|
كلمة القائد أمام رئيس الجمهورية
وأعضاء حكومته بمناسبة أسبوع الحكومة
25/8/1998 (الموافق: 2
جمادى الأولى 1419 هـ).
بسم الله الرحمن الرحيم
ابتداءً، أقدم لكم - أيّها الأُخوة والأخوات
أعضاء الحكومة ولشخص السيد خاتمي رئيس الجمهورية المحترم الموقّر - التهاني
والتبريكات بمناسبة حلول اسبوع الحكومة الذي تمر فيه ذكرى شهادة شخصين عزيزين
على الشعب الإيراني، الشهيد رجائي والشهيد باهنر. كما ويمثّل هذا الاسبوع في
الوقت ذاته فرصة يطّلع خلالها الشعب على انجازات الحكومة على مدى سنة كاملة.
وبهذه المناسبة أسأل اللّه لكم - الإخوة والأخوات الكرام المخلصين الحريصين على
أداء الواجب - التوفيق في هذا النهج الذي أنتم عليه.
وكما أشار السيد خاتمي فان اختيار هذه المناسبة
كأسبوع للحكومة يرمز إلى مغزىً عميق يستدل منه على أن هذه الحكومة شُيّد صرحها
على هذه الأُسس الرصينة المتينة من الإيثار والتضحية والاخلاص، وان الشعب
الإيراني شهد عبر تاريخ ثورته الحافل بالأحداث مثل هذه الشخصيات التي تبوأت
مركز الصدارة في تقديم الخدمات له.
كان في تاريخ هذه الثورة الباهرة أُناس يحملون كل
معاني الحماس والايثار والاخلاص ولا يستهدفون من وراء خدماتهم أيَّ منال شخصي،
سواء مَن كان منهم على رأس الحكومة كهاتين الشخصيّتين البارزتين، أم كان في
سائر القطاعات الاُخرى من أمثال الشهيد مهدي العراقي الذي تمرّ ذكرى شهادته في
هذه الأيام، وكذلك الشهيد السيد لاجوردي الذي استشهد بالأمس والذي يعتبر حقاً
من تلك الشخصيات المؤثِرة والمضحية، قبل الثورة وبعدها كالشهيد رجائي. وهذا ما
يعد بالنسبة لنا درساً ومساراً تقتفيه اليوم بحمد اللّه حكومة الجمهورية
الإسلامية ومسؤولوها.
الهدف اعلاء كلمة اللّه
إخواني وأخواتي الأعزاء، إنّ ما يسهّل علينا مشقة
الأعمال أن غايتنا هي اعلاء كلمة اللّه. فالهدف الذي يبتغيه كل واحد منكم حيثما
كنتم هو العمل في سبيل اعلاء كلمة اللّه. ونحن إذا تمكنّا من السير بالبلد
والنظام وجماهير الشعب إلى ساحل السعادة في ظل الأحكام والقيم الإلهية،
والاقتراب بهم معنوياً وفكرياً وروحياً وأخلاقياً، أو مادياً ومعاشياً نحو
الوضع المنشود، فهذا عمل هدفه اعلاء كلمة اللّه. وهذه هي الغاية المنشودة من
وراء بعثة الأنبياء وجهادهم على مرّ التاريخ.
واليوم جاء دورنا، وها هي ساحة الجهاد مفتوحة
أمامنا؛ يجب علينا جميعاً أن نكد ونكدح ونتحمل الشدائد ونواجه المصاعب لنتمكن
من ان نقدّم لشعوب العالم مثالاً صحيحاً عن حياة شعب وإرادة بلد. هدفنا هو
إيصال شعبنا إلى السعادة التي أرادها له الإسلام، وكذلك من أجل أن نضع هذه
التجربة أمام أنظار البشرية في العالم كلّه، والتي تعد – من حسن الحظ - تجربة
جذّابة.
وعلى الرغم من الدعايات المعادية - وهي تنحدر
كالسيل منذ أول الثورة وحتّى يومنا هذا - على نظامنا الإسلامي وعلى الأساليب
الإسلامية في الادارة، وعلى الأهداف والمثل الإسلامية، إلا ان هذا النمط
الإسلامي وهذا النظام الإسلامي المتجسّد في شعبنا المسلم بقي محافظاً على مثاله
الجذّاب في أعين العالم. أما المطّلع على مجريات الأُمور ممن يتحسس قبح النظام
الجاهلي ولا يتأثر بسوء دعاياته، فلازال ينظر إلى هذا النظام باعتباره النموذج
المنشود. ولهذا يكون لزاماً علينا بذل غاية جهدنا لتسليط الأضواء عليه وبيان
حقيقته.
ضرورة تبيين الانجازات
بذلت جهود جبّارة خلال الفترة القصيرة المنصرمة
من عمر هذه الحكومة. وأؤكد على الإخوة المسؤولين بضرورة أن يُطلعوا الشعب على
مجريات الأُمور وإعلامه بالوعود التي تحققت وبالاجراءات المتّخذة باتجاه
الأهداف المطلوبة؛ لأن هناك انجازات تنفّذ وخطوات تُقطع على طريق التقدّم لا
علم للشعب بها. في حين نلاحظ الأعداء يركّزون على ما لدينا من نقاط ضعف فقط،
ويحاولون خلق نقاط ضعف لا وجود لها أساساً، وإذا كان لها وجود يحاولون تضخيمها
بغية قطع عُرى التماسك بين الشعب والنظام الإسلامي، بيد ان جهودكم قادرة على
الحيلولة دون تحقيق هذه المآرب.
الاخلاص في العمل
أؤكد على الإخوة والأخوات أن يؤدوا أعمالهم عن
اخلاص ويجعلونها قربة للّه لأنها تصب في مجرى ادارة شؤون بلد إسلامي، وهي خدمة
لا تضاهيها عبادة أُخرى عند اللّه ولا تقاس بها جهود أُخرى؛ فيما إذا أدّاها
صاحبها بإخلاص، أما إذا افتقدت عنصر الاخلاص فلا يرتجى من ورائها أجر ولا ثواب،
ولا ينتج عنها أيّ تقدّم.
عليكم أيّها الإخوة والأخوات ان تكون نيّتكم هي
نيل رضى اللّه تعالى في كل أعمالكم ونشاطاتكم، ومثل هذه النيّة وهذه القلوب
فيها الهداية لنا؛ لأننا إذا ما عقدنا العزم عليها فلن نقع في بعض الأخطاء التي
ترافق عملنا مما نكون نحن سببها.
النظم الاقتصادي
لقد أُنجزت على الصعيد الداخلي - والحمد للّه -
أعمال لا يستهان بها، من جملتها ما أشار إليه السيد خاتمي، أي النَظم
الاقتصادي.
وموضوع النظم الاقتصادي يجب تحويله من قرارات
مكتوبة إلى عملية تحديد وتوضيح لطرقه العملية، عن اعتقاد راسخ بوجوب مثل هذه
الأعمال. ومن المحتمل طبعاً أن يكون ثمة أشخاص سواء من ذوي الرأي أو غيرهم
لديهم آراء اقتصادية أُخرى. ولا اعتراض لدينا على وجود الآراء المخالفة، ولكن
ينبغي للجميع أن تتضافر جهودهم لإنجاز هذه المهمّة. ولابدّ ان يكون مثل هذا
القرار قراراً حقيقياً طويل الأمد. ولابدّ ان تُحقّق الكلمات التي أُعلنت في
هذه المجموعة كسياسة عمل، وان تُتّخذ الخطوات لمتابعة ما طرح بصفته مشروعاً
حيوياً وفاعلاً، من أجل وضعه حيّز التنفيذ بإذن اللّه. ولاشكّ في ان شعبنا خليق
حقاً في أن يبذل له المسؤولون كل وقتهم ويكرّسون كل جهودهم لهذا المشروع.
أما بالنسبة لشؤون البلد وما يتعلّق منها
بالقضايا الاقتصادية والاهتمام بتشغيل الشباب وتوجيههم فكرياً وروحياً
وثقافياً، فهي مسائل ذات أهمية بالغة. والشريحة الأساسية التي نوجّه إليها
خطابنا اليوم هي شريحة الشباب الذين يشكّلون طاقة بشرية كبرى في هذا البلد.
وهذه فرصة يمكن استثمارها باعتبارها نقطة قوّة. بينما يسعى العدو في الاتجاه
المعاكس، يسعى إلى احالة نقطة القوّة هذه إلى نقطة ضعف، وجرّ الشباب إلى مستنقع
الرذيلة وإفسادهم سياسياً واجتماعياً وسلوكياً بواسطة دعاياته الخبيثة.
من المؤسف ان البعض في الداخل يتصرّف بما يتواءم
وهذا الاتّجاه، بل ويقوم بذات العمل الذي يسعى العدو إلى تحقيقه كإضعاف ايمان
الشبّان وتقويض صلاتهم بالنظام والمسؤولين، وتثبيطهم ودفعهم إلى النظر للمستقبل
نظرة متشائمة، وسلب ثقتهم من الأجواء التي يعيشون فيها. ومن الطبيعي اننا لا
نتوقع من العدو إلاّ الأعمال العدائية. أمّا بالنسبة لطاقاتنا الذاتية فيجب ان
تتركز مساعينا على افشال مخططات الأعداء.
مهمة السياسة الخارجية
وفي مجال السياسة الخارجية فإنني أؤيد النهج الذي
اختطته الحكومة اليوم بما يعنيه من الاتصال بأكثر الدول وتطبيع العلاقات مع
جميع البلدان التي يمكننا اقامة علاقات معها. والأسلوب الصحيح في السياسة
الخارجية هو تركيز جهودكم لتُعلِموا العالم كلّه ان الحكومة الإيرانية والشعب
الإيراني يطمح في السير نحو سعادته بإرادته وبفكره وبطاقته، وهذا هو ما نسعى
إليه باعتبارنا شعباً مستقلاً. كما وان من حق شعبنا أن يفكّر في طي طريق سعادته
وتكامله بذهنه ورؤيته وبصيرته ودينه وقيمه. وهذا ما لا تستسيغه القوى الطامعة
في فرض ثقافتها ورؤاها على الآخرين، بيد ان هذا النهج ترتضيه الشعوب المنصفة
والخيّرة.
لا بدّ من التأكيد في علاقاتنا الدبلوماسية على
هذا الاستقلال وعلى هذه العزّة، وهذا النهج صحيح طبعاً وهو قيد التنفيذ.
فعلاقاتنا مع مختلف شعوب ودول العالم قائمة على التعاون والتفاهم.
وبالطبع هي ليست كذلك مع من ينتهج الغطرسة
والتجبّر ويبتغي حل جميع القضايا بأسلوب القوّة، كأمريكا، فهذه لا تنسجم
سياستها مع سياستنا.
الاعتداء الأمريكي الأخير
الأحداث الأخيرة التي وقعت في السودان وأفغانستان
مرفوضة كلياً من قبل كل الأحرار في العالم. فلا يمكن القبول على الاطلاق
بمهاجمة دولة لدولة أخرى ولشعب آخر، يستند المهاجم إلى ما لديه من قدرة،
وذريعته الوحيدة هي قدرته على التطاول والصولة على الآخرين. ان هذا المنطق
مرفوض لدى كل شعوب العالم الحرّة. وقد كانت لدينا - نحن في الجمهورية الإسلامية
- الشجاعة الكافية لنكون من المبادرين لإدانة هذا الفعل. ومع ان بعض الدول
الاُخرى تستهجن هذا الأُسلوب، إلاّ انها لم تكن على استعداد لإدانته ورفضه
بصراحة. أما نحن فلا ولن نخضع لمثل هذا النمط من استعراض العضلات.
هناك مؤاخذتان كبيرتان على ما وقع مؤخراً في
افغانستان وفي السودان، وهما:
أولاً: يعتبر هذا العمل فعلاً جنائياً. أنا لا
أعرف اسامة بن لادن، ولا أقرّ قتل السكان المدنيين في كينيا وتنزانيا، ولا نرضى
بوقوع مثل هذه الأعمال. إلا اننا ندين العمل الذي ارتكبوه في افغانستان بنفس
القدر الذي ندين فيه قتل الناس المدنيين الذين لا صلة لهم بأي عمل عسكري. قد
هاجموا في افغانستان عدداً من الناس الأبرياء وأطلقوا عليهم عشرات الصواريخ تحت
ذريعة الهجوم على قوى معادية!
وفي السودان دمّروا مصنعاً وقتلوا أُناساً لا
يُعرف عددهم، متذرعين بأنّهم علموا أو خمّنوا ان لأعدائهم يداً هناك! وهذا منطق
مغلوط وجريمة مدانة بغض النظر عن هوية فاعلها.
والحكومة الأمريكية مدانة على عملها هذا، وهي
دولة ارهابية، وعملها هذا ارهاب دولي، وهو أكبر وأشنع من الأعمال الارهابية
التي يقترفها أفراد غير مسؤولين.
المؤاخذة الثانية تقتصر على الفعل الأمريكي ولا
تسري إلى عمل خصومهم، وهي ان هذا التصرف الأمريكي اعتداء صارخ على بلد وانتهاك
لكرامة شعب.
ومن البديهي ان احدى فوائد الحدود الموجودة بين
الدول - وهي طبعاً ذات فوائد، وفي الوقت نفسه ذات أضرار - هي انها تشكّل حزاماً
أمنياً تعيش فيه الشعوب. فبأي مجوّز تخترق دولة أجنبية هذا الحزام وتهاجم تلك
الدولة بدون إعلان الحرب عليها، وترتكب هذا العمل الشنيع كما يحلو لها بكل تكبر
وغرور!! وعلى هذا الأساس فإنّ هذا العمل مرفوض ومُدان. ونحن نستهجن هذا النهج
التسلطي المتغطرس وندينه.
إنّ السبب الذي جعل الجمهورية الإسلامية تقف منذ
أول ثورتها وحتى الوقت الراهن في مواجهة ما تسمّيه بالاستكبار، هو انها تعتبر
هذه الأساليب العنجهية المتجبّرة التي تمارسها القوى الظالمة مرفوضة ومدانة.
وبنفس القدر الذي يُدان فيه الطالبان في هجومهم على الأبرياء في مزار شريف،
يُدان هجوم أمريكا على السودان وأفغانستان وقتلها للمدنيين.
كان أعداء الإسلام يعرفون موقفنا هذا. وحتى خصوم
القوى الظالمة أدركوا ويدركون اننا نسير على النهج والهدف الذي رسمه لنا
الإسلام، وهو نهج لا ظلم فيه ولا عدوان على حقوق الناس، ولا يتغاضى عن عدوان
الظالمين على المظلومين، وهو نهج جعل في حسبانه قضية حقوق الإنسان إلى أبعد ما
يمكن. هذا هو نهجنا، وهذه هي أهدافنا. وقد تمكّنا حتى الآن بحمد اللّه من
مواصلة السير صوب هذه الأهداف. ونأمل أن نتمكن بعد هذا من الاستمرار على نفس
المسار بكل قوّة واقتدار في ظل ما تبذلونه أنتم الإخوة المسؤولين في الجمهورية
الإسلامية من مساعٍ.
آخر ما أُوصيكم به أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء
هو ان تقدّروا أهمية فترة مسؤوليتكم في الحكومة، واعلموا أنّ هذه المسؤولية
تنقضي بسرعة، ولا يبقى لكم منها سوى الأجر والثواب من جرّاء الخدمة التي
تقدّمونها لأبناء الشعب. وعلى أبناء الشعب انّ يقدّروا أيضاً أهمية الحكومة
والمسؤولين.
ومساندة الشعب لكم ثروة إلهية كبرى يجب عليكم
صيانتها ان شاء اللّه عبر جهودكم المخلصة.
أسأل اللّه ان يكون عملكم مرضياً لولي العصر
(أرواحنا فداه)، ومبعث سرور لروح الإمام الخميني الطاهرة، وللأرواح الطيبة
لجميع الشهداء. كما واننا ندعو اللّه لكم بالتوفيق، عسى ان يعينكم على مواصلة
هذا الطريق الحافل بالفخر والعزّة.
والسلام عليكم
ورحمة اللّه وبركاته
|