كلمة القائد أمام عوائل الشهداء وجهاد البناء بمناسبة أسبوع الدفاع المقدس ـ.

      27/9/1998 (الموافق: 6 جمادى الثانية 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

أُرحبّ أحَرَّ ترحيب بالأعزّة من الأسر الكريمة للشهداء. والحقيقة انكم أنتم وشهداءكم مصابيح وهّاجة في تاريخنا ونظامنا، وقد آنستمونا بقدومكم المبارك هذا.

إنّ ما هو خليق بالكلام في مثل هذا اللقاء الحار والحافل بأريج الشهادة والمملوء بمعاني الود هو موضوع الشهادة والشهيد. وأود أن أعرض في هذا المجال على أسماعكم جملاً قصيرة حول هذا المعنى.

 

الشهادة ظاهرة زاخرة بالعظمة والتلألؤ

يمكن النظر إلى ظاهرة الشهادة من زوايا عدّة؛ إذ أننا من أية جهة ننظر إلى هذه الظاهرة نجدها زاخرة بالعظمة والتلألؤ. فإذا ما نظرنا إلى منزلتها عند اللّه تعالى نجد السنتنا عاجزة عن بيان مالها من قيمة كبرى عنده عزّ وجلّ وقد ورد في الحديث «إن فوق كل برٍّ برّ حتّى يُقتل في سبيل اللّه فليس فوقه برّ».

وإذا ما تناولنا هذا الموضوع من زاوية الدين وفلسفة الدين نجد هذا المعنى صائباً تماماً؛ فما من شيء أسمى من أن يبذل المرء ذاته ووجوده وبملء ارادته في سبيل هدف إلهي وكبير. وهذا هو معنى الشهادة.

ولذلك، تتخذ الشهادة عند اللّه تعبيراً خاصاً. وقد أكد القرآن الكريم ان القتل في سبيل اللّه لا يحسب موتاً كأي موت آخر، بل لها في المعيار الإلهي وفي الرؤية الدينية والقرآنية مفهوماً آخر ومعنى فاخراً. وكل من يكتب له هذا العطاء الإلهي وينال مفخرة الشهادة، عليه ان يشكر الباري جل شأنه.

إنّ أعظم لطف اللّه هو ما يَمُنَّ به على الشهيد؛ فهذه الدنيا – كما ترون – ما لأحد فيها بقاء، وكل من عليها فان، والناس يهلكون بشتّى أنواع الموت الذي لا يفرق بين كهل ولا شاب – والموت مكتوب على الجميع شباباً وشيوخاً، وصغاراً وكباراً - والموت قدر محتم جعله اللّه على الناس ولابدّ لهم أن يعبروا هذا الباب. إلا انه عزّ وجلّ جعل ميتة الشهيد على قدر كبير من الأهمية لم يجعله لسائر أنواع الموت الطبيعي. فهل هناك فضل على الشهيد أكبر من هذا؟

كلّنا ميّتون، ولكن ما أجمل أن يجعل اللّه تعالى هذا المصير في مسير يحظى بمثل هذا المقدار من الفضيلة! ولهذا يكثر الشهيد وهو في عالم الملكوت والبرزخ من شكر اللّه والثناء عليه لما منَّ به عليه من نعمة. ولحظة الشهادة من أطيب وأحلى اللحظات عند كل شهيد. فيا لها من فضيلة رفيعة سامية!

 

الشهادة هي حصيلة جهود جماعة من الناس

وإذا نظرنا إلى الشهادة من زاوية أُخرى نراها ظاهرة باهرة وذلك لأن كل عمل خيري سواها وأيّ برّ آخر يفعله الإنسان انّما هو عمله بمفرده، إلاّ الشهادة فهي حصيلة جهود جماعة من الناس. فالشباب الذي يمّم وجهه صوب الجبهة واستشهد هناك، لم يكن وحده قد جاهد فحسب، بل أنت والده قد جاهدت إذ ذهب. وتوجّه الشاب نحو مكامن الخطر - حيث يتهدد الخطر حياته - لا يعتبر جهاداً له فقط، وانّما يشاطره والداه جهاده، وتشاطره زوجته جهاده، ويشاطره أولاده جهاده، ويشاطره كل من يودّه جهاده.

والعجيب في الأمر هو ان هذا الجهاد لا نفاد له؛ فإذا ما توجّه هو إلى جبهة القتال ورابط هناك وصبر وجاهد إلى ان استقبل الشهادة وانتهى جهاده، لا ينتهي عند ذاك جهاد والدته ووالده. فصبرهما جهاد، ولا ينقطع عند هذا الحد جهاد أولاده وزوجته؛ لأن صبرهم جهاد. وهم إذا لم يتذمّروا، واحتسبوا كل ذلك في عين اللّه، واعتبروا ذلك الدم مفخرة لهم، فإنهم بشكرهم وصبرهم يغرسون بذور الشهادة ليتواصل نبتها بين سائر الناس، ويكونون مصدر تحفيز لهم للتسابق نحو الجهاد، وتصبح الحكايات التي يروونها عن صمودهم وبسالتهم مفخرة للشعب، ومدعاة لبروز الشعب والبلد على صعيد الرأي العام العالمي بشكل مثالي.

ولو كان آباء وامهات وأزواج الشهداء يتذمرون ويتأوّهون ويتشكّون ويظهرون معالم الجزع والمنّة، هل كانت تنعكس عن هذا الشعب مثل هذه الصورة الوضّاءة؟! الحقيقة هي أنكم رفعتم رأس هذا الشعب وأبرزتم صورته الناصعة من خلال كلامكم وسلوككم ومن خلال شموخكم واعتزازكم باستشهاد ابنائكم.

ولا زال هذا الجهاد قائماً حتى يومنا هذا. لقد مرّت سنوات على التحاق الشهداء برضوان ربّهم، وأدّوا ما عليهم، بيد أن جهادكم لازال متواصلاً. فأية فضيلة وأية مأثرة تتألف من مثل هذا التركيب المتداخل من شتى ألوان المجاهدة وتستمر لمثل هذه المدّة المديدة؟!

كل منقبة أو مأثرة تُؤدّى مرّة واحدة وينتهي الأمر؛ فمن يتصدق في سبيل اللّه يدفع تلك الصدقة وينتهي الأمر، إلا الشهادة فإنها أسمى من هذا.

 

تأثير الشهادة على الشعوب

وإذا نظرنا إليها من زاوية ثالثة نراها على قدر عظيم من الأهمية بحيث كلما دنا منها الإنسان لمس عظمتها أكثر فأكثر كالجبل الشاهق الذي يراه الإنسان عن بعد مجرد جبل ولكنه كلما اقترب منه تعذّر عليه الاحاطة به فكرياً. ولهذه الظاهرة تأثير في مناحي التقدّم الهائل لكل شعب. فأي شعب استند إلى مبدأ الشهادة، يعني عرفها وتعلّم منها، يبقى على الدوام شامخاً لا يُهزم.

تستخدم القوى الكبرى عادة أساليب الاغراء والتهديد، والرشوة، والضغوط الاعلامية والعسكرية وما شاكلها في سبيل فرض أفكارها وارادتها على الشعوب وعلى الحكومات وعلى الدول وعلى النخبة فيها. ولكن من ذا الذي ينهار أمام هذه الضغوط؟ ينهار أمامها كل منخدع بمغريات الدنيا وكل مغرور بزخرفها وزبرجها. لأن أمثال هؤلاء الناس يخشون الموت عادة، وهؤلاء هم الذين يتسنى للقوى الكبرى تسخيرهم لإرادتها. فإذا كانوا على رأس السلطة في بلدانهم، يجلبون على شعوبهم الويل والدمار. وإذا كانوا في أوساط الشعب، يخذلون حكوماتهم عند الشدائد.

هؤلاء الناس متعلقة أفئدتهم بمظاهر الدنيا البراقة الخادعة، ويجهلون باطنها وما فيه من أسباب السعادة والعزة والفلاح.. هم نقطة الضعف في حياة الشعوب. وهنا تكمن نقطة ضعف البشرية.

فإذا كان هناك شعب يؤمن بمبدأ الشهادة يعني أن مسألة الشهادة في سبيل اللّه محلولة بالنسبة له، لا بمعنى أن يريدوا من الناس أن يذهبوا كلهم نحو القتل ويقتلون، بل بمعنى أنه إذا استلزمت الضرورة، وإذا اقتضت عزّة وتاريخ ومصلحة ذلك الشعب أن ينفر بعض أبنائه ويضحون بأنفسهم، تكون هناك ثلّة مستعدة للتضحية، فهو لا يواجه أيّة مشكلة في هذا السبيل.

فالشعب الذي يكون هكذا أو منجباً للشهداء، والشعب الذي يؤهل ابناءه شباباً ورجالاً ونساءً للقتل في سبيل اللّه، هل يخضع للتهديد؟ وهل يرتشي؟ وهل يستسلم للجبابرة؟ وهل يداهن الاستكبار؟ كلا وألف كلا.

وإذا نظرتم إلى ما لهذه الدولة اليوم من عزّة وعظمة فهي بفضل دماء أعزّتكم، ولا تجدون أحداً في الحكومة أو من المسؤولين أو من أي فئات الشعب يرتضي أدنى مساس يصيب عزة هذا الشعب، وهم يقفون جميعاً كالطود. ولن يجني الاستكبار من وراء ضغوطه سوى الخيبة. وهذا ما ثبت على مدى عشرين سنة - منذ مطلع الثورة وحتى اليوم - حيث مارس الاستكبار خلالها الضغوط كتألّب الدول المجاورة ضدنا وشن الحرب علينا، ومحاصرتنا اقتصادياً، واثارة الدعايات ضدّنا وكيل التهم لنا، والسعي لزرع الاختلاف والانشقاق بين ابناء شعبنا، وتجريد الناس من معتقداتهم.

لقد اندحر الاستكبار في كل هذه الهجمات الغادرة وسيندحر في ما يأتي منها لأن هذا الشعب أصبح بفضل دماء الشهداء شعباً شهماً ومنجباً للشهداء.

لاحظوا مدى تأثير الشهادة في سيادة وسعادة الشعوب. ان وجود أمثال هؤلاء الرجال والنساء والشباب هو الذي يضمن للشعوب سعادتها في الدنيا والآخرة، وسيتمكن الشعب الإيراني بعون اللّه وبفضل دماء الشهداء وببركة الشهادة من ازالة كل المعوّقات التي تعترض سبيله، ولن يكون بوسع هذه الأحقاد وكل ألوان والتربّص أن تصمد طويلاً أمام عزم وصلابة هذا الشعب، وستتلاشى وتزول. ويعود سبب ذلك إلى ما يتّسم به شعبنا من وعي. وعلى عوائل الشهداء الالتفات إلى هذا المعنى.

 

الجميع مكلّفون بحراسة دماء الشهداء

البعد الآخر للشهادة هو أن الجميع مكلفون بحراسة دماء الشهيد. ولكن ما معنى حراسة دم الشهيد؟ معناه وجوب حماية الهدف العظيم الذي سعى إليه هذا الشاب وهذه الاسرة. وهذا الأب وهذه الأم، وكُرّست له الهمم العالية والمعنويات التي لا تعرف الهزيمة.حافظوا على هذا الهدف أكثر من أرواحكم.

لقد جاهد شهداؤنا في سبيل اللّه، وتحملوا المصاعب والشدائد من أجل اقامة حكم اللّه في هذا البلد - لما في هذا الحكم من سعادة في الدنيا والآخرة - كما وأظهر آباء الشهداء وامهاتهم وعوائلهم أفضل معاني الصبر وأجملها في سبيل اللّه. هذا هو نهج الشهداء.

الطريق الوحيد الذي يعود بالسعادة الحقيقية على هذا الشعب هو طريق الدين وطريق تطبيق أحكام الإسلام. والدين هو طريق اعمار دنيا الناس وآخرتهم ويدفع عنهم شر الأعداء. وكل من يسعى لعزل الناس عن الدين انّما يسعى لقلع جذور سعادة الشعب - ولن يفلح طبعاً في مسعاه - وليس بإمكان أية قوّة في العالم أن تصارع شعباً يحمل هذا الإيمان والاخلاص ويتّصف بمثل هذه المشاعر.

عليكم جميعاً - أنتم ذوي الشهداء آباءً وأمهات وزوجات وأولاداً - أن تحتفظوا بمفخرة صيانتكم لدماء الشهيد وسيركم على نهجه وحملكم لرايته بما تعنيه من تمسّك بدين اللّه وحفظ للقيم الإلهية.

أسأل اللّه أن يمن على عموم الشعب الإيراني وعليكم خاصة بمزيد من الفضل والرحمة، ويحفظ هذا الشعب من شر الأشرار وينصره على أعدائه الحاقدين، وان يشملكم وشهداءكم بدعاء ولي العصر (أرواحنا فداه). انه تعالى سميع الدعاء.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته