خطبتا الجمعة للإمام القائد في طهران -

 16/1/1998(الموافق: 17 رمضان 1418 هـ).

بسم الله الرحمن الرحيم

  الخطبة الأولى:

الحمد للّه ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونتوكل عليه ونؤمن به ونستغفره، ونصلّي ونسلّم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه وحافظ سرّه ومبلّغ رسالاته بشير رحمته ونذير نقمته سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمّد ف وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين المعصومين سيّما بقية اللّه في الأرضين، وصلّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.

أوصي جميع الأخوة والأخوات الأعزّاء المصلّين ان يغتنموا هذه الساعات والأيام والليالي الثمينة ويغترفوا من هذه البركات الموفورة من الباري تعالى في أيام شهر رمضان ولياليه للمؤمنين، وأوصيهم جميعاً ونفسي بتقوى اللّه، ومراقبة أقوالهم وأفعالهم، والحذر من الطرق ذات المنزلقات ومواطن شُبهة المعاصي التي لا تستطيع النفس الإنسانية اجتيازها باستقامة ويسر وثبات.

هناك أمور ووسائل جعلها اللّه تعالى لحفظ كيان الإنسانية ولحفظ الإنسان وايصاله إلى الغاية، وعلى المؤمن أن يتعامل معها برقابة وان يستفيد منها على صعيد الحياة الفردية والاجتماعية لِتُعينه على عبور تلك المنزلقات، وأن يحسن استغلال الامكانيات التي وفّرها اللّه للمؤمنين لبلوغ الهدف المنشود. وحسن التصرف والحذر في امثال هذه الأمور هو ما يُسمى بالتقوى.

وكما سمعتم مرات عديدة ان أحد الغايات المهمة من صيام شهر رمضان هي ان تتكون لدينا ملكة التقوى {لعلكم تتقون}. وانا حينما أنظر إلى الأعمال التي سنّتها الشريعة المقدسة لشهر رمضان من صوم، وتلاوة كلام اللّه، وقراءة الأدعية والتوسل بذيل العناية الربّانية، واستغفاره تعالى، أشعر ان الاستغفار - بغض النظر عن الصيام الذي يعتبر أمراً واجباً في شهر رمضان - هو العنصر الأكثر أهمية من بين كل تلك الأعمال، إذ يجب علينا ان نطلب المغفرة منه تعالى على ما صدر منّا جهلاً أو قصوراً أو تقصيراً. وقد سبق لي وان تحدثت في العام الماضي في مثل هذه الأيام حول التوبة والاستغفار في شهر رمضان المبارك.

ولا أُريد التحدث ثانية عن موضوع الاستغفار بطريقة البحث العقلي أو الروائي، وانما أريد التذكير بمناسبة قرب ليالي القدر المباركة، وهي ليال عزيزة وكريمة، بأن الخطوة الأولى في الاستغفار يا أعزائي ويا اخواني واخواتي، هي طلب المغفرة من اللّه والعودة إليه. التوبة معناها الأوبة إلى اللّه. فحيثما كان الإنسان وفي أية مرحلة من الكمال وحتى إذا كان في درجة أمير المؤمنين (ع) يبقى أيضاً بحاجة إلى الاستغفار، فقد خاطب اللّه عزّ وجلّ رسوله بالقول: {واستغفر لذنبك}، و{فسبّح بحمد ربّك واستغفره}.

أمر اللّه في القرآن الكريم رسوله مرّات عديدة بالاستغفار، مع أنّ الرسول معصوم؛ لا يذنب ولا يعصي أمر اللّه، ولكنه مع هذا يأمره بالاستغفار. ولكن مِمَّ يستغفر الأولياء والأكابر؟ هذا بحد ذاته موضوع جدير أن يبحث على حدة. استغفارهم من أشياء ليست كذنوبنا؛ لأن أمثال هذه الذنوب لا تصدر عنهم. فالمقام الرفيع والقرب الإلهي قد لا يليق به احياناً ما هو مباح أو حتى ما هو مستحبّ بالنسبة لنا. لذلك فهو يستغفر من تلك الأُمور استغفاراً جادّاً، لا مجرّد استغفار شكلي.

لاحظوا كيف يبدأ أمير المؤمنين (ع) دعاء كميل - الذي تفيد الروايات بأنّه صدر عنه انشاءاً - بعد ان يُقسم على اللّه باسمه وبقدرته وبعظمته وبصفات جلاله وجماله، ثم يقول: «اللّهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم» وإلى آخر الدعاء. وهكذا أيضاً في دعاء ابي حمزة الثمالي، والأدعية الأُخرى. إذا كان هذا شأن الناس الكبار، فما أحوجنا انا وأنتم للاستغفار.

ايّاكم أيّها المؤمنون وايّها الأعزاء، ويا أصحاب القلوب النقية الطاهرة ان تغترّوا وتقولوا إنّنا لم نذنب. كلا، بل اننا غرقى في القصور وفي التقصير «وما قدر أعمالنا في جنب نعمك». وما هو قدر عمل الخير الذي نتصوّر أننا قد فعلناه، وما هي أهميّته وما نسبته إلى جانب نعم اللّه وفي مقابل حق الشكر للّه، فنحن غير قادرين على اداء حق شكره، «لا الذي أحسن استغنى عن عونك»، وهل بإمكان الإنسان الاستغناء عن فضل اللّه ولطفه في آنٍ من آنائه؟ نحن على الدوام بحاجة للطف اللّه، ولطفه يأتينا على الدوام "خيرك الينا نازل"، ونحن عاجزون عن شكره. وهذا قصور أو تقصير يستدعي في كل الأحوال طلب المغفرة.

ليلة القدر فرصة سانحة للاستغفار وطلب العفو من اللّه تعالى. فهو طالما قد فتح المجال أمامي وأمامكم لنعود إليه ونطلب منه العفو والمغفرة، فلنفعل ونرجع إلى اللّه وإلاّ فسيأتي يوم يقول فيه عزّ وجلّ للمجرمين: {لا يؤذن لهم فيعتذرون}. لا يأذن لنا - لا سمح اللّه - يوم القيامة بالاعتذار، ولا يؤذن للمجرمين بالتفوّه بكلمة واحدة للاعتذار، فليس هناك مجال للاعتذار. وما دام باب العفو مفتوحاً هنا، وما دام الاستغفار يرفع الإنسان درجة ويغسل الذنوب ويضفي على الإنسان نوراً فليُستغفر وليعتذر إليه تعالى، وطالما كانت الفرصة سانحة لاسترحام وطلب الرأفة منه بنا والعطف علينا فعلينا بالمسارعة إلى مثل هذا العمل، {فاذكروني أذكركم} أي في نفس اللحظة التي يتوجه فيها القلب إلى اللّهو يستحضر ذكره، يتفضل هو عليكم بلطفه ورحمته وبركته، ويمدُّ لكم يده بالبذل والعطاء. علينا أن نفعل ما يؤهلنا لأن نكون مذكورين عند اللّه تعالى ولا يأتي الخطاب الإلهي {انا نسيناكم}. هكذا يكون موقف يوم القيامة.

فلنغتنم هذه الفرصة التي حبانا اللّه اياها للتضرع والبكاء والتوسل إليه، وذرف دموع الطهارة والمحبّة من قلوبنا الدافئة على مآقينا، وإلا فسيحل يوم يقول فيه اللّه تعالى شأنه للمجرمين: {لا تجأروا اليوم انكم منّا لا تنصرون}. هذه الفرصة هي فرصة الحياة. وهي اليوم متاحة أمامنا للعودة إلى اللّه. ومن أفضل الفرص على مدار السنة هي جملة أيام، منها أيام شهر رمضان المبارك، وفي شهر رمضان ليلة القدر التي هي واحدة من ليال ثلاثة كما جاء في الرواية التي نقلها المحدّث القمّي بأنهم سألوا الإمام عن الليلة التي يُرجى فيها ما يرجى، قال: احدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، قال: فان لم أقو على كلتيهما؟ قال: ما أيسر ليلتين في ما تطلب.

كان البعض ينظر إلى شهر رمضان من أوله إلى آخره على أنّه ليلة القدر ويؤدون فيه أعمال ليلة القدر. فلنعرف قدر هذا. الشعب الذي يصافي اللّه هكذا ويستجير به عن صدق واخلاص، يجيره اللّه بصدق ولا يصيبه سوء ولا خزي ولا فساد ولا ذلّة، ولا ينصاع لعدو، ولا يُبتلى بالخلافات الداخلية. ان ما ينزل على الشعوب من المآسي انما يأتيها من أيديها {فبما كسبت أيديكم} أي من الغفلة والذنوب والمفاسد التي يقترفونها بأيديهم. ومن يلوذ باللّه يقترب خطوة من العصمة ويدنو نحو صيانة نفسه من المعاصي. فعلينا ان نعتصم باللّه ونستعين به ونعمل لأجله ونسير في سبيله، ونفوّض نفوسنا إليه، ونجلي قلوبنا بذكره. وحينما تصفو القلوب وتحرر من حبّ الدنيا والتعلق بها والنوازع الماديّة ولا تكون القلوب رهينةً لها، يصبح المجتمع حينذاك مجتمعاً نورانياً ونقيّاً وطاهراً. ومثل هذا المجتمع يعمل افراده بجد ونشاط ويعمّرون دنياهم. طبعاً عدم التعلق بالدنيا لا يعني عدم اعمارها؛ اعمار الدنيا إذا كان في سبيل اللّه يدخل ضمن الأعمال الاخروية؛ ان ما ينتهي إلى بناء الحياة المادية هو ما أمرنا به اللّه وهو عمل أخروي أيضاً. وحتى هذه الأعمال أكملها وأفضلها وأحلاها هو ما يقترن بذكر اللّه.

اعرفوا قدر هذه الأيام، واعرفوا أهمية ليالي القدر. القرآن الكريم يصرّح {خير من ألف شهر}، هذه قيمة كبيرة. وهي الليلة التي تنزل فيها الملائكة وكذلك الروح، وهي الليلة التي وصفها اللّه بأنها السلام والتحية الإلهية للإنسان، وبمعنى السلم والأمن والصفاء بين الناس وبين القلوب والأرواح والأجساد والمجتمعات.

اعرفوا أهمية هذه الليلة من الناحية المعنوية، وادعوا في ليلة القدر لما فيه صالح البلد وصالح انفسكم ولما فيه خير المسلمين والبلدان الإسلامية، واطلبوا من اللّه الحل لمشكلات المسلمين، وادعوا لهداية جميع الناس ولأنفسكم، وادعوا لمسؤوليكم ولبلدكم ولأسلافكم، ادعوا اللّه لما تريدون. اعرفوا قدر هذه الساعات وهذه اللحظات. كما واني أسألكم الدعاء في ليالي القدر المباركة.

{بسم اللّه الرحمن الرحيم: قل هو اللّه أحد * اللّه الصمد * لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفواً أحد}.

الخطبة الثانية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمد (ص) وعلى آله الطيبين الأطهرين المنتجبين سيّما أمير المؤمنين، والصديقة الطاهرة سيّدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنّة، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي الزكي العسكري، والحجة القائم المهدي، حججك على عبادك، وامنائك في بلادك، وصلِّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.

أُوصي جميع الأُخوة والأخوات المصلين بالتقوى في القول والعمل والفكر، وحتى في المشاعر والأحاسيس الاختيارية.

قبل الدخول في صلب الموضوع الأساسي الذي أود التحدّث فيه، اُشير باختصار إلى بعض القضايا الأُخرى؛ ومنها الحادثة الدامية المؤسفة التي وقعت في الباكستان واستشهد فيها بعض المسلمين والمؤمنين من غير ذنب إلا لأنّهم شيعة، استشهدوا على يد مجموعة معاندة ومغرضة. وهي بلاشكّ حادثة مريرة. وقد أكد لنا مسؤولو الحكومة الباكستانية ووعدوا مراراً بمتابعة القضايا السابقة. ونحن أيضاً نرغب بالاحتفاظ بثقتنا بما وعد به هؤلاء السادة، ونأمل ان يتابع أصدقاؤنا الباكستانيون هذه القضية بمنتهى الجدية. ولاشك في ان القضية تتعلق إلى حد بعيد بالعلاقات بين إيران والباكستان، وأعداء هذه العلاقات هم الذين يختلقون مثل هذه الجرائم، ويجب التصدّي لهم بحزم، وإلا فقد تتصور المذاهب الأُخرى في المقابل انها يجب ان تحمل السلاح للدفاع عن نفسها بشكل أو آخر، وتبادر إلى بعض الأعمال، وتتخذ القضية أبعاداً خطيرة جداً. في مثل هذه المواقف يجب أن تتدخل الحكومة وتطارد المجرم بلا هوادة من أجل بسط سلطتها.

القضية الأُخرى، هي أيضاً قضية شديدة المرارة والألم، هي أحداث الجزائر. طبعاً هناك في العالم من يشير بإصبع الاتهام إلى الحكومة الجزائرية بصفتها هي المسؤولة عن هذه القضايا. ونحن لا نريد هنا ان نعلن رأياً قاطعاً في هذا الصدد. ولكن ممّا لاشكّ فيه ان كل حكومة مسؤولة عن الحفاظ على أرواح رعاياها. ان هذا مما يُثير العجب وقلّما تقع أمثال هذه الحوادث، حتى اننا لا نتذكر في الفترات الأخيرة ان يقوم أشخاص خلال فترة قصيرة بتعذيب المئات من الناس الأبرياء رجالاً ونساءً وأطفالاً ثم ذبحهم وقتلهم على ابشع صورة، وتدّعي الحكومة أنها لا تستطيع التعرف على الفاعلين.

انها حادثة عجيبة وفي غاية المرارة. ومما يثير العجب أيضاً هو ان الأوساط الدولية وادعياء حقوق الإنسان يثيرون الضجيج فيما لو تعرض شخص لخدشة بسيطة ولكن على شرط ان يكون غربياً أو تابعاً لهم، بينما نراهم يتعاملون مع هذه القضايا بكل برود. وسبب ذلك يعود إلى ان المظلوم فيها لا يقع في اطار الجماعات التي يهتمون بها، ولا شيء غير ذلك.

سبق وان شاهدنا هذه القضية قبل سنتين أو ثلاثة في البوسنة. وهذه بحد ذاتها قصّة عجيبة، لو ان الظلم الذي يقع في العالم يقع على أنصار القوى الكبرى وعلى أنصار الاستكبار، لجعلوا من الحبّة قبّة وأكثر من قبّة. ولكن لو وقع الظلم على من لا يدخلون في عداد أنصارهم، أو على معارضيهم لاختاروا الصمت، بل ولقدّموا للظالم التشجيع والدعاية والعون. وهذه من حوادث العصر العجيبة. وسأُشير في البحث إلى مزيد من التفاصيل عنها. اننا ندين هذه الحوادث بشدّة كما ندين الصمت والبرود في متابعتها.

الموضوع الثالث الذي أود الاشارة إليه هو يوم القدس. على الشعب الإيراني أن ينهض بما انه المتصدي - في الجمعة القادمة وهي الجمعة الأخيرة من شهر رمضان - ليوم القدس، بما يليق أن تحتذي به بقية الشعوب؛ بقية الشعوب تحتفي كل عام هنا وهناك وحتى في نفس أوروبا، بيوم القدس احتذاءً بكم. وهذا ما يوجب عليكم رفع هذه الراية أكثر فأكثر يوماً بعد آخر. وعليكم أن تزيدوا هذا المشعل الوضّاء وهجاً ونوراً لينتفع من نوره أكبر عدد ممكن.

كانت هذه القضايا هي التي أردت الاشارة إليها مقدّماً.

الموضوع الاساسي الذي اُريد التحدث حوله اليوم، وهو ما كنت قد أشرت إليه ضمن حديثي في الاسبوع الماضي إلا ان رداءة الجو لم يترك مجالاً لمتابعة ذلك الموضوع، كما وان قضايا أُخرى قد استجدت حديثاً أوجبت عليَّ متابعته، وذلك هو الضجة الاعلامية التي أُثيرت في الاسبوعين الأخيرين واستقطبت إليها أنظار العالم، وما اعتبر خبراً جديداً عن العلاقات بين إيران وأمريكا.

ثمّة لعبة اعلامية تعد لها حالياً وبشكل أساسي الأجهزة الأمريكية وتوابعها من اجل اضفاء طابع حقيقي على اكذوبة مفضوحة. وهذا ما سبق أن أشرت إليه وسلّطت عليه الأضواء في الخطبة التي ألقيتها في أول جمعة من شهر رمضان.

سأتحدث اليوم عن المحاولات الاعلامية لطمس حقيقة واضحة، في سبيل تمرير أغراضهم. وهذا المد الاعلامي صادر أساساً من قبل الأجهزة الاعلامية في خارج البلد، إلا ان له انعكاساته في الداخل أيضاً.

ان المواقف الثورية لبعض المتصدين لأمر الصحافة ليست بالشكل الذي نرتجيه، فمن المؤسف ان بعض الصحف تنهج منهجاً يتماشى مع مواقف أعداء الثورة وأعداء الشعب الإيراني والعناصر المرتبطة بالاستكبار كالاستكبار الأمريكي على سبيل الفرض.

القضية التي أثاروا حولها الضجّة هي ان الجمهورية الإسلامية في إيران تريد اعادة النظر في علاقاتها مع أمريكا! وطبّلوا لهذا الموضوع واعتبروه خبراً جديداً. ولكنهم في الحقيقة أثاروا ضجة وضخموا موضوعاً واهياً لا أساس له من الصحّة. ولاشكّ ان لهم من وراء ذلك مقاصد، وهي مقاصد خطيرة على الشعب الإيراني.

أما نحن فيجب علينا معرفة العدو ومعرفة ما يفعله حتى وان لم نتخذ أي خطوة في مقابل ذلك، وأن لا نسمح للعدو بفعل ما يشاء على الصعيد الاعلامي ضد الشعب الإيراني وضد البلد وضد المسؤولين ونلتزم جانب الصمت. بل لابدّ من معرفة أهداف العدو وغاياته.

أُشير إلى ان بعض وسائل الاعلام تعكس آراء صحيحة وصائبة يدلي بها بعض المسؤولين. ففي الليلة البارحة شاهدت مقابلة أجراها التلفاز مع وزير الخارجية المحترم وتحدث فيها بكلام صحيح.

إنّ من واجبي أن أعرض الحقائق على الشعب كما هي. وأؤكد هنا ان هذه ليست هي المرّة الأولى، فقد وقعت أمثال هذه القضايا قبل هذا، وخاصّة في تلك المرّة التي يمكن مقارنتها بالوضع الحالي إلى حد ما. فقد أثاروا من بعد رحيل الإمام ضجّة كبيرة ايضاً، حتى ان الصحف كتبت بعض المقالات، وكتب بعض المناوئين للثورة أُموراً وخطّأوا فيها عهد الإمام صراحة. إلاّ ان الصفعة التي جاءتهم من الشعب لم تسمح لهم بالاستمرار على ذلك النهج. لكن الضجّة هذه المرّة جاءت بشكل أوسع وعلى نحو يختلف عمّا كان عليه في المرّات السابقة.

أما الذريعة التي اتخذوها لإثارة هذه الضجّة فهي التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية المحترم قبل عدّة أيام، وهذا في الحقيقة ظلم كبير للشعب الإيراني ولرئيس الجمهورية، وطمس للحقيقة واخفاء لما لا يريدون للناس الاطلاع عليه.

لابدّ من الاشارة بدءاً إلى ان تلك التصريحات قد بيّنت بوضوح مواقفنا المبدئية في مجال العلاقات مع أمريكا ومع اسرائيل، وأوضحت جميع ما ينبغي ايضاحه. وقد أصغيت لها تمام الاصغاء، وقد ذكر رئيس الجمهورية فيها ما كان يجب قوله بشأن التفاوض مع أمريكا، وما يجب أن يقال عن العلاقة مع أمريكا، وما يتعلق بـ"إسرائيل"، وما يتعلق بالمجاهدين الفلسطينيين، وما يرتبط بالقضايا الداخلية. وكان كلامه في غاية الروعة، وقد دعوت اللّه له ولوزير الخارجية ولبعض المسؤولين الآخرين الذين كانت لهم مواقف حسنة في هذه المجالات.

أمّا إذا كانت هناك قضايا تتعلق بالأذواق والسلائق، وبلهجة الكلام ولحنه فلا شأن لنا بها. أما القضايا المبدئية والمهمّة وهي المفاوضات والحكومة الصهيونية وما يتعلق بذلك فقد عرضت بكل وضوح. فإذا لم يشأ العدو الاذعان لهذه التصريحات لأنها جاءت خلافاً لرغباته، فهو عدو ولا يرتجى منه غير ذلك.

يجب ان نفهم هدف العدو وأغراضه، وما هي الغايات التي يستهدفونها من وراء الضجة الاعلامية التي تثيرها أجهزة الدعاية الأمريكية وخصومنا، ويؤكدون فيها عى ان إيران تريد التفاوض مع أمريكا، وتريد اقامة علاقات تدريجية مع أمريكا؟!

من المسلّم به انهم لا يستهدفون من وراء ذلك خير الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني. وكثيراً ما كان الشعب الإيراني على مدى هذه التسعة عشر عاماً – منذ انتصار الثورة – عرضة للطعن والاهانات والاتهامات من قبل الحكومة الأمريكية ومن قبل أجهزتها الاعلامية كالصحف والاذاعة والتلفاز، وفي فترة الحرب التي استمرت ثمان سنوات وفي القضايا الاقتصادية، لم يصدر منها موقف واحد لصالحنا! وهي لا زالت تسير على هذا المنوال حتى يومنا هذا.

فما هو هدفهم إذن؟ انهم يستهدفون من وراء ذلك عدّة أُمور أُشير إليها بإيجاز. وعليكم أنتم ان تفكروا في هذه الأُمور، وخاصّة أنتم الشبّان المتعلمون والطلاب والجامعيون وطلبة العلوم الدينية، فكروا في هذه القضايا جيّداً لأنها كبيرة الأهمية.

ففي أمثال هذه القضايا التي تبدو صغيرة قد يُصاغ مستقبل شعب بأكمله، وخاصّة في مثل هذه البرهة، وإذا لم يدرك الشعب والشباب والمسؤولون حقيقة الأمور، قد تنفتح لا سمح اللّه ثغرة صغيرة تؤدي إلى هدم كل شيء.

ما هو الهدف الذي تبتغيه أمريكا وامبراطوريتها الدعائية من وراء القول ان إيران راغبة بالتفاوض مع أمريكا.

انها تستهدف من وراء ذلك عدّة أُمور، منها: تحويل الاداة التي كانت حتى يومنا هذا سبباً في وحدة الشعب إلى اداة اختلاف بين أبناء الشعب.

ما دام الشعب الإيراني يدرك ان أمريكا هي عدوته، فهو متأهب لمواجهتها. وحتى إذا كانت ثمة اختلافات جزئية فهو يتفاداها ويتلاحم بوجه أمريكا.

إذن فمجابهة أمريكا كانت احدى الوسائل لوحدة هذا الشعب. وهم يستهدفون من وراء هذا الضجيج احالة هذه الاداة الوحدوية إلى اداة للاختلاف بين هذا وذاك، فهذا يدعو إلى التفاوض، والآخر يرفض، وغيره لا يرى فيه من بأس! ولأجل اثارة الجدل بين هذه الفئة وتلك، ولكي تتحول هذه الوحدة الجماهيرية الصلبة بين أبناء الشعب بوجه العدو، إلى اختلاف ونزاع. هذا هو الهدف الأول فتأملوه بدقّة.

والهدف الثاني هو انهم يحاولون من وراء تكرار هذه القضيّة ازالة قبح العلاقة مع أمريكا من أذهان شعبنا الذي يرى العلاقة مع أمريكا من أقبح الاشياء، ولديه في رؤيته هذه دلائل منطقية سأُشير إليها. فهدفهم هو ازالة قبح هذه القضية كما فعلوا مع العرب حول قضية "اسرائيل". الدول العربية كانت ذات يوم ترى الحوار أو العلاقة مع "اسرائيل" بل وحتى مجرد ذكر اسمها، من أقبح الأمور. ولكنهم عملوا من خلال طرح قضية التفاوض، واثارة تلك القضية، وتقديم شخص في الواجهة، وطرد شخص من الصف العربي والقاء المسؤولية على عاتقه، على ازالة قبح هذه القضية. إلى ان أضحت حتى الدول العربية التي لا حدود لها مع "اسرائيل" ولا ضرر ولا تهديد عليها منها تتحدث في مجامعها عن التفاوض مع "اسرائيل".

إنّ للشعب الايراني أسبابه المنطقية واستدلالاته الرصينة في اعتباره الحكومة الأمريكية عدوّة له، وهو ما سأُشير إليه لاحقاً. وهذا ما تعلمته جميع شعوب العالم من الشعب الإيراني وباتت تنظر إليه بعين التكريم والاحترام. بينما يرمون هم إلى ازالة قبح الحوار وتحويله إلى أمر عادي وطبيعي.

ثالثاً: من المهم بالنسبة لأمريكا بصفتها قوّة عظمى ان تتفاوض مع إيران. وقد يتعجب البعض ويقول وما أهمية إيران حتى تهتم أمريكا - مع ما توصف به من قوّة عظمى - للجلوس مع إيران على طاولة المفاوضات؟ أجل انه أمر مهم جداً بالنسبة لها، وبما انها دولة كبرى فهي تبدي اهتماماً فائقاً لهذه القضية. فالقوّة العظمى هي تلك القوّة الأعظم من سائر القوى السياسية في العالم والقادرة على فرض ارادتها عليها.

كانت في هذا العالم قوتان كبريان هما أمريكا والاتحاد السوفياتي. وكان لكل منهما منطقة نفوذ، وكان بإمكانهما ان يفعلا ما يشاءا، حتى ان أمريكا نصبت صواريخها في أوربا في مقابل الاتحاد السوفياتي ولم يكن امام الأوربيين بد من القبول بذلك لأنها كانت في واجهة الدفاع ضد الاتحاد السوفيتي السابق. وكان الاتحاد السوفيتي يفعل مثل ذلك في مناطق نفوذه. والآن وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أخذت أمريكا تدّعي وتسعى بشدّة لإيجاد نظام ذي قطب واحد في العالم، لتكون هي القوّة المهيمنة على امبراطورية كبرى اسمها العالم. وهذا الكلام لا يتورع أصحاب النظر من الساسة الأمريكيين عن التصريح به، وانما ينشر في الصحافة الأمريكية، وتدبلج المقالات السياسية الفكرية بهذا المضمون. وقد قرأت قبل حوالي شهر ونصف مقالة في احدى الصحف الأمريكية بقلم كاتب سياسي أمريكي شهير يخاطب فيها العالم قائلاً: ما ضير ان تكون أمريكا على رأس امبراطورية واحدة في العالم؟ فأمريكا اليوم كذا وكذا!! إنّهم يسعون اليوم في سبيل تلك المزاعم. إلا ان ثمة بلد لا يبدي لهذه القوّة الكبرى بكل ادعاءاتها السياسية ومزاعمها العالمية أي احترام ولا يعير لها اية أهمية، وذلك هو الجمهورية الإسلامية في إيران.

فالجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني أصبح يُعرف في العالم بأنه كاسر هيبة أمريكا. وسبق لي وان أكّدت مراراً ان اقتدار القوى العظمى يكمن في هيبتها، وهيبتها هي القادرة على اداء ما تريد، وإلا فتلك القوى لا تدخل كل ميدان ولا تستخدم السلاح في كل مكان، وانما هيبتها وشوكتها وكلامها هو الذي يرغم الدول والحكومات الضعيفة والأحزاب السياسية على الخوف منها والتراجع أمامها. فإذا أصبحت إيران الإسلامية التي وقفت بوجه أمريكا منذ اليوم الأول - لأسباب واضحة ولم تستسلم لها وقالت لا نتفاوض مع أمريكا - إذا أصبحت مستعدة للتفاوض، سيقولون حينذاك، ها قد اكتملت مقوّمات القوّة الكبرى، وها هي القوّة التي كانت تأبى الانصياع، قد انصاعت الآن وقبّلت الاعتاب. ان مجرّد المفاوضات وحدها مهمّة بالنسبة لهم.

من الطبيعي ان مسألة العلاقة ليست على هذه الشاكلة، أما الذي يحظى بأهمية فائقة بالنسبة لهم هو ان تجلس إيران على طاولة المفاوضات؛ وإذا ما بدأت المفاوضات ستكون لقضية العلاقات حينذاك حكايات وقصص.

النقطة الثانية التي تكمن وراءها أهمية التفاوض مع إيران بالنسبة لأمريكا هي ان حركة إيران الإسلامية والجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني أدت إلى ايقاظ المشاعر الإسلامية في العالم؛ وأخذ المسلمون في آسيا، وفي أفريقيا، وحتى في أوربا يعبرون عن مشاعرهم الإسلامية بنوع من المواجهة، بعضهم عن طريق المواجهة السياسية مع الحكومات، والآخر عن طريق الحركات الاصلاحية.

وهذه كلّها قد انحدرت من هذه القمّة، من قمة الجمهورية الإسلامية والإمام وهذا الشعب.

انا أعرف بعض الأشخاص، ولدي معلومات أيضاً أن البعض في العالم الإسلامي قد اعتنق مذهب أهل البيت بدون أي تبليغ، والعامل الوحيد الذي أثّر فيهم هو قضايا الحرب. فأنتم أيّها الشباب، وأنتم أيّها المعوقون والمضحّون حينما كنتم تتوجهون إلى ميادين القتال، وكانت الأخبار تذاع في العالم بهذه الصورة، وحينما كانت الأمّهات يبدين كل تلك الشجاعة والثبات، أدى كل ذلك إلى اعتناق بعض الأشخاص في العالم الدين الإسلامي وحدا ببعض المسلمين إلى التشيّع، وزاد عدد محبّي الثورة والذائبين في محبة هذه الثورة والإمام والشعب الإيراني، وثارت المشاعر الإسلامية أكثر. ومحور كل هذه المظاهر هو الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية.

إذا جلست الجمهورية الإسلامية على طاولة المفاوضات مع أمريكا، يصفو الجو للأمريكيين في العالم كله. فإذا ما رأوا تحرّكاً مضاداً لهم في موضع ما يقولون: لماذا تتعبون أنفسكم؟ فانتم مهما كنتم لا تبلغون منزلة إيران، ومهما فعلتم لا تصلون إلى شجاعتها وعظمتها وشوكتها، ومع ذلك فقد ارغمت في نهاية المطاف على الجلوس على طاولة المفاوضات.

فإذا استسلم الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية وجلس على طاولة المفاوضات مع أمريكا، سيطمئن بال أمريكا من الكثير من الحركات في العالم الإسلامي.

القضية الأُخرى التي تجعل المفاوضات ذات أهمية بالنسبة لهم هي ان الكثير من الحكومات تربطها صلات صداقة مع أمريكا، بمعنى انها خاضعة للهيمنة الأمريكية ومنقادة لها في مواقفها السياسية وتأتمر بأوامرها في اقامة أو عدم اقامة العلاقات السياسية والاقتصادية مع هذه الدولة أو تلك. فإذا ما شاهدت هذه الدول الخاضعة للسيطرة الأمريكية ان هناك دولة تسمى جمهورية إيران الإسلامية لا تعير أية أهمية لأمريكا، ثم ان أمريكا لا تستطيع إلحاق أي ضرر بها، فستفكّر حينئذ أنّه ما الداعي لتخوّفنا من أمريكا؟ وهذا السؤال يراود أذهان الكثير من مسؤولي البلدان الإسلامية وغير الإسلامية من بلدان العالم الثالث – كما يسمّونها - التي بدأت تخرج من حالة التبعية والانقياد وسببت الكثير من الازعاج للادارة الأمريكية.

وهذا كله ناتج عمّا شاهدوه من مواقف صلبة للجمهورية الإسلامية ضد أمريكا، وعدم قدرة الأخيرة على النيل منها، وغاية ما تستطيع فعله انّها تسنّ احياناً قانوناً على غرار قانون «داماتو» لينتهي مفعوله تلقائياً بعد بضعة أشهر من صدوره، وتبدأ تلك الحكومات بالتفكير وترى عدم وجود سبب يدعوها للانقياد لأمريكا.

إنّ مثل هذا التفكير ينطوي على مخاطر كبرى بالنسبة لأمريكا، فيدفعها إلى البحث عن اجابة، فإذا ما جلست الجمهورية الإسلامية معهم على مائدة المفاوضات، ستقول حينذاك للدول الأُخرى لاحظوا كيف ان الحصار الاقتصادي والضغوط التي مارسناها على إيران قد انهكتها وأرغمتها على الرضوخ وفرضت عليها النزول من تلك القمة التي كانت تعتليها. ومعنى هذا ان أمريكا تستطيع الايحاء للدول السائرة في فلكها ان الأمر ليس كما تتصورون، وما من أحد قادر على البقاء في مأمن من الضرر، وحتى ان الجمهورية الإسلامية ارغمت في نهاية المطاف على النزول لإرادتنا.

النقطة الأُخرى التي تضفي على المفاوضات أهمية كبيرة بالنسبة لأمريكا بصفتها قوّة كبرى، هي ان المجابهة الدائرة منذ تسع عشرة أو عشرين سنة حتى الآن على الصعيد السياسي العالمي بين قطب الاستكبار بزعامة أمريكا من جهة، وقطب الإسلام ومحوره الجمهورية الإسلامية من جهة أُخرى، كان التقدم فيها لصالح قطب الإسلام.

فإذا نظرتم على امتداد التسع عشرة سنة الماضية تلاحظون حتى ان بعض الدول التي لم تكن تشم منها رائحة الإسلام قد استجدت فيها أوضاع اتاحت لحكومات إسلامية - بما يتناسب وأوضاع تلك البلدان على الأقل - تسلم زمام السلطة فيها، من قبيل ما حصل في تركيا على نحو ما، وفي الجزائر على نحو آخر، وفي بلدان أُخرى بصيغ أُخرى، وقد تصدّوا لجميع تلك الحالات طبعاً، إلا انهم غير قادرين على التصدي لمشاعر الجماهير، ولا يمكنهم التعامل مع مشاعر الشعب كما تعاملوا مع حكومة حزب الرفاه في تركيا أو مع بعض الحكومات الأُخرى. فمشاعر الشعوب باقية على حالها.

إذن كان النصر والتقدم حتى الآن حليف قطب الإسلام في المجابهة القائمة بينه وبين قطب الاستكبار، ولم يحرز قطب الاستكبار أي تقدّم. ولهذا يستهدفون من وراء اشاعة خبر التفاوض مع الجمهورية الإسلامية الايحاء بأن هذه الدولة قد استسلمت واضطرت للتنازل والتفاوض معنا، وبالتالي الايحاء بأنَّ قطب الإسلام قد هُزم في هذه المجابهة واضطر للتراجع، وان قطب الاستكبار هو المنتصر، وان الإسلام الثوري قد تنازل عن كلامه.

يريدون القول ان كل ما قاله الإمام على مدى السنوات العشرة الأولى من الثورة، وضعه المسؤولون والشعب جانباً بعد مرور ثمان أو تسع سنوات ، ومعنى هذا تخطئة كل ما قيل؛ لأن الإمام أكد مرّات ومرّات بأننا لا نهادن العدو ولا نستسلم له. وهذا هو الهدف من كل هذه الاشاعات. وأخيراً فان غرض أمريكا من اشاعة ان الجمهورية الإسلامية قد انصاعت للتفاوض مع أمريكا والجلوس معها على مائدة المفاوضات، والتخلي عن أقوالها وادعاءاتها ضد الاستكبار، هو أن تجني أكبر ما يمكن من فائدة.

ولهذا السبب، بالرغم من تأكيد رئيس الجمهورية المحترم في المقابلة التي أُجريت معه على اننا لا نتفاوض ولا حاجة لنا للتفاوض، نراهم اعتبروا كلامه ذلك مقدمة للتفاوض ودليلاً على الرغبة بالتفاوض، بل قالوا: انّهم قد جلسوا للتفاوض. وصرح كل واحد منهم بكلام ما، وملأوا العالم ضجيجاً.

فإذا كان هذا هو هدف أمريكا وأجهزتها الدعائية من هذه الضجّة، فما هو موقفنا نحن؟ لقد صرّحنا بموقفنا مرّات عديدة، وهو ليس بالأمر الجديد. فقد صرّح به الإمام مرّات عديدة، ومن بعد الإمام أكّدناه نحن والمسؤولون، ومسؤولو السياسة الخارجية ومن يتحدث ويعمل في هذا المجال. وكلامنا هو نفس ذلك الكلام الرصين، وهو ليس مما يقال اليوم وُيتراجع عنه في الغد. ومع هذا فاني أوضحه باختصار.

إنّ أي موقف مبدئي يراد اتخاذه باسم الثورة وباسم نظام الجمهورية الإسلامية لابدّ وان يكون قائماً على الدليل والمنطق؛ فنحن أهل منطق، وحكومتنا حكومة استدلال، وقوانيننا شرعت على اساس الأدلة، ومعارفنا أيضاً لها أدلّتها. وكذلك الحال في مواقفنا السياسية فان لها أدلّتها أيضاً. وقد يبادر البعض إلى رفع شعارات فيما يتعلق بهذه الأمور، ولا مانع من اطلاق مثل هذه الشعارات، إذ ان وراء هذا الشعار دليل وبرهان ومنطق وعقيدة دينية.

الركيزة الاساسية التي يقوم عليها هذا المنطق هي أولاً: المصالح الوطنية لهذا البلد، وثانياً: المبادئ والمعتقدات التي جاهد من أجلها الشعب الإيراني وقدّم في سبيلها الشهداء والمعوّقين، وصمد في سبيلها حتى استقطبت إليه أنظار شعوب العالم. ان مواقفنا خاضعة لهذه المعايير. انني اُلخّص كلامي تحت ثلاثة عناوين موجزة، وأبدأ أولاً بالحديث عن الوضع الراهن وهو أن قطع العلاقات مع أمريكا جاء كنتيجة لسلوك أمريكا وكنتيجة لطبيعتها الاستكبارية، أو في الحقيقة نتيجة للظلم الذي لحق بالشعب الإيراني. هذا أولاً.

والثاني: ان التفاوض مع أمريكا واقامة العلاقات معها، لا ينطوي على أية فائدة للشعب الإيراني.

وثالثا: ان المفاوضات والعلاقات مع أمريكا في ضرر الشعب الإيراني.

أمّا النقطة الأولى التي ذكرت فيها بأن قطع العلاقات مع أمريكا جاء كنتيجة لسلوكها، فهي ان سياسة الحكومة الاميركية دخلت بلدنا منذ أوائل العشرينات فصاعداً أي منذ عام 1320 [هـ.ش]، فما تلاه، حيث دخلوا وبسطوا نفوذهم تدريجياً وحلّوا محل البريطانيين. وقد مارسوا خلال فترة سبعة وعشرين عاماً من الهيمنة التامة على ايران أبشع أنواع الظلم والاهانة والإساءة التي يمكن ان تقترفها دولة مستكبرة ضد شعب مظلوم. فقد عملوا على توطيد أركان النظام البهلوي المستبد ووجهوا الاهانات لمسؤولينا ولأبناء شعبنا. حتى بلغ الأمر انهم جاؤوا ببعض الساسة ونفّذوا مخططاتهم بما يحلو لهم، واسقطوا الحكومات الوطنية و.. و..

لقد اقترفوا الكثير من الجرائم، ولو شاء أحد احصاء الجرائم التي ارتكبتها أمريكا على مدى سبع وعشرين سنة التي سبقت انتصار الثورة لألّف كتاباً سميكاً. وبعدما انتصرت الثورة كان أول ما قام به أبناء الشعب في يوم 22 ويوم 21 بهمن انهم دخلوا السفارة الأمريكية واعتقلوا الأمريكيين وعصّبوا أعينهم وجاؤوا بهم إلى المقر الذي كنّا فيه أيام الثورة. وكنت على ثقة بأن الإمام سيصدر أمراً بإعدامهم أو ما شابه ذلك. إلا انه وخلافاً لتوقّعات الجميع وحتى خلافاً لتوقعات الأمريكيين أنفسهم أمر بإطلاق سراحهم، واعيدوا إلى السفارة. وقد غادر بعضهم إيران بعدما رأى ان الأوضاع فيها لا تناسبه، فيما مكث الآخرون فيها.

ومع كل هذا فان العلاقة مع أمريكا لم تقطع من قبلنا بعد انتصار الثورة، فما معنى هذا؟ يعني ان الشعب الإيراني الذي تجرع الظلم من الأمريكيين على مدى ثلاثين سنة ولم يكن قادراً على الرد بالمثل حينذاك، ولكنه بعد انتصار الثورة وبعدما أمسك بزمام السلطة بيده، ألا يمكنه الرد بالمثل؟ طيّب، لقد كان من المتوقع ان يصدر منه رد فعل. إلا انه لم يبدِ أي رد فعل، وأمر الإمام بالافراج عنهم؛ فغادر البعض منهم وبقي البعض الآخر. وبقيت علاقاتنا السياسية قائمة مع أمريكا.

أمّا الحكومة الأمريكية فقد تجاهلت هذا التسامح من قبل الثورة والشعب الإيراني؛ فما ان اطمأن بالهم في الأيام الأولى حتى جعلوا من سفارتهم وكراً للتآمر على نظام الجمهورية الإسلامية. وبدأت أمريكا باتخاذ اجراءات ضد إيران، وصدرت عن مجلس الشيوخ فيها حركة قبيحة آنذاك أثارت غضب أبناء الشعب، فاحتشدوا في احدى ساحات طهران وعبّروا عن سخطهم واستنكارهم لهذا العمل الأمريكي.

شرعوا منذ اليوم الأول بالتآمر على الجمهورية الإسلامية والاساءة إليها، فحرّضوا أعداءها على العمل ضدّها، ومّهدوا لقيام انقلاب عسكري. ومعنى هذا انهم لم يستعبروا بدروس الماضي. وكانت النتيجة الحتمية لأمثال هذه الأعمال ان اقتحم الطلبة الثوريون السائرون على نهج الإمام مبنى السفارة وأخذوا أعضاءها رهائن. وكان ذلك العمل بمثابة عقوبة للأمريكيين. وحينما يريد الأمريكيون حالياً التحدث عن تاريخ العداء بين الحكومة الأمريكية والحكومة الإيرانية يبدأون من قضية السفارة وحينما اجروا معي مقابلة في العام الذي ذهبت فيه إلى منظمة الامم المتحدة في نيويورك في عهد رئاستي للجمهورية، كان أول شيء يطرحه المراسل هو موضوع السفارة وبأننا قد اعتقلنا أعضاء سفارتهم. في حين ان تاريخ هذا العداء لا يبدأ من تلك الفترة، وانما قبلها.

وإذا عُرضت عليهم القضايا التي سبقت موضوع الرهائن تراهم يقولون: هذه من قضايا الماضي، ودعونا عن الماضي. فإذا كانت تلك من مخلفات الماضي، أليست قضية السفارة من مخلّفات الماضي؟ كثيراً ما يطرحون هذه القضية ويقولون لماذا هاجمتمونا؟ في حين ان ذلك العمل كان رد فعل ناجم عن الغضب الثوري لشعبنا الذي فعل خيراً ولم يقتلهم، وإلاّ فلو ان شبابنا لم يلتزموا بالأصول والتقوى لقضَوا عليهم في مكانهم، لكنهم لم يفعلوا ذلك وحفظوا للأمريكيين نفوسهم.

وبعد مدّة أُحليت قضيتهم بأمر الإمام إلى المجلس، واطلق سراحهم وذهبوا.

إذن فالقضية مبعثها الطعنات الأمريكية والضربات التي وجهتها لنا والتآمر علينا، ومؤامرة قاعدة الشهيد «نوجه» وقضايا أُخرى كثيرة تواصلت واستمرت ضد الجمهورية الإسلامية إلى أن بدأت الحرب المفروضة.

اثناء الحرب قدّموا السلاح لعدو الشعب الإيراني. ان أحد الأمور المتعارفة بين الشعوب والدول هو انه إذا كانت هناك دولتان في حالة حرب، وجاءت دولة ثالثة وقدمت السلاح لأحدهما أو وفّرت له المعدات العسكرية أو الاستشارة العسكرية، فإن ذلك يعتبر دخولاً في الحرب ضد الطرف الآخر. وهم قد دخلوا الحرب ضدّنا. هذه القضايا يجب أن لا يتغاضَ عنها.

لقد وقف الشعب الإيراني ضد هذه الأعمال وهذا الظلم في مقابل أمريكا. وسبق لي وأن ذكرت في العام الماضي ان شعبنا كإمامه أمير المؤمنين (ع) الذي كان أقدر إنسان وأكبر مظلوم في العالم معاً. فنحن لا نعرف أحداً أكثر قوّة واقتداراً من أمير المؤمنين (ع) على ان شعبنا لا يعرف شخصاً نزل به ظلم كالظلم الذي نزل بأمير المؤمنين (ع). الشعب الإيراني على شاكلة إمامه عيناً.

نحن لا نعرف في زماننا شعباً له من الاقتدار والنشاط والحيوية كالذي ابداه الشعب الإيراني خلال العقدين السالفين، إلاّ ان أكثر الشعوب مظلومية هو الشعب الإيراني. ومن الظالم الأكبر له؟ هو الشيطان الأكبر، أجل الشيطان الكبير.

يسألون لماذا تطلقون علينا اسم الشيطان الكبير؟ طيّب ما معنى الشيطان؟ الشيطان هو من يرتكب أعمالاً شيطانياً. كفّوا عن أعمالكم الشيطانية حتى لا نصفكم بصفة الشيطان الأكبر، لكن الشعب الإيراني شعب حيّ ويجب ان لا تقارنوه بالشعوب الأخرى. الشعب الإيراني يجابه مثل هذه الحكومة ويقاومها ولا يكترث لها، ويقطع علاقته معها، ويتّخذ في الميادين الدولية مواقف مضادّة لمواقفها الباطلة. هذا من جانب.

ومن جانب آخر هناك أيضاً مواقف أمريكا على الصعيد العالمي. أمريكا اليوم أكبر حماة الحكومة الصهيونية الغاصبة التي هي من أسوأ الكيانات السياسية في العالم لأنّها طردت شعباً من أرضه. فهل سمعتم بمثل هذا في العالم؟ وهل سمعتم به على مدى التاريخ؟ فهل يصح ان يأتي أحد ويطرد أُسرة أو جماعة أو أهالي مدينة أو مليون انسان، أو شعب من بلده، ويتسلط على المتبقين منهم بأسوأ الأساليب ويعاملهم بأبشع وجه؟ وهل هناك أقبح او أسوأ من هذه؟ إضافة إلى معاملة ابناء ذلك الشعب بمنتهى القسوة. وان ما قيل في تلك المقابلة عن الارهاب كان كلاماً صحيحاً تماماً ان رمز الارهاب الذي ترعاه الدول اليوم هو الحكومة الصهيونية الغاصبة.

لقد أثارت هذه التصريحات حفيظة الصهاينة جداً. لكنه في الواقع كلام صحيح تماماً. لاحظتم كيف يعاملون الشعب الفلسطيني وماذا يفعلون مع الشعب اللبناني؟ تأتي طائراتهم العمودية وتضرب القرى اللبنانية وتختطف أهاليها. فأين توجد مثل هذه الممارسات في العالم؟

الأمريكيون هم أكبر حماة للصهاينة. ألا تعتبر هذه جريمة كبرى؟ ألا يكفي هذا لأن يتفوه شعب يصرخ بالحق كالشعب الإيراني ليقول لهم لا علاقة لي معكم، وانني أرفضكم واستنكر سلوككم. وهذا هو ما يقوله الشعب الإيراني اليوم للشعب الأمريكي. هذا هو العنوان الأول.

أما العنوان الثاني فهو ان العلاقة والتفاوض مع أمريكا لا يجني من ورائه الشعب الإيراني أيّة فائدة كما يشيعون. لاحظوا جيّداً ان أمريكا وأجهزتها الدعائية - كما عرضت على حضراتكم في تلك الجمعة - تحاول اليوم ان تشيع في العالم بأن الشعب الإيراني يواجه بعض المشاكل، ومفتاح هذه المشاكل هو التفاوض مع أمريكا. والحقيقة ان هذا الكلام لا يصدّق ولا ترتجى من ورائه أية فائدة. لاشكّ في ان المفاوضات تحمل بين طيّاتها اضراراً سأشير إليها لاحقاً. أما من ناحية الفائدة فلا فائدة فيها.

من الخطأ ان يتصور المرء اننا إذا تفاوضنا سيرفع عنّا الحصار الاقتصادي ويُلغى "قانون داماتو"، وما شابه ذلك. وذلك أولاً: لأن الاجراءات الأمريكية ضد إيران منيت كل واحد منها بالفشل بعد مدّة، وانتهى مفعولها تلقائياً. فهل هذه هي المرة الأولى التي يعاملوننا بها على هذه الصورة؟ وهل هذه هي المرّة الأولى التي يوجّهون لنا فيها التهديدات؟ وهل هذه هي المرة الأولى التي يعلنون فيها الحصار الاقتصادي ضدّنا؟ وهل هي المرّة الأولى التي يحرّضون فيها هذه الدولة أو تلك على عدم التعامل مع إيران، وان لا يعقدوا معها هذه الاتفاقية أو تلك؟ ليست هذه المرة الأولى. وهي كثيراً ما كانت تفعل هذا.

وكل ما انجزناه نحن طوال التسع عشرة سنة المنصرمة، وكل ما حققته حكوماتنا من مكاسب عبر هذه السنوات جاء في وقت لم تكن أمريكا راغبة بتحقيق شيء منه. ولهذا السبب فسخت في العام الماضي عقداً كان قد ابرم بين شركة لهم وشركة الغاز الإيرانية. وكانت نتيجة ذلك: أولاً ان تلك الشركة أعلنت لمسؤولينا عن استيائها من هذا الاجراء، وانها ستعاود ابرام هذا العقد في أول فرصة تسنح لها.

واحدى المشاكل التي تواجهها أمريكا حالياً هي تلك الشركات التي لا يمكنها ابرام عقود في حقل استثماراتنا النفطية في الخليج الفارسي، وهو ما يغيظ تلك الشركات بشدّة. وليست هذه قضية حديثة العهد وانما تعود إلى ما يقارب السنة. حتى ان تلك الشركات اجتمعت واصدرت بياناً مشتركاً ضغطت فيه على الحكومة الأمريكية، واستطاعت تحجيم "قانون داماتو" إلى حد بعيد. إذن فهم أكثر حاجة إلينا منّا إليهم.

ثانياً: بمجرّد ان فسخت تلك الشركة الأمريكية في السنة الماضية عقدها مع شركة الغاز الإيرانية، تقدّمت بعد فترة وجيزة شركة فرنسية لإبرام ذلك العقد. وهذا ما دفع بالأمريكيين إلى اثارة ضجة احتجوا فيها على اقدام الشركة الفرنسية لإبرام الاتفاق مع إيران. إلا ان الحكومة الفرنسية بل وكل دول الاتحاد الأوروبي وقفوا بوجهها واصروا على ابرام ذلك العقد وأكدوا ان أمريكا لا يحقّ لنا انفاذ كلامها في هذا المجال.

إذن فمشكلات الشعب الإيراني ليست بيد أمريكا، ولا هي قادرة على خلق مشكلة حقيقية لنا. وهي وان كانت تحاول وتبذل مساعٍ خبيثة، إلا ان الأمور ليس بيدها.

تلاحظون ان الدول التي تفرض عليها وزارة الخارجية الأمريكية (عقوبات) حسب تعبيرهم، كأن تهدد الصين بالعقوبات، وتتعامل مع الاتحاد السوفيتي بصيغة معيّنة، ومع تركيا في زمن حكومة حزب الرفاه بصيغة أُخرى، وما إلى ذلك، أليست لهذه الدول علاقات مع أمريكا، وتتفاوض معها. كل الدول التي تعاملها أمريكا بغلظة لها علاقات معها؛ سياسية واقتصادية. فالعلاقة مع أمريكا والتفاوض معها لا يحول دون مواقفها العدائية.

هنالك دول لها سفارات في أمريكا، أو لأمريكا سفارات في عواصمها، وتوجد بينهما علاقات سياسية وقنصلية متينة، إلا ان أمريكا تدرجها في قائمة الدول الارهابية في العالم. ولا أورد هنا ذكر اسم دولة بعينها. ويا حبّذا لو يتولى الاخوة في وزارة الخارجية وفي غيرها، وفي الاذاعة والتلفاز بيان ذلك للشعب. فلا تتصوّروا اننا إذا تفاوضنا مع أمريكا أو أقمنا معها العلاقات فان أمريكا ستسكت ولا تنطق بشفة وتتخذ موقف المفرّج منها. لا؛ فالكثير من الدول لها علاقات تبدو ظاهرياً وكأنها علاقات وثيقة ومؤدّبة على الصعيد العالمي، ولكن في الوقت نفسه، متى ما رأت أمريكا ضرورة توجّه لها ضربة وتفرض عليها الحصار الاقتصادي، وتكيل لها التهديدات.

إنّ الأمريكيين أُناس مستكبرون. والإنسان المستكبر والبلد المستكبر يسعى إلى فرض كلامه. إذن فالأمر ليس كما يتصور بأن العلاقة ذات فائدة لبلدنا، ولو انعدم وجودها أو وجود المفاوضات تتراكم علينا المشاكل، وإذا اُقيمت العلاقات تزول تلك المشاكل. كلا، فلا أمريكا يدها مبسوطة لإيجاد المشاكل، ولا العلاقات والمفاوضات تتصف بمثل هذه القدرة السحرية لصالح بعض الدول. لا صحة لأي من هذه الأوهام. بل ان ذلك رهين بقدرة الشعب وبعزم الحكومة، ومنوط باقتدارنا وبمدى اعتزازنا بقابليّتنا على مجابهة أمريكا والعمل وفقاً لإرادتنا وفي ضوء ما تقتضيه مصالح بلدنا.

كنا ذات يوم في حالة حرب، وقبل ذلك مرّت حكومتنا بظروف عصيبة من حيث الامكانيات الحكومية، ولم يستطع المستكبرون القيام بأي عمل ضدنا، ولم يتمكنوا من الحاق أي ضرر ذي بال بنا. أما اليوم فقد أصبحت الجمهورية الإسلامية والحمد للّه دولة قوية وعزيزة، وينظر إليها على الصعيد العالمي على انها دولة ذات شوكة واقتدار، وهي رئيسة للمؤتمر الإسلامي، وتعتبر عضواً معتبراً في الكثير من المؤتمرات العالمية. وتبدي لها الدول والشعوب احتراماً فائقاً. فمِمَّ نخاف اليوم، ولماذا؟ لماذا نتصور اننا إذا واصلنا نفس الموقف الذي كنا عليه منذ تسع عشرة سنة سيحصل لنا كذا وكذا؟!

أمريكا هي التي بحاجة لنا. اضافة إلى انها لا تملك نفس القوة التي كانت عليها قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة. كان كلام أمريكا يقابل ذات يوم في أوروبا وغيرها بالاحترام، وتعامل هي بالتكريم، ولكنها اليوم ليست كالأمس. فدبلوماسية أمريكا وسياستها الخارجية في موقف ضعيف، وليس لها موقف قوي. ولا يمكننا استخدام هيبتها كقوّة كبرى في مقابل شعبنا في حين انها في حالة ضعف.

العنوان الثالث: هو ان العلاقة والتفاوض مع أمريكا يحمل أضراراً للشعب الإيراني وللنهضة العالمية للاسلام. وأول تلك الاضرار هو ان الأمريكيين ما ان يدخلوا هذا الميدان يحاولون الايحاء إلى ان الجمهورية الإسلامية قد تراجعت عن جميع ما كانت تصرّح به في زمن الإمام وفي فترة الحرب والدفاع المقدس وفي ايام الثورة. وأول ما سيشيعونه في العالم هو ان الثورة الإسلامية قد اضمحلّت وانتهت، مثلما يهمسون بهذا الكلام حالياً مع ان شيئاً من هذا القبيل لم يحصل!

رأيت قبل بضعة ايام كلاماً لرئيس دولة أفريقية مرسلاً بواسطة التلكس يقول فيه: ان إيران كانت تزعم مدّة من الزمن انها تعارض أمريكا، ولكنها تمهد حالياً لإقامة علاقات صداقة معها، وتمد لأمريكا يد الصداقة. ومع ان شيئاً لم يحصل حتى الآن إلا انّهم يتحدثون بمثل هذا الكلام! وسيملأون أجواء العالم بالدعايات والاشاعات ضد الشعب الإيراني وضد الجمهورية الإسلامية بأنّها تراجعت عن مبادئ ثورتها، وسينتهكون حينذاك كرامة الثورة أمام العالم وأمام المستضعفين، ويثيرون الشكوك في القلوب. وهذا ما سينتهي إلى أفول نهضة العالم الإسلامي، وسيسلب الشعب الإيراني استقلاله.

كان هذا الشعب على مدى 150 سنة، أي منذ أواسط عهد ناصر الدين شاه القاجاري وحتى يوم الثورة خاضعاً لنير القوى الأجنبية. وإذا كان السلاطين ممن سبق تلك الفترة مستبدين وظلمة وملعونين، فهم كانوا على أدنى الاحتمالات قد صانوا كرامة هذا الشعب وهذا البلد، ولم يكونوا خاضعين للتسلط الأجنبي ولكن منذ أواسط وأواخر عهد ناصر الدين شاه القاجاري بدأ تغلغل الأجانب وتدخّلهم في شؤون إيران وبقيت هذه الحالة تتفاقم حتى العهد البهلوي حيث وقعت إيران جملة واحدة في قبضة الأجانب.

جاء الانجليز برضا خان إلى السلطة وبقي في قبضتهم إلى ان أزاحوه ونصبوا محمد رضا بدلاً عنه، وبقي هو الآخر في قبضتهم. وبعد عدّة سنوات دخل الأمريكان إلى الساحة بما لديهم من أموال وامكانيات. وبقيت إيران ومصير الشعب الإيراني بيد الأجانب. إلا ان الشعب الإيراني استطاع أن يرد على ذلك الاستخفاف والاهانة بالثورة.

ان أحد ابعاد هذه الثورة أنّها كانت ضربة للخونة والمرتبطين بالأجنبي، وللأجهزة العميلة للأعداء وللأجانب. وكانت الثورة في الواقع تعبيراً عن غضبة الشعب الإيراني ضد النفوذ الأجنبي.

والآن وبعد كل هذه الدماء التي اريقت في سبيل الاستقلال، يعود ادعياء ملكية هذا البلد أي الأمريكيون الذين يدعون لأنفسهم ملكية هذا البلد، ويتدخلون في شؤونه ويتغلغلون في مختلف أجهزته، ويبدأون بجمع أعداء الثورة، وما شابه ذلك! وهل سيسمح الشعب الإيراني بمثل هذا؟ وهل تنازل الشعب الإيراني عن ثورته وعن إمامه وعن عزّته واقتداره حتى يسمح للأمريكيين بالعودة إلى هذا البلد مرّة أُخرى؟

لقد قلنا مراراً وتكراراً إنّنا لا شأن لنا بالشعب الأمريكي، فهو ايضاً كسائر الشعوب له محاسنه ومساوئه وهذا شأن يتعلق به، وقضيّتنا مع الحكومة والنظام الأمريكي الذي يناصب العداء للجمهورية الإسلامية والثورة والشعب الإيراني. وصرّحت مرات عديدة وقلت انهم إذا لم يكونوا يروا من مصلحتهم المجاهرة بهذه الغاية، إلا ان حقيقة الأمر هي هذه؛ انهم أعداء لاستقلالكم ولإسلامكم ولعزّتكم، وهم أعداء لصمودكم أمام أطماعهم. ويتكالبون للقضاء عليها.

إلا انّ السنة الإلهية تجري على خلاف مشيئتهم. السنة الإلهية تقضي ببقائكم وقوّتكم وانتصاركم، وسيكون النصر حليفكم ان شاء اللّه. ونحن كما صرّح رئيس الجمهورية في تلك المقابلة، وكما أكد المسؤولون الآخرون لا حاجة لنا بالعلاقة مع الأمريكيين. ولسنا بحاجة لإقامة علاقات مع أمريكا ولا للتفاوض معها. وسيمضي الشعب الإيراني بإذن اللّه قدماً - رغم أنف الأعداء - ويطوي مدارج الرقيّ والتقدّم يوماً بعد آخر.

{بسم اللّه الرحمن الرحيم: إذا جاء نصر اللّه والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً * فسبّح بحمد ربك واستغفره انه كان توّابا}.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته