|
حديث القائد مع جمع من الشباب بمناسبة أسبوع الشباب في الجمهورية الإسلامية بتاريخ: 7/5/1998(الموافق: 11 محرم 1419 هـ). بسم الله الرحمن الرحيم س: ما هي المشاعر التي تنتابكم عند رؤيتكم للشباب؟ وما أول موضوع تودون أن تحدثونهم فيه؟ ج: أشعر حينما أكون بين الشباب وكأني أستنشق نسيم الصباح.. يلفني نقاء وصفاء وطراوة. وأول ما يتبادر إلى ذهني - عادةً - عند رؤيتي لهم، وهو موضوع فكرت فيه مرّات عديدة، هل الشباب يعرفون النجم الساطع المتألق على جبين كل واحد منهم؟ فأنا أستشعر وجود هذا النجم، فهل هم يستشعرون وجوده ايضاً؟ فالشباب نجم ساطع ومقرون بحسن الطالع. وأعتقد ان الشباب إذا التفتوا إلى هذا الجوهر النفيس الموجود لديهم، سيحسنون الاستفادة منه بعون اللّه.
س: كيف أمضيتم فترة شبابكم؟ ج: لم تكن الظروف آنذاك كما هي عليه الآن؛ فالأوضاع كانت في غاية الرداءة، وبيئة الشباب كانت مقفرة من أية جذابية، ليس بالنسبة لي وحدي أنا الذي كنت حينها طالباً أدرس العلوم الدينية - كنت أتلقى العلوم الدينية منذ مرحلة المدرسة الابتدائية - وانما بالنسبة لجميع الشباب الذين لم تتوفّر لهم أية رعاية وكانت الكثير من طاقاتهم توأَدُ فيهم. وهو ما كنت أراه بأم عيني في الأجواء الطلابية التي عايشتها، وكنت ألمس تلك المعاناة نفسها في الأجواء الجامعية أيضاً بعد ان توطدت أواصر علاقاتي مع تلك الأوساط لاحقاً، حيث كانت لي علاقات حسنة مع طلاب الجامعات استمرت سنوات طويلة. فقد كانت هناك طاقات هائلة، اضافة إلى من كانت لديهم طاقات خارج اختصاصهم الدراسي، إلا ان أحداً لم يكن يرعاها. لقد قضيت أغلب أوقات شبابي قبل الثورة مع الشبان. وكان عمري حين انتصار الثورة تسع وثلاثون سنة. أي انني أمضيت عمري اعتباراً من سن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة وحتى انتصار الثورة، مع الشباب، سواء طلبة العلوم الدينية أم غيرهم. وكنت أشعر حينذاك ان نظام محمد رضا بهلوي فعل ما من شأنه دفع الشباب نحو التحلل؛ ليس الأخلاقي منه فحسب، وانما ذوبان الشخصية الفردية أيضاً وفقدان الهوية الذاتية. طبعاً لا يمكنني القول ان ذلك النظام تعمّد التخطيط لسوق الشباب نحو السقوط والاسفاف، فقد يكون تعمد ذلك وقد لا يكون. ولكن يصح القول بداهة انه فعل ما ينتهي تلقائياً إلى مثل هذه النتيجة. أتصدّقون انني وأمثالي لم نكن نعرف حتى ونحن في سن ما بعد العشرين أسماء الحكومات التي كانت تأتي إلى رأس السلطة. ولكن هل تعلمون أحداً يجهل حالياً اسم وزير التعليم والتربية أو اسم وزير الاقتصاد والمالية أو من هو رئيس الجمهورية؟ هذه الأمور يعرفها اليوم حتى من يعيشون في أقصى نقاط البلاد. كانت كافة الطبقات الاجتماعية بما فيها طبقة الشباب، تعيش حالة جهل مطبق بشؤون السياسة. وكان أكثر ما يشغل أذهان الناس هي متطلبات الحياة اليومية، وكان بعضهم غارقاً في هموم المعيشة والعمل الشاق لكسب لقمة العيش، وكان بعض دَخلهم يُنفق طبعاً على قضايا جانبية أُخرى. إذا كنتم قرأتم الكتب التي دوّنت في عهدنا عن أمريكا اللاتينية وأفريقيا - من قبل ما كتبه «فرانتس فانون» وغيره، ولازالت كتبهم تتمتع بنفس الاعتبار - تدركون الظروف التي كنّا نعيشها إلا ان أحداً لم يكن ليتجرّأ للكتابة عن إيران، في حين كانوا يكتبون بكل حرية عن أفريقيا أو شيلي أو المكسيك. وأدركت حين قراءتي لتلك الكتب انّها تنطبق على أوضاعنا تماماً. فبعدما كان ذلك الشاب يمضي وقتاً طويلاً في العمل الشاق ويحصل على بضعة دراهم، ينفق نصفها في اللهو والفساد والعبث وما شاكل ذلك. هذه الأمور التي كُنا نقرأها في الكتب، كُنا نلمسها حيّة في واقعنا الاجتماعي. لقد كانت الأوضاع في غاية الرداءة وأجواء الشباب يرثى لها. إلا ان قلوب الشباب ومشاعرهم كانت على نحو آخر طبعاً، لأن الشاب بطبعه يميل للأمل والنشاط والتفاعل. وأنا شخصياً عشت فترة شباب زاخرة بالنشاط والحيوية. فقبل انطلاق الثورة كانت حياتي مفعمة بالحيوية بسبب ما كنت أمارسه من نشاطات أدبية وفنية وما شاكلها. وبعد اندلاع الثورة عام 1341 [هـ.ش] – وكنت حينها في الثالثة والعشرين من عمري - حينذاك الفيت نفسي في بؤرة التفاعلات الأساسية المحتدمة في البلد. وفي عام 1342 اعتقلت وسُجنت مرتين. وكما تعلمون فانَّ الاعتقال والسجن والاستجواب يُثير مشاعر الإنسان. وحينما يخرج من السجن ويشاهد جموع الجماهير السائرة في هذا الاتّجاه وهي تلقى التسديد والتوجيه من زعيم كالإمام (رضوان اللّه عليه) يزداد حيوية ونشاطاً. وهذا هو السبب الذي يجعل حياة امثالي ممن عاش وفكّر في مثل تلك الظروف مترعة بالنشاط والتفاعل. إلا ان الجميع لم يكونوا على هذا النحو. من الطبيعي ان الشباب حينما يلتقون مع بعضهم يستطيبون كل شيء بسبب ما يكتنف طباعهم من بهجة ومرح. فالشباب يلتذ بالطعام وبالكلام وبالنظر في المرآة وبالنزهة، ولعلكم لا تصدقون ان اللذة التي تستشعرونها في تناول طعام شهي، لا يستشعرها الإنسان الذي يعيش في مثل أعمارنا. كان الكبار - ممن كانوا في مثل أعمارنا حالياً - يقولون لنا حينذاك اشياء كُنا نستغربها ونتعجّب من طريقة تفكيرهم تلك، إلا انني أخذت أدرك حالياً انهم لم يكونوا يتحدثون بذلك اعتباطاً. وأنا حالياً لم أنقطع عن مرحلة الشباب كليّاً؛ فأنا ما برحت أحس في ذاتي شيئاً من روح الشباب، ولم أسمح لنفسي – والحمد اللّه - ولا أسمح لها، ولن أسمح لها في المستقبل بالانحدار والوقوع في مخالب مشاعر الشيخوخة. أما الذين أسلموا أنفسهم بيد الشيخوخة، لا يلتذون قطعاً بما يلتذ به الشباب في كل شؤون الحياة. كانت تلك الحالة موجودة فيما مضى. ولا أُريد القول ان أجواء الهموم والأحزان هي التي كانت سائدة، بل أقول ان أجواء الغفلة والضياع هي التي كانت سائدة بلا شك، حتى اننا حينما كُنا نفكر في القضايا الجادّة والجوهرية كُنّا نركّز اهتمامنا على اخراج الشباب جهد الامكان من دائرة النفوذ الثقافي للنظام. فأنا على سبيل المثال كنت أرتاد المساجد والقي فيها دروساً في التفسير، والقي كلمة بعد انتهاء الصلاة، واُسافر أحياناً إلى المدن الأُخرى وألقي كلمات فيها. وكان جُلّ همي هو استنقاذ الشباب من الشباك الثقافية للنظام التي كنت أعبّر عنها حينذاك بـ«الشباك الخفية»، وأقول ان هناك شباكاً خفية تسحب الجميع في اتجاه معيّن، وأحاول غاية استطاعتي تقطيع حلقاتها لانتزاع الشباب على قدر جهدي من أحابيلها. وكل من كان يفلت من تلك المصيدة الفكرية – وهو طبعاً ممن كان يتميّز بالتدّين أوّلاً، والميل إلى الخط الفكري لسماحة الإمام الخميني ثانياً - كان يكتسب نوعاً من الحصانة الفكرية. هكذا كانت طبيعة الأوضاع آنذاك. وغدا ذلك الجيل في ما بعد الركيزة الأساسية للثورة. وعندما ألقي في الوقت الحاضر نظرة في مجتمعنا يمكنني تشخيص الكثير من أبناء ذلك الجيل سواء ممن كانت لهم صلة بي أم ممن لم تكن بيني وبينهم صلة. وعلى كل الأحوال فأنتم تعيشون حالياً عهداً أفضل، وأجواءً أكثر ازدهاراً. ولا أزعم طبعاً ان كل شيء متوفر للشباب، أو كل شيء موجود على ما يرام. إلا ان الوضع في هذا الزمن أفضل بكثير بالمقارنة مع ذلك الزمن. فالشاب قادر، إذا أراد، أن يعيش في الوقت الحاضر حياة طيبة يتمسك فيها بهويته الإنسانية وشخصيته الذاتية.
س: ما هو تعريفكم للشاب المسلم؟ وما هي الخصائص التي يتحلّى بها؟ كيف يمكن للشاب أن يقطع شوط الحياة ويبلغ أهدافه؟ ج: شوط الحياة لا يُطوى بهذه السهولة. وهذا الشرط الذي ذكرتم في السؤال يجعل مهمتي في الاجابة عليه صعبة. فليس هناك من عمل مهم وجاد يمكن انجازه بسهولة، والإنسان إذا ما رام نيل شيء ثمين لابدّ له من بذل شيء من الجهد وتحمل المشقّة. وأنا أرى ثلاث خصال بارزة من بين سائر الخصال التي يتصف بها الشباب، وإذا قدّر لها ان توجّه نحو الصواب يبدو من الممكن عند ذاك احراز المطلوب في سؤالكم هذا. وتلك الخصال البارزة هي: الطاقة، والأمل، والابداع. هذه الخصال الثلاثة موجودة لدى الشباب. وإذا استطاعت الجهات المعنية بالحالة الثقافية كالخطباء والمهتمين بالشؤون الفكرية والثقافية، والاذاعة والتلفزيون، والمدارس توجيه هذه الخصال الثلاث في الاتجاه السليم، أعتقد ان الشاب سيتمسك بالنهج الإسلامي بكل بساطة. لأن كل ما يريده منا الإسلام هو انزال ما لدينا من طاقات كامنة إلى حيز الفعل. هناك في القرآن الكريم نقطة أساسية لا بأس بعرضها على أسماعكم أيها الشباب الأعزاء، وتلك هي التزام التقوى. وحينما يريد المرء تجسيد صورة عن التقوى تتبادر إلى ذهنه معاني الصوم والصلاة والعبادة والذكر والدعاء. صحيح ان هذه المعاني بأجمعها يتضمنها مفهوم التقوى؛ إلا ان أياً منها لا يعكس بمفرده معناها. فالتقوى تعني مراقبة الذات وان يلتفت الإنسان إلى كل عمل من أعماله، وان يصدر كل فعل من أفعاله عن قصد وفكر وارادة وعزم واختيار، كمثل الإنسان الذي يمتطي فرساً ويمسك زمامه بيده ويعلم إلى أين يريد المسير. هذا هو مفهوم التقوى. أما من حُرم من التقوى فأفعاله وقراراته ومستقبله ليس طوع يديه، تشبههُ أحد خطب نهج البلاغة بمن لا يعرف الفروسية وأُركب - لا برغبته - فرساً صعباً جموحاً، حتى وان كان ركوبه برغبته فهو لا يعرف كيف يمسك برشام الجواد.. لا يدري أين يذهب به الفرس، أين ما ذهب به لا يملك خياراً آخر، ومثله لا نجاة له. إذا نظرنا إلى التقوى بهذا المعنى يبدو لي من الممكن طي الطريق بسهولة؛ ولكن ليس بتلك السهولة طبعاً، لكنه على كل حال ممكن ومتيسّر. انه لمن الصواب جداً ان يتمسك الشاب بمنهج الإسلام في الحياة. فهو إذا كان متديّناً، ينظر دوماً ويراقب مدى صحّة أو عدم صحّة فعله وسلوكه ودراسته وعلاقته وفهمه للأمور. وهذا التفكير – في صحة أو سقم سلوكه - بحد ذاتها تجسيد للتقوى. حتى إذا لم يكن الشخص متديّناً واتصف بهذه الخصلة - التفكير والمراقبة على نفسه - فهي تنتهي به إلى انتهاج سبيل الدين والتديّن، كما جاء في قوله تعالى: {هديً للمتقين}. فالقرآن لم يقل هدى للمؤمنين. أي ان الشخص إذا كان متقياً - بالمعنى الذي ذكرته للتقوى - حتى وان لم يكن متديّناً، فهو بلا شك سيهتدي بهدي القرآن ويصبح مؤمناً. ولكن إذا لم تكن لدى المؤمن تقوى لا يُستبعد تزعزع إيمانه إذا صادفته ظروف وأجواء غير ايجابية، إلا أن يحالفه الحظ وتكون الظروف إيمانية والأجواء جيدة فسيثبت على إيمانه. وعلى هذا الأساس إذا أُتيح استثمار تلك الخصائص الثلاث وسددت إلى سبيل الهداية على نحو سليم، تتمخض عنها - على ما أعتقد - معطيات ايجابية ويعيش الشباب الحياة التي يرتضيها لهم الإسلام، لاسيّما ونحن نعيش اليوم - ولحسن الحظ - في بلد إسلامي. وهذه القضية في غاية الأهمية؛ فمن المهم جداً ان تكون مقاليد الأمور بيد الإسلام. فالذين يمسكون اليوم بزمام الأُمور يؤمنون بالإسلام من أعماق قلوبهم كما وان أبناء الشعب مؤمنون .. غرس الإيمان في قلوبهم. وهذا ما يعبّد الطريق إلى الاعتقاد بالإسلام، والعيش كما يريد الإسلام. أضرب لكم في ما يلي مثلاً أختم به جوابي على سؤالكم؛ ففي فترة الحرب التي لم تدركوا وللأسف أوج معانيها – وعدم ادراككم للحرب لا يوجب الأسف طبعاً، لكن المؤسف هو عدم ادراككم لتلك الخصائص الفريدة. وان الإنسان ليأسف على شباب كانوا بمثل أعماركم في ما بين سن الثامنة عشرة والعشرين كان لهم من رقة الروح والصفاء المعنوي يبلغون بهما أحياناً ما يبلغه العارف الذي يقضي أربعين سنة في السلوك المعنوي. وكان هذا المعنى ملموساً فيهم، ولم يكن عددهم قليلاً، بل كانوا كثرة - حينما كنت التقي بأولئك الشبّان كنت أشعر بتواضع حقيقي لا إرادي. أنتم تعلمون ان الإنسان حينما يقف في مقابل شخصية كبرى يلمس كمالاتها يقف على دنو وضعف نفسه. وهذا هو الشعور الذي كان ينتابني حينما كنت أقف أمام شباب مقاتلين من قوات التعبئة. لقد كانت الأوضاع على هذا النحو الذي يحوّل شباباً عاديين إلى شباب من هذا الطراز. أنتم على معرفة بأحوال الشباب في العالم؛ فقد شاعت بينهم ألوان الانحرافات وآلاف الأوبئة الأخلاقية والفكرية التي أوقعتهم بمصائب وبلايا لا حد لها ولا حصر.كهؤلاء الذين يطلق عليهم حالياً بـ «الروب» وكان في عهدنا يطلق عليهم بـ «الخنافس» وسمعت مؤخراً ان أبطالها يقضون سن الشيخوخة. ولاحظت مؤخراً في مجلة أجنبية نبذة عن تاريخ حياتهم وأين أصبح كل واحد منهم وماذا يفعل حالياً. ومن الطبيعي ان العقد النفسية والمشاكل الروحية هي التي تدفع بمثل هؤلاء الشباب نحو هذا الاتّجاه. واصبح هناك في البلدان المتخلفة من يقلدهم ويحذو حذوهم بدون ادراك لمدى وفداحة الأمراض التي يعاني أولئك منها، ويتوهمون أنهم على شيء من التقدم، في حين انهم يعيشون التردي والانحطاط. وفي نفس الوقت الذي يكابد فيه العالم مثل هذه الابتلاءات، كان شبابنا يعيشون أجواءً أُخرى، شباب إيران يعيشون حالة من الحيوية والنبل والرفعة مع شعور عميق بالبهجة واداء الواجب ووضوح الهدف والوعي لماهية العمل الذي يؤدّونه والغاية من ورائه، وعندها يدركون الفوز والسمو الحقيقي والمعنوي الذي منَّ به الباري عليهم.
س: بصفتنا طالبات جامعيات، كيف يمكننا الاقتداء بحياة السيدة الزهراء (عليها السلام)؟ ومن هو الأُسوة الذي اقتديتم به أنتم في مرحلة شبابكم؟ ج: هذا سؤال جيّد. وأُبيّن لكم أولاً ان القدوة يجب ان لا يُعرّف ويُقدّم لنا كقدوة ويقال لنا هذا قدوتكم؛ فمثل هذا الاقتداء تعاقدي ومفروض وخالٍ من الجذابية. فنحن الذين يجب ان نختار قدوتنا بأنفسنا. أي ان ننظر في أُفق رؤانا ومعتقداتنا الحقّة ونلاحظ الصورة التي نرتضيها لأنفسها من بين تلك الصور.. هكذا تصبح تلك الصورة وتلك الشخصية قدوة لنا. ولا أعتقد بوجود صعوبة في حصول الشاب المسلم وخاصة الشاب المطلع على حياة الأئمة وأهل البيت في صدر الإسلام، على قدوة له.. الأشخاص القدوة ليسوا قليلين. لقد ذكرتِ الآن اسم السيدة الزهراء (عليها السلام). أذكر بضع كلمات حول الزهراء (عليها السلام)، ولعل هذه الكلمات يمكن تعميمها في شأن الأئمة والأكابر، ويمكن لكم التأمل في هذا المعنى. انتِ سيدة تعيشين في عصر طغى عليه التطور العلمي والصناعي والتقني وعالمٍ رحب وحضارة مادية زاخرة بمختلف المظاهر الجديدة، فما هي الخصائص التي يتحقق فيها معنى الاقتداء بشخصية سبقك عهدها بألف وأربعمائة سنة مثلاً، هل تتوقعين في القدوة التي تتأسين بها ان يكون لها وضع كوضعك تقتفين أثره في حياتك الحالية وتفترضين على سبيل المثال كيف كانت تذهب إلى الجامعة؟ أو كيف كانت تفكر في القضايا العالمية، أو ما شابه ذلك؟ كلا، ليس الأمر كذلك، والأمور المطلوبة التي يُقتدى بها ليست هذه؟ بل هناك في شخصية كل إنسان خصائص أصيلة يجب تحديدها أولاً، ثم ينظر إلى القدوة في ضوء تلك الخصائص والميزات. لنفرض على سبيل المثال كيفية التعامل مع وقائع الحياة اليومية المحيطة بالإنسان. فقد تكون هذه الوقائع متعلقة تارة بعهد انتشار المترو والقطار والطائرة النفاثة والحاسوب، وقد تكون تارة أُخرى متعلقة بعهد لا وجود لمثل هذه الأشياء فيه. إلا ان الإنسان لابد وأن يواجه وقائع وأحداث الحياة اليومية، وبإمكانه التعامل معها على نحوين متفاوتين - من دون فرق بين العهدين - فهو إما أن يتعامل معها تعاملاً مسؤولاً، وإمّا أن يقف منها موقفاً لا أُبالياً. ويتفرع التعامل المسؤول بدوره إلى عدّة أنواع وأقسام، فبأية روحية وبأية نظرة مستقبلية يكون التعامل؟ فالإنسان يجب ان يبحث عن تلك الخطوط العريضة والأساسية في الشخصية التي يتخذها قدوة له، من أجل اتباعها والسير على خطاها. سبق لي وأن أشرت إلى هذا الموضوع من قبل. وكلماتي تحمل بين ثناياها أحياناً معاني لطيفة، ولكنها غالباً لا يُنظر إليها بدقّة. لاحظوا ان الزهراء (عليها السلام) كانت في السادسة أو في السابعة من عمرها - والتردد لاختلاف الأخبار في تاريخ ولادتها - حينما وقع حصار شعب أبي طالب. وقد مرّت في الشعب على المسلمين فترة عصيبة من تاريخ صدر الإسلام. فبعدما أعلن الرسول دعوته في مكة بدأ أهالي مكة يستجيبون له وخاصة الشباب منهم والعبيد. أما أكابر الطواغيت من أمثال أبي لهب وأبي جهل فرأوا انهم لا سبيل أمامهم سوى اخراج الرسول وأصحابه من مكة؛ وهكذا أخرجوهم وكان عددهم قد بلغ عشرات العوائل .. وفيهم الرسول وأهل بيته وابو طالب الذي كان من أكابر قريش ووجوهها . كان لأبي طالب شعب - والشعب هو الشق بين جبلين - على مقربة من مكّة يُسمّى بشعب أبي طالب، عزموا على الذهاب إليه مع ما يتسم به جو تلك المنطقة من حر شديد في النهار وبرد قارس في الليل. أي ان الظروف كانت صعبة لا تُطاق، إلا انهم مكثوا ثلاث سنين في ذلك الشعب القاحل وتحملوا الجوع وتجرعوا الشدائد والمحن. وكانت تلك الفترة من الفترات العسيرة التي مرّت في حياة الرسول الذي لم تنحصر مسؤوليته حينذاك في قيادة تلك المجموعة وادارة شؤونها، بل كان ينبغي عليه أيضاً الدفاع عن موقفه أمام أصحابه الذين وقعوا في تلك المحنة. فأنتم على بيّنة ان الجماعة الملتفّة حول القيادة ، تبدي ارتياحها ورضاها في حال الرخاء.. وتعبّر عن امتنانها. ولكن حينما يعرّضون للبلاء أو يقعون في محنة يبدأ الشك يتسرب إلى نفوسهم ويلقون على تلك القيادة مسؤولية قيادتهم إلى ذلك المآل الذي لم يكونوا راغبين في الوقوع فيه أبداً. من الطبيعي ان أصحاب الإيمان الراسخ يصمدون ويصبرون في مثل هذه الظروف، إلا أن جميع الضغوط تصب في نهاية المطاف على كاهل الرسول. وفي تلك الظروف العصيبة والضغوط النفسية الشديدة التي كان يواجهها رسول اللّه توفي في أسبوع واحد كل من أبي طالب الذي كان أكبر عون وأمل له، وخديجة الكبرى التي كانت خير سند روحي ونفسي له، فكانت حادثة مريرة بقي الرسول على أثرها وحيداً فريداً. لا أدري إن كان فيكم مَن تصدى لرئاسة فريق عمل وعرف معنى المسؤولية. في مثل تلك الظروف يُغلب الإنسان على أمره. ولكن لاحظوا دور فاطمة الزهراء في مثل تلك الظروف، وموقفها الايجابي.. وإذا نظر المرء صفحات التاريخ يجد مثل هذه الموارد متناثرة بين ثناياها ولكن لم تفرد بباب للأسف . كانت فاطمة في تلك الظروف بمثابة الأم والمستشار والممرضة بالنسبة للرسول. ومن هنا أُطلق عليها «أُم أبيها» وهذه الصفة تتعلق بتلك الفترة التي تكون فيها صبية عمرها ست أو سبع سنوات على هذا النحو. ومن الطبيعي ان الفتاة في الأجواء العربية والأجواء الحارّة تنمو بشكل أسرع روحاً وجسماً بما يعادل نمو فتاة تبلغ العاشرة أو الثانية عشرة في وقتنا الحاضر. فتكون على هذه الدرجة من الشعور بالمسؤولية. ألا يمكن لمثل هذه الفتاة أن تكون قدوة للفتيات ليصبح لديهن شعور مبكر بالمسؤولية ازاء القضايا المحيطة بهن، ويتفاعلن معها بنشاط، كان وجه فاطمة ينشرح بوجه أبيها وتنشط قواها وهي تزيل بمنديل العطوفة والحنان غبار الهم والحزن عن وجه أبيها الذي تجاوز حينذاك الخمسين من عمره الشريف ودخل في سن الشيخوخة تقريباً، قبل أن تزيله بيدها. ألا يمكن لهذه الفتاة أن تكون قدوة للشابات؟ هذه قضية ذات أهمية بالغة طبعاً. يتجسّد المثال الآخر في حياتها الزوجية. فقد يتصور البعض ان الزوجية - في طرف المرأة - تعني الاهتمام بشؤون المنزل واعداد الطعام وترتيب غرف البيت وتنظيفها وعندما يأتي الزوج من العمل تقدم له الوسادة على غرار ما كان يفعله القدماء. الزوجية ليس معناها هذا فقط. أُنظروا كيف كانت الحياة الزوجية لفاطمة الزهراء. على مدى السنوات العشرة التي قضاها الرسول في المدينة عاشت الزهراء مع أمير المؤمنين حياة زوجية استمرت سنوات، وقعت في تلك الفترة معارك متعددة صغيرة وكبيرة - بلغت حوالي ستين معركة - وشارك أمير المؤمنين في أغلبها. أُنظروا إلى حياة هذه الزوجة التي كانت في بيت زوج كان يشارك في المعارك باستمرار - لأنّ نتائجها تتوقف على مشاركته فيها ولولاه لما كتب لها النصر - اضافة إلى ان حياتها المعاشية لم تكن على ما يرام من الرفاهية أو الغنى ولا تتعدى ما سمعناه عنها في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً واسيراً انّما نطعمكم لوجه اللّه} بمعنى انها كانت تعيش حياة فقر وعوز على الرغم من كونها ابنة الرسول وزعيم الأمّة، وذلك يعني انها كانت تحمل كامل الشعور بالمسؤولية. لاحظوا كم تستلزم وضعية هذه المرأة من صلابة حتى تفيض بها على هذا الزوج ليكون متفرّغاً من هموم وهواجس الأهل والعيال ومصاعب الحياة، ولتبعث فيه السكينة والطمأنينة، وتربّي الأولاد بتلك التربية العالية التي ربتهم عليها. فإذا قال قائل ان الحسن والحسين إمامان ومجبولان على العصمة، فزينب لم تكن إماماً، لكن فاطمة الزهراء ربّتها تربية صالحة خلال تلك السنوات القصيرة .. إذ لم تلبث فاطمة طويلاً من بعد وفاة الرسول! وهكذا كان دأبها أيضاً في حياتها العائلية وفي ادارتها لشؤون البيت وفي حياتها الأُسرية. ألا يمكن أن يكون كل هذا مثالاً تحتذي به الفتاة أو ربّة البيت أو من تشرفت توّاً وأصبحت ربّة بيت؟ هذه الجوانب مهمّة جداً. وبعد وفاة الرسول قصدت المسجد ذات يوم وألقت فيه خطبة عصماء. وهذا من مواقفها الداعية إلى العجب، ونحن أصحاب الخطابات والكلمات الارتجالية نعرف مدى عظمة مثل هذه الخطبة، وما معنى ان تقدم امرأة في الثامنة عشرة أو العشرين أو الرابعة والعشرين على أغلب الاحتمالات - والحقيقة ان عمرها الشريف غير معروف على وجه الدقّة بسبب عدم وجود تاريخ موحد لولادتها- مع كل ما كانت تحمله من هموم ومصائب، وتدخل المسجد وتخطب أمام حشد غفير من المسلمين ويسجل التاريخ كل كلمة من تلك الخطبة. كان العرب مشهورين بقوّة الحفظ. فكان الرجل يأتي ويلقي قصيدة من ثمانين بيتاً، ثم ترى عشرة رجالٍ - مثلاً - يسارع إلى كتابتها عن ظهر قلب، وأغلب الأشعار المنقولة حفظت على هذه الطريقة. وعلى غرار حفظ القصائد كانت تحفظ الأحاديث والخطب. وعلى هذا المنوال دوّنت وحفظت هذه الخطب أيضاً وبقيت حتى يومنا هذا. والكلمات لا يخلّدها التاريخ اعتباطاً.. وما كل كلام يُحفظ؛ فلطالما قيلت كلمات وأُلقيت خطب واشعار، إلا ان أحداً لم يأبه لها ولم تحفظ، ولكن الشيء الذي يحفظه التاريخ بين جوانحه وحينما ينظر إليه الإنسان بعد ألف واربعمئة سنة يشعر ازاءه بالخشوع، لا شكّ ان فيه دلالة على العظمة. وخلاصة القول ان هذه المرأة خليقة بأن تتخذها الشابات قدوة لهن. والحق معك. فالتقصير منا نحن المتصدون لزمام الأُمور ، ولا أقصد الجهات الحكومية وانما الجهات المعنية بالشؤون الدينية والمعنوية، لأننا لم نعرض هذه الجوانب على الجيل الجديد كما ينبغي وكما تستحقه. إلاّ أنه يمكنكم - أنتم - أيضاً العمل في هذا المضمار. فحياة الأئمة زاخرة كلها بأمثال هذه الآفاق. الإمام الجواد قدوة أيضاً. الإمام الجواد توفي في سن الخامسة والعشرين. أُنظروا إلى ما سطره التاريخ من مجده وعظمته وكريم منزلته وهو في تلك السن. وهذا الكلام لا يخصنا، بل قد سجله تاريخ غير الشيعة.. استعظمه المأمون وغيره منذ فترة صباه وشبابه. وأمثال هذه الأمور مهمّة جداً ويمكن ان تكون قدوة لنا. كما وتوجد في الوقت الحاضر قدوات، ويالها من قدوات.. أُولئك هم أفراد قوات التعبئة سواء الذين استشهدوا منهم أم الأحياء. إلاّ أن الحديث عن الذين مضوا منهم أيسر - بطبع الإنسان -. شاهدنا في فترة الحرب أشخاصاً تركوا مدنهم وقراهم وتوجهوا إلى ميادين القتال، وظاهر حالهم انّهم أفراد عاديّون تماماً. أشرنا سابقاً إلى ان النظام البائد كان عاجزاً عن تنمية الطاقات، هؤلاء الأشخاص كانوا في ذلك العهد أناساً عاديين. ولكن في هذا العهد بما ان الحرب كانت ميدان عمل .. نزلوا الميدان وتفجّرت طاقاتهم على وجه السرعة وأصبحوا قادة كبار ثم استشهدوا. وليست أعدادهم قليلة. بادر الشباب قبل بضع سنوات إلى تدوين ذكرياتهم عن قادتهم في الجبهة مع سيرة حياة كل واحد منهم، في كراسات تحت عنوان «قائدي»، ولا أدري هل استمر هذا العمل أم لا؟ ونقلوا فيها ذكريات مقتضبة وقصص قصيرة تبرز لسائر الناس عظمة تلك الشخصيات التي يمكن ان تتخذ كقدوات. هذا طبعاً مضافاً إلى امكانية العثور على قدوات من بين شخصياتنا العلمية والرياضية والأدبية والفنية التي تحمل حقاً خصائص بارزة. هذا ناهيك عن ان الإنسان يختار القدوة بمعاييره الذاتية، ولكنني أرجو ان تأخذوا معيار التقوى - الذي أوضحته - بنظر الاعتبار في كل شخصية تتخذونها قدوة لكم؛ فالتقوى ليست مما يمكن التغاضي عنه؛ إذ التقوى مطلوبة ونافعة للحياة الدنيا وللآخرة. أمّا عن الشخصيات التي تركت تأثيراً عليَّ فيجب القول انها كانت كثيرة. والشخصية التي أثرت فيّ بشدّة في عهد شبابي هو المرحوم نواب صفوي بالدرجة الأولى . ففي الوقت الذي جاء فيه إلى مشهد كان عمري حينذاك حوالي خمس عشرة سنة.. وقد تأثرت بشخصيته غاية التأثر. ثم انه بعد ان غادر مشهد ببضعة اشهر استشهد على نحو شنيع، وهو ما أدى إلى ان يكون تأثيره فينا أكثر عمقاً. ومن بعده ترك سماحة الإمام (ره) تأثيراً عليَّ. وحتى قبل ذهابي إلى قم وقبل شروع النهضة كنت قد سمعت باسم الإمام وأحببته من دون أن أكون قد رأيته. وكان سبب ذلك ان جميع شباب الحوزة كانوا يميلون إلى درسه. فقد كان درسه يستهوي الشباب. وحينما ذهبت إلى قم لم أتردد في حضور درسه. فحضرت درسه منذ البداية وواصلت حضوره حتى آخر فترة تواجدي في قم. كما كان لوالدي تأثير عليّ أيضاً وكذلك والدتي التي كانت ذات شخصية مؤثرة وتركت عليَّ تأثيراً بالغاً.
س: نظراً لاهتمامكم بالأدب والفن، أعمال أي شاعر معاصر حظيت بمطالعتكم أكثر من غيرها؟ ولأي منهم تميلون أكثر؟ ج: إنّني اقسّم الشعراء المعاصرين إلى ثلاث طوائف: أصحاب الغزليات، وأصحاب المطوّلات، والشعراء المجدد (الحداثويون)، ولكل واحدة من هذه الطوائف شعراء أميل إليهم. ففي المطوّلات هناك المرحوم (اميري فيروزكوهي) الذي كانت تجمعني واياه صلة صداقة ايضاً، وكان هو أيضاً يبدي لي مودّة وكنا نتبادل الزيارات إلى سنوات عديدة من بعد الثورة، وتوفي في عهد رئاستي للجمهورية. وبالاضافة إلى اميري كان هناك شعراء آخرون في المطوّلات ممن كنت أحب أشعارهم، منهم المرحوم (رهي معيّري) والذي لم أُشاهده، والآخر هو المرحوم شهريار الذي كان شعره يعجبني أيّما اعجاب. وقد تعرفت عليه من بعد الثورة أما قبل ذلك فلم تكن بيننا أيّة صلة. أما في الغزليات فعلى رأسهم ملك الشعراء بهار الذي كانت قصائده تستهويني كثيراً. كما كان المرحوم أميري فيروز كوهي ينظم نوعاً من الغزليات على الطراز الخاقاني الذي كان يتميز بالجزالة والجودة، وكانت تعجبني كثيراً. أما الشعر الجديد فهناك بضعة شعراء تعجبني أشعارهم أشد الاعجاب، أحدهم هو (اخوان) الذي كنا على معرفة به، وشعره في غاية الجودة، وهناك آخرون لا أود ذكر أسمائهم. كان على عهد شبابنا أشخاص يعتبرون من أساتذة وفطاحل الشعر الجديد. وأعتقد انهم كانوا ينظمون شعراً جديداً أفضل من (نيما يوشيج) وان كان هو أول من ابتدع هذا الأسلوب، لكنهم كما أعتقد كانوا أجود وأفضل وأنضح شعراً. إلا ان أياً منهم لم يكن يتصف بما كان يتصف به (نيما يوشيج) من نقاء وصفاء، لا (اخوان) ولا ذلك الشخص والشخصان الذين لم أذكر أسماءهم. كان نيما يوشيج - وخلافاً لما كان يشاع عنه - رجلاً متديناً. كان للمرحوم أميري صداقة وثيقة مع نيما يوشيج، ونقل لي انه شخص متدين ويحب الشعر التقليدي أيضاً، غاية ما في الأمر انه يهوى هذا النمط من الشعر أيضاً. وكما تعلمون فانه اقتبس هذا النمط الشعري من الأوربيين. ونحن أساساً لا يوجد لدينا شعر جديد مبتكر بالمعنى الحقيقي للكلمة وانما هو نمط من الصياغة الشعرية الموجودة لدى الأوربيين حتى ان الكثير من خصائص تلك الأشعار وحتى نمط صياغة الجملة في اللغة الانجليزية جُمعت في شعرنا الفارسي الجديد. يوجد من بين الشعراء الحاليين عدّة شعراء مجيدين سواء ممن ينظمون الغزليات أم المطوّلات أم الشعر الجديد. كما ويوجد من بين شعراء الثورة شعراء مبرزون حقّاً، وأستميحكم العذر في عدم ذكر اسم أي من الشعراء المعاصرين والأحياء.
س: لقد امتزجت الآداب اليوم بالشؤون السياسية امتزاجاً مباشراً، ولهذا السبب ينظر إلى الآداب المعاصرة بنوع من الجفاء. وهذا ما يؤدّي بالنتيجة إلى اصابة كُتّاب الجيل الجديد بالحيرة والضياع. فما هو رأيكم في هذا الصدد؟ ج: لم أفهم المراد من قولكم ان الآداب قد امتزجت بالسياسة، هل معنى ذلك انها أصبحت ذات مضمون سياسي؟ لنفترض ثمة شاعر مبرز ومُجيد وإذا القى شعره في الجامعة يصبح موضع اهتمام وقد يُنتفع بشعره، إلاّ أن الشاعر نفسه منبوذ حسب رؤيتنا السياسية.. فلا نسمع له بذلك؟! أنا لا أدري حقيقةً كيف ينظر إلى الشعر في الجامعة. فإذا كان لدينا - حقاً - شاعر من الدرجة الأولى بحيث يستطيع طلبة الجامعات الاستفادة من شعره، وحتى وان كان مثل هذا الشخص معادياً للثورة.. فلا مانع من أن يلقي أشعاره في قاعة الدرس. لكنني لا أرى حالياً مثل هذا الشاعر الذي لا يمكن الاستغناء عنه. أنتم تتحدثون عن عزل الشعر الحالي أو النثر الحالي عن العهد السابق له. ولعله كان لدينا عشرة شعراء ينظمون بنفس الجودة أو أفضل في الفترة الذي نظم ذلك الشاعر أشعاره - على سبيل الفرض -. فالشاعر الذي قصدته ولم أذكر اسمه ولن أذكره يجب أن لا يدخل شعره إلى الجامعة، ولا مانع من دخول شعر «اخوان» إليها.. ولا أعتقد انه أفضل من الجميع في تبيين مرتبة شعر العهد السابق له. كان «اخوان» صديقاً لي وكانت بيننا علاقة رقيقة في عهد رئاستي للجمهورية. وبعد تلك الفترة وفي أعقاب عودته مؤخراً من سفر إلى أوروبا استغرق سنة، كتب لي رسالة وفيها بعض أشعاره، ثم توفي بعد ذلك. وعلى هذا فليس ثمة اعتراض على اخوان. وما هي الضرورة التي تدعونا لعدم الانتفاع ممن يمكن الاستفادة منه كلياً؟ أي انني لا أرى أية مؤاخذة ولا أمانع من أن تخضع أشعار شاعر كبير معاصر للبحث والدرس ويستفيد الطلاب علمياً منها فيما إذا كان هناك مثل هذا الشاعر.. انني غير مطلع على كيفية مجرى الأمور في هذا الصدد.. لكني أقول اني لا أعلم بوجود شاعر في ذلك المستوى. يجب أن تعلموا ان للبعض أسماء رنانة لكنهم مجردون من أية عظمة وليس لشعرهم أية أهمية، وإذا حان وقت النقد والتمحيص وتدقيق الجزئيات بعيداً عن الشعارات يتبيّن عند ذلك انهم لا يحملون إلا ادعاءات واهية. في الغالب لا أتعرف على الشعر المعاصر. وبعض الشعراء يزعمون كذا وكذا وانهم هم أساس الشعر في هذا البلد. في حين اننا نعلم عدم صحّة ذلك وانهم كانوا شعراء من الدرجة الثانية حتى في ذروة ازدهارهم، بل وكان بعضهم حتى من الدرجة الثالثة، وكان في هذا البلد شعراء كثيرون أفضل منهم. ينبغي أن يُعمل على الشعر المعاصر. فنحن لا نجد شاعراً في الشعر الغزلي أفضل من «رهي معيّري» في عهده، وهو يمثل الجيل المتصل بالوقت الحاضر. وهكذا الحال بالنسبة للمرحوم أميري فيروزكوهي. وهؤلاء الشعراء البارزون. أو المرحوم «غلام رضا القدسي» أو «قهرمان» الذي يعيش حالياً في مشهد وله غزليات ممتازة، أو مثلاً «صاحبكار» الموجود حالياً في مشهد أيضاً وله اشعار غزلية رفيعة ولكنه شاعر غير مشهور. وهناك أيضاً الشاعر «بهزاد» في كرمانشاه. وهؤلاء هم الشعراء البارزون في هذا الوقت. والشاعر الشاب لا يمكنه العثور اليوم على من هو أفضل منهم. ولدينا شعراء بارزون لا يعرفهم الجيل الشاب وللأسف، وكلهم شعراء صالحون، ويسيرون على نهج الثورة والنظام الإسلامي، أي على نفس النهج الذي يسير عليه الشعب الإيراني اليوم بلا أي خلاف أو معارضة. وبالامكان الاستفادة منهم استفادة تامّة. إلا ان شبابنا يتّصفون بالكسل والتقاعس نوعاً ما في البحوث والدراسات والتدقيق. وبإمكان الشباب - وأرجو أن لا يكون تجاسراً - إذا أبدوا مزيداً من الجد والمتابعة في عملهم، الحصول على ينابيع غنية. فنحن الآن لدينا في جامعة طهران شعراء بارزون وممتازون ولكن قلّما يُلتفت إليهم.
س: نشاهد أحياناً في القضايا والمواقف السياسية افراطاً أو تفريطاً تتمخض عنه بعض الأضرار. ما هي توجيهاتكم للشباب في هذا الخصوص؟ ج: يجب عدم الخشية كثيراً من اختلاف الأذواق والأساليب إذ ان مثل هذا الاختلاف ليس مستقبحاً. ولا ضرر في الوقت الحاضر من وجود ذوقين مختلفين على الصعيد السياسي، فيميل شاب إلى ذوق ويميل آخر إلى الذوق الثاني. أما الشيء المضر فهو العمل بلا تفكير ولا رويّة واتخاذ القرارات المتسرّعة والانفعالية بلا دراسة أو تأمل فكونوا من ذلك على حذر. مرحلة الشباب لا تعني بالضرورة المبادرة إلى اتخاذ القرارات السريعة. مرحلة الشباب تعني عدم اللف والدوران في اتخاذ القرار.. المبادرة نحو العمل، إلاّ أنّها لا تعني المبادرة الانفعالية، ولا يلازمُها القرارات المتسرعة غير المدروسة والاقدام من دون وعي وتدبّر، الشاب قادر على القيام بعمل غير مدروس، وبإمكانه أيضاً الاقدام على عمل مدروس يؤديه عن تفكير وتأمل. فإذا ما توفّرت هذه الخاصية؛ أي خاصية التأمل والتفكير والدراسة والبحث عن الحقيقة – وهذه طبعاً كلها خصائص يمكن توفّرها لدى الشاب، بل وبعضها كالبحث عن الحقيقة من جملة خصائص مرحلة الشباب أساساً – فلا مانع عند ذاك من اختلاف الأذواق والأساليب التي لا يتمخض عنها في مثل هذه الحالة أي ضلال، أو لا تنتج عنها – على أدنى الاحتمالات - أضرار جسيمة. أما المواقف التي تستهدف الغاء المقابل - أي أن يتخذ الإنسان في القضايا الاجتماعية موقفاً متزمتاً ويصّر على انه هو الموقف الصحيح تماماً وكل ما يخالفه فهو خاطئ - فهي مواقف غير صحيحة ولا صائبة. طبعاً لاشكّ في ان بعض أصول العقائد تستلزم اتخاذ مثل هذا الموقف، أي اتخاذ موقف حازم - من بعد التفكير والتأمل - والاصرار عليه دون سواه، ولا ضير هنا بالتمسك بذلك الموقف ورفض ما عداه. أما في القضايا السياسية والمسائل الاجتماعية بشتى صيغها وأنواعها لا يصح التزام مواقف متعصبة، بل يجب أن يتحمل الإنسان آراء الطرف المقابل، ويجب جعل العمل المنطقي المدروس معياراً وملاكاً في اتخاذ أي موقف ازاء تلك الآراء. وإذا كان الأمر كذلك لا أعتقد بحصول أية مشكلة.
س: إلى أي حد فوضتم المسؤوليات للشباب طوال فترة نشاطاتكم التي قمتم بها حتّى الآن؟ وما هي تجربتكم في هذا المضمار؟ وما هي في رأيكم مسؤولية الشباب في رفع المستوى العلمي للبلد؟ ج: منذ أوائل الثورة كنت أفوّض الشباب مسؤوليات مما كان في صلاحيّتي من الأعمال سواء في القوات المسلّحة أم في الأعمال الحكومية وكذا في عهد رئاستي للجمهورية. وتجربتي في هذا المجال هي اننا إذا وثقنا بالشاب - الذي نرى فيه الكفاءة - وحمّلناه مسؤولية تتوفر فيه مؤهلاتها، وليس كل شاب، ولا اية مسؤولية كانت ، نجده يقدّم لنا عملاً أنضج مع مزيد من الابداع؛ أي انه يحافظ على نسق التقدم في العمل، على العكس من غير الشاب ممن قد ينجز العمل على خير وجه، إلا ان نسق التقدّم فيه يتوقف، هذه هي الحالة الغالبة. حينما كنا في مجلس قيادة الثورة كانت تثار علينا وعلى بعض الأصدقاء هناك اعتراضات. المجلس يضم اشخاصاً مسنّين - تتراوح أعمارهم بشكل أساسي بين الستين والسبعين أو حتّى خمس وسبعين سنة - وكانوا لا يثقون كثيراً بمقدرة الشباب، ويقولون: لماذا تعوّلون على الشباب وتدخلونهم من غير مبرر في مهام أساسية وكبرى؟ كانوا لا يحبّذون فسح المجال أمام الشباب، وانما يميلون إلى ان يطيعهم الشباب ويقتفون خطاهم بذريعة انهم كهول وهؤلاء شباب؛ والشباب يجب أن يتّبعوا الكهول. وخلاصة القول انّهم لم يكونوا على استعداد للتعويل على الشباب، أما نحن فقد وثقنا بهم وعوّلنا عليهم، وأثبتنا صحّة ما ذهبنا إليه من خلال التجربة العملية التي كانت تعطي ثمارها على أفضل وجه. اشرتم في جانب من سؤالكم إلى التطور العلمي للبلد. وأُلفتُ انتباهكم الى ان مرحلة الشباب تمثل مرحلة القدرة والطاقة، ولكن أين ينبغي توظيف هذه الطاقة؟ يجب توظيفها بشكل أساسي - حسب اعتقادي – في كسب العلم، والنقاء الروحي والتقوى، وتنمية القدرة البدنية – أي ممارسة الرياضة - وهذه هي الموارد الثلاثة الرئيسية التي لو سألتموني عن خلاصة ما أطلبه من الشباب، لقلت: اكتساب العلم، وتهذيب النفس، وممارسة الرياضة. وأعتقد ان على الشباب الاهتمام بهذه الخصائص الثلاث. فالشباب مكلفون باكتساب العلم بما يتضمنه من دراسات وبحوث علمية انطلاقاً من توفّر مثل هذه الطاقة لديهم، وهذا ما يوجب عليهم طبعاً بذل أكبر ما يمكن من الجهود في هذا المضمار. وكما تناهى إلى سمعي فان الشباب في الجامعات لا يواظبون اليوم على المثابرة في القضايا العلمية. فكيف نحث الشاب الذي توقّف عن طلب العلم عند المرحلة الاعدادية ولم يدخل الجامعة، على مواصلة الدراسة، ولا نحث الجامعي المتواني في نشاطه العلمي على المثابرة في جهوده. وإذا أُريد له دخول الجامعة فلأي غرض يدخلها؟ يجب عليه دخول الجامعة من أجل تطوير العلم؛ فالشباب يجب أن يبذلوا من ثمرة شبابهم لاكتساب العلم. - أما السؤال الآخر الذي استفسرتم فيه عن الفجوة الموجودة بيننا وبين الدول المتقدمة، هل يمكن ملؤها أم لا؟ فأنا أعتقد انه من الممكن ملؤها بكل بساطة. ولكن يحتمل طبعاً اننا لا نستطيع اقتفاء نفس الدرب الذي سلكه البعض من أجل ملء تلك الفجوة. فهناك طرق أُخرى قصيرة لا تعد ولا تُحصى؛ فهذه هي طبيعة الخلقة التي أوجدها اللّه تعالى، ولا نزال نحن نجهل مسالكها. وأحد تلك المسالك هو الذي سارت عليه الحضارة الصناعية الحالية، فازدهرت متدرجة خطوة خطوة. فلماذا نيأس من انفتاح نافذة جديدة تنتهي إلى اكتشاف جديد في العلم؟ فالكهرباء كانت ذات يوم غير مكتشفة في العالم، فهي كانت موجودة إلا ان الناس كانوا يجهلونها، وفجأة تيسّر لهم اكتشافها والحصول عليها. كذلك الطاقة البخارية لم تكن معروفة لديهم ثم عرفوها، وكذلك النار كانت مجهولة فعرفوها. لماذا نيأس من إمكانية اكتشاف شيء جديد لم يكن مكتشفاً من قبل، مثلما تكتشف حالياً اشياء جديدة في كل يوم؟ نحن يجب علينا العمل في هذا المضمار والوصول إلى طريق يقودنا نحو التقدم العلمي السريع. والسبيل الوحيد الذي يؤدي إلى هذه الغاية هو بذل الجهود الشاقّة من قبل طلبة العلم والبحث والدراسة. ان اي عمل يطمح الإنسان إلى أدائه يمكنه اداؤه وهو في دور الشباب. بمعنى ان كل واحد من المجالات الثلاثة: اكتساب العلم، وتهذيب النفس، والرياضة، يجب بذل الجهود فيه في سن الشباب. والكل على معرفة بأن الرياضة في مرحلة الشيخوخة ليس لها نفس تأثير الرياضة في مرحلة الشباب، ولكن غالباً ما يجهل الناس هذا المعنى بالنسبة لتهذيب النفس، ويتصورون ان الإنسان يجب أن يمكث إلى ان يدخل في سن الشيخوخة ثم ينهمك عند ذاك في العبادة وتهذيب النفس. في حين يصبح تهذيب النفس في غاية الصعوبة، بل وقد يستحيل أحياناً. تهذيب النفس في طور الشيخوخة مهمة عسيرة، بينما هي في غاية السهولة لمن هم في سنّكم، أي سن الشباب. وعلى كل الأحوال ينبغي على الشباب حمل هذه الجوانب الثلاثة على محمل الجد.
س: بما ان النزوع إلى التجديد من خصائص الإنسان، ويتجلّى نوعياً في مسائل من قبيل التجميل والزينة والملبس. ما هو رأي سماحتكم في كيفية التعاطي مع هذه المظاهر؟ وما هي الانجازات التي نهضت بها الأجهزة الحكومية حتى الآن؟ وهل نجحت في اداء مهامّها أم لا؟ ج: إنّ ما استطيع الاجابة عليه حالياً هو ان غريزة النزوع نحو الجمال وحب الجمال والزينة يعتبر أمراً فطرياً، إلاّ أنه قد يتفاوت إلى حدٍ ما مع مفهوم نزعة التجديد الذي يتّسم بطابع من الشمولية. أما ما أشرتم إليه في سؤالكم من تجميل وزينة وملبس وما إلى ذلك فله مفهوم خاص مؤدّاه ان الإنسان - والشاب خاصة - مجبول على حبِّ الجمال والزينة ويرغب في أن يكون على هيئة جميلة. وهذا ميل طبيعي وفطري ولا أعترض عليه ولم يحرّمه الإسلام، وانّما حرّم الإسلام الفتنة والفساد. يجب أن لا يكون الجمال والزينة مدعاة لتفشي الفساد والرذيلة في المجتمع، ولا يقود إلى اشاعة التحلل الخُلقي. ولكن كيف يشيع التحلل الخلقي؟ لاشكّ في ان أساليب شيوعه واضحة؛ فإذا كانت علاقات الرجل والمرأة لا تخضع لحدود أو قيود، فهي تؤدي تلقائياً إلى نشر الفساد. وكذلك الغلو في الاندفاع نحو التجديد (الموضة) في الثياب والملابس ينتهي بإشاعة الفساد. إذا أصبح الاهتمام بالزينة والظاهر الجميل وأمثال ذلك هو الهاجس الأساسي والهم الرئيسي في الحياة فهو عين الانحطاط والانحراف، كما كان حال النساء من طبقة الأشراف ممن كُنَّ يجلسن خلف طاولة التجميل في عهد النظام البائد، هل تتصورون كم ساعة كُنَّ يجلسن على تلك الهيئة؟ كُنَّ يجلسن ست ساعات. وهذه حقيقة كانت لدينا معلومات دقيقة عنها حيث كانت بعض النساء تستهلك مثل هذا الوقت من أجل تجميل وجهها وتصفيف شعرها واعداد نفسها للذهاب إلى حفلة زواج مثلاً. فإذا بلغت الأمور هذا الحد فهي عين الانحراف والانحطاط. ولكن لا إشكال في ترتيب المظهر والملبس بالشكل المناسب بعيداً عن مظاهر التبرج والمباهاة. لقد حرّم الإسلام التبرّج بما يعنيه من اظهار النساء زينتهن أمام الرجال؛ إنّه من أنواع اثارة الفتنة وعليه مؤاخذات كثيرة لا تقتصر افرازاتها على وقوع الشاب والشابة في الاثم – فالإثم أولها – وانما تسري مخلفاتها إلى كيان الأسرة أيضاً. لأن مثل هذه العلاقات المتحللة من كل القيود ذات أثر مدمر على كيان الأُسرة؛ فبناء الاُسرة قائم أساساً على الحب، وإذا توفّر هذا الحب - حب الجمال وحب الجنس الآخر - في موضع آخر لا تبقى ثمة دعامة قوية يرتكز عليها بناء الأسرة، مما ينتهي إلى ضعضعة كيانها وتصبح على غرار ما هي عليه في البلدان الغربية، وخاصة في دول أوروبا الشمالية وأمريكا. أخذ الأمريكيون في الآونة الأخيرة يعانون الأمرّين من هذه المشكلة؛ فالعوائل أخذت تتلاشى حتى أصبحت هذه الظاهرة معضلة مستعصية لديهم، وتنعكس اضرارها بالدرجة الأولى على النساء اضافة إلى ما يعانيه الرجال بسببها من متاعب، إلا ان ضررها يصيب النساء أكثر ثم يصيب الجيل الوليد. ألا تلاحظون هذا الجيل الضائع الفاسد الموجود في العالم عامة وفي أمريكا خاصّة؟ فهذا كله نابع أساساً من ذاك. أي أن تلك هي المقدمة والمنفذ الذي يأتي من خلاله بقية الشرور. لقد أعار الإسلام قضية الجمال اهميتها وتناهى إلى أسماعنا كثيراً (ان اللّه جميل ويحب الجمال). ولدينا روايات كثيرة في كتبنا الحديثية حول تحسين الظاهر والهندام. وفي باب النكاح بحث مفصل يؤكد على وجوب اهتمام كل من الرجل والمرأة بوضعهما الظاهري. وقد يتبادر إلى أذهان البعض ان الرجل يجب ان يقصّر شعر الرأس. ولكن ليس كذلك إذ يستحب للشباب اطلاق شعر الرأس، وجاء في حديث شريف: «الشعر الحسن من كرامة اللّه فأكرموه». ونُقل ان رسول اللّه(ص) كان ينظر في اناء فيه ماء - حيث لم تتوفر المرايا آنذاك كما هي عليه الآن، اضافة على فقر مجتمع المدينة آنذاك - ويرتّب ظاهره، عند خروجه من منزله. ولهذا كان ينظر في اناء فيه ماء بدلاً عن المرآة، ليرى وجهه ويرتب هندامه. ويستشف من هذا ان الاعتناء بالوضع الظاهري والثياب الحسنة والميل إلى الجمال محبّذ شرعاً، إلا ان القبيح والمضر فيه هو أن يتحول إلى أداة لإشاعة التبرّج والفتنة والفساد، حتى ان أضرارها تنسحب - كما سبقت الاشارة - على الأسرة والأجيال اللاحقة. طالعت في احدى المجلات الأمريكية مؤخّراً خبراً نقلته عنها صحفنا أيضاً، جاء فيه ان تلميذين في العاشرة والثانية عشرة من عمريهما أطلقا النار على التلاميذ والمعلمين في مدرستهما، وقتلا عدداً منهم.. وكانا أطلقا صفارة الانذار ليحتشد التلاميذ في مكان واحد ثم أطلقا النار. والحقيقة ان مثل هذا الوضع مؤلم ومدمّر للمجتمع. فمثل هذه الجريمة التي ترتكب بهذا البرود واللاأبالية جاءت كنتيجة لسوء التربية النابعة من ذلك التحلل.
س: كيف يتسنى للشاب إشباع مشاعر الحاجة إلى الانفعال (الهيجان) في ذاته، وتسخيرها لمصلحته؟ ج: هذا سؤال وجيه على ما فيه من الصعوبة طبعاً. ان الانفعال في موضع معين لابدّ وان يتجسّد في شيء معين. فالرياضة على سبيل المثال – وخاصّة بعض الألعاب كلعبة كرة القدم - تحدث في النفس انفعالاً شديداً وهي تختلف في شدّة اثارتها للانفعال عن لعبة كرة الطائرة أو المنضدة. ويعود سبب ذلك إلى ان نسقها وأسلوبها مفعم بالتحدي والهيجان. وهكذا الأعمال الفنية أيضاً؛ فهي الأُخرى تثير الانفعال. وهذه الأمور التي ذكرناها يكون الانفعال فيها واضحاً. إلا ان الانفعال لا يقتصر على هذا المجال. وإذا قُدّر للشاب العثور على الحقل المفيد الذي يميل إليه ويستثيره، يمكنه اشباع ذلك الانفعال بكل سهولة. الفترة التي كنت فيها في طور الشباب مثلاً وكانت هناك قيود زي الطلبة اضافة إلى قيود البيئة التي نعيش فيها، كان لدي انفعال أيضاً وكنت اشبعه. ولكن كيف؟ كانت لي رغبة في الشعر. وقد يصعب عليكم ان تصدقوا، كنا نجلس برفقة أربعة أو خمسة من الأصدقاء المهتمّين بالشعر، ساعتين أو ثلاث ساعات نقرأ أحياناً الأشعار ونتذاكرها. ومن الطبيعي ان الشخص الذي لديه اهتمام بهذا المضمار يشبع من انفعالاته الروحية ما يشبعه لاعب كرة القدم على أرض الملعب، أو هواة هذه اللعبة حين مشاهدتهم لها. ومعنى قولي هذا ان أمثال هذه الميادين غير محدودة. المثال الآخر يتعلق بطالب الهندسة الذي ضربتموه كمثل وبيّنتم انه يدرس ولا يشعر بأي انفعال. يتصور الإنسان حينما يُذكر اسم الدرس، أنه خالٍ من أي تفاعل. صحيح ان قاعة الدرس لا تفاعل فيها، ولكن لو كان هناك مختبر أو معمل إلى جانب قاعة الدرس أو حتى خارج الجامعة - مثلما هو متعارف حالياً حيث يقضي الشباب فترة من دراستهم للهندسة في المصانع - فالشاب يشعر انه قادر فيه على الابداع وتطبيق ما يتبادر إلى ذهنه من ابتكارات. أترون انه لا يشعر بالتفاعل والانسجام مع الموضوع؟! من الطبيعي انه يشعر بتفاعل وانسجام كبيرين. الذي أوصيت ذلك الأخ به – العمل التحقيقي – ينبغي أن يكون نابعاً من رغبة واندفاع. أما البحث والعمل التحقيقي الذي يجد الإنسان نفسه مرغماً عليه فهو بحث جاف وخالٍ من أي تفاعل ولا فائدة ترتجى من ورائه. ولكن بإمكان كل واحد منكم البحث والتطبيق العلمي في الاختصاص الذي يميل إليه ويحبه وشارك في امتحان القبول الجامعي من أجله، وهو يدرس فيه حالياً في الجامعة، ويشرف عليه استاذ جيّد، وفي متناول يده مختبر أو معمل يستطيع ان يطبق فيه ما عنده من أفكار وإبداعات. أُريد أن أُبيّن لكم هنا اننا يجب ان لا ندع هذا القلق يتسرّب إلى أذهاننا ونثير التساؤلات عن كيفية اشباع ما لدينا من انفعالات. وإذا كانت أبواب ميادين الحياة مفتوحة، فالشاب يتوجه من تلقاء ذاته إلى حيث يرغب في اشباع انفعالاته. أما ما ينبغي علينا اداؤه بصفتنا مسؤولين - ويجب أيضاً على جميع القادرين والحريصين على البلد؛ بما في ذلك الحكومة وغيرها من القطاعات الشبابية - هو فسح المجال أمام النشاطات البنّاءة والسليمة للشباب. فإذا كان هناك على سبيل المثال شاب يميل إلى الآداب أو إلى الاقتصاد مثلاً، ونحن نعلم طبعاً انه ليس هناك من مختبر للاقتصاد، ولكن قد يُعلن ان خبيراً في الاقتصاد من داخل البلد أو من خارجه سيلقي محاضرة أو يحضر ندوة يتحدث فيها عن الاقتصاد.. من الطبيعي ان مناسبة كهذه تعتبر ذات مغزى عميق بالنسبة لمن لديه رغبة في ذلك العلم، فيسارع لاقتناء بطاقة والحضور هناك والاستفسار من ذلك الاستاذ. وهذا وأمثاله من دواعي الاثارة والتفاعل. إذا فتحت بعون اللّه ميادين العمل والنشاط أمام الشباب على نفس الوتيرة التي كانت عليها منذ بداية الثورة، سيصبح بإمكانهم اشباع انفعالاتهم الشبابية التي هي من بركات مرحلة الشباب. وأقر طبعاً ان التقدم الحاصل في هذا المجال أدنى مما كان ينبغي انجازه على مدى هذه السنوات التسعة عشرة ويعود سبب ذلك إلى ما واجهناه من مشاكل، أما السنتان الأولى فكانتا تتسمان بانعدام التجربة، ثم اعقبتهما ثماني سنوات من الحرب، ومن بعد ذلك بدأت الأمور تتحسن تدريجياً. - أنت فنان ووجهك معروف وشاهدناك على شاشة التلفاز. وأؤكد على انكم أنتم الفنانين الأعزّاء قادرون على تقديم خدمة للشعب، وبالامكان ان يتعلم منكم أبناء الشعب. وان كانت لدى الفنان التقوى التي أشرت إليها، أي انه حينما يؤدي حركة أو يقدّم برنامجاً يضع في حسبانه ان أطفالاً وشباباً ونساءاً ورجالاً ينظرون إليه ويتعلمون منه، لابدّ وانه يسعى إلى تقديم عمل رفيع وباهر. ولهذا أعتقد انكم قادرون على تقديم خدمات كبرى. للفن لسان بليغ ومعبّر لا تضاهيه لغة أُخرى؛ لا اللغة العلمية ولا اللغة العادية ولا لغة الموعظة. وأحد أسباب قوّة وتأثير القرآن هي لسانه ولغته الفنية؛ فالقرآن في ذروة الابداع الفني حتى انه سحر الناس ببيانه حقّاً في ذلك العصر. وإلا فلو كان الرسول يتحدث إلى الناس بلغة عادية خالية من تلك الروح الفنية فانّه وإن كان يجد انصاراً ومؤيدين ولكن بدون وجود تلك الجاذبية وذلك الاعصار وتلك الموجة الصاعقة. والفن هو الذي يأتي بمثل تلك الروائع. وهكذا تكون الآثار الفنية. ومن يقرأ شعر حافظ حالياً، يتلمس روعة وتأثيراً. والفنون التمثيلية أكثر ايقاعاً وتأثيراً من الشعر والأدب، ولكن لا أدري ان كانت أدوم وأبقى منه أم لا. وقد يقال انّها في بعض المواطن أبقى وأدوم، أو قد لا تكون كذلك، ولكنها على كل الأحوال أقوى واشد وأسرع تأثيراً. إذاً أنتم قادرون على خلق تأثير ايجابي. ولهذا فإنني أدعو جميع منتجي الأفلام والسيناريوهات، وكل من يمثلون أو يخرجون أو يهيئون المشاهد والثياب - إذ ان من جملة الأُمور المهمة في الأعمال الفنية، والتي قلّما يُلتفت إليها هي الأزياء والثياب؛ فالزي الذي ترتدونه يتّخذه البعض كنموذج له وتصبح له جذّابية عنده - إلى الالتفات جيّداً إلى طبيعة عملهم والتفكير في نتائجه. وعلى كل الأحوال فانَّ مجال عملهم مجال حسن ومفيد. وأرجو لكم التوفيق.
س: لماذا لا تتخذ اجراءات أساسية لتوسيع القطاع الرياضي جذرياً؟ ولماذا لا تستغل الرياضة كأداة فاعلة ضد الغزو الثقافي؟ ج: ان ما طرحتموه بشأن النواقص الموجودة في المجال الرياضي صحيح وموجود. إذ لم تبذل جهود في هذا المجال. وهناك سببان رئيسيان يعاني منهما هذا المجال وهما: أولاً: غياب التخطيط الشامل واتخاذ القرار الأساسي بشأن اختيار الألعاب الرياضية التي يجب الاهتمام بها. فمجتمعنا الإيراني له متطلباته، ولديه استعداداته. ولكن ما هي الألعاب الرياضية التي يجب الاهتمام بها؟ وبأي دافع وبأي أسلوب؟ سبق لي وان تحدثت تفصيلياً في هذا المضمار قبل سنتين من هذا التاريخ مع الرياضيين ومسؤولي الشؤون الرياضية. وأعتقد اننا إذا أعطينا هذا الموضوع أهميته وفكّرنا فيه ووضعنا التدابير اللازمة له، سنشاهد في ميادين الرياضة العالمية مثل الذي شاهدناه في ميادين الحرب على يد قوات التعبئة وقواتنا المسلحة الأُخرى.. وقواتنا العسكرية لم تملك من المعدّات العسكرية الحديثة، وقد رأيتم ما سطّروه في تلك الحرب من ملاحم ومآثر. يجري على غرارها الآن بالنسبة للعبة كرة الطائرة للمعوّقين. وفي رياضة المصارعة حققت أنت وأخوك [اشارة إلى أمير خادم ورسول خادم] وبعض الأخوة مفاخر كبيرة لبلدكم، وبإمكاننا ان نكون كذلك في ميادين الرياضة كافّة. وليس ثمة مانع يحول دون بلوغنا مصاف الرياضيين العالميين في كرة القدم أو الطائرة أو ركوب الخيل أو بعض أنواع الألعاب التراثية لدينا كلعبة الصولجان، وكذا في الألعاب القتالية، والسباحة. أما النواقص الموجودة حالياً فيعود سببها إلى عدم وجود برنامج يهتم بالتربية والتقدم الرياضي واستخدام الاساليب التقنية. ثانياً: - وهو عامل له صلة وثيقة بالعامل الأول - عدم نضوج الأجواء المعنوية والثقافية في البيئة الرياضية. أي لم تبذل جهود لتحويل الأجواء الرياضية إلى أجواء ذات طابع إسلامي. وليس معنى هذا ان رياضيينا أشخاص غير صالحين، بل يوجد بينهم أشخاص صالحون ومؤمنون ومتقون وورعون. إلا ان المطلوب أوسع من ذلك، يجب أن تتصف بيئتنا الرياضية بالعفة. والعفة كلمة ذات مفهوم واسع، وتعني عموماً سلامة نفس الإنسان حيثما يكون. وهكذا يجب أن تسود العفّة في أجوائنا الرياضية بعيداً عن الاستهتار والتحلل وكل ما هو منافٍ للعفة، ويجب علينا خلق مثل هذا المناخ في بيئتنا الرياضية. وإذا تحقق ذلك ستتألق ألعابنا الرياضية في العالم كله. تلاحظون أن أكثر ما ينال اعجاب هيئة التحكيم والمتفرجين، من أفلامنا التي تشارك في المهرجانات العالمية هو ما تتسم به من عفّة. بعض المخرجين والمنتجين لديهم اتجاه تلقائي نحو هذا النمط من الأفلام، بينما يُفرض على البعض الآخر منهم انتهاج أسلوب عفيف وتصوير العلاقات بين الرجل والمرأة بالصيغة التي تحبّذها الأجواء السائدة في الجمهورية الإسلامية. وهذه الصفة هي التي تجعلها على هذه الدرجة من الابداع والروعة. فالعالم، وخلافاً لما يتصور البعض، سئم التحلل والاستهتار والخلاعة. أما حالة العفة والشرف والنجابة والحياء فهي صفات محبّذة ويتصف بها الإيرانيون بشكل طبيعي، وهي أيضاً مما أوصى به الإسلام. وهذه هي القيم الواجب علينا نشرها في الأجواء الرياضية وغيرها وأن يسود الجو المعنوي على الرياضة، فيتحقق حينئذ ما أشرتم إليه في مقابل الهجوم الثقافي، التمسك بثقافتنا الأصيلة. وانطلاقاً مما سبق قوله، إذا أبدى مسؤولو الرياضة اهتماماً بهذين العاملين؛ أي وضع البرنامج الدقيق والأسلوب العلمي للرياضة في جميع جوانبها كالاختبار والأداء والتربية والتمرين، من جهة، والاهتمام بالجو الثقافي للرياضة من جهة أُخرى، فستحقق الرياضة عندنا تقدّماً كبيراً على ما أعتقد، وستغدو أوضاعها أفضل بكثير مما هي عليه الآن. أرجو من شبابنا عدم الجلوس بانتظار مثل ذلك اليوم وانما يجب عليهم - جميعاً بلا استثناء - ممارسة الرياضة. وعندما نخص الشباب بالذكر لا يعني ذلك أن غير الشباب يجب أن لا يمارسوا الرياضة، بل يجب عليهم ممارستها. ومن الطبيعي أن للرياضة فوائد جمّة للشباب - وبما انني أشرت إليها مراراً لذلك أتحاشى تكرارها هنا - كما انها مفيدة ايضاً لمن تجاوزوا مرحلة الشباب ودخلوا في الأربعين والخمسين أو بلغوا مرحلة الشيخوخة.
س: ما هو سبب عدم وجود مركز مختص بوضع سياسة عامة لرعاية شؤون الشباب؟ ولماذا تتفاوت القطاعات المختلفة في ما بينها بشأن قضايا الشباب، كالزواج مثلاً؟ ج: لقد تم انجاز هذا العمل إلى حدٍّ ما، وكانت الخطوة الأولى على هذا الطريق هي تأسيس «اللجنة العليا لشؤون الشباب» واني لأرجو أن تقودنا هذه الخطوة الأولى الى خطوات لاحقة. ومن المعروف ان بعض الأجهزة الأُخرى كالتربية والتعليم والتعليم العالي والتعليم الطبي تُعنى أيضاً بقضايا الشباب، إلا ان ذلك المركز لديه القدرة على النظر إلى قضايا الشباب نظرة شمولية، والنواة الأساسية له هي «اللجنة العليا لشؤون الشباب» ويبدو لي ان الأخوة العاملين فيها قد أدوا حتى الآن ما عليهم من مهام على خير وجه. وهم مطالبون بإبداء التوجيهات، أما التنفيذ فيقع على عاتق الأجهزة المعنية. لقد كان «منشور الشباب» الذي أعدّه الأُخوة في العام الماضي وعرضوه عليَّ عملاً ممتازاً ومفيداً وشاملاً وخليقاً باتخاذه كأساس لعمل منطقي وجيّد من قبل الاجهزة المعنيّة في الجمهورية الإسلامية. أما قضية الزواج التي أشرتم إليها، فبإمكان الحكومة أو اللجنة العليا لشؤون الشباب، إجالة النظر فيها. إلا ان هذه المسألة تبقى على كل الأحوال مسألة فردية وذاتية يجب ان تفكّر فيها الأسرة نفسها، وتبدي الأجهزة الحكومية والعامة توصياتها بشأنها. وأنا شخصياً أوصي بتسهيل أمر الزواج وعدم المبالغة في المهر، وتحاشي تكلّف الأثاث الباهظ الثمن، وان لا يكون هناك تبذير واسراف في حفلات الزواج، وهذا أمر جدير بأن تبذل في اشاعته الجهود، ويا حبّذا أن تكون دعاية اعلامية وثقافية بشأنه من أجل ان يتنبّه إليه الناس. وإذا هم تنبهوا إليه أعتقد ان أمر الزواج يصبح أكثر سهولة. أما سن الزواج فيجب أن لا يكون فيه افراط أو تفريط، فقد يرى البعض التعجيل في الزواج. إني لا أعارض هذا النمط من الزواج طبعاً، ولا مؤاخذة على من يريد التزويج مبكراً جداً ولكن لا ضرورة للتأكيد عليه . ولا ينبغي التأخير فيه كما يفعل الغربيون ويتزوجون في سن الثلاثين أو الأربعين. ثم ان النزعة الانانية السائدة في ذلك المجتمع تجعل الكثير من الرجال في سن الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين يتزوجون فتيات شابات، فيكون بينهما فاصل سنّي شاسع. وهذا طبعاً من أسباب عدم استقرار الحياة الزوجية، ولهذا نلاحظ كثرة من الناس الذين يقضون أعمارهم بمفردهم في الغرب، وهي لحسن الحظ ظاهرة نادرة في إيران وعموم البلدان الإسلامية. وعلى كل حال يجب التساهل في أمر الزواج وعدم التشدد في الشكليّات لكي يتسنى للشباب الزواج بسهولة. ويجب ان يتوفّر العزم والهمة لدى الأُسرة ولدى الفتيان والفتيات أنفسهم، وان لا يكون هناك احجام عن الزواج. ويا حبّذا لو تساهم الدولة في تقديم التسهيلات. وانا أحرص وأحث المسؤولين على الدوام ليوفروا للشباب السكن والسلفة المالية وسائر متطلبات الحياة، ونحن ننظر إلى هذه الأمور كفرض علينا. ولكن أؤكد ثانية على ان مسؤولية هذا العمل تقع بالدرجة الأولى على الأُسرة وهي قضية خاصّة.
س: برأيكم ما هي السبل المتاحة اليوم لحفظ القيم التي كانت سائدة في فترة الحرب، ونقل تلك الأجواء المعنوية إلى شباب اليوم؟ ج: الكلام الذي طرحتموه الآن صحيح بأجمعه، وأنا أؤمن به وأفتخر بوجود أمثالكم. والقضية ليست قضية أشخاص، وانما هي قضية المعنويات والنية، والحياة الجديدة التي منحتها هذه الثورة وهذه الاختبارات الصعبة. أصدر الإمام بعد المعركة التي تمخض عنها فتح بستان عام 1360 بياناً ورد فيه تعبير «فتح الفتوح» وتصور البعض ان الإمام أطلق تسمية فتح الفتوح على معركة بستان. في حين انه لم يقصد ذلك، وانما أراد من فتح الفتوح هو بناء النفوس الواعية المتيقّظة. وأكبر فتح تحقق على يد الجمهورية الإسلامية هو انّها استطاعت الارتقاء بالشباب إلى هذه المرحلة من الرفعة والسمو الروحي واستشعار الثقة بالذات والوقوف وقفة رجل واحد بوجه الهجمة العالمية الشاملة، دفاعاً عن بلدهم وكيانهم ودينهم. وابرز ما تجد هذا المعنى في الحرب المفروضة، ولازال متواصلاً حتى يومنا هذا؛ فنحن اليوم نواجه هجوماً عالمياً ضدّنا. أعتقد ان بعض الصحف وبعض الأشخاص ممن ورد حديثاً إلى الميدان، ليس لديهم اطلاع ومعرفة عن أي شيء . طبعاً إذا أردنا ان نحسن الظن بهم نقول انهم جهلة وإلا فهم مغرضون. فهؤلاء يخيّل إليهم أنه عمل جبّار أن يساق البلد والمجتمع إلى حالة الفساد والتهتك التي كانت سائدة قبل الثورة، ولذلك تجدهم يبذلون المساعي على هذا السبيل.. فيا لها من غفلة تدعو إلى الأسف. فشبابنا استطاعوا في طور شبابهم الانعتاق من حالة التخدير السائدة في أجواء البلد آنذاك، وقاموا بحركة استنقذوا بها إيران. وإلا فان إيران كانت قد انزلقت وكُنا قد ضعنا وسحقنا تحت الأيدي والأرجل، وكان السيل العفن للثقافة الغربية - والذي كان بمثابة مقدّمة للهيمنة الاقتصادية والسياسية والاستعمارية بالمعنى الحقيقي للكلمة - قد جرفنا. إلا ان اليد المقتدرة للإسلام والثورة قد استنقذتنا، ونحن بين الأرض والسماء، على يد هؤلاء الشباب. ومن المؤسف ان البعض يريد ادراج هذه المرحلة الزاخرة بالمفاخر، طي النسيان، ليعود الناس إلى ما كانوا عليه في الماضي من سبات. ولكن من الذين يريدون ايجاد مثل هذه الحالة، انهم بلا شك أعداء هذا البلد وهذا الشعب. أُشير هنا إلى موضوع لعلّي كنت قد أشرت إليه في حديث سابق أدليت به قبل العيد، وهو ان أحد المجلات نشرت افتتاحية على يد كاتب أمريكي معروف .. خلاصة كلامنا اننا لا نستطيع مجابهة بلد كإيران - وكان طبعاً قد استعمل لهذا المعنى كلمة قبيحة مثل كلمة المتمرّدة - عبر الأساليب الاقتصادية والعسكرية؛ فهذه الاساليب جُرّبت وأخفقت، وانما يجب علينا التسلل إليها عبر الأسلوب الثقافي، ويحدد في الافتتاحية ذاتها كيفية ذلك التسلل. ونُشر في وسط تلك الصفحة صورة لامرأة عارية تماماً، مشيراً إليها يقول: عن هذا الطريق. مؤكداً على أهمية اشاعة مثل هذه القضايا في سبيل التغلّب علينا. وقوله صحيح طبعاً؛ فهذا هو الطريق. من المؤسف، البعض لا يفهم طبيعة العمل الذي يقوم به في البلد. إلا اننا لن نسمح لهم بحول اللّه وقوّته، ولن يتأتّى لهم تحقيق أغراضهم تلك، ولن نسمح لهم بتمرير هذه الخيانة بحق البلد والثورة إلى النهاية. لكن هذه المخططات موجودة في أذهانهم طبعاً، وهم يتأملون ارجاع الشعب إلى اليوم الأسود وإلى ذلك الحظ العاثر الذي عاشه هذا البلد فيما مضى. أعتقد ان شبابنا اليوم شباب ربّاني مؤمن مخلص. لاحظوا الحالة التي تعيشها جامعاتنا، وانظروا إلى أوضاع مصانعنا، وشاهدوا المناخ السائد في أجواء البلد. لابدّ انكم لاحظتم المسيرات الجماهيرية التي انطلقت في اليوم الثاني والعشرين من بهمن، وفي يوم القدس العالمي، وشاهدتم من هم الأكثرية المشاركة في تلك الحشود البشرية التي طافت الشوارع. هم هؤلاء الشباب؛ إذ لازالت تلك الروح الإلهية وذلك الحافز سائداً في البلد لحد الآن، وما برح على أشدّه. وهذه هي الروحية التي ستبلغ بالبلد ساحل الأمان مرّة أُخرى. لا زلنا بلا شك نعاني حالياً من مصاعب ومشاكل في المجال الاقتصادي وغيره، وستزول بإذن اللّه ذات يوم، ولا يكون القضاء عليها إلا عن طريق هذه الروح المعنوية والتمسك بالإسلام والثورة، لا غير. وسيكون هؤلاء الفتية والفتيات هم الذين سينقذون البلد أيضاً. سبق لي وأن ذكرت مراراً، ان جيل الشباب هو الجيل القادر على حسم المشكلات وتجاوز المحن الصعبة. وهو حينما يدخل الميدان - وهو اليوم حاضر في الميدان بحمد اللّه - تحل العقد كبيرها وصغيرها. فشبابنا مؤمنون متدّينون وحريصون على بلدهم وعلى الإسلام، ويعارضون الهيمنة الأمريكية والتسلط الأجنبي، وهذه الخصائص لها فاعليتها طبعاً. أما الأعداء فلن تجديهم بعون اللّه احابيلهم وما يقومون به من مؤامرات. وسيكون الباري في عوننا، وبقية اللّه (أرواحنا فداه) هو السند والمسدد على الطريق، ولهؤلاء الشباب. أُشير في ختام كلامي إلى ان الأعمال التي يضطلع بها الشباب ليست قليلة الأهمية، كالدراسة والبحث والتحقيق والفن والرياضة. وأرجو ممن يقوم بهذه الأعمال عدم الاستهانة بها. بل ان هذا العمل اليسير يشكّل مع عامة الأعمال الجارية في البلد، عنصراً ذا دور حاسم. فالفنان الذي يقرر تقديم عمل فنّي بارع بمفرده، لا يسعه القول انه يؤدي بمفرده عملاً فردياً ضئيلاً. كلا، فهو مطالب بأداء عمله على خير ما يرام وأن ينظر الى أن لعمله أهمية وأثراً، وإذا فكّر مائة شخص آخر على غرار هذا، فهذا هو الرقي والرفعة. وهذا الافتراض نفسه يصدق على حقل الرياضة أيضاً، وعلى الدراسة، وعلى البحث، وعلى الأعمال الخاصة بالشباب. وهذا المعنى شبيه تماماً بحالة التظاهرات. فإذا قال كل واحد: انني شخص واحد، فما هو مدى تأثيري؟ لما قدّر حينها لهذه الحشود المليونية ان تنطلق في اليوم الثاني والعشرين من بهمن، أو في صلاة الجمعة. إلا ان كل واحد يشعر انه يؤدي تكليفه. أؤكد وأُكرر مرّة أُخرى ان أي عمل يؤدّيه أي واحد من هؤلاء الشباب له أهميته حيثما كان وفي أي مورد كان.. سواء في مجال القرآن أم في مجال المعلومات والمعارف، أم في الحوزة أم في الجامعة أم في التأليف. وهو العمل الذي سيقود البلد ان شاء اللّه نحو الرفعة.
|