مقابلة صحفية مع الإمام القائد لدى زيارته لمعرض طهران الدولي الحادي عشر للكتاب - 

 26/5/1998.  (الموافق: 14 محرم 1419 هـ).

* بما أنكم تؤكدون كثيراً في المناسبات والبرامج المختلفة على مقولة الكتاب والمطالعة وأصحاب القلم على نحو خاص، نرجو من سماحتكم أن تحدثونا – بعد تفقّدكم لمعرض الكتاب الدولي الحادي عشر - كيف وجدتم المعرض وما هو تقيمكم لمحتويات الكتب المعروضة فيه؟

بسم الله الرحمن الرحيم

- لم أوفَق في الحقيقة لرؤية أكثر من صالتين، وكانتا في غاية الجودة. من الطبيعي ان معرض الكتاب بحد ذاته جيد. ويمثل هذا المكان ملتقى سنوياً لذوي الثقافة والعلم والأدب وموعداً يبقى يترقبه كل راغب في المعرفة والمطالعة. وحينما ينظر المرء إلى هذا المكان ويراه غاصاً بهذا الحشد من المواطنين يدرك ان لأبناء شعبنا ميلاً نحو الثقافة عامة والكتاب خاصّة.

كانت الكتب المعروضة على حد مشاهداتي على درجة عالية من التنوع. لكنني لست قانعاً بهذا المقدار وأتصور وجوب مضاعفة اصداراتنا من الكتب أضعاف الكم الموجود حالياً؛ بمعنى زيادة اصدار الكتب تأليفاً وترجمة وغير ذلك من جهة، واحياء الآثار القديمة من جهة أُخرى. فقد طبعت الكثير من الكتب في الماضي، ولكن لا نعرف عنها الكثير فعلاً ولا يوجد في أيدي الناس شيء منها. ومثل هذه الكتب يجب احياء الصالح والمناسب منها.

وعلى العموم فإني راضٍ عن هذا المعرض. وكما قلت سابقاً اني أحب كل معرض للكتاب. ولا يمكنني حالياً طرح تقييم قاطع لهذا المعرض، لكنه كان جيّداً.

 

* اسمحوا لي بتوجيه سؤال لسماحتكم عن أهمية الكتاب. فالكتاب من جملة القضايا التي تحظى بأهمية كبيرة في مجتمعنا وتمثل في الواقع حصيلة نتاج العلماء وأصحاب القلم والنخبة والمثقفين في المجتمع كلّه. ما هي توجيهاتكم بشأن اتخاذ تدابير كفيلة بجعل هذه الآثار أكثر دواماً، ولخلق آثار في المجتمع تمتاز بمزيد من الأفضلية والدوام؟

- لا بدّ أن يكون الأثر جيداً ليكتب له الدوام ويبقى ويأخذ حيّزهُ في القلوب ولا يبلى. والمقصود بالأثر الجيّد هو الذي يأتي كإجابة على سؤال أو استجابة لحاجة معيّنة. وجودة الأثر لا تقتصر فقط على حسن تنظيم وعمق محتواه، وانما قد تأتي من كونه استجابة لحاجة معيّنة. وهذا هو المهم الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار في موضوع الكتاب. والحقيقة هي أوسع بكثير مما يتصوره الإنسان في الوهلة الأولى. فإذا لم يكن في بلدنا أي كتاب أو تأليف في موضوع معين، قد يتبادر إلى الأذهان عدم وجود حاجة لمثل هذا الكتاب في هذا المجال، ولكن حينما يطرح كتاب ما في هذا الخصوص، يستشعر حينها الفكر انّه يريده. وهذا يعني اننا بحاجة إلى أي نتاج في الفكر والثقافة الإنسانية ولا بدّ لنا من تعلّمه.

وليس معنى هذا اننا يجب ان ننتهج أسلوب عدم المبالاة في تأليف ونشر الكتب، فأسلوب اللامبالاة غير جائز. وكثيراً ما كنت، ولا زلت أؤكد على الأخوة مسؤولي الشؤون الثقافية، اننا يجب ان نعلم مثلما ان الحكومة مسؤولة عن الكثير من أمور الشعب - كلكم مسؤول عن رعيته، فهي مسؤولة عن شؤونهم المعاشية وعن شؤونهم الاقتصادية والسياسية والثقافية والتعليمية والصحية - فهي مسؤولة عن شؤونهم الفكرية والذهنية أيضاً. فإذا كان هناك - على سبيل المثال - كتاباً لا فائدة فيه سوى اثارة الغرائز الجنسية للشباب، فمثل هذا الكتاب مضر، ولا يمكن النظر إليه بصفته نتاجاً فكرياً يمكن لمن يشاء طبعه وتوزيعه. كلا، لأن الموضوع لا يتخذ هنا صفة الحاجة، بل يصبح هنا كالمخدرات؛ فالمخدرات عليها طلب شديد أيضاً، والكثير من الناس إذا قُدِّمت لهم المخدرات يرحبون بها ويستهلكونها، ولكنهم من بعد الادمان عليها يكيلون اللعنات لمن قدّمها لهم. والكثير منهم إذا سلبت منهم المخدرات يدخلون معك في صراع، ولكنهم إذا استطاعوا الشفاء من تلك الحالة المرضية فيما بعد، يدعون لك. وعلى هذا، ليست الحاجة مناطاً وملاكاً بنحو الاطلاق، بل ما جاء منها مطابقاً للمصلحة فهو صحيح، وتشخيص المصلحة من مهام المسؤول.

لا نبتغي من وراء قولنا هذا ان نفرض على أبناء الشعب قراءة كتاب معين، وعدم قراءة كتاب آخر، وانما يجب ان يكون الباب مفتوحاً أمام شتى الأذواق والأفكار والآراء والقابليات لاختيار ما تشاء، أما المفسد والمضل فلا ينبغي ان نسمح له بدخول الساحة. وهذا من واجبنا، وواجب الحكومة، وواجب وزارة الارشاد. ولهذا السبب فإنني عندما ذكرت في أول حديثي اننا يجب أن نضاعف اصداراتنا من الكتب، أشرت أيضاً إلى هذا الاستثناء.

الكتب التي أشرت إليها باعتبارها مثيرة للغريزة الجنسية ذكرتها لمجرد المثال وإلا فالحكم نفسه ينطبق على الجانب السياسي أيضاً. فإذا افترضنا وجود كتاب يتضمن أنواعاً من الأكاذيب والأباطيل المضلة التي لا يمكنكم الرد عليها في الوقت الحاضر، يجب عدم السماح بنشره. نعم الآراء المغلوطة لا يجب منعها، بل لا بأس بفسح المجال أمامها لكي تواجه بالنقد والتمحيص. لأن منع نشر الآراء الفلسفية والاجتماعية المغلوطة يخلق نتائج عكسية فيتصور البعض صحّتها، ولا ضير في نشر الآراء الفلسفية والاجتماعية والسياسية المطروحة على شكل نظرية.

لا يجب ان تكون - حسب رأيي - قيود على عملية التنظير، وأكثر ما ينبغي التأكيد عليه هو تفكيك تلك النظريات ونقدها وتقييمها.. إبانة الحق من الباطل فيها. أما المجالات الميدانية فتكون لمنع الكتب الضارة، والكتاب الذي يواجه عملياً ويمنع طبعه ونشره هو ذلك الكتاب الذي يوقع المرء في مشكلة من قبيل الاثارة الجنسية التي أسلفت الاشارة إليها. فمثل هذا الكتاب لا نظرية فيه ولا تنظير، والشخص الذي يقرأه يتأثر سلباً بشكل طبيعي. ولهذا يجب منعها ولأنها أيضاً ليست مما يقبل النقد. وهذا معيار في تمييز نمط الكتب، بمعنى ان الكتاب الذي إذا نزل إلى الوسط الثقافي أخذ مفعوله الميداني والتأثير السلبي الفعلي، وهو ليس مما يمكن الرد عليه، فمثل هذا الكتاب مضر ويجب منعه.

الحقيقة هي ان شعبنا يميل من أعماقه إلى الإسلام. وأنا على يقين من ان الناس الأعزاء الذين يسمعون كلامي يقرون بصحّته. ولا ريب في ان التعلق بالإسلام لا يعني على الاطلاق وجوب عدم الاطلاع على الأفكار المختلفة الأُخرى. بل ان الإسلام يدعو إلى مثل هذا. إلا ان من طبيعة أبناء شعبنا حبّهم للإسلام، وإذا ما شاهدوا أمراً ما يتعارض وإياه يبدون اشمئزازهم منه ورفضهم له سواء كان عملاً أم فكراً.

الأكثرية القاطعة من أبناء الشعب متعلّقة بالإسلام، وهي التي قامت بهذه الثورة في سبيل الإسلام، وهي التي مهّدت عبر ما قدّمته من دعم، لخلق هذه الانتصارات الكبرى على الصعيد السياسي، وسطروا بأيديهم تلك الانتصارات الكبرى في الميادين العسكرية. والحمد للّه ان أجواءنا كلّها أجواء إسلامية، وشبابنا كلهم مؤمنون بالإسلام ومتعلّقون به، وهكذا الحال بالنسبة للمسؤولين أيضاً؛ فهم في خدمة الشعب ويسيرون على خطا الإسلام وقلوبهم تنبض لأجله.

أسأل اللّه ان يُسخر الامكانيات المتاحة لخدمة تطور الفكر الإسلامي والمشاعر الإسلامية وان نتمكن من تطبيق الإسلام كجوهر حقيقي للسعادة من أجل رفاه وسعادة الشعب. ومن البديهي اننا إذا عرفنا الإسلام حق معرفته وطبّقناه كما ينبغي له، وجعلنا أنفسنا في خط متطابق مع نهجه لجاءتنا السعادة المادية والمعنوية تسعى. ندعو اللّه ان يوفقنا بعونه.

  * يُستشف من كلامكم ان تدوين ونشر الكتب يجب أن يتم في ضمن اطار الدين والقيم الإسلامية التي يؤكد عليها الشعب الإيراني المسلم؟

- أجل، لابدّ وان يتم ذلك في اطار القيم والأُسس التي هي موضع قبول عند أبناء الشعب. وهذا السياق ليس مما ننفرد به وحدنا، فهنالك في العالم كله أُطر يجب عدم الخروج عنها. ونفس هذه الحالة يجب أن تكون هنا. موفقين ان شاء اللّه