|
حديث القائد أمام جموع من الطلبة لدى زيارته جامعة طهران 11/5/1998 (الموافق: 15 محرم 1419 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم اكتبوا ما يراود أذهانكم، وسأتحدّث لاحقاً عمّا يبدو لي ضرورياً. لكنني أود أن يطرح طلبة الجامعة الأعزاء أسئلتهم وأُجيب عليها. ومن المؤكد ان ما سيقال سيكون مفيداً بعضه ان لم نقل كله. أما من ناحية الوقت فقد خصصت وقتي اليوم لهذا العمل وتركت أعمالي لهذا اليوم إلى ما بعد الظهر لأكون معكم هنا. طبعاً الأسئلة ستتكاثر ويأتي السؤال تلو الآخر، وقد تتاح لي الاجابة عن قسم منها، وليس هناك متسع من الوقت يسمح بالاجابة عليها جميعاً. وأعتقد من الأفضل لو آخذ أسئلتكم معي ويبوّبها الأخوة على موضوعاتها ليتسنّى لي الاجابة عنها في ما بعد وتقديم الاجابة لكم. ولكنني طبعاً لا أقطع لكم عهداً بهذا وانما أُحاول ذلك ولعلّي استطيع انجازه.
* هناك أشخاص يثيرون الشبهات ضد وجود قوات التعبئة أو التعبئة الطلابية في الجامعات، على أساس انها من المظاهر العسكرية، ويفرضون عليها بعض القيود. فما هو رأي سماحتكم في هذا الموضوع؟ - ليس من الضرورة ان تكون التعبئة تشكيلاً عسكرياً، بل ومن المؤكد انها ليست تشكيلاً عسكرياً. فالتعبئة تعني الشعب، ولعلي أكون أنا أيضاً عضواً في التعبئة إلاّ انني لست عسكرياً. والتعبئة موجودة في الجامعات وفي المصانع وفي الحوزة العلمية وفي الدوائر. ولا مؤاخذة على انضمام طلبة الجامعة لقوات التعبئة. بل وان مثل هذا الانتماء يمثل وبلا شك قيمة وفضيلة. ولا اشكال في ان يكون الجميع ضمن أفراد التعبئة. * على الرغم من ان جميع أعضاء التعبئة المعنية هم من طلبة الجامعة الذين انضموا إليها بإرادتهم ورغبتهم تماماً، إلاّ ان مسؤولي الجامعات يفرضون قيوداً صارمة على هذه المجموعة! - لا يبدو من المناسب في رأيي انتهاج أسلوب شديد ضد التعبئة، وليس لدي معلومات حالياً عن كيفية هذه القضية وفحواها ويجب ان أسأل عنها لاحقاً من رئيس الجامعة المحترم لأتبيّن مدى صحة هذا الأمر. وما من أحد يسيء للتعبئة في هذا البلد، لأنّها قد قدمت للبلد خدمة لا يمكن لأحد معها التشكيك في فائدتها بل وضرورتها. فالتعبئة تذكار من الإمام (ره).
* يرجى الافصاح عن رأيكم حول الأجواء المسمومة للمطبوعات؟ - هذا هو وضع المطبوعات؛ بعضها جيّدة، والأُخرى أجود، وبعضها سيئ والأُخرى أسوأ؛ لكل منها منهجه. وأعتقد ان النهج الصائب لمواجهة المطبوعات السيّئة هو توسيع المطبوعات الجيّدة. وإذا ملئت أجواء الصحافة في البلد بما هو مفيد ومناسب، سيضيق حينئذ المجال على المطبوعات السيئة، ولا أدري ما هو المعيار في ما تعتبرونه سيّئاً، فهذا الموضوع بحد ذاته بحث مستقل بمفرده.
* بعد انتخاب رئاسة الجمهورية وملحمة الحضور الجماهيري عند صناديق الاقتراع، دأب بعض الأشخاص والمسؤولين على زرع بذور الشقاق بصيغ شتى، مع محاولة لاستغلال رئيس الجمهورية المحترم المحبوب لمصالحهم الذاتية! - هذا غير ممكن؛ فرئيس الجمهورية ليس بالشخص الذي يمكن استغلاله. فهو رئيس جمهورية وشخصية بارزة وواعية، وهو رجل فاضل اختار النهج الصحيح ولازال يسير عليه بخطىً حثيثة. أجل قد يوجد هناك من يدلي برأي من عند نفسه، إلاّ انني لا أعتقد ان أحداً قادر على استغلال رئيس الجمهورية.
* أكبر مشكلة تعيشها جامعاتنا هي جو الجمود والانكماش الذي يخيّم على مجالات العلم والثقافة الإسلامية الأصيلة، فكيف يمكن برأيكم القضاء على هذا الجو؟ - هذا موضوع في غاية الأهمية ويسترعي الاهتمام . لكنني أشك في كونه أكبر مشكلة تواجهنا. بيد أنّ الجمود والتحجر يشكلان – حيثما كانا – مشكلة يتيسر حلّها من خلال مضاعفتكم – أنتم الطلبة – لنشاطكم الفكري النوعي في مجال العلم والمعرفة. وبإمكان كل واحد منكم باعتباركم أصحاب علم وثقافة ومتنورين فكرياً توسيع هذه المفاهيم عملياً، وعلى الضد تماماً من أجواء الجمود والتحجّر. إذا أردنا محاربة الجمود فهذا هو أسلوب محاربته؛ أي عبر صيغ ثقافية وليس بأسلوب السيف لأنه من مقولة الثقافة باعتبار أن الجمود نمط ثقافي مغلق تجب محاربته بأساليب ثقافية. وأعتقد ان لطلبة الجامعات القدرة على التأثير في هذا الميدان.
* يا حبذا إذا كان من المتيسّر مناقشة وتدارس مشاكل عوائل الشهداء وخاصة الجامعيين منهم. نأمل ان يحظى طلبنا هذا بالموافقة. - لا أدري ان كان هذا الاقتراح يعني ان أتحدث أنا مع الجامعيين من عوائل الشهداء، أم انتدب شخصاً من قبلي لتولّي هذه المهمّة؟ ولا بأس بذلك، سندرس هذه المشكلة. ومع اننا لم نأت إلى هنا مجهّزين بعدّة الكتابة. ولكن سيدوّنها أحد الاخوة واحيلها فيما بعد إلى مكتبي لمتابعتها. وهذه الورقة تعزل جانباً أيضاً لينظر لاحقاً في ما ورد فيها.
* كيف يمكن الاطلاع على النهج الفكري الأصيل للولاية في القضايا اليومية والمتداولة وبشكل واضح لا يتيح للبعض اظهار آرائكم خلافاً لما هي عليه؟ - ان ما أطرحه في أحاديثي يمثل لب آرائي. وحقيقة آرائي هي تلك التي تأتي في الأحاديث التي تسمعونها منّي. وليس ثمّة رأي بشأن القضايا الجارية في البلد، أو قضايا الإسلام والمسلمين، أو القضايا الاجتماعية، أسرّه لأحد ولا أصرّح به علانية. وآرائي بيّنة وواضحة وأنتم تسمعونها في خطبة صلاة الجمعة وفي الخطابات التي ألقيها عند لقاءاتي بمختلف الشرائح الاجتماعية.
* ألم يأت في قرآننا العزيز ان الإنسان خلق حُرّاً، وأبرز انواع الحرية هي حرية القراءة والكتابة. فلماذا سلبتنا الجمهورية الإسلامية هذا الحق؟ - لا أدري من ذا الذي سلبكم هذا الحق؛ يا حبّذا لو تدلّوني عليه لأذهب واستعيد لكم حقكم منه! والحقيقة هي انكم أيّها الشبّان لم تعيشوا عهد ما قبل الثورة في هذا البلد ولم تطّلعوا على ما في الكثير من البلدان. من حسن الحظ ان حرية الفكر وحرية البيان الموجودة اليوم في إيران ليس لها نظير في العالم إلاّ ما ندر. ولا أريد القول ان الإسلام منح هذه الحرية بلا قيد أو شرط، بل هنالك في هذا المجال حدود اخذتها قوانيننا بنظر الاعتبار، ولعل حصيلتها الكلية تتطابق مع تلك المعارف القرآنية التي اشرتم إليها. أما الحصيلة المستخلصة منها في الوقت الحاضر فهي الحرية. وهي لحسن الحظ متوفّرة وبدرجة جيّدة جداً. هذا الوضع الذي تلاحظونه الآن ونحن جالسون هنا سوية - أنا وأنتم - وأنتم تدرجون آراءكم وأنا أقرأها، هذه من جملة الأمور التي قلما يوجد لها نظير في العالم. وأنا مسرور جداً للحالة الموجودة في بلدنا من حيث الجوانب الإنسانية واحترام الشخصية الفردية والهوية الإنسانية للمواطن، وانها على درجة تبعث على التطلع نحو المزيد منها. ولا مانع من ذلك طبعاً. ولكن اعلموا لو انكم اطلعتم على ما في البلدان الأُخرى - المشابهة لنا والتي كانت لنا وإياها سوابق مشتركة ومتشابهة - من قضايا تتعلق بالحريّات، لما رأيتم في هذا المضمار نظيراً لإيران.
* ماذا أعددتم بالنسبة لمسألة زواج الشباب الجامعيين؟ - هذا سؤال مهم طبعاً وأنا لا أحمله على المزاح اطلاقاً وأعتقد انه من المهام التي يجب ان تحظى باهتمام المسؤولين المعنيين. وقد قدّمنا في هذا الصدد توصيات كثيرة للمسؤولين الحكوميين – بشأن زواج الشباب، وبشأن ما يستلزمه الزواج من متطلبات - ومن جملة ذلك قضية السكن، حيث أوصيت وزارة الاسكان منذ مدّة، وهم حالياً قيد اتخاذ بعض التدابير لبناء دور مؤقتة يستأجرها المتزوجون حديثاً. أتأمل توفير هذه المقدّمات لتحل قضية الزواج على نحو ما بإذن اللّه. وأنا أرى الحق لكم في هذه القضية.
* ما هو واجب الطاقات العلمية التي أُضيفت إلى الهيئة العلمية للجامعة حديثاً للمساعدة في موضوع أسلمة الجامعات؟ - مسألة أسلمة الجامعات وضع لها المجلس الأعلى للثورة الثقافية برنامج، وهم مشغولون في ذلك وفي التفاصيل الجزئية. ولا فارق في هذا الصدد بين الطاقات المستخدمة حديثاً والأُخرى القديمة. ولا أعتقد بوجود أي فوارق بينهما. وعلى كل الأحوال فإنني لم ولا أتدخل بأي نحو كان في كيفية هذا العمل. وأسلوب عمل هذا القطاع منوط بما يتخذه مسؤولو الجامعات والأعضاء البارزون في المجلس الأعلى للثورة الثقافية من قرارات. فأنا قد طرحت عليهم فكرة وطالبتهم وسأطالبهم بمتابعة تنفيذها. وإذا تحققت فكرة أسلمة الجامعات سيتّضح حينها الهدف الذي كنت أبتغيه من هذه الفكرة. ولا أعتقد ان أحداً في الجامعة لا يلمس ضرورة وفائدة أسلمة الجامعة، وعلى هذا الأساس فانَّ الجميع مطالبون بالعمل في هذا المضمار. وأنا أشعر أيضاً ان المراد من أسلمة الجامعات غيرُ مفهوم وغيرُ واضح لدى البعض، وقد نظر إليها البعض بمنظار ضيق وفكر محدود جدّاً. في حين انها ذات طابع أوسع وأكبر من هذه التصوّرات.
* نظراً لضآلة الامكانيات في قطاع الدراسات العليا، هل هناك إمكانية لإحراز تقدّم في المجال العلمي وبلوغ المرتبة المطلوبة؟ - أنا غير مطلع على الامكانيات المتوفّرة في الجامعات على وجه الدقّة، لكنني أعلم ان الحكومة عازمة على توسيع إمكانيات الدراسة والبحث أمام الطلبة. من المحتمل طبعاً ان تعاني احدى الجامعات من بعض النواقص الطارئة بسبب ما تواجهه الحكومة من مشاكل في الميزانية والتخصيصات، بيد ان الحكومة لديها عزم راسخ على ازالة هذه المشاكل.
* هل التطوّر العلمي في إيران أسرع أم في أمريكا؟ - هذا سؤال غريب. فالأمريكيون كانوا ومنذ سنوات متمادية منهمكين بالبحوث العلمية. وكانوا منذ تلك السنوات يعدّون العلماء في مختلف المجالات العلمية وبإمكاناتهم الذاتية وبالامكانات التي نهبوها من الدول الأُخرى، وأحرزوا تطوراً علمياً واسعاً في حين كان شعبنا يئنّ حينذاك تحت نير نظام لم يكن يسمح للعالِم الإيراني حتى بالتفكير، وذلك من خلال ما فرضه من كبت وتبعية وفساد سياسي وأخلاقي. فهل تتأملون والحال هذه ان نجاري في هذا المجال أمريكا أو نلحق بها؟! هذه آمال بعيدة. لعلي سبق وان أشرت إلى ان الطائرات النفاثة المقاتلة التي كان شراؤها من أمريكا على عهد النظام السابق، كان إذا حصل عطب في أحد أجزائها - والجزء يتكون أحياناً من قطع أخرى صغيرة قد يصل عددها إلى عشرات أو مئات القطع - لم يكن الأمريكيون يسمحوا لفنيي قوّتنا الجوية بفتحه واستبدال القطعة المعطوبة فيه، وانما كانوا يأخذونها إلى أمريكا ويبدّلونها بواحدة غيرها ويعيدونها. هكذا كانوا يتصرفون حينذاك. ولم يكن عدد الجامعيين كبيراً ولا أساليب الدراسة جيّدة، ولا ميادين العمل متوفّرة، ولا حوافز الدراسة والبحث والتعليم والتربية موجودة في البلد. فهل تتوقعون ان الشعب الإيراني أحرز تقدماً علمياً في ذلك الوقت؟ لم نبدأ نشاطنا في هذا المجال إلا قبل تسع عشرة سنة وهذه الفترة أيضاً رافقتها مشاكل عديدة؛ فقضايا الثورة، مضافاً إليها ما حصل في هذه الجامعة نفسها ووجود العناصر المسلّحة، ناهيك عن فترة الحرب. ولا بأس أن أنقل لكم هنا ذكرى مرّت عليَّ في هذا المسجد.. لي في هذا المسجد ذكريات كثيرة يعود بعضها إلى ما قبل الثورة، ويعود البعض الآخر إلى عهد الثورة بمختلف مراحلها. كنت في عام 1358 آتي إلى هنا في الأسبوع مرة وأعتقد انه كان يوم الأحد أو يوم الاثنين واُصلي صلاة الظهر والعصر، وكان الطلاب يجتمعون هنا وألقي فيهم كلمة وأجيب على أسئلتهم. وفي تلك السنة تحولت جامعة طهران هذه إلى خندق لفصائل مسلّحة تحت اسماء وعناوين شتّى، وكلّها تحمل رشاشات من طراز "جي 3" وكلاشنكوف، وتهاجم الطلبة المسلمين أو تهاجم أبناء الشعب انطلاقاً من الجامعة. وفي أحد الأيام جئت على عادتي قبيل الظهر، إلا ان الأوضاع كانت متأزمة تماماً والاشتباكات شديدة وكانت الجامعة خالية من الطلبة تقريباً ولا يشاهد فيها إلا أفراد قلائل. وما ان دخلت الجامعة حتى جاءني عدد من الطلاب وقالوا: ان الأوضاع خطيرة اليوم ومن الأفضل أن لا تدخل. فقلت لهم: لديَّ برنامج لا ألغيه. فدخلت الجامعة وجاء بعض الطلبة إلى المسجد من الطريق الذي سلكناه، لكن عددهم كان قليلاً ولم يجتمع في المسجد إلاّ أقل من عشرة أشخاص. فصليّنا صلاة واحدة وغادرنا المكان لأننا أيضاً خفنا إلى حدٍّ ما. وفي أعقاب ذلك أغلقت الجامعة مدّة سنة تقريباً. لاحظوا إذن ان مدّة التسع عشرة سنة هذه، مرّت فيها مثل هذه الأدوار من الصراعات والتظاهرات وتعطيل الدروس والاضرابات التي كانت تفرض على الجامعة يومياً. فما هي النتائج المترتبة على مثل هذه الأحداث؟ هل تتأملون حينما يرغم الطالب على ترك الدراسة ان يتحقق لدينا ازدهار علمي بسرعة البرق؟! ثم تلت ذلك الحرب المفروضة بما رافقها من مشاكل. ومع ان الجامعات كانت في وقتها مفتوحة والدروس قائمة، إلا ان البلد كان منهمكاً في الحرب. ونحن إذا أردنا في الحقيقة غربلة هذه السنوات التسعة عشرة لما بلغت حصيلتها عشر سنوات؛ إلاّ اننا لم نستطع الاهتمام بأمر الجامعة إلاّ بعد انتهاء الحرب. وخلاصة القول هي ان سرعة التقدم العلمي الذي أحرزناه على مدى عشر سنوات لا تضاهي سرعة التقدم العلمي في أمريكا على مدى مائتي سنة. ولكنني أؤكد لكم ان الطالب الإيراني بما لديه من ذكاء وإيمان وشعور بالاستقلال والعزّة - وهو شعور ملموس اليوم لدى ابناء الشعب الإيراني عموماً والشباب منهم خصوصاً - يتأمل منه أن يحرز على مدى ثلاثين سنة ما يحرزه الآخرون على مدى مائة سنة من التقدم العلمي.
* ما هو أفضل أسلوب للتصدي للمنكرات؟ - ذلك يتوقف على شخص المتصدّي. فإذا أراد أحدكم أو أي شخص من المواطنين ان يتصدى للمنكر لا تكليف عليه غير التصدّي له بلسانه. إلا ان الموقف يختلف طبعاً فيما لو أرادت الحكومة أداء هذه المهمة. فإذا كان المنكر كبيراً ربّما تتصدى له الحكومة بالعنف وعن طريق القانون. إلاّ ان النهي عن المنكر والأمر بالمعروف الذي نصّت عليه الشريعة الإسلامية يقتصر على اللسان: «انّما هي اللسان». لا تعجبوا إذا قلت لكم ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان باللسان يكون تأثيره أشد من تأثير القبضة الفولاذية للحكومات. فأنا منذ عدّة سنوات ادعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استجاب لها البعض وليس الجميع، وهذا هو سبب عدم ظهور نتائج مثل هذا العمل. وأنا أدعوكم لتجربة هذا الأُسلوب؛ فإذا رأى أحد منكراً فلينبّه فاعله. ولا حاجة لاستخدام الكلام اللاذع أو القاء محاضرة مطوّلة، وانّما يكفي القول: يا أخي أو يا أختي، هذا منكر. فإذا نبّه إليه أحدكم، ونبّه الثاني، والثالث، والعاشر، والخمسون، فمن ذا الذي يستطيع الاستمرار في المنكر؟ يجب عليكم طبعاً ان تعرفوا المنكر. فقد يتصور المرء بعض الأمور منكراً، وهي في حقيقتها ليست كذلك. وهذا ما يوجب عليكم طبعاً معرفة المنكر وتمييزه عن غيره. أشار البعض إلى احتمال تأثير مثل هذا الأسلوب. وانا أؤكد على قطعية تأثيره في كل الأحوال إلا في الحكومات المتجبّرة والسلاطين والقوى المستبدّة؛ لأن هؤلاء لا يؤثر فيهم الكلام المنطقي ولا يستسيغونه، أما سائر الناس فيؤثر فيهم. وخلاصة القول ان أفضل أسلوب تجابهون به المنكر هو اللسان.
* نظراً لوجود هجمة ثقافية في الجامعات وتسلّط واستبداد بعض الأساتذة فيها وابعاد الأساتذة الإسلاميين والتضييق عليهم، ما هي الاجراءات التي يتخذها النظام لدعم الأساتذة الإسلاميين وضمان عدم ابعادهم عنها؟ - أنا لا أقر بما ورد في كتاب الأخ العزيز أو الأخت العزيزة، وقرأتُه. فقراءتي لهذا القول لا تعتبر تأييداً له، وانما هي نقل لقول كاتبه؛ لأنني لا أعلم بوجود مثل هذه الحالة. وإذا صَحّ هذا القول ووجد في الوسط الجامعي مثل هذا التضييق على الأُستاذ المتديّن، فهو ينم عن واقع سيئ. إلاّ انني استبعد وجوده طبعاً، وآمل ان لا تكون الأوضاع على نحو ما ذكر. } يرجى التفضل ببيان رأيكم في موضوع التضامن بين مختلف الفصائل الطلابية. - أنا أؤمن بالتضامن وبالعلاقات الحسنة. والمواقف الحسنة لا تعني العدول عن المعتقدات الصحيحة واليقينيّة. وأنا أرى وجوب اقامة علاقات حسنة بين الفصائل الطلابية بمختلف توجهاتها. وأنتم تلاحظون ان شتّى الفصائل الاجتماعية والسياسية في كل دول العالم تجلس حول طاولة واحدة، رغم كثرة ما بينها من الاختلافات، وتناقش وتتفاوض في ما بينها، ثم تصل في نهاية الأمر إلى بعض النتائج. فلا مبرر إذن لعدم تفاهم أفراد يعتقدون بمبادئ واحدة ويؤمنون بالإسلام والإمام والثورة، ويعيشون في أجواء جامعة إسلامية ويحملون قيماً واحدة. انا لا أستوعب مثل هذا الموقف - عدم التفاهم - ولا استسيغه.
* ما هو رأي سماحتكم في المجتمع المدني، وتأسيس الأحزاب، والانتخابات النقابية؟ - المجتمع المدني (كلمة) يجب أن يتحدد معناها أولاً. هذه الكلمة سبق وان طرحها رئيس الجمهورية وقال في بيان معناها انه يقصد بها المجتمع الذي يستقي اسوته من مدينة النبي. ونحن كلنا على استعداد لبذل نفوسنا في سبيل هذا المجتمع، وهذا أمر واضح لا كلام فيه. من الطبيعي ان هذا المصطلح يحمل اليوم في الغرب معنيً خاصاً. وعليكم ان تعلموا ان الغربيين يحاولون بشتى الأساليب نقل المحاور الأساسية لثقافتهم وفكرهم إلى الآخرين. وقد أسّسوا في هذا السياق كياناً وفق صيغة معيّنة وأُطلق عليه تسمية. ولا شأن لنا بهؤلاء. أمّا بالنسبة لنا فقد تبيّن لنا معنى هذا الاصطلاح ونحن نوافق عليه. أما قضية الأحزاب والانتخابات وما شابهها فقد وضّحها الدستور. وهل بإمكان أحد تجاهل الدستور؟ وأنا أُوافق وأؤيد كل ما يجري وفقاً للدستور ووفقاً لما تتضمنه القوانين العادية في هذا المجال.
* أُريد استعلام رأي سماحتكم في الفصائل المساندة للولاية. - أعتقد ان جميع الفصائل تساند الولاية. وأنا لا أعرف في البلد مجموعة ذا شأن ترفض مبدأ الولاية، فالجميع يقرّون هذا المبدأ، ولكن قد يكون اخلاص البعض ومحبتهم لها أكثر من البعض الآخر. فنحن كلنا نؤمن بولاية الأئمة (عليهم السلام) مثلاً، إلا ان بعض الأشخاص ما ان يُذكر اسم أمير المؤمنين حتّى تغرق عيناه بالدموع. ومن الطبيعي ان مثل هذا الشخص أكثر حبّاً وأكثر ثواباً. ولكن قد تجد شخصاً آخر يحب أمير المؤمنين ويعتقد بإمامته ومستعد لبذل نفسه على نهجه، بيد انه قد لا تمتلئ عيناه بالدموع لمجرد سماعه لكلمة: السلام عليك يا أمير المؤمنين. ولا يمكن ان يُقال لشخص كهذا: لماذا لا تؤمن بالولاية ولا تفوح عيناك بالدموع! جميع الفصائل الطلابية - بهيئاتها وافرادها - لها علاقة بي، وتأتي إليَّ، وتعبّر عن إيمانها بالولاية. ولا أعتقد ان أحدها تنكر مبدأ الولاية. وأنا أدعمها كلّها على حد سواء، ولا أقصد بذلك الدعم المادّي؛ فأنا لا أدعم أحداً ماديّاً. أعتقد ان هذه الفصائل يجب أن تكون في الجامعة وتعمل وتبذل الجهود وتحث الناس على التمسك بالإسلام ومناصرة الثورة، إذ ان واجب التشكيلات الطلابية هو تكريس قواها لزرع الروح الثورية لدى العناصر المختلفة وتهذيب أخلاقها وترسيخ بُناها الأخلاقية ومنطلقاتها الثورية.
* برأيكم من هو الطالب الناجح؟ - الطالب الناجح في رأيي هو الطالب الذي يدرس جيداً، ويتمسك بالأخلاق والسجايا الحسنة، ويمارس الرياضة على وجه حسن. وهذه هي المعالم الثلاثة التي أراها للطالب الناجح. من المحتمل طبعاً أن تكون للشاب الناجح في داخل البيت معالم أُخرى، وللكاسب وللموظف الناجح معالم غيرها. أما الطالب الناجح من حيث هو طالب يجب أن يتحلّى بالخصال الثلاثة الآنف ذكرها.
* ما هو واجب الشباب المؤمنين وأفراد حزب اللّه ازاء الانحرافات والنوايا السيئة التي تشاهد في بعض المواطن؟ - ان كانت منكراً، يجب عليهم النهي عن المنكر.
* يرجى ان تحدّثونا عن فترة شبابكم؟ - كانت فترة شبابنا مليئة في أحد أوجهها بالنشاط والحماس، كما انها لم تكن من وجه آخر من النوع الذي يتحسر عليها المرء أسفاً. واعلموا ان الإنسان حريّ به أن يأسف إذا لم يكن له شباب كشبابكم؛ فأنتم يا أعزائي تعيشون في عهد الحرية وازدهار الطاقات. في حين لم تكن فترة شبابنا على هذا المنوال. جئت ذات مرّة وتوقفت حوالي عشر دقائق أمام كلية الحقوق بانتظار صديق كان بيني وبينه موعد هناك. لكنني شعرت ان أعين رجال الأمن وجلاوزة السافاك - الذين كانوا منتشرين في كل مكان - أخذت تنظر إليّ بعين الشك لأنني لم أكن جامعياً، ولعلهم كانوا يقولون في قرارة أنفسهم: ماذا يفعل هذا الرجل المعمم هنا؟ وما هي الغاية من وقوفه هنا؟ ومع من لديه عمل؟ خشية ان تكون هناك غاية سياسية من وراء وقوفي هناك. وفي تلك الأثناء جاء المرحوم رياضي اليزدي - وكان ذلك على ما أتذكر اما في نهاية الأربعينات أو في بداية الخمسينات - وكانت تربطني واياه صداقة حميمة؛ فناداني باسمي وسلّم علي واصطحبني لرؤية مسجد الكلية، وهو مسجد لم أكن رأيته من قبل – وأعتقد انه كان في هذه الأنحاء، ولا أتذكر موقعه على وجه الدقّة، واحتمل ان موضعه قد تغيّر إذ كانت عليه آنذاك لوحات نقشت عليها أبيات من الشعر-. جاء بي المرحوم رياضي اليزدي حتى وقفنا أمام تلك اللوحات وبدأ بقراءة الأشعار المكتوبة عليها، وما ان انتهينا من قراءتها حتى عرفت انها من أشعاره رحمة اللّه تعالى عليه. وعلى كل الأحوال كان قصدي أن أُشير إلى ان الأجواء كانت حينذاك تسودها الريبة والشكوك، وكانت الأوضاع خطيرة. وأنا الذي كنت في ساحة الصراع ودخلت السجن، كنت إذا وقفت عشر دقائق أمام الكلية كنت أتعرّض لنظرات الشك والارتياب من قبل جلاوزة النظام. ومعنى هذا ان الحياة كانت في ذلك الوقت حياة مريرة.
* كيف تقيّمون دور ممثلية الولي الفقيه في الجامعات؟ وهل حافظت في الوقت الحاضر على دورها الأبوي الذي يسمو على التيارات ومختلف الاتجاهات؟ - هذه التشكيلة ذات أهمية بالغة، وكانت الجامعة بحاجة إليها، وكانت موجودة قبل تسلّمي لزمام قيادة الثورة، وبعد مجيئي أضفيت عليها بعض التعديلات وانتدبت لها أشخاصاً أكثر شباباً ونشاطاً. ويتبيّن من الأخبار التي تصلني من بعض الجامعات انها والحمد للّه على خير ما يرام. ولكن في الوقت ذاته يأتيني طلاب من أماكن أُخرى – وقد جاءني البعض مرّات عديدة حتى الآن - ويعبرون عن شكواهم من بعض السلبيات التي لا تتعلق طبعاً بسوء عمل شخص ما وانما تحكي مثلاً عن قلّة نشاطه، أو عدم قيامه بما ينبغي له من أعمال، او انه لا يؤديها في وقتها، وما شابه ذلك. وعلى كل الأحوال، إذا كانت هناك سلبيات يجب العمل على ازالتها.
* إلى أين سينتهي الحال بقضية البلدية؟ - يجب الاستفسار عن هذه القضية من جهاز القضاء؛ إذ ليست لي علاقة بهذه القضية على الاطلاق. ولا علم لي حالياً إلى أين انتهى ملفّها. ولكنني لما لاحظت في وقت ما ان القضية تعقدت إلى حد بعيد حتى أضحت معضلة كادت ان تؤدّي إلى خلق مشكلة بين المعنيين بها وهم المسؤولون الكبار في البلد، تدخلت فيها، وبادرت إلى حلّها على نحو مؤقت وليس حلاً نهائياً. وهي في نهاية الأمر ملف قضية يجب احالتها إلى المحكمة والخروج بنتيجة منها. ولا أعتقد ان في احالتها إلى المحكمة اساءة أو ضرر.
* شاهدت بنفسي يوم الأحد الماضي من هذا الأسبوع حادثة جُرح فيها أحد علماء الدين على يد شخص في شارع (كاركر). ما هو في رأيكم السبب الكامن وراء تدني محبوبية العلماء من بعد الثورة؟ - يذكر هذا الشخص انه شهد حادثة جُرح فيها أحد علماء الدين، إلا انني شهدت مواقف استشهد فيها العديد من علماء الدين، ولا غرابة في ذلك؛ فقد يكون لأيّ إنسان عدو. ففي الوقت الذي جرح فيه أحد علماء الدين في شارع ما، تجد عشرات الأشخاص من غير العلماء يُجرحون هنا وهناك. وليس في هذا دليل على انخفاض المحبوبية، ولا يمكن القول بشكل عام ان محبوبية العلماء تصاعدت أو تدّنت من بعد الثورة. فلربّما ازدادات محبوبية البعض، ولعل محبوبية البعض الآخر قد تدنّت. ومن بعد الثورة تصاعدت تلك المحبّة في برهة ما إلى حد بعيد، وفي برهة أخرى تدّنت إلى حدّ ما. وذلك منوط ببعض الظروف والظواهر الزمنية. ومثل هذه القضية تخضع لتأثير عوامل شتّى. وهي أمر طبيعي لا غرابة فيه. ولا يخفى ان الشخص الذي يحمل سمة قدسية، إذا تنحّى جانباً ولم يتدخل في أي شأن من الشؤون، يحافظ على مقام قداسته واحترامه. ولكنه ما ان ينزل إلى الساحة حتى يجد عدداً من المعارضين وآخر من المؤيدين له. ولو لم يشارك العلماء في شتّى الفعاليات - كدخولهم أول الثورة في اللجان الثورية والمؤسسات الأخرى - وبقوا معزولين في زوايا المساجد، ويوجهون الانتقادات بين الحين والآخر للأوضاع القائمة لوقعت محبتهم في قلب البعض. ولكن اعلموا يا أعزائي ان المرء ما ان ينزل إلى الساحة إلا ويواجه موقفاً مطرداً وهو انه يحظى بتأييد البعض ومخالفة البعض الآخر. ومن الطبيعي ان الميول تكون على نحوين: بعض يقول من الأفضل لنا المكوث في مثوانا الرغيد هذا والتنحّي جانباً وعدم التدخّل في أي شأن من الشؤون. فيما يميل البعض الآخر إلى هجران هذه الجنّة الرغيدة والنزول إلى الساحة والقيام بما يعتبره من تكليفه. ومن الطبيعي ان مثل هذا العمل يلقى قبولاً من البعض وسخطاً من البعض الآخر. إلا ان الأهم من كل ذلك هو رضا اللّه. وهذا أيضاً نمط آخر من الميول التي يتصف بها عادةً الناس الحريصون على تكاليفهم. إلا ان هؤلاء أيضاً ليسوا في رتبة واحدة. ولا يزعم أحد في هذا الخصوص ان كل من يرتدي هذا الزي إنسان نبيل وكريم المنزلة؛ فكثيراً ما تجد أُناساً يرتدون هذا الزي أو أي زي جميل ومقدّس، لكن باطنهم خبيث.
* ما هي في رأي سماحتكم المعوّقات التنفيذية التي تحول دون تطبيق أحكام الإسلام النيّرة وأُصول دستور النظام المقدس في الجمهورية الإسلامية؟ - من الطبيعي ان الكثير من أحكام الدين وجد طريقه إلى التطبيق، ولا يمكن القول انها لم تطبق على الاطلاق. ولكن ما ذكرتموه صحيح أيضاً إذ ان بعض هذه القوانين لم يطبّق حتّى الآن. والعامل الذي يحول دون تطبيقها لا ينحصر في شيء يمكن تلخيصه في جملة واحدة، وانما هي عوامل شتّى، يعزى بعضها إلى أساليب العمل الميداني، ويعود بعضها الآخر إلى التخلف الاداري الفاحش ومردّه الأساسي التعليمات الادارية. ويرجع بعض هذه العراقيل إلى السلبيات الموروثة عن الماضي، أو إلى الدعايات التي تشن ضد مثل هذه الأحكام أو ضد الجمهورية الإسلامية. وعلى كل الأحوال فالعراقيل والمعوقات متباينة ومتعددة.
* هل ترون العمل الثوري مجدياً في المجال الثقافي؟ أو بعبارة أخرى هل ترون من الصلاح المبادرة إلى التصدي للمنكر باليد، في حالات الفسق والفجور التي يقصر المسؤولون في التصدي لها ولا يقومون بواجبهم تجاهها؟ - لا، أبداً، فأنتم غير مكلفين على الاطلاق بالتصدي للمنكر باليد. وتكليفكم الوحيد هو النهي باللسان لا غير. هل تعتقدون انكم إذا قلتم لا يكون لقولكم أي تأثير؟ جرّبوا ذلك، وكرروا القول مرّات عديدة. ومن الطبيعي ان الشخص الواحد إذا قال وأمَرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، قد لا يجدي قوله نفعاً، ولهذا يجب حث الآخرين أيضاً على النهي عن المنكر بألسنتهم. والكلام بحد ذاته له تأثير أكثر من الضرب بمراتب عديدة، وحتّى انه أشد تأثيراً أحياناً من التعبيس بوجه فاعل المنكر، على الرغم مما للتعبيس من تأثير بنّاء يختلف عن تأثير الضرب. وعلى كل الأحوال إذا كان لابدّ من استخدام العقوبة البدنية للنهي عن المنكر فذلك من واجب الحكومة وليس من واجب أفراد الشعب، إلا إذا أذنت الحكومة وانتدبت شخصاً لأداء هذه المهمّة، فهذا بحث آخر. ولكن لا يوجد لدينا مثل هذا الوضع حالياً. ونحن لا نكلف أحداً للقيام بهذا العمل، ولا نرى من المصلحة وجود مثل هذه الظاهرة.
* ارتداء الزي العلمائي للطلبة الجامعيين الحوزويين الذين يدرسون العلوم الإسلامية إلى أين سيؤول؟ - لم أفهم القصد من هذا السؤال. وما هو المقصود بالرداء؟ هل يقصد به مثلاً إذا كان طالب العلوم الدينية يدرس في الجامعة، ما هو موقفه ازاء الزي العلمائي، يحضر بزي طلبة العلوم الدينية مثلاً؟ لا ضير في ذلك، فلا فرق في الثياب. وعلى كل حال إذا كان هذا المقصود من السؤال فإنني قد أجبت عليه.
* ما هو رأيكم في مشروع «مطابقة الشؤون الطبّية مع القوانين الشرعية»؟ - أنا لم أشاهد هذا المشروع أساساً ولم أعلم بوجوده إلا بعد الضجّة التي أثارتها الصحافة وعكست ان للمشروع مؤيدين ومعارضين. وفي الحقيقة لا علم لي بطبيعة هذا المشروع ولا كيفيته، وأنا امتنع عمداً عن الادلاء برأيي بشأن المشاريع واللوائح لأن لها مسارها الذي يجب أن تجري من خلاله بشكل طبيعي. فإذا ما اتخذت صفة قانونية أرى نفسي ملزماً بطاعتها، وعلى الجميع أيضاً الإلتزام بطاعتها. وعلى كل الأحوال إذا كان هذا المشروع يستهدف رعاية الموازين الشرعية في الجامعات فهو أمر حسن، بل وواجب. أما إذا كانت فيه بعض الاشكالات فلابدّ من ازالتها.
* أولاً، نحن أقسمنا على البقاء أوفياء لعهدنا الذي قطعناه لروح اللّه ولشهدائنا الابرار. ثانياً، سؤالنا هو ان الجامعات خالية اليوم من التشكيلات التي يجب ان تضم - على حد قول سماحتكم - أربعين بالمائة من الطلاب على أقل تقدير، فلماذا لا يعرض مفكرو النظام نموذجاً لاستقطاب الطاقات وعرض النتاجات الثقافية فيه؟ - أعتقد ان التشكيلات الطلابية يجب ان لا تقتبس لها نموذجاً من خارج واقعها؛ فلا ضرورة لذلك. وما أشرتُ إليه من وجوب استقطابها لأربعين بالمائة من الطاقات، أقصد به ان هذه التجمعات الطلابية الموجودة حالياً يجب أن تعمل على نحو فاعل حتى يتسنّى لها استقطاب أربعين بالمائة من الطلبة على ادنى الاحتمالات. ويبدو لي ان لديهم تقصير في عملهم، ولولا ذلك لاستقطبوا مثل هذا العدد أو ربّما أكثر من ذلك. وبالاضافة إلى التقصير في العمل فهنالك أيضاً القصور ومجانبة الصواب. أما النموذج المطلوب فيجب على الطلبة أنفسهم العثور عليه.
* هل يمكن في النظام الإسلامي اعتبار شخص ما حقّاً مطلقاً. واعتبار شخصٍ أو فكر آخر باطلاً مطلقاً؟ أم في فكر كل شخص آراء حق وآراء باطل بنسبة معيّنة أو اخرى؟ أنا أعتبر هذا السؤال من الأسئلة الأساسية التي تشغل ذهني وأذهان الكثير من الطلاب؟ - هذه النظرة النسبية للأُمور ليست نظرة صائبة. ولا أبغي من وراء كلامي هذا الاشارة إلى من هو الحق المطلق، ومن هو الباطل المطلق. فالإنسان يدرك بشكل طبيعي انه ما من شخص تخلو آراؤه من فكرة باطلة أو كلام مغلوط – ولو عن غير قصد منه - وكذا كل من يتّبع التصورات المغلوطة والأفكار الباطلة، لابدّ وان تتضمن كلماته شيئاً من الحق. ثم حتّى الكذّاب لابدّ وان يصدق مرّة ولو عن طريق الصدفة. فهذا التصور صحيح وأنا أقرّ به، ولكن من المرفوض تحويله إلى منطلق فكري وفلسفي، ونقول لا يوجد حق مطلق ولا باطل مطلق. فالحق المطلق موجود والباطل المطلق موجود أيضاً. قال رسول اللّه في يوم بدر متوجهاً بالدعاء إلى اللّه لنصرة الحق: «اليوم برز الحق كله إلى الباطل كله». وهذا هو الواقع فالرسول كان حقّاً مطلقاً، والجبهة المعادية له كانت باطلاً مطلقاً. قل لي أين الحق في جبهة كفار قريش الذين كانوا مجرّدين من المعرفة ومن الأخلاق وكانوا يئدون بناتهم، ويسجدون للأصنام، ويظلم بعضهم بعضاً، ويقتل أحدهم الآخر؟ كانوا إذن تجسداً للباطل المطلق، مثلما كان الرسول تجسيداً للحق المطلق. نستنتج في ضوء ما تقدّم ان نظرية نسبية الحق مجرد سفسطة كلامية لا أقر بصحتها. أما قضية الوجود الخارجي للحق المطلق أو الباطل المطلق وتجسدها فينا، فهي بحث آخر. أجل أنا أوافق أيضاً على ان كل إنسان ومع أي فئة كان من الفئات السائرة على الحق، لا بدّ وان تشوبه شائبة من الخطأ والباطل. والعكس صحيح أيضاً. أرجو ان أكون قدمت جواباً وافياً لهذا السؤال. أما إذا بقي ثمة اشكال عالق في ذهن الأخ أو الأخت - مَن طرح السؤال - فليكتبه وسأجيب عليه بنفسي ان شاء اللّه إذا سنحت الفرصة في ما بعد، أو أكلف البعض بتقديم مزيد من الايضاحات حوله.
* يرجى التفضّل بإدلاء رأيكم في المواقف المتباينة بشأن انتخابات مجلس الخبراء. - لا أدري ما المقصود بهذا السؤال، وما هي الآراء المتباينة. وعلى كل الأحوال فان انتخابات مجلس الخبراء تمثل بالنتيجة انتخابات ذات أهمية بالغة في رأيي. ومن الطبيعي ان مجلس الخبراء لا يؤدي مهمّة حالية على غرار ما تؤديه رئاسة الجمهورية أو مجلس الشورى الإسلامي وانما يحين واجبه في لحظة معيّنة. إلا ان تلك اللحظة - وهي لحظة انتخاب القائد - على درجة كبيرة من الأهمية. فأنا لم أتلق من اللّه تعالى نصاً ولا سنداً ولا وثيقة تضمن لي البقاء على قيد الحياة لعشرة ايام أُخرى، أو شهر آخر، أو ستة أشهر أو سنة أُخرى. ولعلّي لا أبقى بعد ساعة من الآن، وهذا محتمل جداً ولا أقوله من باب المجاملة. إذن يجب أن يكون هناك خبراء ما إن يسقط شخص على الأرض حتى يقيموا شخصاً غيره، مثلما حصل بعد رحيل الإمام حيث انجزت هذه المهمة على وجه السرعة. وبغض النظر عن حصيلة اختيارهم - فإني أعتبر نفسي أدنى من ذلك - إلا ان العمل بذاته والسرعة التي تم بها الاختيار وتعيين قائد، كان عملاً مفيداً وفاعلاً. ولهذا السبب يتسم عمل مجلس الخبراء بأهمية قصوى. وهذا ما يدعو إلى انتخاب أُناس أمناء ونزيهين ليكونوا بانتظار تلك المهمّة. من الطبيعي ان السادة الموجودين في مجلس الخبراء حالياً يعقدون اجتماعاً سنوياً يتباحثون فيه، ولاشكّ في ان مثل هذا الاجتماع لا يخلو من الأهمية والفائدة بالنسبة لهم. وقد تمر سنوات متمادية بدون ان تستدعي الحاجة إلى اختيار قائد. لكن ما أن تحين تلك اللحظة حتى يتخذ هذا المجلس أهمية فائقة. هذا هو رأيي في الموضوع. أما إذا كانت هناك آراء أُخرى فلا علم لي بها.
* تفضلتم وأشرتم إلى أن ضلال الخواص يؤدي إلى ضلال العوام، وهناك بعض الأخوة ممن تجاذبهم الاختلافات، وهم يقعون تحت اشرافكم الاداري المباشر أو غير المباشر، فكيف يمكن ابلاغ سماحتكم بذلك؟ - اعلموا ان ايصال أي موضوع اليَّ أسهل من ايصاله إلى أي مسؤول آخر في البلد، وإذا شاء أي شخص فبإمكانه ان يوصل لي ما يشاء من القضايا. وإذا لم يفعل فالذنب ذنبه. وإلا فأنا لديَّ لقاءات كثيرة مع أعداد كبيرة من أبناء الشعب. وتأتي إليَّ في كل يوم اثنين – وبموعد مسبق طبعاً – أعداد غفيرة من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن شتى الأرجاء، ويكون بينهم أحياناً طلبة أو غيرهم. وبالاضافة إلى هذا يوجد في مكتبي معاونية للعلاقات الجماهيرية تتلقى في كل يوم مئات الرسائل – ليس لديَّ احصاء دقيق بعددها – من أبناء الشعب وتلخّصها وتقدّمها لي يومياً على صورة كرّاس، فأطالعها جهد ما يسمح به الوقت. أي ان بإمكان كل شخص ابلاغي بما يشاء.
* لقد استشرت ظاهرة بث الاشاعات في المجتمع، فعلى من تقع مسؤولية استئصالها؟ - لا أدري ان كانت هناك امكانية لاجتثاث الاشاعة على الاطلاق، أم لا؟ فالإشاعات موجودة في المجتمع على الدوام. ولكن أعتقد ان الناس المستهدفين من الاشاعات، إذا تعاملوا معها بوعي، من جهة، ونشرت الأخبار الصحيحة في وسائل الاعلام، من جهة أُخرى، تزول مبررات الاشاعة تلقائياً.
* صرحتم في يوم انتخابات الثاني من خرداد «ما من أحد يكون بالنسبة لي كالهاشمي» فما معنى كلامكم هذا؟ - يعود سبب ذلك إلى ان لي مع الهاشمي علاقة تعاون وصداقة منذ عام 1336 [هـ.ش]، أي من قبل 41 سنة. وهذه المدّة من الصداقة طويلة جداً وتعادل ضعف أعماركم. وهناك في هذا الصدد مقارنة لطيفة وهي انني حينما صرحت بهذا الكلام لم يكن السيد خاتمي قد انتخب بعد. والطريف في الأمر ان السيد خاتمي كانت له مثل هذه العلاقة معي منذ ذلك التاريخ؛ أي منذ عام 1337، لكنه كان صغير السن حينذاك. وحينما أردت المجيء إلى قم عام 1337، كان والدهُ المرحوم آية اللّه خاتمي - وكان ذا شخصية جليلة ومكانة كريمة - من مشهد وتعرفت عليهم هناك، وكان هو واخوته في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، ولم أكن أكبرهما في السن أكثر من خمس أو ست سنوات، إلا ان مثل هذا الفارق السنّي كان بيّناً آنذاك. فإذن لدي مع السيد خاتمي تاريخ طويل من الصحبة. وعلى كل حال فالوضع حسن حالياً. ورئيس الجمهورية قريب منّا جداً في الوقت الحاضر، وعلاقتنا والحمد للّه وديّة وحسنة.
* ما هو رأي سماحتكم في اعطاء الأولوية لمن لديهم خدمة في الجبهة ومشاركة في قوات التعبئة وللمضحّين، في دخول الجامعة والقبول في الدراسات العليا؟ وهل يجب حتى الوقت الحاضر منح هذه الأولوية للقوى المخلصة للثورة؟ - وما الضرر في ذلك؟ لا يبدو لي أي ضرر في ذلك. قال أمير المؤمنين (ع): «ولا يكوننَّ المحسن والمسيء عندك سواء». فمن خدموا الثورة والدولة بصدق ورابطوا عند تخوم الحدود واضطلعوا بمهمة الحرب في حين غفونا نحن بملء أعيننا، ما المانع من اعطائهم مثل هذه الأولوية؟ ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال ان تطغى هذه الأولوية على الموازين العلمية، بل ينبغي اكتساب درجة علمية أيضاً. فليس ثمّة شخص أمّي يدخل الجامعة. ومن حسن الحظ ان هذا النهج هو الذي كان متبعاً في ما مضى؛ إذ قدموا لي تقريراً قبل ثلاث سنوات ذكروا فيه ان الشباب الذين دخلوا الجامعات في ضوء هذه الأولوية، حصل بعضهم على مراتب علمية ممتازة. والحقيقة انهم يجب ان يكونوا على هذا المنوال. وعلى كل حال تبدو هذه الأولوية حسب رأيي اجراءاً حسناً كتثمين لتلك التضحيات.
* يرجى ابداء رأيكم بشأن مستقبل النشاطات السياسية للطلبة الجامعيين والمنحى الذي تسير فيه؟ - لقد أبديت رأيي في هذا المضمار من قبل. فقد ذكرت قبل ثلاث سنوات ان طلبة الجامعات يجب ان يكونوا ساسة. وتحدثت من بعد ذلك بلهجة حادة عمن يحاولون ابعاد الجامعة عن السياسة. وذكرت بعد سنة من ذلك، أو ربّما في تلك الأثناء في اجتماع طلابي عقد آنذاك، أنه لا يلتبس المعنى ولا يفسّر كلامي على ان النشاط السياسي يجب أن يكون بالضرورة موجهاً ضد الحكومة وضد المسؤولين وضد النظام. لأن بعض المغرضين يفسرون النشاط السياسي بهذا المعنى متصورين ان النشاط السياسي يعني التلاعب السياسي. في حين يمثل هذا النمط من النشاط السياسي نوعاً من التحايل والغش بحيث يتوهم المرء ان النشاط السياسي في الجامعات يتحقق فقط عبر المهاترات والسباب وتوجيه التهم لهذا وذاك. بينما يعني النشاط السياسي في حقيقته توعية الطالب لكي تصبح لديه قدرة على التحليل السياسي. فإذا افتقد الطالب القدرة على التحليل السياسي يصبح من السهل خداعه. وفي انخداع الطالب مرارة أليمة يصعب تحمُّلها. فإذا أراد الطلبة أن تكون لديهم قدرة على التحليل يجب عليهم ممارسة النشاط السياسي ومطالعة المواضيع السياسية والكتابة فيها ومناقشتها والتداول فيها. وإذا هم لم يفعلوا ذلك لا يتسنى لهم اكتساب مثل هذه القدرة. وأنا لازلت على رأيي هذا حتى اليوم.
* يرجى من سماحتكم تقديم المزيد من المعلومات بشأن خصائص الجامعة الإسلامية التي تنشدون ايجادها؟ - سبق لي وأن تحدثت في هذا الموضوع عدّة مرات، وهو بطبيعة الحال مما لا يمكن اختزاله في هذه العجالة بكلمة مقتضبة. ولكن أُشير باختصار إلى ان الجامعة الإسلامية باعتقادي هي تلك الجامعة التي يكون فيها للعلم قيمة حقيقية. فالإنسان لا يكتسب العلم في سبيل لقمة العيش التي يحصل عليها عن هذا الطريق. لاحظوا ان رسول اللّه (ص) قال: «اطلبوا العلم ولو كان في الصين». أي إذا دعت الضرورة يجب السفر في تلك الظروف من الحجاز إلى الصين لتكسبوا العلم. ومن الطبيعي ان النفقات كانت باهظة جداً في ذلك الوقت لمن كان يريد السفر إلى الصين على ظهر بعير أو على ظهر سفينة. ومن غير الممكن بذل تلك الجهود في سبيل منفعة مادية. ويفهم من هذا ان للعلم بحد ذاته قيمة. والجامعة الإسلامية يجب ان تتحلى بمثل هذه الخاصيّة. يجب ان تطبّعوا قلوبكم على حب العلم وتعتبرونه فضيلة، وتسعون وراء اكتسابه في سبيل اللّه وبنيّة خالصة. كما ويجب عليكم يا أعزائي تهذيب أنفسكم وغرس السجايا الأخلاقية في ذاتكم، فالعالم والباحث والمحقق والنابغة يمثلون ثروة ثمينة لكل بلد، ولكن على شرط ان يكون بناء كل واحد من هؤلاء قائماً على ركيزة أخلاقية، ولدى كل منهم ضمير أخلاقي حي، وإلا فلا جدوى من وراء ذلك العلم. أنتم على معرفة بعدد الطلبة الذين درسوا في هذه الجامعات في العهد البائد ولا شك في انهم كانت لديهم طاقات جيدة. إلا انهم تركوا بلدهم في ما بعد وذهبوا إلى الخارج وصار كل واحد منهم يخدم دولة أجنبية معادية لشعبه. فهم أكلوا من زاد هذا الشعب ودرسوا في جامعاته ولكنهم جعلوا أنفسهم خدمة للأجانب ومكثوا هناك حتى آخر حياتهم. ويعود السبب في كل ذلك إلى افتقاد الضمير الأخلاقي الحي. وكلامي هذا من باب الاختصار، وإلا فلو شئنا الاسهاب في الحديث عن هذا الموضوع لاستغرق ساعة من الوقت.
* تشرفنا في شهر رمضان عام 1376 بالذهاب إلى مكّة المكرّمة برفقة السيد «أبو ترابي» وقد أحدثت زيارة بيت اللّه انقلاباً عميقاً في نفسي. وأعتقد لو تمّت الاستفادة من اساتذة العلوم الأساسية والفنية والهندسية في المسائل الفقهية لأدت إلى خلق رؤيا جديدة للمسائل الفقهية وخاصة في مجال معرفة اللّه. وأُشير في هذا المجال إلى ان الاساتذة الذين تحدوهم رغبة عميقة لزيارة مكة المكرمة لأداء حج التمتع، يمكنهم الاستفادة من هذا الفيض؟ - إذا كنت قد ذهبت إلى مكّة وعثرت على الطريق المؤدي إليها – أي عن طريق السيد «أبو ترابي» - فلا شأن لك معي أنا. ويبدو ان مفتاح هذه القضية بيد السيد «أبو ترابي». ويا ليت السيد «أبو ترابي» يمكنه أن يأخذني أيضاً إلى مكّة، فأنا ذهبت إلى هناك مرّة واحدة فقط طوال عمري، ومكثت هناك عشرة أيام لا أكثر. أما أنت فقد ذهبت وبقيت هناك – والحمد للّه - شهراً. ومن المؤكد انك اقتبست من الفيض أكثر مما اقتبسنا. أما بالنسبة لموضوع الاستفادة من الاساتذة ومن العلوم المختلفة في البحوث الفقهية - وبالمناسبة فان بحث معرفة اللّه بحث كلامي وليس فقهياً - فهو كلام صحيح وصائب جداً، ومعناه الاستفادة من الاختصاصات لاستكناه الموضوعات. أحد النواقص الأساسية في موضوع الفقه هو الضعف في معرفة الموضوعات؛ لأن الحكم الفقهي حكم عام يجب تطبيقه على الموضوع، فإذا لم يكن للفقيه معرفة بالموضوع سيخطئ حينئذ في معرفة الحكم وفي مطابقته. كما هو الحال بالنسبة لمن يجهل الشؤون الاقتصادية ولا يفهم معنى الاعتبار المصرفي، ولا الأنظمة المصرفية، فتكون النتيجة انه لا يفهم على وجه الدقّة حكم الربا الوارد في القرآن، وقد يفتي على نحو مغاير للواقع. هذا فقط مثال واحد، والأمثلة على هذا الموضوع كثيرة. إذن معرفة الموضوع قضية مهمّة. وأنا أُرحّب بهذه الفكرة باعتبارها فكرة حسنة. والسبيل المؤدي إلى مثل هذا العمل يتم عبر الاتصال بالحوزة العلمية بقم. ويا حبّذا لو يتفضل الأخ «أبو ترابي» بتولّي هذه المهمّة وتعريف الأخوة الراغبين بهذا العمل للحوزة العلمية وادارتها في قم.
* يرجى من سماحتكم بيان الأولويات السياسية والثقافية في الجامعات، والسبل الصحيحة التي ينبغي للحركات الطلابية الإسلامية الثورية انتهاجها لبلوغ تلك الغاية. - لقد أشرت - كما أعتقد - لموضوع الجانب السياسي. وأعتقد ان الأولويات السياسية لا ينبغي لها اليوم تحديد الموضوعات، بل يجب عليها ترسيم الاساليب. لأن الموضوعات لا يوجد في ما بينها تفاوت فاحش. ان البحوث السياسية للطلبة مفيدة حسب رأيي، ولكن يجب ان تكون بحوثاً عميقة وجوهرية لا مجرد بحوث شكلية. نحن على سبيل المثال نعترض على بعض الشخصيات والأفراد الذين يطرحون في كلماتهم آراء سطحية وشكلية. إلا اننا نلاحظ بغتة ان طالباً جامعياً تحدث في اجتماع أو محفل كبير أو صغير بصيغة شكلية خالية من كل جوهر. إذا كانت الصيغ الشكلية مستهجنة؛ فهي مستهجنة في كل مكان. وهذا ما يوجب على البحوث الطلابية ان تكون منفتحة ومرنة وذات سعة تستقبل الزيادة والنقصان، لكي تتنامى بالنتيجة قدرة التحليل السياسي لدى الطالب الجامعي. وهذا هو الهدف الذي يجب ان ترمي إليه البحوث السياسية لطلبة الجامعة لكي تتكون لديهم قدرة على التحليل السياسي. وهكذا ينبغي ان يكون الحال أيضاً فيما يتعلق بالقضايا الثقافية. والدخول في مثل هذه المواضيع يستدعي متّسعاً من الوقت، لهذا يُتجنّب الدخول فيها خشية الاطالة.
* غالباً ما يؤدي التنافس بين التشكيلات الإسلامية في الجامعات، والفعاليات الثقافية فيها إلى ان تُشل كل واحدة منهما عمل الأخرى، وكثيراً ما تصرف أوقات هؤلاء الأعزاء في الردود السياسية على أحدهما الآخر. وفي كثير من الحالات ينصب اهتمام كل واحدة منهما على الأخرى بدلاً من الاهتمام بالمواضيع الثقافية الأساسية، والهموم الكبرى في المجتمع. ويحصل أحياناً وان يقع شعار «قربة إلى اللّه» ضحية لأكبر المعاصي. فإذا رأيتم ثمة ضرورة، يرجى الادلاء بإرشاداتكم في هذا الصدد. - أعتقد ان طرح هذه المسألة تضمن بين طيّاتها الاجابة عنها بشكل تلقائي. وأعتقد ان ما ذكره الأخ ودوّنه على هذه الورقة بكل مرارة وألم يعكس ظواهر مؤلمة ومستهجنة فالطلبة لا ينبغي لهم الانشغال في التصارع في ما بينهم وافشال أعمال بعضهم الآخر، وليس لهم ان يثب أحدهم على الآخر أو ينتقم منه أو يتعامل معه بقبح وجفاء. والشباب المسلم يجب عليه سلوك منهج سوي وسليم.
* يبدو ان بعض الأعمال الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمعنا غير قائمة على أُسس علمية. ويمكن وبكل سهولة الحيلولة دون وقوع المشاكل أو التبذير والاسراف عبر اشراك الطلاب في بعض الشؤون. كيف تقيّمون دور الطلبة الجامعيين في مجال المشاركة الوطنية والاجتماعية. - الطلبة الجامعيون هم احدى الطبقات الحيّة والفعالة والناشطة. وعليهم المشاركة في القضايا الاجتماعية والسياسية على هذا النحو من النشاط والحيوية. ومن المهم جداً ان يكون لهم دور ومشاركة في شتى الشؤون والقضايا السياسية للمجتمع؛ كالانتخابات والمسيرات، والمواقف السياسية، وخاصة في ما يتعلق بالقضايا الدولية والعالمية. أما قولكم (انها خالية من الأُسس)، فمن الحسن ان تكون لها أسس علمية. وليس لديَّ رأي معيّن بهذا الصدد.
ما هو الواجب الأساسي للشباب الثوري من أبناء حزب اللّه؟ - أرى على الشباب الثوريين في الجامعات – لأن بحثنا يدور حالياً حول الطلبة الجامعيين – الاهتمام وإجادة التفكير والرقي بمعارفهم، والسعي للتأثير روحياً وفكرياً في الوسط الذي يعيشون فيه، وأن يتصف بالفاعلية لا الانفعالية. وهذه الأمور ممكنة؛ فبإمكان الشاب ان يكون له تأثير على المجموعة المحيطة به، كالصف الدراسي والاستاذ والبيئة الجامعية، عبر ما يتحلّى به من شخصية معنوية. ومن الطبيعي ان عملاً كهذا لا ينسجم وصيغ الألاعيب السياسية، وانما يتسنى نيله عبر الصفاء والنقاء المعنوي، ويكتسب عبر توثيق العلاقة مع اللّه تعالى. أدعوكم يا أعزائي إلى ان تأخذوا علاقتكم مع اللّه مأخذ الجد، فأنتم في سن الشباب، وأنا أدعوكم للاهتمام بهذا الجانب والتوجه إلى اللّه بالطلب والدعاء والمناجاة والصلاة بخشوع وبحضور قلب. وهذه الأمور في غاية الأهمية بالنسبة لكم. واياكم أن تعطوها دوراً هامشياً.
* أنا طالب في السنة الثانية في احدى الجامعات، لدي رغبة شديدة بدراسة العلوم الإسلامية واُريد أن أكون في المستقبل من علماء الإسلام ومن الدعاة إليه. يشير عليَّ البعض بإكمال دراستي الجامعية أولاً والدخول من بعدها في سلك الدراسات الدينية، ما هي توجيهاتكم لي في هذا الصدد؟ هل يجب ان أحصل على شهادة البكالوريوس أولاً ثم أتوجه من بعدها إلى الحوزة؟ أم يجب ان أحصل على شهادة الماجستير وأذهب من بعدها إلى الحوزة؟ أم أنال الدكتوراه ثم أدرس في الحوزة؟ أم يجب أن لا أدخل إلى الحوزة أساساً؟ أم يجب أن أدخلها الآن؟ - دخل بعض الطلبة الجامعيين إلى الحوزة وتابعوا الدراسة فيها وأحرزوا مراتب ممتازة، ونجاحاً منقطع النظير. وأعتقد ان بعضهم دخل الحوزة من بعد مرحلة البكالوريوس، في حين دخلها آخرون بعد مرحلة الماجستير، والبعض الآخر يدرسون حالياً في الجامعة وفي الحوزة في وقت واحد؛ إلا ان هذا العمل ينطوي على مشقة نوعاً ما. أما الأخ الذي أعرب عن رغبته في دراسة العلوم الدينية فيجب عليه النظر إلى ما يتحلّى به من استعداد ورغبة ومقدرة وكفاءة، لأنه لا يتيسر الحكم على ظواهر الأمور. فأنا لم أشاهدك على الظاهر ولا أعلم بما لديك من كفاءة. ولهذا السبب يبدو من غير المؤكد انني أتمتع بالصلاحية الكافية للحكم في هذا المورد. وإذا كان لديك حقّاً مثل هذا الشوق والاندفاع ولا رغبة لك في الاختصاص الذي تدرسه حالياً. يمكنك من الآن ترك هذا الاختصاص والتوجّه لدراسة العلوم الدينية. ولكنك ما دمت قد نجحت في امتحان القبول ودخلت الجامعة، ولابد وانك انهيت بعض الفصول الدراسية، من المؤسف ان لا تكمل دراستك الحالية. وأعتقد انه لا بأس بإتمام دراستك والحصول على شهادة البكالوريوس كحد أدنى. أما إذا كنت متردداً في الدراسة الحوزوية، وليس لديك رغبة عميقة بذلك، فلا تتخذ القرار فعلاً، وأقم على درسك.. حتى يحين وقت اتخاذ القرار القطعي لاحقاً. |