من جراء توجه الشعوب نحو الإسلام؟ ولجواب واضح طبعاً لأن الإسلام يعارض تسلط قوة استكبارية على شعب مسلم. والدين الإسلامي لا يبيح مثل هذا، كما هو الحال في إيران الإسلامية.

اعلموا أيها الشباب الأعزاء أن البلد الذين تعيشون فيه لا يخضع لأي تسلط أجنبي - لا أمريكي ولا غيره - لا على سياسته ولا على حكومته.

كان سفراء أمريكا وبريطانيا فيما مضى يفرضون إرادتهم على زعماء هذا البلد وكانت مطالبهم تُنفّذ حينذاك حسبما يشاؤون. فلو كان لدى السفير الأمريكي آنذاك رأي في أهم القضايا العالمية أو الداخلية كان يعلن رأيه لمحمد رضا بهلوي شاه إيران، أو لرئيس الوزراء أو لأي وزير، وكان من المستحيل ان لا ينفذون له ما يريد، حتى وان كان يتعارض مع مصالحهم الشخصية. إذ انهم كانوا مضطرين لذلك. وهم حتى وان تشبثوا هنا وهناك وحاولوا التملّص من تنفيذ مشيئة ذلك السفير، إلا انهم كانوا يضطرون لتنفيذها في نهاية المطاف. هكذا كان التسلط الأجنبي على هذا البلد.

حينما كانت مدة اتفاقية النفط بين إيران وبريطانيا على وشك الانتهاء عقد عدّة وزراء في عهد بهلوي الأول اجتماعاً نظموا فيه اتفاقية تراعي مصالح ايران إلى حد ما، وعندما دخل رضا بهلوي إلى جلسة مجلس الوزراء ذهب وتناول مسودة تلك الاتفاقية من أمام الوزير المعني وألقاها - أمام عينه - في المدفأة وأحرقها. ويعود السبب في ذلك إلى أن السفير البريطاني كان قد اجتمع به على انفراد وبيّن له ما يجب عليه ان يقوله لذلك الشخص، ولذلك عمد الشاه إلى إحراق ما فيه أدنى ضمان لمصالح إيران، وهو ما لم يكن الأجنبي مستعداً لتحمّله.

لقد انقضى العهد البهلوي في هذا البلد على هذه الشاكلة. وكانت مصالح الشعب تتقرر خلال حقبة من الزمن في ضوء المصالح البريطانية، ثم في الحقبة التي تلتها؛ أي على مدى الثلاثين أو الأربعين سنة التي سبقت انتصار الثورة، في ضوء المصالح الأميركية. وإذا كانت المصالح الأمريكية في موضع ما أو معاملة ما، كان من المستحيل ان يتصرف المسؤولون بما يتعارض معها، وانما كانوا يتصرفون وفقاً لها. وعندما جاءت الثورة نسفت كل هذه المعادلة المغلوطة وهذه العلاقة المهينة المذلة.

بعد احتلال السفارة الأمريكية، كثيراً ما كان الأمريكيون يعبّرون عن استنكارهم لهذا العمل قائلين إنه إهانة لهم وفيه تخط للحدود الدولية. قد يتصور البعض ان وكر التجسس الأمريكي الذي احتله طلبتنا، كان سفارة حقاً وحقيقة. في حين أنها في الواقع لم تكن كذلك. فبعد الثورة تصرف هذا الشعب ونظام الجمهورية الإسلامية بمنتهى المداراة مع الأمريكيين؛ ففي أول الثورة قبض الشعب بسبب شدّة حنقه على الأمريكيين، على عناصر من السفارة وجاء بهم إلى مدرسة الرفاه وعلوي التي كان يقيم فيها الإمام، فأمر الإمام حينها بإطلاق سراحهم، ووفروا المستلزمات لمن كان يريد الخروج من البلد ليخرج بسلام، وخرجوا من غير ان يتعرض لهم أحد. إلا أن أمريكا لم تكف عن ممارساتها، وانما كانت تحوك في الأشهر الأولى للثورة في كل يوم مؤامرة جديدة، وكانت في كل يوم تظهر عداءها لهذا الشعب على نحو من الأنحاء. وكان رد الفعل المناسب على تلك الممارسات ان هب شبابنا واحتلوا السفارة الأمريكية واحتجزوا عناصرها مدّة من الزمن ثم أطلق سراحهم لاحقاً وانتهى الأمر، وقُطعت العلاقات مع أمريكا.

 

السياسة الامريكية قائمة على التآمر والعدوان

وعلى هذا الأساس، كانت السياسة الاستكبارية الأمريكية منذ اليوم الأول للثورة الإسلامية قائمة على التآمر والعدوان. وكانوا على يقين طبعاً من انهم سيقضون على النظام الإسلامي وثورته خلال مدّة وجيزة. إلا انهم أساءوا فهم الأمور إذ أنهم لم يعرفوا الشعب والإسلام ومسؤولي البلد والثورة حق المعرفة. ولا زالوا إلى يومنا هذا يسيئون فهم الأمور.

وعلى الرغم من ان المسؤولين الأمريكيين أخذوا يتحدثون اليوم بلهجة مرنة تختلف في الظاهر عما كانت عليه في الماضي، إلا ان حقيقة الأمر لم تتغيّر لأنهم لا يقنعون بأقل من التسلط على سياسة هذه الدولة وثرواتها الاقتصادية، ويطمحون إلى اعادة بسط نفوذهم مثلما كان عليه قبل الثورة. ومن الطبيعي انهم لا يصرحون بهذا في الوهلة الأولى، إلا ان غايتهم الأساسية هي هذه. وهم يعارضون مبدأ قيام حكومة إسلامية يتمخّض عنها وعي الشعب وصموده. وكل ما يؤدي إلى يقظة الشعوب يواجه بالعداء من قبل الاستكبار - أي استكبار كان - وعلى رأسه اليوم الاستكبار الأمريكي؛ لأنهم يعارضون أساساً وعي ويقظة الشعوب. وكل ما يهب الشعوب الثبات والصبر والصمود يكون في رأيهم كريهاً ومبغوضاً.

ان الإسلام يربّي الشباب على الصلابة والصمود. وهذه حقيقة ثبتت خلال تجربة السنوات الثمانية من الحرب، وفي أحداث الثورة ذاتها. لقد لاحظوا كيف ان حب الإسلام يدفع بالشباب إلى الصمود في الساحة، ويمنحهم روح الثبات بوجه السد الفولاذي للعدو، والذي يبدو في الظاهر وكأنّه سد منيع، إلى ان ينهار ذلك السد. وهذا ما شاهدوه بأم أعينهم، ولذلك نجدهم يناصبون الإسلام العداء.

 

قطع العلاقات ضمان كامل لمصلحة الشعب

كثيراً ما يشيع الأمريكيون في دعاياتهم انَّ قطع العلاقات بين إيران وأمريكا يضر بمصالح الشعب الإيراني. والحقيقة بالعكس تماماً، ففي قطع العلاقات ضمان كامل لمصلحة الشعب الإيراني. فهذه حربة اعلامية صدئة يراد منها الايحاء بان أي شعب من الشعوب إذا كانت له علاقات مع أمريكا، فان كل مشاكله المادية والاقتصادية تنحل تلقائياً. ومثل هذه الإيحاءات لا نصيب لها من الصحة. لقد كانت بعض الدول الساذجة تصدّق بهذه المزاعم يوماً ما، بيد ان التجارب التي حصلت في مختلف أرجاء العالم أثبتت عكس هذا. ففي الجزائر كان الشعب يعاني من مشاكل اقتصادية يطول شرحها، فأوحوا إليهم ان العلاقات مع أمريكا قادرة على حل هذه العقد. فانطلقت الحكومة الجزائرية في هذا الاتجاه. فماذا كانت النتيجة؟ انكم تشاهدون اليوم ما يجري في الجزائر. فهنالك حكومة عسكرية تعيش في معزل عن الشعب، وتقمع الحركة الشعبية والإسلامية بشدّة. وكانت الصحف ووسائل الاعلام الأخرى تطالعنا إلى قبل بضعة أشهر بأخبار المجازر الفظيعة التي كانت ترتكبها عصابات مجهولة الهوية تغير على القرى أو على أحياء العاصمة وتقتل كل بضعة ايام عشرين أو خمسين أو مائة من أبناء الجزائر الأبرياء.

كتب الإمام الخميني في الرسالة التي بعثها إلى الرئيس السوفيتي السابق قائلاً: إنكم تنتهجون في بلدكم سياسة جديدة فإياكم والتوجه إلى الغرب وإلى أمريكا على النحو الذي يتيح لهم التسلط على شؤون بلدكم. بيد أن هذه التوصية لم تؤخذ مأخذ الجد. وها أنتم تلاحظون الأوضاع التي يعيشونها اليوم هناك. إذن فالعلاقات مع أمريكا تلاحظون نتائجها على الصعيد الاقتصادي فيما يجري اليوم في روسيا. وهناك دول كثيرة لا أذكرها بالاسم، لها علاقات وطيدة جدّاً مع أمريكا إلا ان أوضاعها الاقتصادية متردية إلى ما دون درجة الصفر، وقيمة عملتهم الوطنية متدنية جداً. وهذه كلها تجارب أمام الشعب الإيراني.

إذا أراد الشعب الإيراني اصلاح أوضاعه المادية والاقتصادية - وهو ما سيفعله بلا أدنى شك - فذلك منوط بعزمه وارادته وهمته، وبسعيه بكل فئاته وطبقاته، وبتعاونه مع الحكومة، وبدعمه للمسؤولين، وبشجاعته في الاقدام، وعدم الاستجابة لسياسة الدول الأجنبية، وعدم التأثر بالاعلام الأجنبي. هذه هي العوامل التي تقود إلى اصلاح وضع البلد، لا العلاقات مع أمريكا، ولا الانصياع لمنطق المتسلّطين الذين جربنا العلاقة معهم في هذا البلد، لسنوات طويلة. ولن ينخدع الشعب الإيراني بمثل هذه الدعايات المعادية الماكرة.

على الرغم من أنكم لم تعيشوا - أيّها الشباب الأعزاء - العهد الذي أمضينا فيه شطراً مديداً من أعمارنا ولمسنا فيه بكل وجودنا المصاعب والآلام وأنواع الاحتقار للشعب الإيراني، إلا انكم تستطيعون معرفة وادراك ما كان يجري على هذا الشعب يومذاك.

فقد جرّب الشعب الإيراني علاقات الصداقة مع أمريكا لعشرات السنوات، حتى تحول هذا البلد إلى ملاذ آمن للصهاينة والرأسماليين الأمريكيين الذين كانوا يأتون إلى هنا لأجل المتعة والاستجمام، لا لأجل نقل التكنولوجيا والعلوم إلى هذا البلد ولا للارتقاء بمستوى جامعاته، ولا لأجل تدريس العلوم الحديثة للشباب.

لم يكن للإيرانيين حينذاك أية مشاركة مشهودة في الميدان العلمي العالمي. في حين نلاحظ الشباب الإيرانيين أنفسهم يفوزون اليوم بمراتب عليا في المسابقات العلمية العالمية. ولم تكن إيران حينذاك بلداً يستوجب الذكر في العالم. وإذا كان يذكر لها اسم فلأجل انتاج معين من منتجاتها - في أوساط الخواص لنفطها، وفي أوساط العوام لسّجادها ومفروشاتها - بينما يستقطب اليوم الشباب الإيرانيون والمقاتلون الإيرانيون، والشخصيات الإيرانية البارزة والرفيعة المستوى، والمبدعون وأصحاب الكفاءات من الإيرانيين، وابداعات الشباب الإيراني، أنظار الشعوب وكل المحبين لإيران.

وأي نجاح تحققونه فانه يبعث الفرح والبهجة في القلوب في أعماق العالم الإسلامي. وإلا فلماذا يبتهج البعض من أهالي مصر وفلسطين وسوريا وتركيا وحتى في بعض دول أمريكا اللاتينية ويطلقون الاهازيج فرحاً بفوزكم في مباراة ما؟ لأن لإيران مكانة عزيزة اليوم في العالم. وهذه العزّة جاءت بفضل صمود إيران ورفضها لمنطق الاستكبار. ولهذا السبب يحاول صنائع العدو تجريد شعبنا من هذا الموقف الرافض. ولكنهم لن ينجحوا في تحقيق مآربهم هذه بعون اللّه.

إنني أدعو لكم اللّه أيّها الشباب الأعزاء ان يحفظكم ويهديكم ويثبّت أقدامكم وينير أبصاركم، ويرضي القلب المقّدس لصاحب الزمان عنكم، ويبعث البهجة والسرور في روح الإمام الراحل وأرواح الشهداء عنكم.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته