كلمة القائد لدى استقباله مسؤولي البلاد وسفراء الدول الإسلامية في طهران بمناسبة البعثة النبوية الشريفة ـ

 (الموافق: 27 رجب 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

بمناسبة هذا العيد الشريف السعيد أهنئ جميع المسلمين وكل الأحرار في العالم، وعموم الأمة الإسلامية الكبرى، والشعب الايراني العزيز، وكذلك أهنّئكم أيها الضيوف الأعزاء والحضور الكرام.

 

يوم البعثة أمجد يوم في التاريخ

لا ريب في ان يوم البعثة يعد أمجد يوم في تاريخ البشرية؛ لأن مَنْ خاطبه الباري عزّ وجل وألقى عليه تلك المهمة الكبرى – ألا وهو رسول اللّه (ص) – هو أعظم انسان في التاريخ، وأسمى ظاهرة في عالم الوجود ومظهر اسم اللّه الأعظم، بل وبعبارة أخرى هو اسم اللّه الأعظم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن المسؤولية التي ألقيت على عاتق هذا الإنسان العظيم – وتلك هي هداية الناس نحو النور، ورفع الاوزار الثقيلة عن كاهل الإنسانية، والتمهيد لإيجاد عالم يتناسب مع وجود الإنسان، وما إلى ذلك من المآرب اللامتناهية المتوخّاة من وراء بعثة الأنبياء – كانت مهمة في غاية الخطورة، اي ان المنتدب لهذه المهمة هو الاعظم من بين الناس، والمهّمة التي انتدب لها اكبر واعظم المهام. اذاً فهذا اليوم اكبر واعزّ يوم على مدى التاريخ.

لو اراد احد حصر أبعاد البعثة بما لدينا من عقول ناقصة، لألحق ظلماً فاحشاً بهذه البعثة وبحقيقتها، وبحقيقة هذه الرسالة؛ فلا يجوز تقييد مضامين بعثة الرسول (ص) بما نحمله من فهم ناقص ورؤية قاصرة، ولكن اذا اردنا عرض تعريف اجمالي مقتضب للبعثة وآفاقها – وان كانت غير متناهية – لقلنا ان البعثة للإنسان وفي سبيل الإنسان؛ والإنسان ايضاً بطبيعته كائن غير متناه، وذو ابعاد شاسعة ولا ينحصر في اطار الجسم والمادة ولا في نطاق الايام المعدودة التي يعيشها في الحياة الدنيا، وليس محدوداً في الجوانب المعنوية فحسب، ولا بمقطع زمني معين من التاريخ. والإنسان - في كل الظروف والاحوال وعلى الدوام - انسان وابعاده الوجودية لا متناهية ومجهولة، ولا زال الانسان حتى الآن كائناً مجهولاً، وقد جاءت البعثة من اجل هذا الإنسان ومن اجل مصيره ومن اجل هدايته.

من الطبيعي ان كل فرد وكل جماعة تغترف في كل عصر وفي كل زمان من معين البعثة على قدر طاقتها واستعدادها وكما استطاع مسلمو صدر الإسلام اقتباس شيء من نور البعثة ونشره في ارجاء العالم يومذاك ، فكان سبباً لهداية الكثير من الناس نحو الصراط القويم واستمالتهم نحو حقيقة العبودية، تمكنوا بعدها من اقامة حضارة وايجاد علوم في برهة من التاريخ لا زال بريقها يخلب الابصار حتّى من وراء اسوار التاريخ العالية وبعد كل هذه الفواصل الزمنية الطويلة، فتنعم العالم على أثر ذلك بنعيم ذلك التقدم العلمي والصناعي والفكري والمدني. وفي كل عصر من العصور اخذ المسلمون نصيبهم المناسب من الإسلام، سعدوا. وكل من اخذ من هذا الدين على قدر استعداده فقد كتب لنفسه السعادة.

 

الثورة الإسلامية قبس مما جاء به الإسلام

ان ما وقع في ايران - أعني هذه الثورة الكبرى وانبثاق هذا النظام الإسلامي - كان بمثابة قبس مما جاء به الإسلام من اجل الإنسان، حيث كان الشعب الإيراني يعيش قبل هذا حياة مزرية، ويمر بفترة مظلمة، وكان قد ابتعد كثيراً عمّا يليق به من حياة إنسانية.وقد الحق به - بسبب ابتعاده عن الإسلام - ظلم على الصعيد العلمي والإنساني والسياسي والاقتصادي، ولكن هذا الشعب وبفضل معرفته للإسلام استطاع بتحركه العظيم ان يصل الى منبع الإسلام، ويضع احكام الإسلام قيد التطبيق ويوفّر الاجواء التي يمكنه من خلالها العمل بهذه الاحكام، ويفكّر في مضامين الإسلام ويستفيد منها، ويغور في اعماق المعارف الإسلامية، ويعرف القرآن.

لقد قطع الشباب في بلدنا اليوم - بحمد اللّه - بما لديهم من اندفاع معنوي وما يتّسمون به من نورانية وصفاء، أشواطاً طويلة على هذا الطريق؛ فلم يعد القرآن اليوم في مجتمعنا كتاباً مهجوراً، والشباب والفتيان منكبّون على تعلّم القرآن، وكل شرائح الشعب تأنس بالقرآن وتميل إليه وتتغذى من معارفه، والكثير من أحكام الإسلام تطبق اليوم في بلدنا.ومن الطبيعي اننا تقدّمنا على قدر استعدادنا وقدراتنا، وعلى قدر همّتنا، ولكن ليست هذه هي نهاية الطريق، ولا هذه هي سعة الإسلام كلها؛ فإذا عقد شعب العزم، وكرّس حريصو ذلك الشعب جهودهم لصالح حركته العامة باتجاه حقائق الإسلام ومعارفه، فإن ما سيتحقق على أيديهم سيكون على درجة من التألّق تفوق ما يتصوره الإنسان وما يخطر على ذهنه.

ان أبواب التقدم مفتوحة - في ظل الإسلام - على مصراعيها، سواء التقدم العلمي أم العملي أم الأخلاقي أم السياسي، وليس هناك من عائق أو حدٍّ يحول بين الإنسان وبين تحقيق العزة والرفعة وبسط الحرية والعدالة وسائر المثل الإنسانية الكبرى في الأجواء الإسلامية وتحت راية الإسلام، وانما قصور الناس وضآلة هممهم هي التي تحول دون استفادتهم من الإسلام. اما في الاجواء الإسلامية، فانَّ العودة الى الإسلام، والاغتراف من منهل معارفه، يعتبر بحد ذاته عملاً كبيراً لو اضطلع به العلماء والمثقفون والمفكّرون في كل بلد من البلدان الإسلامية لعاد عليهم بمنافع لا حصر لها.

 

الإسلام مشعل هداية

يجب فهم الإسلام فهماً إنسانياً صحيحاً مثلما ورد في مصادره الاصيلة والانتفاع منه بالهداية القرآنية. القرآن نفسه «تبيان لكل شيء»، فهو نهج وبيان ومسار، على العكس مما يلقّي الى اصحاب الفكر والرأي في المجتمعات الإسلامية - وهذا التلقين جاء نتيجة للتسلط الفكري والثقافي الغربي الذي يخشى سيادة الفكر الإسلامي - من وجوب فهم الإسلام في ضوء الادوات والمعارف الغربية. من الطبيعي ان المعارف كلها توعّي الإنسان وتعينه على استحصال فهم افضل، بيد ان الإسلام يجب استقاؤه من الإسلام ذاته؛ الحقائق الإسلامية ينبغي استخلاصها من النصوص الإسلامية ويجب فهمها وتطبيقها في ضوء المصطلحات الإسلامية.

الإسلام ذاته مشعل هداية ينير الافكار والعقول ويهدي الناس، والقرآن كتاب هداية وكتاب نور. ومن يرجع الى القرآن ويتدبّر معانيه ويوجد الارضية والاستعداد اللازمين في ذاته لاكتساب نصيب اكبر من معارف القرآن، بإمكانه الاستفادة من القرآن. ونحن يجب ان لا نكترث بمدى الوقع الذي يتركه فهمنا للاسلام على من لا صلة لهم به ولا يستسيغونه وينظرون إليه كمصدر ازعاج لهم - سواء في المجال الاقتصادي أم في المجال السياسي - وهل يتقبلون فهمنا هذا أو يستنكرونه.

لقد جاء الإسلام هادياً للبشرية واتخذ له حيّزاً في عقول الناس في وقت تعالت ضده صيحات التكذيب والانكار. وحتى رسول الإسلام كالوا له أنواع التهم، والقرآن طافح بالتعابير التي كان أعداء الرسول يستخدمونها ضده، وهي تعابير لو انّها استخدمت ضد انسان ضعيف لدمّرته ولحطّمت ارادته ولأزالت جرأته على الافصاح بما يريد، إلا ان الرسول لم يكترث لكل ذلك، وبيّن كلمة اللّه التي كانت قد جرت على لسانه، وأُلهم بها في قلبه، وفعلت نورانية الكلام الإلهي فعلها.

وهكذا الحال في عصرنا الراهن؛ فإمامنا الكبير حينما نزل إلى الساحة، وادرك العالم كله حينها ان هذا الإنسان عازم على العمل وفقاً للإسلام واقامة حكومة إسلامية، انقلبت ضده حتى الأجهزة الاعلامية التي كانت في ما سبق تشيد به، وأخذت تكيل تعابير الاهانة والاستخفاف له ولرسالته وللمجتمع الإسلامي ولأصل النظام الإسلامي، غير انه لم يأبه بها، وسار شعبنا وشبابنا وعلماؤنا ومفكرونا ومسؤولونا على هذا الطريق بكل جرأة وشجاعة، وكان النجاح حليفهم.

ان النظام الإسلامي والدولة الإسلامية اليوم من أكثر دول العالم عزّة، والمنطقة التي نعيش فيها من أبرز المناطق السياسية فيه. فشعبنا عزيز وشامخ ودولتنا دولة عزّة ومجد، والأمور تجري فيها على نحو صحيح لا تشوبه شائبة ولا تعتريه أية معضلة كبرى، وهذه الأمور على جانب كبير من الأهمية، وقد تحققت بفضل وجود الإسلام، ولم تؤثر أساليب الضغط والتهم والاستخفاف، والرمي بالتعصب والتطرف، وواصل شعبنا سيره قُدماً. وهكذا هو الحال اليوم أيضاً.

لا أعتقد ان باستطاعة أي شخص اعتبار فهم الإسلام حكراً عليه دون غيره، بل ان فهم الإسلام واستيعاب القرآن يستلزم كأي استنباط وفهم آخر لجملة مقدمات، ويحتاج إلى عمل جاد واستعداد، وهذا ما لا ينسجم أبداً مع التحجّر والتعصّب وقصر النظر، كما انه لا ينسجم مع اللاابالية والتحلل، إلا ان القضية المهمة تتلخص في ان ما يفهم من الإسلام، وما يرتضيه الإسلام وما يعرض لنا بصفته هداية إسلامية يجب ان يؤخذ به بكل اقتدار وشجاعة وإيمان وأمل ورؤية مشرقة.

يجب مواصلة هذا الشوط واكمال المشوار، وهذا هو ما يقوم به الشعب الإيراني اليوم، اذ انه يجدّ السير على طريق الإسلام الحقيقي الذي استطاع معرفته بفضل هذه الثورة. ومن الطبيعي ان أعداءنا لا يتورعون عن توجيه التهم لنا؛ فتارة يرموننا بالتعصب، وتارة بالرجعية، وأخرى بالافراط والتطرف. وليقولوا ما شاؤوا، فنحن لا نتوقع منهم غير هذا. اننا عرفنا الإسلام وآمنا به، ونحب رسول الإسلام، ونعتقد بصحة السبيل الذي نسلكه، وقد جرّبناه، وسنواصل السير.

يكرس كل أعداء الإسلام وأعداء هذا النظام جهودهم لتجريد الشعب الإيراني من اعتقاده بتجربته الناجحة الوضاءة على مدى عشرين سنة مضت، حيث مرّت السنوات العشر الأولى منه في عهد الإمام الذي كان زاخراً بالاشراق؛ في ذلك العهد كان ذلك الرجل الإلهي المعنوي النادر – الذي قلّما يعرف التاريخ نظيراً له حياً بيننا – يرشدنا، وكان يشدّ الأنظار إلى شخصيته التي أثارت الاعجاب حتى بين الأعداء، وخرج بهذا الشعب – بكل مهارة وقدرة - من اشد المصاعب التاريخية، واصبح ذلك العهد منطلقاً للشعب الإيراني يتحرك على أساسه. وهذا ما يدفع بالأعداء إلى محاولة مسخ ذلك الماضي المشرق وانتزاعه من أيدي الشعب، وتشويه صورته في أذهانهم، والايحاء بأنه عهد يستلزم الاصلاح. بيد ان من يقفون اليوم على رأس السلطة في هذا البلد؛ وأعني المسؤولين ورئيس الجمهورية والحكومة، والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وكل واحد من ابناء الشعب يعتزون جميعاً بالإمام وبنهجه وحركته وبقمم الفخر والمجد التي صنعت في عهده، ولن يتراجعوا عن ذلك أبداً. وهذه تجربة ثمينة اكتسبناها على مدى السنوات العشرين التي أعقبت ثورتنا.

 

كل ما لدينا بفضل الإسلام والقرآن

لقد بدأنا مسيرتنا بفضل الإسلام، وتقدّمنا بفضل الإسلام، وصنعنا لأنفسنا أفق مستقبل مشرق بفضل الإسلام، وزرعنا اليأس في قلوب العدى بفضل الإسلام، وكشفنا عن الكثير من أحابيلهم بفضل الإسلام، وقطعنا شوطاً بعيداً على طريق اعمار هذا البلد مادياً ومعنوياً بفضل الإسلام، ولا زلنا على هذا النهج سائرين، وقدّمنا في مسيرتنا هذه انجازات جمّة.فكل ما لدينا من لإسلام وكل ما لدينا من القرآن، وكل ما لدينا جاء بفضل ارشادات ذلك القائد الكبير، ونحن على ثقة بأنَّ مواصلة السير على هذا الطريق ستقود هذا الشعب إلى السعادة وستروي ظمأه المادي والمعنوي، وستحلّ جميع مشاكلنا بفضل التمسك بالإسلام والسير على هذا الطريق باستقلالية؛ وجميع المسؤولين يواصلون العمل الدؤوب وبذل الجهود، وهم على اعتقاد تام بهذه الحقيقة.

كلما اقترب مسلمو العالم نحو الإسلام أكثر، تذوّقوا طعم هذا الدين أكثر فأكثر، وكلّما ازدادوا تلاحماً، جنوا فوائد من الإسلام أكثر. والمسلمون مطالبون اليوم بتجاوز اختلافاتهم الفرعية والطائفية والتاريخية والمذهبية، ومد ّيد الاتحاد بعضهم إلى بعض. وستجتاز هذه الأمة الكبرى في جميع البلدان الإسلامية كل العقبات الكبرى التي تعترض طريقها، وسيكون مستقبل الأمة الإسلامية - بإذن اللّه - أفضل من ماضيها بكثير.

نأمل - بإذن اللّه - ان يستقي الشعب الإيراني العزيز وكل الشعوب الإسلامية من فيض الإسلام والقرآن، وينالوا عناية بقية اللّه (أرواحنا فداه)، ويُنزل عليهم الباري تعالى لطفه ورحمته وبركته.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته