كلمة القائد أمام لفيف من الأسرى المحررين وعوائل الشهداء

 18/8/1998 (الموافق: 25 ربيع الثاني 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

أُرحّب بكم جميعاً أيّها الإخوة الأعزّاء الذين تجشّمتم عناء السفر من مدن نائية وأماكن قاصية وقدمتم إلى هنا وشرّفتمونا بزيارتكم لنا. أسأل اللّه أن لا يفرّق بيننا وبينكم الشباب الصالحين والتعبويين والمضحين، في الدنيا والآخرة.

 

أحرارنا مبعث فخر

تدخل هذه الأيام في عداد ذكريات الوقائع الخالدة في تاريخ الثورة الإسلامية الكبرى، بل وفي تاريخ هذا البلد، وتلك هي ذكرى العودة الظافرة لأحرارنا الأُباة. وأرى لزاماً على كل واحد من أبناء هذا الشعب أن يحتفظ في ذهنه على الدوام بمثل هذه الذكرى وغيرها من الذكريات المشابهة. كانت قضية عودة الأسرى الإيرانيين - الذين أطلق عليهم لقب الأحرار، وهم يستحقّونه بكل جدارة - حادثة إلهية، وكانت للقدرة الربانية يد في ايجادها. وكان صمود أحرارنا الأُباة طوال سنوات الأسر العصيبة في يد العدو، مبعث فخر وعزّة للشعب الإيراني.

نحن لسنا أهلاً لشكر الأحرار والمضحّين، والثناء عليهم على ما تحملوه من الشدائد والمحن، وانّما لكم الشكر والأجر من اللّه تعالى، ولكن في الوقت ذاته على الشعب الإيراني بأجمعه أن لا ينسَ حيثما كان هذه التضحيات.

 

أهل الصمود

هناك نقطة أساسية يجب على الجميع أخذها بنظر الاعتبار، وهي ان أي بلد إذا أراد الحياة الحرّة الكريمة الخالية من قيود التبعية للأجنبي وللقوى الغاشمة في العالم، لابدّ له من التمسك بنهج الصمود. ولكن من هو الذي يضطلع بمهمة الصمود في المُلمّات؟ لابدّ وان الذين يضطلعون بهذه المهمّة هم خيرة أبناء ذلك الشعب وأكثرهم اخلاصاً واستعداداً للبذل والتضحية، وهم الذين يذودون عن استقلال البلد وعن كرامته وهويته الوطنية.

وفي ظل النظام الإسلامي انبرى للقيام بهذا الواجب أُولئك الشباب المضحّون الذين صمدوا طوال سنوات الحرب وما قبلها، في ميادين الحرب؛ وأعني بهم شهداءنا الكرام والمضحّين الأعزاء والأحرار الأُباة، وعوائلهم، والمفقودين. والاقتدار الحقيقي للبلد رهين ونابع من وجود كل من صمدوا على هذا السبيل من عسكريين وحرّاس ثورة وقوات تعبئة؛ أي جميع القوى المؤمنة السائرة على نهج حزب اللّه في هذا البلد. وكل شعب لديه مثل هؤلاء الشباب لا يمكن لأية قوّة عالمية غاشمة أن تتحداه أو تفرض هيمنتها عليه أو تتحكم بزمام أُموره.

على الشعب الإيراني أن يشكر قلباً ولساناً كل هذه التضحيات، ونحن جميعاً نستشعر آيات الامتنان لهؤلاء المضحّين.

 

أوهام المتخاذلين

من الطبيعي ان المتغرّبين ومن باعوا ضمائرهم للأجنبي ومن يحلمون بعودة العهد الطاغوتي ويميلون إلى مدّ جسور التقارب مع أمريكا والانضواء تحت لواء القوى المتجبّرة في العالم، ومثل الحكومات العميلة البعيدة عن اسم الإسلام وراية الإسلام، لا موضع لهم في مجتمعنا ولا يحظون بالترحاب بين أبناء هذا الشعب. إنّهم يحاولون الاستخفاف باسم حرس الثورة والجيش وقوات التعبئة والشهداء والمعوّقين والأحرار والمضحّين.

فهؤلاء ترى الغيظ بادياً على وجوههم حينما يأتي الحديث على ذكر المضحّين أو عوائل الشهداء أو قوات التعبئة أو القوى المؤمنة من أبناء حزب اللّه التي تمثل الأغلبية العظمى من الشعب الإيراني. في حين ان هذه القوى هي التي حافظت على إيران ولازالت تحافظ عليها اليوم. وحيثما وجد اليوم أيّ تهديد أو خطر ضد هذا البلد تجد الناس الذين يتحلون بروح الإيمان وبنزعة الإيثار هم المستعدون للنزول إلى الساحة وبذل النفس والنفيس.

أمّا الأشخاص الغارقون في حب ذاتهم فلا يفكّرون طوال أعمارهم إلا بمصالحهم الشخصية، ولا يرتجى منهم الدفاع عن البلد والذود عن مصالح الشعب، ولا تجد لهم أثراً في الشدائد ولا في زمان الحرب، أمّا في وقت الرخاء فهم أطول ألسنةً من الجميع، {سَلَقوكُم بألسنة حداد}.

الشباب الذين يرتجى منهم حماية البلد، ومؤازرة الحكومة والمسؤولين، والذود عن الثورة ، والدفاع عن اسم الإمام الخميني، وحماية قيم الثورة، والتصدّي للمخاطر، هم أولئك الشباب المؤمنون من ابناء حزب اللّه ومن أفراد قوات التعبئة الجماهيرية ممن وقف وأمثالُهم طوال سنوات الحرب الثمانية بكل بسالة وصلابة، وإليهم يُعزى ما لدينا من اقتدار وطني. ونحمد اللّه أن الأغلبية الساحقة من ابناء الشعب هي القوى المؤمنة الموالية للإسلام وللثورة وللإمام ولنهج الجمهورية الإسلامية، والمعادية لأمريكا ولمختلف الشياطين الطامعين بهذه الأرض.

 

خطأ التحليلات المعادية

ان الأعداء الذين يتوهمون أنهم يرون لهذا الشعب أحلاماً وردية من وراء الحدود، لا ينظرون إلى الأغلبية الساحقة من جماهير الشعب، وهم مخطئون في تحليلاتهم كما هو شأنهم على الدوام. ولهذا سيُمنَون بالفشل بإذن اللّه. وهذا هو السبب الذي يحول دون أن أشعر بأي قلق إزاء الأوضاع الداخلية للبلد.

يراجعني البعض بين الفينة والأُخرى مبدياً قلقه إزاء ما يجري في البلد، إلاّ إنني غير قلق؛ وذلك لعلمي بأنَّ هذا الشعب شعب حي ومؤمن، ولثقتي بأن شبابنا تجري في عروقهم دماء حب الإسلام والإمام، وقلوبهم تنبض بذكر الإمام، وشعبنا شعب مؤمن ومتيقّظ.

نظراً لأن المحللين الأمريكيين والصهاينة والغربيين لم يأخذوا غالبية الشعب بنظر الاعتبار، لذلك وقعوا في أخطاء ومعادلات مغلوطة في فهم حقيقة هذا الشعب. فهم يأتون بحفنة من الأشخاص الذين يجيدون تذويق الألفاظ، ويوجدون الأبواق الاعلامية المناسبة، ثم يشرعون بالكلام. ولهذا تجد كل من يراهم يتصور أنهم هم أبناء الشعب لا أحد سواهم، في حين ان الشعب هو ذلك الشعب العظيم الذي قوّض بناء النفوذ الأمريكي في إيران، وطرد العائلة البهلوية الفاسدة منها.

هذا الشعب هو نفس ذلك الشعب الذي تصدّى على مدى ثمان سنوات لجميع القوى العالمية التي وقفت إلى جانب المعتدي الذي كان يرمي إلى تركيع هذا الشعب، هذا هو ذلك الشعب نفسه، والإسلام ذاته، وذات الثورة. أمّا الذين حلموا ان الثورة قد انتهت فليعبّروا أحلامهم بأوهامهم، فالواقع والحقيقة تكمن في ما يسير عليه هذا الشعب اليوم. ولهذا لا يساورني أيُّ قلق إزاء الأوضاع الداخلية للبلد؛ بسبب وجودكم الشبّان والناس المؤمنين، والعوائل المؤمنة في كل أرجاء البلد.

لا ريب طبعاً في وجود بعض الحاقدين ممن كانوا يميلون إلى أمريكا منذ بدء الثورة، على الرغم من جلوسهم على مائدة الإمام والثورة واستيلاء البعض منهم على بعض المناصب الحساسة. غير ان الإمام قطع أيديهم بمؤازرة الشعب. ومع ان أيديهم قطعت إلا انهم لم يموتوا، وبقي لهم وجود هنا وهناك، وهم يتوهمون أحياناً ان هذا الشعب قد مات. وهنا يكمن سر خطئهم، فيطلّون برؤوسهم بين الحين والآخر ويرفعون أصواتهم ويقومون ببعض الحركات الاستهزائية، إلا انهم سرعان ما يعودون إلى جحورهم خوفاً.

 

للحضور والأمل دور رئيسي

القوة هي قوّة هذا الشعب، والحكومة لهذا الشعب، ورئيس الجمهورية من هذا الشعب، والوزراء وكبار المسؤولين من أبناء هذا الشعب، ومجلس الشورى لهذا الشعب، والسلطة القضائية لهذا الشعب، وهذا شعب مقتدر مؤمن، في حين ان أولئك عملاء للأجانب، يتصرفون وكأنهم أجانب، ولا يمكن التفاهم حول شؤون البلد مع الاجانب.

إنّ ما أرتجيه منكم أنتم الشباب، وهو ما يجب عليكم متابعته بجد، هو أن يكون لكم حضور دائم في الساحة، وأن لا تفقدوا الأمل. واعلموا ان جميع الدعايات الباهظة التكاليف التي يثيرها العدو عبر صوت أمريكا والصحف والمجلات والصهاينة وغيرهم، تهدف بأجمعها بث اليأس في نفوسكم من المستقبل، ولتشيعَ بين الشباب أن مستقبل الإسلام في هذا البلد لا دوام له. وقد فاتهم أنّهم رسموا ما هو أسوأ من هذه الصورة قبل تسع عشرة سنة، لكن الشعب استطاع بصموده وقوته السير على طريقه المستقيم تحت زعامة الإمام الراحل، وإزالة تلك المعوّقات.

نحن اليوم شعب عزيز مقتدر، له شأنه في العالم، وما برحنا نسير على نهجنا ونعمر بلدنا، ويقل يوماً بعد آخر اعتمادنا على الخارج، ويتزايد استغلالنا لما لدينا من ثروات وطنية وطاقات بشرية وعلمية. كانت جامعاتنا ومراكزنا العلمية تعوّل في متطلباتها العلمية في كثير من الموارد على عناصر لا تعتقد بالإسلام، أما اليوم فهناك آلاف العناصر المؤمنة والحريصة التي ترعرعت في بلدنا وهي تحمل كفاءات علمية عالية. وهذا يعني اننا أحرزنا تقدماً كبيراً، ونحرز بحول اللّه وقوّته مزيداً من التقدم يوماً بعد آخر.

 

مأساة أفغانستان

ليعلم الأمريكيون انهم لن ينالوا أية نتيجة من وراء الأحداث والاستفزازات التي أوجدوها في ارض جارتنا الشرقية أفغانستان. انني أشعر طبعاً بأسيً بالغ للشعب الأفغاني، وآسف لوقوع البلد بيد حفنة جهّال لا تعرف مصلحتها ولا تفهم الإسلام، ولا تدرك السياسة، ولا تعي مؤامرات وأحابيل الطواغيت والأجانب، وتتصور كل شيء ألعوبة بيدها. إنّني أشعر حقاً بالامتعاض والألم للأوضاع الجارية في أفغانستان، ولدماء المسلمين التي تُراق هناك. واسأل اللّه أن يمنَّ على هذا الشعب الذي صمد أمام الاتحاد السوفيتي، بالخلاص من أيدي الجهلة.

بالاضافة إلى التدخّل الأجنبي في شؤون أفغانستان، هناك وللأسف دول مجاورة تتدخل في شؤون هذا البلد، متوهمة أن ذلك ينتهي لصالحها. في حين لو قدّر لتلك الفئة القيام بما تريد - وهو أمر مستبعد طبعاً - لكانت أول وأكثر دولة يلحقها الضرر هي الدولة التي تساعدهم وتحميهم حالياً. إلا أنّها لا تدرك هذه الحقيقة. وهذه هي تجربتنا في أشباه هذه القضايا.

عدد كبير من المسلمين يموتون هناك. سمعت أن منطقة باميان التي تقطنها طائفة من المسلمين المؤمنين المظلومين تتعرض لقصف يزهق الكثير من الارواح، وذلك بسبب عدم وقوع هذه المنطقة تحت نفوذهم. وهذه السلوكية يمقتها الإسلام، والمسلمون منها براء.

الشعب الأفغاني شعب مسلم له تاريخ عريق في مقارعة الجور والجائرين. والذين يمارسون هذه الأعمال المنكرة اليوم لن يصلوا إلى الهدف. ولا بدّ أنهم سيتلقون صفعة قوية تلحق بهم أفدح الضرر.

وعلى كل الأحوال، ليعلم الذين يقومون بهذه الأعمال في افغانستان، أن وراء أعمالهم هذه أيد أجنبية انتهازية ومصلحية مثل أمريكا وغيرها من البُلدان الاستعمارية الطامعة بهذه المنطقة منذ القدم.

ما ذنب الشعب الأفغاني حتى يكون أُلعوبة تتحكم بمصيره زمرة جاهلة؟ الحقيقة هي أن هذا البلد يفتقر لمركزية قوية وراسخة يتسنى لها انقاذ البلد في مثل هذه الشدائد.

 

نحن نستنكر أفعال الطالبان

إنّنا نستنكر اعتقال موظفينا في مزار شريف، وإنه لفعل قبيح. وإنّ من مصلحة هذه الزمرة الاسراع لتلافي هذا العمل القبيح، واعادتهم إلى بلدهم بكل احترام، فالشعب الإيراني وحكومته وقوّاته العسكرية لا يتحمل التحدي والاستفزاز حتى من أمريكا، فما بالك إذا كانت مثل هذه الاستفزازات صادرة عن حفنة من الحقراء الوضيعين.

أسأل اللّه أن يجعل الأُمة الإسلامية على درجة من الوعي بحيث لا ترى في عدوها صديقاً تنطلي عليها أحابيله، وان تكون لديها القدرة على معرفة مصالحها كما هو عليه الحال بالنسبة للشعب الإيراني العزيز الذي سلك هذا الطريق، وسيواصل السير عليه بكل صلابة واقتدار.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته