كلمة القائد لدى زيارته الى معسكر فرقة سيد الشهداء (ع) ـ

 18/10/1998(الموافق: 27 جمادى الثانية 1419 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

أشعر اليوم وأنا بينكم أنتم شباب الثورة الإسلامية الأماجد، بأن هذا اليوم يوم جميل وسيكون ان شاء اللّه يوماً خالداً ومبعث ذكريات طيّبة. اننا نفتخر بشباب مثلكم وبمجموعة كالمجموعة التي تضمّها هذه الفرقة الباسلة التي كنت على معرفة بها مذ كانت لواءاً، ومنذ ان تحوّلت وحدات ذلك اللواء إلى فرقة. وقد مرّت على ذلك اليوم سنوات طويلة تكلّل خلاله تاريخ هذه الفرقة بالفخر والعزّة.

 

الشباب المؤمنين الثوريين قدوة وحجة

نحمد اللّه على انتماء مثل هؤلاء الشباب المؤمنين الثوريين إلى فرق كهذه الفرقة حتى أصبحوا حجّة على الكثير ممن كانوا يتصورون ان هذا العصر الغارق في الفساد والمشاكل المادية - وأودى بشباب العالم إلى الانزلاق في مئات الأنواع من الأمراض النفسية والجسمية والعاطفية والعصبية ومختلف صور الفساد - لا يمكن العثور فيه على شاب أو مجموعة شباب تحمل قلوباً نورانية ونفوساً أبيّة وايماناً راسخاً، ويسلكون منهجاً يدفع الآخرين إلى التأسّي بهم، فيقتدي بهم حتى غير الشباب، ويتعلم منهم الدروس.

ونشكر اللّه ان شباباً من أمثالكم ممن يخدمون في هذه الفرق العسكرية الظافرة، أثبتوا هذه الحقيقة وهي أن جوهر الإنسانية باعتباره خلقة اللّه الكبرى نابض على الدوام بروح الحياة ما دام دين اللّه حيّاً، وان الناس الأصفياء الصالحين الورعين النجباء يمكن ان ينشأوا في ظروف شتّى ويكونوا قدوة يهتدي الآخرون بهديهم ويصبحون حجة على من سواهم.

في فترة الدفاع المقدّس كانت حوافز وجود الشباب في ميادين الايثار والتضحية والتقوى واضحة لدى الجميع، وبقيت شعلة الشهادة والجهاد تُضيء الأجواء بصورة حتى طغت على كل معالم الغيوم القاتمة لفتنة النفاق، والكفر، والفساد. ولا يعني هذا طبعاً ان هذه الزوائد المتشرذمة عن الكيان الإنساني الشريف لم يكن لها وجود في بلدنا في فترة الدفاع المقدّس، فهي كانت موجودة ولكنها اندثرت تحت تأثير ذلك النور الساطع الذي انبجس من النفوس الطاهرة للمؤمنين في ميادين التضحية والشهادة، وأضاء بنوره عليكم واقتبس الجميع قبساً من ذلك النور. وحتى إمامنا الذي كان إمام النور وإمام النقاء وإمام القدس والتقوى وإمام الروح، كان يقتبس من ذلك النور، وكان يصرّح هو بهذا المعنى مراراً. كانت تسود تاريخنا يومذاك برهة قل نظيرها بل لا نظير لها من جهات.

 

الجهاد الأكبر

لقد تصور البعض ان انتهاء الحرب كان ايذاناً بانطفاء نور المعنوية المتوهّج في القلوب. إلا ان هذا التصور كان في الحقيقة مجانباً للصواب. لقد أقامت مجموعة من شبابنا المؤمنين والمخلصين مآتم العزاء بعد سماعها لقرار انهاء الحرب متصوّرين ان أبواب الشهادة وأبواب المعنوية قد اغلقت وبقينا نعيش خلف جدران الحصار. لاشك طبعاً في «ان الجهاد باب من أبواب الجنّة». إلا ان لجنة النقاء والمعنوية الإلهية أبواباً متعددة، هذا أوّلاً، وأما ثانياً فإنَّ الجهاد في ميادين الحرب شوقاً للايثار والتضحية، ما هو في الواقع إلا أحد سبل الجهاد. فرسول اللّه (ص) الذي كان معلم الأولين والآخرين وكانت الملائكة تستقي علمها من علمه، وكان قلبه أسمى موضع للوحي الإلهي، قال لشباب عصره بعد عودتهم من الحرب: «مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر».

فأنتم قضيتم الجهاد الأصغر، وأمامكم الآن ميادين الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، وهو جهاد في ميادين قاتمة معتمة؛ إذ من المعروف ان ميدان الحرب واضح لا لبس فيه. فالعدو في ذلك الجانب، والصديق في هذا الجانب. والمعدات التي تحت تصرف العدو معروفة، وخطته قابلة للحدس. إذن فالحرب ضد العدو هي أسهل الحروب ولا يَقُولنَّ قائل انَّ الأرواح هناك في خطر، فالخطر يتهدد الروح في كل أنواع الجهاد. ثم ان الروح ليست دائماً أثمن شيء يقدّمه الإنسان؛ فهنالك أناس يتمنّون الموت مائة مرّة في اليوم. وهنالك بذل أسمى من بذل النفس، وهنالك عناء يفوق عناء نزع الروح. هكذا أكد لهم الرسول ان الدور قد حان للجهاد الأكبر، وقد كان الجهاد الأكبر في عهد الرسول بالغة المشقة.

سأتناول في لقاء آخر معكم اليوم بحثاً عن مدى مشقة الجهاد الأكبر في عهد الرسول (ص)، لأن سُحب الفتنة كانت ملبّدة. أما اليوم فالقضية ليست كذلك لأن سُحب الفتنة في عصرنا معروفة، والجهاد متواصل كينبوع ثرّ.

 

لا عزّة بدون الجهاد

اعلموا يا أعزائي ان البعض يفزعه ذكر اسم الجهاد متصوّراً انه لا يتماشى مع نشوء الدولة، ومع ارساء أسس الحضارة في الحياة، ويتعارض مع التقدّم المادي والمعنوي، ومع الرفاه المشروع لبني الإنسان. ولكن هذا خطأ فضيع؛ إذ بدون الجهاد لا ينال الإنسان شيئاً لا في دنياه ولا في آخرته. وبدونه لا يمكن مقاومة حتى ذئب في الصحراء مقطوع اليدين والرجلين، فما بالك بالذئاب الكاسرة في عالم السياسة والاقتصاد والبراثن الملطّخة بدماء الملايين من الناس ممن افترستهم تلك الذئاب. وهل يمكن لشعب ما ان يرفع رأسه بدون الجهاد؟ وهل يمكن لشعب ما ان يذوق طعم العزّة بدون الجهاد؟ وهل يمكن لشعب ما ان يتّخذ له مكانة وشأناً بين شعوب العالم بدون الجهاد؟ أجل «ان الجهاد باب من أبواب الجنّة» معناه نيل جنّة الخلد في الآخرة، والراحة في هذه الدنيا.

وهذا المعنى ينطبق على جميع الشعوب وعلى جميع الدول. فإذا كان للجهاد ان يتّخذ معناه الحقيقي، فلا بد ان تكون فيه قدوات ورموز يُحتذى بها؛ إذ بدونها لا يتحقق ذلك. فالكثير من الشباب يتدفّقون، كجيش إلهي لا نهاية لأمده، من غياهب العدم إلى ميادين الوجود، ويدخلون معترك الحياة بأعداد كبيرة في بعض البلدان – كما هو الوضع بالنسبة لبلدنا في الوقت الحاضر – أو بإعداد قليلة كما هو الحال بالنسبة لبعض البلدان الأخرى. ولا يمكن الاكتفاء بالكتاب كوسيلة لإرشاد هؤلاء الشباب نحو طريق العزّة، والتضحية على طريق الأهداف الإنسانية الكبرى والمرامي السامية؛ أو بكلمة جامعة، نحو الجهاد في سبيل اللّه فهم اضافة إلى الارشاد، بحاجة إلى الاسوة والقدوة. ومن مفاخر حرس الثورة انه يضم من هذه القدوات أعداداً لا حصر لها من القادة والشباب الصالحين الاتقياء النورانيين الذين كان إمام النور يتمنى ان يكون أحدهم، وهم الذين حيثما حل أريج معنوياتهم وكلامهم حلّت في تلك البقعة معالم النور والمعنوية حتى ان سماحة الإمام اعتبر ظهور هذه المجموعة بمثابة «فتح الفتوح» للثورة الإسلامية.

 

"فتح الفتوح" بالنسبة للثورة الإسلامية واقعة انسانية

في صدر الإسلام كان «فتح الفتوح» حادثة عسكرية حيث توقف المسلمون حينها عند المناطق الشرقية في ميادين الحرب حينذاك والتي تقع اليوم غرب إيران إلى ان تمكنوا من فتح عدّة قلاع، فقالوا ان هذا هو «فتح الفتوح». واليوم يُطلق تاريخياً على فتح نهاوند وجلولاء اسم «فتح الفتوح»، أي ان هذا الاسم أطلق على واقعة عسكرية. أما إمامنا الراحل فقد قال ان «فتح الفتوح» بالنسبة للثورة الإسلامية، واقعة انسانية لا عسكرية، أي ظهور شباب نورانيين ملائكيين في عالم لا تجد في كل أرجائه إلا الشيطان. واليوم بدأت تظهر من جديد في بعض بقاع هذا العالم ومضات نورانية.

كان فتح الفتوح يتجسد في هؤلاء الشباب، وفي القادة الشهداء الذين أسّسوا هذه الفرقة، ومنهم القائد الشهيد علي فضلي والقائد الشهيد ناصح، وهؤلاء الشباب المؤمنين الذين يتّصفون بنورانية قادرة على انارة القلوب الأخرى. هؤلاء هم رمز الشرف والعزّة، ومصدر فخر البلد، في ذكر أسمائهم فخر، وفي احياء ذكراهم فخر، وفي مواصلة طريقهم فخر.

من الخطأ الامتناع عن ذكر اسم الحرب والشلامجة والايثار والجندي والحرس الثوري والقائد خشية تعكير صفو الأوضاع التي يراد لها أن تسود في المجتمع. كلا، ان هذا التصور خاطئ؛ لأن الوضع المنشود والمطلوب، والبناء الشامخ، وراية العزّة، والحكومة المقتدرة، والشعب العزيز، والسبيل الواضح انما يتحقق فيما إذا تجسّد مفهوم الجهاد في الناس المخلصين الورعين الاتقياء، وأصبحت له مكانة في مجتمعنا.

أيّها الشباب الأعزاء النورانيين نشكر اللّه على ان الحكومة تعرف قدركم، والشعب والمسؤولين، ورئيس الجمهورية، ومجلس الشورى يعرفون قدركم أيضاً. ونحمده على ان راية العزّة والجهاد والتضحية التي ارتفعت في هذا البلد بأيديكم أنتم الشباب، لازالت اليوم أيضاً بأيدي الشباب المؤمنين الاتقياء النورانيين في مختلف الميادين. إذا كانت نزعة الجهاد والوقوف بوجه التحدّي المعادي موجودة في نفوس الشباب حيثما كانوا، سواء في الثكنة، أو في الجامعة، أو في الحوزة العلمية، أو في السوق، أو في المصنع، أو في أي مكان آخر؛ فهم مجاهدون في سبيل اللّه، وحماة للقيم وحرّاس للدين. وهذه الحالة موجودة اليوم والحمد للّه، وعليكم أن تعرفوا قدرها.

على الرغم من ان الكثيرين منكم شاركوا في الحرب وخاضوا المعارك، إلا ان الذين لم يشهدوها بإمكانهم اليوم ان يعيشوها بوجودهم. فالعدو ما انفكّ ماثلاً اليوم وهو يتربص بنا ولن يتوانى عن شن أي حرب يراها تلحق الضرر بالشعب الإيراني وبالثورة الإسلامية. ولن يتورع عن استخدام أية وسيلة اقتصادية أو ثقافية أو اعلامية أو سياسية أو أي أسلوب آخر لتوجيه ضربة للراية التي رفعتها إيران الإسلامية والشعب الإيراني، ومنحت بها مسلمي العالم هويتهم - حيث يستشعر المسلمون اليوم في أفريقيا وفي تركيا وفي أوربا وفي آسيا وفي كل مكان آخر معالم من العزّة التي أحيتها إيران الإسلامية - ولا تظنوا ان العدو قد انصرف عن مراميه؛ فهو يخطط لما بعد عشرين أو ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة؛ لأن العدو ليس شخصاً وانما هو معسكر. والإسلام هو الآخر معسكر أيضاً، ويتهيأ كذلك لما بعد عشر سنوات أو عشرين أو خمسين أو مائة سنة. ليس العدو وحده هو الذي ينظر خمسين سنه إلى الأمام، فنحن أيضاً نرى ما بعد مائة سنة. وسترون بإذن اللّه {ان كيدهم في تضليل}، و {ان كيد الشيطان كان ضعيفاً}. وسترون انهم مخطئون في حساباتهم، وسترون انهم سيتلقّون الصفعات، وسترون أنف الاستكبار يمرّغ في التراب. وهذا ما ستراه الشعوب أيضاً، وتجد فيه تأويلاً ومصداقاً للآية المباركة: {ألم تر كيف ضرب اللّه مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيْبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها ويضرب اللّه الأمثال للناس}. فهو تعالى يأتي بهذه الأمثال لنفهم نحن على النحو الصحيح.

عليكم أيّها الشباب أن تعرفوا قدر أنفسكم أولاً. وعليكم ثانياً أن تدركوا أهمية الزي العسكري وزي حرس الثورة، وزي التعبوي. وعليكم ثالثاً أن تعوا قيمة هذه الضوابط والمقررات التي تستطيع الحفاظ عليكم في اطار القواعد والموازين اللازمة، وتلتزموا بكل ما يرد فيها. وعليكم رابعاً ان تعرفوا قدر ما لديكم من أسلحة وتجهيزات وامكانيات وآلات ووسائل ومعدّات، وتعملوا على صيانتها وديمومتها. وعليكم أخيراً ان تدركوا قدر ما لديكم من إيمان وان تحافظوا على هذا الإيمان باعتباره السند لكل ما سبق ذكره.

اعلموا يا أعزائي ان بعض الثروات المعنوية، مع ما لها من قيمة وأهمية، بحاجة إلى الحفظ والرعاية. فالمحبة مثلاً يجب أن تحاط بالرعاية مثلها كمثل النبتة إذا أُهملت فقدت. والإيمان أيضاً من هذا القبيل ويجب ان يحظى بالحفظ والرعاية وذلك من خلال السلوك السليم، وعبر التأمل والتدبّر، وبالتوجه الى الباري تعالى وتمتين الصلة به. كما وتحفظ هذه الجوهرة عبر التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وعلى كل واحد منكم أن يوصي أخاه بالحق والصبر. والصبر معناه الثبات والاستقامة.

كان ولي العصر (أرواحنا فداه) في عونكم، والروح الطاهرة لإمامنا الراحل راضية عنكم،والأرواح الطيّبة للشهداء الأعزاء مبتهجة بكم. اللّهم اسألك بحق محمد وآل محمد ان لا تجعل مصير من يعرفون قدر الشهادة إلا الشهادة في سبيلك. اللّهم لا تصرف عنا رضاك طرفة عين أبداً، ولا تُعرض بهدايتك عنا طرفة عين أبداً.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته