كلمة القائد في المراسم الإختتامية للمسابقة الدولية الخامسة عشرة لحفظ وتلاوة وتفسير القرآن الكريم

   21/11/1998 (الموافق: 2 شعبان 1419 هـ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

نحمد اللّه لتعطيره أجواء بلدنا ومعاقل قلوبنا مرّة أخرى بنفحات الآيات القرآنية المباركة، مع ان أبناء هذا البلد المؤمنين لا يكاد يمر عليهم يوم لا يعطرون فيه أجواءهم وقلوبهم بأريج القرآن.

 

بنو الإنسان بحاجة إلى القرآن

اعلموا يا أعزائي ان تلاوة القرآن التي نركّز عليها إلى هذا الحد، هي بمثابة الخطوة الأولى. القرآن الكريم يصف ذاته على أنحاء شتّى؛ منها: انه يقول: {ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}؛ أي ان القرآن يهدي الإنسان فرداً وجماعة إلى أفضل السبل وأفضل الأساليب وإلى أفضل نظام وأفضل أخلاق وأفضل عمل.

بنو الإنسان كلهم اليوم بحاجة إلى القرآن، ولكننا - نحن المسلمون - إذا لم نعمل بالقرآن يلحقنا من الضرر أكثر مما يلحق بغيرنا؛ لأننا نملك هذه الوصفة الطبية وهذه التعليمات، كما أننا نملك التجربة التاريخية الخاصّة بهما.

لقد بلغت الإنسانية ذروة التألق في الصدر الأول للإسلام بفضل التزامها بالقرآن علماً وعملاً وأخلاقاً وفي شتى ميادين التقدم المادي والمعنوي. القرآن نابض بالحياة على الدوام، وهو يهتم بمتطلبات الإنسان، وبإمكانه ان يكون أفضل وصفة لسعادة الإنسانية.

لقد أصبحت المجتمعات البشرية اليوم في أقصى أرجاء العالم ، وبسبب ابتعادها عن الشؤون المعنوية وعن حقيقة الإنسان وعن اللّه وعن الأخلاق، غير قادرة على استشعار السعادة على الرغم مما أحرزته من تقدم مادي هائل. ولكن لماذا أصبح الإنسان في مثل هذا الوضع؟ أليس الإنسان اليوم أكثر ثراءً وعلماً من أي وقت مضى؟ ألم يتمتع اليوم بالمستلزمات التي تذلل له مصاعب الحياة؟ إذن فلماذا الحياة على هذه الدرجة من المرارة؟ ولماذا كل هذه الصراعات في العالم؟ ولماذا كل هذه الحروب؟ ولماذا كل هذا الجور؟ ولماذا لا يشعر شبان أغنى بلدان العالم بالسعادة؟ وهل تتطلب سعادة الإنسان شيئاً غير متوفّر بين يديه؟

يمكن الاجابة عن كل هذه التساؤلات بكلمة واحدة، وهي ان الانسان تنقصه رسالة الأنبياء، ولا تتوفر لديه وصفة الأنبياء التي تجلب له الراحة والأمان، أو انها متوفرة لديه ولكنه لا يعمل بها، وهذا هو مكمن تعاسته، والقرآن يقدّم له أكمل وصفة وأكثرها قدرة على العلاج.

لقد نجحنا - نحن أبناء الشعب الإيراني - بتطبيق قسم من هذا الكتاب المقدّس، إذ ليس بإمكان أحد أن يزعم اننا طبّقنا الإسلام بحذافيره، فكانت نتيجة تمسّكنا بجانب من جوانب الإسلام اننا تخلصنا من ذل التبعية للاستكبار.

تلاحظون اليوم ان الرأي الأول والأخير في قضايا العالم المهمة بيد أمريكا ومن هم على شاكلتها، سواء في الشرق الأوسط أم في افغانستان أم في أوربا وأمريكا اللاتينية وافريقيا، وسواء في مجال الاقتصاد أم في مجال النفط أم ما شابه ذلك؛ وكثير من الدول والشعوب مضطرّة للانقياد لهذه الأوامر الصادرة عن منطق القوة. أما نحن أبناء الشعب الإيراني فلا نعترف برأي المستكبرين المتطفلين ولا نأخذ به، لا في ما يخص قضايانا الداخلية، ولا في ما يخص حكومتنا أو اقتصادنا أو سياستنا الخارجية أو ما يتعلق بمواقفنا ازاء قضايا الشرق الأوسط، ولا في ما يتعلق باختيار الصديق من العدو.

 

الحياة والعزة والنشاط في العمل بالقرآن

لقد جاء كل هذا العز الذي أحرزتموه بفضل هذه الخطوة التي خطوتموها مع القرآن، إذ بعثت فيكم الحياة والعزّة والنشاط، وجعلت لكم مسؤولين من أنفسكم. وكما تعلمون فان رؤساء الجمهوريات والوزراء كثيرون في العالم، ولكن أين تجدون أمثال مسؤوليكم ومثل رئيس جمهوريتكم ووزرائكم؟ إذ ان كل العاملين في هذا البلد أناس متواضعون، ومن أبناء الشعب ويعملون لخدمة الشعب. وهذا كله جاء بفضل القرآن وبفضل الإسلام.

ان كل خطوة تخطونها في سبيل اللّه، يعينكم تعالى عليها ويهديكم، ويفتح لكم مغالق الأمور، إذ انه قال عزّ من قائل: {ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}، وقال أيضاً : {ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه}. وورد في دعاء سيد الساجدين (عليه السلام): «وان الراحل اليك قريب المسافة، وانّك لا تحتجبُ عن خلقك».

 

الخطوات اللازم اتباعُها للعمل الكامل بالقرآن

الخطوة الأولى للعمل الكامل بالقرآن هي معرفة معاني نصوص القرآن. في العهد الطاغوتي المباد لم يكن أبناء شعبنا على معرفة بالقرآن، وقليل من الناس كانت لديهم قدرة على قراءة القرآن - وبشكل لا يخلو من الخطأ - ولم يكن لدى الشباب ومن نشأوا في مدارس العهد البهلوي أية معرفة بالقرآن؛ وإذا كان لأحدهم أب مؤمن أو أم مؤمنة كانا يعلّمانه القرآن بشكل أو آخر. ولم تكن المدارس آنذاك تتكفل بمسؤولية التربية القرآنية، وكان القرآن غريباً في أجواء المجتمع، وكان من النادر جداً ان تقام للقرآن دورات بمدينة طهران الكبيرة هذه ويشارك فيها عدة أشخاص ويتعلمون التجويد أو القراءة على يد استاذ، وهكذا الحال بالنسبة لسائر المدن الأخرى.

حينما يدخل القرآن أجواء مجتمع ما، تتذوق القلوب حلاوته وظاهرة القرآن سائدة اليوم في بلدنا، والخطوة الأولى على هذا الطريق هي تعلّم معاني القرآن، لذا يجب أن يزداد هذا الأمر يوماً بعد يوم. وإذا شئنا ان يتعلم جميع الناس القرآن، فلابدّ وان يكون البعض في القمّة - شأنهم في ذلك شأن أي قطاع آخر - فإذا شئنا مثلاً تعميم ممارسة الرياضة، فلابدّ من وضع عدة أبطال نصب أعين الناس.

وإذا أردنا ان يتبوّأ القرآن مكانته اللائقة به في البيت، بين الصغار وبين الكبار ولدى الرجال والنساء، فيجب علينا تكريم الأبطال القرآنيين، وهذا هو السبب الذي يدعونا إلى احترامهم وتقديرهم؛ هؤلاء هم حملة القرآن وهم أعزّة لدينا، وألسنتهم عزيزة وشفاههم وقلوبهم عزيزة لدينا لأنها تأنس بالقرآن. وأرواحنا فداء للقرآن.

ان القضية لا تنتهي عند هذا الحد، بل يلزم أيضاً حفظ القرآن واستيعاب معانيه ومفاهيمه، وترجمته على نحو دقيق لمن لا يجيدون اللغة العربية. وإذا فُهمت كلمات القرآن يجب حينذاك التدبّر في معانيها؛ وحتى الذي يجيد اللغة العربية إذا لم يتدبّر لا ينال إلاّ نصيباً قليلاً من القرآن؛ والتدبّر معناه التفكر في مفاهيم القرآن لأنه كلام ذو مغزى عميق وعظيم، ويجب التدبّر فيه.

القرآن صادر عن الباري تعالى بألفاظه ومفاهيمه، وهذا ما يوجب التأمل الدقيق فيه واستيعاب معانيه، والغور في أعماقه؛ ولا يتأتى هذا إلا عبر الأنس به.

ربّوا أولادكم على القرآن أكثر مما هم عليه حالياً. واعرفوا أيها الشباب الأعزاء قدر معرفتكم بالقرآن وأنس قلوبكم الطاهرة النورانية به. والذين وفّقوا لحفظ القرآن عليهم ان يقدروا هذه النعمة حق قدرها، فهي نعمة عزيزة وثمينة، لأن معرفة قدر هذه النعمة تقود إلى مواصلة هذا العمل. ولن تنتهي عند ذاك الغاية من السير نحو مصدر نور القرآن، وسيتسنى للأمة الإسلامية ان تتبوّأ – بفضل القرآن - مكانتها اللائقة بها.

اللّهم نقسم عليك بمحمد وآل محمد أن تعجل حلول ذلك اليوم على الشعب الإيراني وعلى الأمة الإسلامية جمعاء.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته