خطبتا صلاة الجمعة

    25/12/1998.   (الموافق: 6 رمضان 1419 هـ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

الحمد للّه رب العالمين أحمده وأستعينه وأستغفره وأتوب إليه، وأصلّي وأسلّم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه وحافظ سرّه ومبلّغ رسالاته سيدّنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين الأنجبين الهداة المهديين المعصومين المكرمين سيما بقية اللّه في الأرضين، وصلِّ اللّهم على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.

قال اللّه تبارك وتعالى: {بسم اللّه الرحمن الرحيم ... وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}.

بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك أهنّئكم أولاً أيّها الاخوة والأخوات المصلون والصائمون والمؤمنون، وأهنئ الشعب الإيراني الذي يحظى - والحمد للّه - بمكانة إيمانية واعتقادية متميزة في العالم الإسلامي. وأرجو أن يكون هذا الشهر شهر خير وبركة على هذا البلد وهذا الشعب وهؤلاء المسؤولين، وان تنزل البركات الإلهية - سواء المادية أم المعنوية - على الجميع. وأستغل هذه الفرصة ثانياً لأدعوكم ونفسي لتقوى اللّه.

علينا يا أعزائي أن نقدّر فرصة الصوم والامساك والأجواء العبادية والمعنوية حق قدرها، ونتقرب خلالها إلى اللّه بعض الشيء؛ فاجتناب المعاصي، والتقرب إلى اللّه بالطاعات والعبادات، وإحياء وتفعيل الأخلاق والسلوك والصفات والخصال الإنسانية في النفس جهد المستطاع يعود في هذا الشهر على كل فرد وجماعة بالبركة. علينا أن نأخذ الدروس من القرآن، ونستقي من الأدعية المواعظ والحِكم، ونتأمل شيئاً ما في خلقتنا، وفي الغاية من خلقنا، وفي نعم اللّه الكبرى علينا، وفي الواجبات العظمى الملقاة على عاتقنا. ونتدبّر في الموت والحساب وقيمة عباداتنا وأعمالنا – ما كان منها مقروناً بالاخلاص - ، وعندها يكون شهر رمضان شهر بركة حقاً. وإني لأرجو أن نحظى جميعاً بمثل هذه البركة في هذا الشهر المبارك.

 

الدعاء احدى الفرائض المهمة في شهر رمضان:

أتحدث اليوم في الخطبة الأولى بإيجاز عن الوعد الإلهي باستجابة الدعاء؛ فإحدى الفرائض المهمة في شهر رمضان هي الدعاء؛ والدعاء يقرب الإنسان إلى اللّه، ويجعل المعارف أكثر دواماً وأثراً في قلب الإنسان، ويرسّخ الإيمان. هذا فضلاً عن ان الدعاء تُستجاب مضامينه وتُلبّى به حاجة الداعي. ومعنى هذا ان للدعاء بركات كبرى من وجوه عدّة.

ولهذا تحدث القرآن الكريم في مواضع عدّة عن الدعاء وما دعا به عباد اللّه الصالحون. وقد جاء هذا كلّه ليكون بمثابة درس لنا، إذ كان أنبياء اللّه يتوجهون في المواقف العصيبة إلى ربّهم بالدعاء، ويستعينون به، حيث نقل عن النبي نوح عليه السلام أنه؛ {فدعا ربّه أني مغلوب فانتصر}، وجاء عن موسى (ع)؛ {فدعا ربّه أن هؤلاء قوم مجرمون} شاكياً إلى اللّه مستجيراً به.

 

الوعد الإلهي باستجابة الدعاء:

وعد الباري تعالى في آيات عديدة من كتابه الكريم باستجابة الدعاء، ومن ذلك ما جاء في الآية الشريفة: {وقال ربّكم ادعوني أستجب لكم}. ويُحتمل ان لا تكون الاستجابة بمعنى تلبية تلك الحاجة مئة بالمئة؛ فقد لا تقتضي قوانين الخلقة ذلك أحياناً – وذلك لوجود قوانين في بعض الحالات، لا تسمح بتلبية تلك الحاجة، أو قد لا تسمح بتلبيتها في ذلك الحين - أمّا القاعدة المتعارفة في غير هذه الموارد فهي أنه تعالى يستجيب الدعاء.

كما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي يُقرأ في أسحار شهر رمضان. وجاء في القرآن الكريم: {واسألوا اللّه من فضله ان اللّه كان بكل شيء عليماً}. وهذه الآية نفسها وردت في الدعاء، مع اختلاف طفيف طبعاً؛ إذ وردت في الدعاء «ان اللّه كان بكل شيء رحيماً» بينما وردت في القرآن بصيغة {كان بكل شيء عليماً}. ثم يقول الإمام السجاد: «وليس من صفاتك يا سيدي أن تأمر بالسؤال وتمنع العطية». بمعنى ان القدرة الإلهية والرحمة الإلهية والكرم الإلهي إذا أمرت بالطلب والدعاء، فإنها كفيلة بتلبيته. وهذا هو الوعد الإلهي الذي صرّحت به الآية التي تلوتها في مستهل الخطبة: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}. فكل من يدعو اللّه، هنالك بلا ريب جواب له: «لكل مسألة منك سمع حاضر وجواب عتيد». هذه قضية على جانب كبير من الأهمية، ويجب على عباد اللّه المؤمنين ان يقدّروها حق قدرها. ومن الطبيعي ان من لا إيمان له لا يغتنم هذه الفرصة، مثلما يفرّط في الكثير من الفرص الأخرى. هذا وعد إلهي حتمي بالاستجابة لكل من يتوجه له بالدعاء؛ وهذا وعد، ومن الطبيعي ان لكل وعد شروطه، وقد جمعت في هذا المجال آيات عن الوعد الإلهي، ولا أروم دخول البحث تفصيلياً وانما أكتفي باستذكار بضع نقاط بإيجاز.

قطع اللّه تعالى على نفسه الكثير من الوعود لعباده؛ ومن جملتها هذا الوعد الذي نتحدث عنه. وكمثال على الوعود الإلهية الأخرى نذكر قوله تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ومن الوعود الإلهية الأخرى أيضاً قوله: {إنّا لا نُضيع أجر مَن أحسن عملاً}. وهذا الوعد لا يقتصر على الآخرة، بل يشمل الدنيا والآخرة، أو احداهما. والوعد الآخر هو قوله عزّ من قائل: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}. ومن الطبيعي ان التعجيل لمن يريد العاجلة له شروط هي ان يسعى ويكد ويثابر حتى ينال ما يريد. وهذا ينطبق حسب ما تعرفونه على بعض الشعوب التي كدّت وتحملت الصعاب واقتنعت بالقليل واقتصدت في ما ينبغي لها الاقتصاد فيه حتى استطاعت بلوغ مكانة عظيمة. وقال تعالى استمراراً لهذه الآية: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كُلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء}. أي اننا نعين من يريد نيل الآخرة، ونساعد أيضاً من يسعى لنيل الدنيا، فيما إذا كان في سعيه رضا اللّه. وهذه هي سنة الخلق وهذه هي سنة اللّه في الوجود؛ فإذا ما سعى الإنسان فلابد وان يحصل على نتيجة سعيه؛ فهو تعالى لا يترك عملاً بلا نتيجة، بل من المؤكد ان تستتبع السعي نتيجة. وقد يتسنى لبني الإنسان أحياناً معرفة تلك النتيجة؛ كأن يضعون نصب أعينهم غاية معينة ثم يسعون باتجاهها حتى يبلغوها. ولكنهم أحياناً لا يعلمون على وجه الدقة النتيجة التي تترتب على ذلك العمل، ويتأملون من ورائه نتيجة أخرى، إلا ان ذلك العمل يعطي النتيجة المترتبة عليه هو نفسه. وخلاصة القول هي ان اللّه عز وجل لا يترك أي سعي بلا مقابل.

ومن الوعود الإلهية الأخرى هو قوله تعالى: {وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم}. وهذا وعد إلهي قطعي؛ فكل قوم أو جماعة أو شعب يؤمن ويعمل صالحاً يصبح خليفة اللّه في الأرض، أي بيده زمام السلطة في الأرض. وهذا ما حصل فعلاً في إيران الإسلامية، وحصل في كل مرحلة من مراحل تاريخنا توفرت فيها مثل هذه الشروط {ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم}. فإذا كان هناك إيمان ولكن غير مقرون بالعمل الصالح، فلن يصبحوا خلائف للّه في أرضه. فالإيمان المجرد من العمل لا جدوى من ورائه، أما إذا اقترن الإيمان بالعمل فلابدّ وأن يؤتي النتيجة المتوخّاة منه.

ثمة وعد إلهي آخر، وهو قوله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا}. وهذا ما كنّا نقرأه ونقوله ونعتقد به ذات يوم في أيام شبابنا، بيد أننا لم نلمسه بالتجربة على نحو واضح. ومع أننا كنّا نؤمن بصحة كلام اللّه، لكننا لم نجرب ذلك، أما اليوم فقد لُمست هذه الحقيقة بالتجربة، ففي العهد الذي اندلعت فيه النهضة الإسلامية في ايران - وهو ما لا تتذكرونه أنتم الشباب، ويتذكره بعض متوسّطي الأعمار، ولا يتذكره البعض الآخر منهم - إذا كان أحد يريد أن يعيش حياة إسلامية كريمة في إيران التي أضحت اليوم مهد الإسلام ومئذنته العليا، أو في طهران، لم يكن ذلك بالأمر الهيّن اليسير، بمعنى انه إذا كان يريد أن يحيا حياة إسلامية تامة بدون هداية وتربية الآخرين، لما استطاع، إذ كان هنالك معوقات وموانع شتى؛ فإذا قال أحد ان هذه النهضة التي أشعل ذلك السيد فتيلها في قم وهناك عدد من طلبة العلوم الدينية يلتفّون حوله، وما ان يرفعون صوتهم بالاحتجاج على الحكومة حتى تسارع الأجهزة الأمنية إلى اعتقالهم وتعذيبهم والتنكيل بهم، وان الأمور ستدول على أثر صبر وثبات هؤلاء الرجال الإلهيين السائرين على طريق الحق، وتستقطب زعامتها الحكيمة المسددة نحوها كل القلوب وتنجح في استنفار جميع أبناء الشعب، لما كان أحد يصدّق ذلك.

ولو قيل ان الحكومة ستتحول يوماً ما - بفضل مشاركة الشعب في الساحة السياسية - إلى حكومة إسلامية، ما كان أحد يصدق ذلك، إلا ان الوعد الإلهي حينما اقترن بالعمل تحول إلى حقيقة واقعة.

 

استجابة الدعاء مقيدة بالقوانين الطبيعية:

ليس من الضروري ان ينجم عن الدعاء نقض القوانين الطبيعية، والسير في الاتجاه المغاير لها. كلا، وإنما يُستجاب الدعاء وتُلبى الحاجات في اطار القوانين الطبيعية؛ فالقدرة الإلهية قد تُهيئ الأسباب وتجعل القوانين تسير في نسق تُلّبي في ضوئه حاجة الداعي. ومن الطبيعي ان الدعاء لا يُستجاب فيما إذا تضارب مع قانون إلهي آخر. ان الوعد الإلهي حق. ولكن في الوقت ذاته ليس هناك ضمانة توجب استجابة دعاء الأشخاص البطّالين الذين يريدون تحقيق أمانيهم من غير كد وتعب. فإذا ما دعا المرء ربه؛ قد يستجاب دعاؤه وقد لا يُستجاب. فحينما يتعارض الدعاء مع قانون طبيعي، لا توجد ثمة ضمانة بتلبيته. ولكن هنالك حالات يخرق فيها الدعاء حتى القوانين الطبيعية. وإذا قلنا ان الدعاء يُستجاب فلا يعني ذلك أنه يُستجاب حتى لو تعارض مع السنن الإلهية، ولم يقترن بالعمل، ولم ينبعث من قلب ملتفت صادق؛ غير ان الدعاء إذا كان عن طلب وإرادة وإصرار، فإنه يُستجاب، أما إذا رافق الدعاء عمل وجهد وسعي على طريق الغايات الكبرى، فيصبح احتمال الاستجابة أكبر. وفي الحالات التي يتواصل فيها الدعاء، تكون الاستجابة أكبر. وإذا تكرر الدعاء ولم تحصل الاستجابة له فينبغي عدم اليأس، خاصة إذا كان الموضوع يتعلق بقضايا كبرى وبمصير الإنسان، ومصير الدول والشعوب؛ لأن من طبيعة القضايا الكبرى ان يستغرق تحققها وقتاً طويلاً أحياناً.

أروي لكم في ختام كلامي قصة قرآنية لتكون شاهداً على ما ذكرنا، ولتستنير بها قلوبكم في يوم الجمعة من شهر رمضان؛ ففي عهد الحكم الفرعوني الظالم المستبد عندما أنجبت أم موسى طفلها وكانت على يقين من أنه سيقتل، ظلت حائرة؛ فلو كان الوليد بنتاً لكانت مرتاحة البال؛ كان قلبها طافحاً بمحبة طفلها ولكنها بقيت حائرة لا تدري ما تصنع. وهنا جاءها الوحي الإلهي: {وأوحينا إلى أمّ موسى ان أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ}. أي جاءها الوحي ان لا تخافي، ولكن إذا ازداد الخطر وخفت ان يقع الطفل بيد الأعداء، لا تدعيهم يأخذوه منك، بل ألقيه في البحر. ذكر اللّه تعالى هذه القصة في مواضع عديدة من القرآن، وعرضها في كل موضع بأسلوب لطيف ومعبّر. ومرّت بهذه الأم ظروف أشعرتها بدنو الخطر على طفلها؛ إذ داهم جنود فرعون دار هذه الاسرة الكريمة من بني اسرائيل لقتل هذا الصبي، وأدركت أمّ موسى انها ستفقده على نحو أو آخر، فاضطرت هناك لإلقائه في النيل. ورد التعبير القرآني انها ألقته «في اليم»، بيد ان القرائن تشير إلى أنه المراد هو نهر النيل نفسه، انه موقف مرير؛ إذ كيف يتأتى لأم ان تضع وليدها في صندوق وتلقيه في نهر مائج؟! غير ان الوحي الإلهي أكد لها: {إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين}.

هنا وعد اللّه هذه الأم أوّلاً: بإعادة طفلها إليها، وثانياً: جعله من المرسلين. وبعد ان سار الموج حاملاً الطفل، قالت أمّ موسى لأخته ان تتبعه: {وقالت لأخته قُصّيه}، لترى إلى أين سينتهي به المطاف. كانت في قلق عليه لأنه مولود، ورضيع، ولم يكن عمره قد تجاوز عدّة ايام. إلى أن أخذه الماء قريباً من قصر فرعون {فالتقطه آل فرعون} وألقى اللّه في قلوبهم أن يحفظوه. وقررت امرأة فرعون الاحتفاظ به لأنفسهم قائلة: {قرّة عين لي ولك}. كان جائعاً ويطلب الرضاع، ولكن بعدما جاؤوه بالمرضعات لم يرضع ثدي أي منهن {وحرّمنا عليه المراضع}، وعندها تقدّمت إليه أخت موسى قائلة: {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم}؟؛ انظروا ان اللّه حينما يريد استجابة الدعاء وتحقيق وعده كيف يهيئ الظروف والأسباب؛ فهو هنا يُلقي في قلب هذه الفتاة الإلهام والشجاعة لتأتي آل فرعون وتعرض عليهم ذلك الرأي، وبعدما وافقوا على عرضها ذهبت وأحضرت أمّ موسى وأخبرتهم بأنها مرضعة، فناولوها موسى الذي شمّ ريح أمه ورضع لبنها.

هنا لم تراود آل فرعون الشكوك ولم يدر في خلدهم أن هذه المرأة هي أمّه؛ لأن الباري تعالى أراد هنا انجاز وعده: {فرددناه إلى أمّه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد اللّه حق}. وقد رأت بعينها ذلك الوعد.

أما الوعد الآخر: {وجاعلوه من المرسلين} فقد أنبأ منذ ذلك الوقت عن بعثة موسى التي حصلت بعد سنوات طويلة، وكان بمثابة بشرى لبني اسرائيل ليعلموا أن هذا الطفل سيكون رسولاً ويُبعث لينجيهم من آل فرعون، وهذا هو ما حصل بعد ذاك.

من الطبيعي أنه منذ أن ألقى اللّه تعالى في قلب أمّ موسى {وجاعلوه من المرسلين} وحتى اليوم الذي تلقى فيه موسى مقام النبوّة والرسالة وأُمر بإنقاذ بني اسرائيل، مرت فترة أمدها ثلاثون أو أربعون سنة. وعلى الرغم مما تشير إليه الروايات، إلا ان أسانيد هذه الروايات لا تبعث على اليقين كثيراً، والذي يُستشف من القرائن هو مضي ثلاثين سنة على أدنى تقدير.

 

العزّة مقرونة بالسعي والصبر والجهاد:

اعلموا يا أعزائي! ان الوعد الإلهي يتحقق على هذا النحو، ولكن بعد مضي مدّة من الزمن. وهنالك وعد إلهي بعزّة المسلمين، غير أنه لا يتحقق بين ليلة وضحاها، ولا يمكن ان يصبح حقيقة بلا سعي وعمل؛ هنالك وعد إلهي بنصرة كل شعب يؤمن ويجاهد في سبيل اللّه. وها هو الشعب الإيراني قد آمن وجاهد فانتصر. وينص الوعد الإلهي على أنكم بعد هذا الانتصار تدخلون في صراع مع أعداء اللّه وإذا ما صمدتم وصبرتم فسيكون النصر حليفكم أيضاً. أي أن هناك وعد بالنصر ووعد ايضاً بخوض هذا الصراع. أجل متى ما تظهر القدرة الإلهية وترتفع راية الإسلام ، وراية القرآن، وراية القيم والمثل المعنوية، يهب لمناهضتها الظلمة والمفسدون وكل من لا يحتمل سيادة القيم المثلى. {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللّه ورسوله وصدق اللّه ورسوله}؛ ففي غزوة الأحزاب، لمّا تكالبت قريش من جهة، واليهود من جهة، وثقيف من جهة، وغيرهم من الأعداء الآخرين، وحاصروا المدينة، انقسم الناس عندها إلى فئتين؛ إذ تبلور المؤمنون على رؤية معينة، واتبع غير المؤمنين ومن {في قلوبهم مرض} رؤية أخرى، فكانوا يقولون: {ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غروراً}. لقد غُررنا ولم يتمكن الإسلام من توفير العزة والأمان لنا، وينقذنا مما نحن فيه.

لقد حاصروا المؤمنين من كل جانب وتكالب الأحزاب والأعداء شرقيّهم وغربيّهم، والجار والبعيد، واتفقوا على مهاجمة الدولة الإسلامية؛ فقال المؤمنون : {هذا ما وعدنا اللّه ورسوله}، فنحن لم نفاجأ ولا نعجب من هذا؛ لأن اللّه ورسوله قد وعدانا به. كما ان اللّه ورسوله وعدانا أيضاً {ان الذين آمنوا يقاتلون في سبيل اللّه والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}؛ فأنتم المؤمنون تقاتلون في سبيل اللّه، وأما الذين لا يمتّون إلى اللّه بحبل فيقاتلون في سبيل الطاغوت. أجل، أولئك أيضاً يقاتلون، ولكن {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}. فإذا قاتلتم وصبرتم ولم تفقدوا ثباتكم فأنتم المنتصرون، وأما إذا وهنتم ويئستم ونكصتم، فلا غرو حينذاك لو هاجمكم أعداؤكم: {هذا ما وعدنا اللّه ورسوله وصدق اللّه ورسوله وما زادهم إلا ايماناً وتسليماً}.

نستخلص مما أسلفنا قوله ان وعد اللّه مُسَلّم به؛ أي إذا صبر المرء وثبت عند القتال، يكتب له النصر، وإذا أخلص وصدق النيّة يتكالب عليه الأعداء.

لاحظوا كم من بلد في العالم يدّعي لنفسه صفة حمل رسالة الإسلام، بيد أننا لم نسمع قط ان دعايات الاستكبار العالمي والامبراطورية الإعلامية العالمية قد توجهت بسهام الاحتجاج والاستكبار لأي منها بسبب صفتها الإسلامية؛ بينما تعرضت إيران الإسلامية منذ اليوم الأول لانتصار ثورتها لمختلف الهجمات والتهم والافتراءات والشتائم من قبل الأبواق الدعائية كافة بسبب حملها لراية الإسلام. فإذا كنتم صادقين في مسيرتكم لابدّ وان يجلب عليكم هذا الصدق كيد أعدائكم، ولكنكم إذا صبرتم فالنصر لكم قطعاً. وهذا كله وعد اللّه.

إنكم أيّها الأعزّة تعيشون حالياً أيام شهر رمضان، فاعرفوا قدر الدعاء وأكثروا منه، واعرفوا أهمية الوقت، وتضرعوا إلى اللّه وادعوه للحاجات الكبار ولحاجات الأمة الإسلامية ولحاجات الدولة الإسلامية وحاجات شعبكم وحاجاتكم الفردية، وليتعهد كل منكم بأداء كل ما يستلزمه ذلك الدعاء من عمل، ويعلن عن استعداده للعمل في سبيل اللّه. ومن الطبيعي ان هذا العمل لا يعني على الدوام الحرب والقتل وتحمل الضرب والتعذيب وما شابه ذلك - هذه حالات استثنائية - وإنّما يعني أكثر ما يعني الصدق والثبات على المبدأ، والأمل بالمستقبل، ومعرفة العدو. اغتنموا فرصة الدعاء، وهو تعالى كفيل باستجابة دعائكم وقضاء حوائجكم. إذا أضحى مجتمعنا مجتمعاً يتصف بالتقوى والقيم المعنوية ويكثر من الدعاء، فلا شكّ في ان الكثير من مشاكله المادية ستحل.

 

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين وصلِّ اللّهم على سيدنا محمد وآله الطاهرين سيما علي أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق وموسى بن جعفر الكاظم وعلي بن موسى الرضا ومحمد بن علي الجواد وعلي بن محمد الهادي والحسن بن علي الزكي العسكري والحجة القائم المهدي؛ حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك، وصلِّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.

أدعو جميع الاخوة والأخوات لتقوى اللّه في العمل والبيان والفكر والسمع والقول، وأوصيهم بالاستزادة من هذا الشهر جهد المستطاع. ألقي على أسماعكم في الخطبة الثانية ثلاث موضوعات؛ يتعلق اثنان منها بالقضايا الداخلية للبلد، ويتناول الآخر قضايا العالم الإسلامي، والعالم عموماً.

أما ما يتعلق بالقضايا الداخلية فهو أولاً انني شعرت بارتياح فائق لدى سماعي بأنّ رئيس الجمهورية المحترم وأعضاء الحكومة دعوا الشعب إلى القناعة والاقتصاد في النفقات. وسبق لي أن عرضت هذا مرات عديدة. أما في هذه المرة فإنني أعرض هذا بمناسبة شهر رمضان مرة أخرى وأدعو إليه أبناء الشعب كافة، وخاصة القطاعات التي سأشير إليها.

 

عليكم بالقناعة وتجنب الاسراف والتبذير:

أعزائي، لاشكّ أن من حق أي شعب ان يعيش حياة مرفهة ورغيدة مستفيداً من نعم اللّه، وهذا ما يجب ان تتمتع به كل قطاعات الشعب، ولكن الاسراف مضر ومذموم ومحرّم شرعاً حتى في حالة ثراء الحكومة والشعب، فما بالك إذا كان الشعب يعاني وقتياً من نقص في عائداته، كما هو الحال بالنسبة لبلدنا في الوقت الحاضر حيث انخفضت عائداته إلى النصف تقريباً. كنا نذكر في ما سبق ان عائدات البلد انخفضت بنسبة الثلث تقريباً، ولكن بعد ان دقّقنا النظر لاحظنا ان هذه العائدات انخفضت إلى ما يقارب النصف؛ لأن اقتصاد البلد يعتمد – وللأسف - على النفط، والنفط أمره بيد الآخرين. وهذا من مصائب الشعوب المنتجة للنفط.

سبق لي أن ذكرت في إحدى صلوات الجمعة ان المادة الثمينة التي تتوقف عليها حياة العالم اليوم - وهي النفط - تملكها شعوب معيّنة في منطقتنا هذه بشكل أساسي، ويقع مقدار منها في أماكن أخرى من العالم، إلا ان زمام هذه المادة وتسعيرتها واستهلاكها بيد الآخرين، وقلّما يكون لأصحابها الأصليين دور فيها. وقد تقتضي سياسة الدول المسيطرة على النفط رفع قيمته شيئاً ما من أجل اغناء دولة معينة لتوفير القدرة لديها لشراء البضائع منهم. وقد تتطلب سياستهم في وقت آخر تخفيض قيمته بهدف ايجاد مشاكل اقتصادية لبعض الدول.

وهناك داخل مجموعة الأوبك من يساعدهم على تحقيق مآربهم. وهذا ما يوجب على حكومتنا وشعبنا التفكير بحل جذري لهذه المشكلة.

صرّحت قبل حوالي ثلاث سنوات بأنني أتمنّى ان نغلق آبارنا النفطية يوماً ما ونعلن للعالم اننا لا نريد تصدير النفط إلى أمد ما. لا ريب ان هذه الأمنية بعيدة المنال ولا يمكن بلوغها بهذه البساطة. لعن اللّه أولئك الذين أرسوا اقتصاد هذا البلد على عائدات النفط منذ العثور على آبار النفط فيه - وخاصة حينما ارتفع ثمن النفط بعض الشيء - حيث استمر الوضع بعد الثورة على ذلك المنوال بشكل أو آخر بسبب المشاكل العديدة التي واجهتها. وما فتئت حكوماتنا - سواء الحكومة الحالية أم الحكومات السابقة - تسعى لتقليل الاعتماد على النفط، ولكنها تواجه في الواقع مشكلة مستعصية، والوضع الموجود هو أن الحكومة تعاني نقصاً في العائدات.

لا يجوز لمن يكثرون النفقات في ايام زيادة العائدات ان ينفقوا على نفس القدر في أيام نقصها. وكلامي هذا موجه بالدرجة الأولى إلى الاثرياء القادرين على توفير اللحوم والمواد الغذائية والمستلزمات العائلية والمنتجات الحديثة وأنواع الأجهزة الكهربائية والسيارات الباهظة الثمن، فإذا انعدم الدخل وجب الاقتصاد في المعيشة. ولا يقولنَّ أحد ان لديَّ مدخولي، فالدخل الخاص ليس ملاكاً هنا، وانما دخل الدولة هو الملاك؛ فإذا انخفضت عائدات الدولة نوعاً ما يجب عليهم – أي الأثرياء – مراعاة هذا الظرف. ونحن متى ما أوصينا الشعب بعدم الاسراف، تضع الأكثرية منه – وهي الطبقات المتوسطة - وتمتنع عن الاسراف. ولكن قلّما يصغي الذين يجب عليهم الاصغاء، وهم الاثرياء الذين أكثر ما يكون الاسراف منهم. وأنا هنا أوجه خطابي لهم، إذ يجب عليهم القناعة بما تعنيه من اجتناب الاسراف والتبذير، من قبيل عدم التبذير في المواد الغذائية، فكم هنالك من مواد غذائية زائدة ترمى كفضلات. وعدم التبذير يجب ان يشمل حتى الأدوية؛ فكم هناك من أدوية غير ضرورية تشترى وتؤخذ إلى البيوت وتبقى هناك بدون الانتفاع منها. فالأدوية أو موادّها الأولية تستورد من الخارج، أو تركّب في الداخل بجهود شاقّة. فهذه كلها من ثروات البلاد ولكنّها تذهب هدراً.

هنالك أناس يسرفون حتى في لهوهم وتسليتهم، وإذا أرادوا السفر والترفيه يسافرون إلى الخارج؛ أليس في هذا البلد الواسع موضع للترفيه والنزهة؟ قطعاً هذا اسراف، وهذا هو الاسراف المحرّم. فالاسراف والتبذير يختلف في شكله من عصر إلى آخر؛ فقد يكون الاسراف في الثياب أو في مستلزمات الحياة الأخرى أو في السيارات الباهظة الثمن. إذن فكلامي موجه بالدرجة الأولى إلى الاثرياء القادرين على الانفاق، وأنا أوصيهم هنا بمراعاة الظروف وقلّة الصرف وعدم التبذير.

كلامي موجه بالدرجة الثانية إلى مسؤولي الحكومة الذين يجب عليهم بالتأكيد اتخاذ الاجراءات الكفيلة بالحيلولة دون الاسراف وهدر الأموال عبثاً في الأجهزة الحكومية الهائلة، وأوّل ما يجب ان تشمل هذه الاجراءات المبالغ الضخمة والأرقام الكبيرة. ولديَّ طبعاً معلومات تفيد بأن الدولة قد اقتصدت إلى حدّ كبير في نفقات بعض القطاعات - كالسفارات الإيرانية في الخارج، وفي مجال السفر إلى خارج البلاد، ومجالات كثيرة أخرى - ولكن يجب اتخاذ اجراءات بهذا المعنى تشمل جميع الأجهزة الحكومية من أعلاها إلى أدناها. على الجميع ان يعرفوا واجبهم، وعلى الأجهزة المعنية اعداد تعليمات معيّنة تقدّم للناس عن كيفية تفادي التبذير.

 

الوحدة أساس متين:

القضية الأخرى المتعلقة بالوضع الداخلي، وأتحدث عنها بإيجاز هي قضية الوحدة؛ اعلموا يا أعزائي ان أي شعب مهما كان قوياً وثرياً، إذا استحكمت بين أبنائه أسباب الاختلاف يقع فريسة للبلاء والتعاسة. وحينما يؤتى على ذكر الاختلافات لا يراد منها اختلاف الأذواق طبعاً، فلا بأس باختلاف الأذواق والاتجاهات؛ الاختلافات المقصودة هنا هي الصراعات السياسية التي تفضي إلى توتّر الأوضاع. وهذا هو سبب شكواي من بعض الصحف أحياناً. فلا يسارع البعض إلى اطلاق الصيحات بأن الحريات قد قيّدت، فنحن قد خاطرنا بأنفسنا من أجل الحرية مرّات عديدة، وأهل الدين يدافعون عن الحرية أكثر من غيرهم. إذن فالبحث ليس بحث الحرية، ولكن يجب ان لا يستغل البعض الحرية الموجودة، والتي كانت موجودة منذ أول الثورة، لتأزيم الأوضاع. فالمرء حينما يطالع بعض الصحف يشعر وكأنها تختار عناوينها العريضة بشكل يؤلّب فريقاً على فريق آخر. وهذا هو نفس الدور الذي تؤديه الأبواق الدعائية. وهي ظاهرة سيئة طبعاً؛ فالصحف يجب عليها العمل بما يؤدي إلى انسجام القلوب، وتقارب التيارات. فإذا كانت التيارات والمجاميع السياسية تعتقد بمبدأ واحد حقاً، يجب عليها السعي عملياً جهد الامكان للتقرب نحو الفصائل المنافسة، وعليها ان تكون رؤوفة معها، وتحلّ شتى قضاياها في ما بينها، لا أن تثير الاختلافات وتضخّمها، وتقول وتكتب ما يؤدي إلى توتر الأوضاع.

أودّ هنا ان أذكّر المجاميع السياسية، والسادة الناطقين باسمها بأنَّ الناس العاديين، وهم الأكثرية من أبناء شعبنا، لا يكترثون أساساً ولا يلتفتون إلى هذه التحزبات والتيارات والأجنحة. ولكن أبناء الشعب يأسفون لرؤية المسؤولين الكبار في البلد على خلاف في ما بينهم. فإذا كان لكل منهم رأي فلا مانع من ذلك، وليطرح كل منهم رأيه كيف يشاء. ولكن إذا دخلوا في صراع وعداء ضد بعضهم الآخر وصار كل منهم ينتقص من الآخر ويسيء إليه ويسحب البساط من تحت قدميه، والأسوأ من كل ذلك هو إشاعة التوتر حتى ان المرء ليشعر ان معركة ستنشب هنا أو هناك، فهم يؤدون في مثل هذه الحالة ذات الدور الذي تؤديه الأبواق الاعلامية الأجنبية والاذاعات الخارجية - فيما إذا كان أحد يستمع لها -، أي تأليب مختلف الفئات ضد بعضها الآخر.

أريد أن أؤكد ان هذا الشعب استطاع بوحدة كلمته ايجاد هذه الثورة، واستطاع بوحدة كلمته اجتياز مصيبة عظمى كمصيبة الحرب المفروضة، واستطاع بوحدة كلمته الوقوف حتى اليوم بوجه عداء القوى العظمى، وخاصة أمريكا التي تعادي هذه الدولة وهذا الشعب وهذا النظام بشدة. فعليكم بالحفاظ على وحدة الكلمة وعدم السماح للعدو بإشاعة الفرقة بينكم عبر شعارات خدّاعة وطروحات ذات بريق خادع، وطرح شخصيات كاذبة.

حينما أنظر إلى المستويات العليا أرى - والحمد للّه - ان المسؤولين قلوبهم نقية صافية؛ فرئيس الجمهورية المحترم، ورئيسا السلطتين التشريعية والقضائية، ونواب مجلس الشورى، وأعضاء الحكومة يدفعهم شوق عميق لخدمة الشعب. أما على المستويات الأدنى؛ أي على صعيد التيارات والفصائل السياسية التي تتحدث باسم الجميع همّها ان تخلق في أجواء المجتمع اسماً أو كلاماً أو أثراً يدل عليها، وبأي ثمن كان. ولكن على شعبنا العزيز ان يعرف قدر وحدة كلمته. ونحن في الوقت الذي نسعى فيه لإزالة التوتر بيننا وبين الدول الأخرى، يجب ان لا ندع مجالاً لحصول أي توتر بين أبناء شعبنا.

القضية الثالثة تتعلق بالأحداث الأخيرة وأهمها الهجوم الذي شُنَّ على العراق، إذ جاءت أمريكا ومن ورائها بريطانيا وشنّوا هجوماً عسكرياً على هذا البلد بذريعة واهية، وأشاعوا في البداية ان هذه الهجمات ستستمر حتى وان استغرقت شهراً، ولن يعيقها حتى حلول شهر رمضان، ولكنهم اضطروا بعد بضعة ايام، وبسبب تفاقم مشاكلهم الداخلية وانهيار الدعم المقدّم لهم، إلى التراجع؛ واتضح ان أساس القضية كلها كان نابعاً من نزوة خاصة ومصالح ذاتية وحزبية. وهذا نموذج لمضار الاختلاف حتى في دولة كأمريكا؛ فالاختلافات الناشبة بينهم تضر بهم كثيراً. فالدولة التي تتمتع بهذا القدر من التطور التقني وغيره تسبب لها الاختلافات الحزبية، والمحاولات الحزبية للامساك بالسلطة، اضراراً فادحة.

 

أمريكا ما زالت شيطاناً متجبّراً:

على الشعب الإيراني ان يعلم - وسبق لي أن ذكرت هذا مرّات عديدة، وهو يعلم طبعاً، ولكنني أشير إلى شاهد آخر - ان هنالك دولة في عالم اليوم تريد أن تكون لها الرئاسة على دول العالم، وتلك الدولة هي أمريكا. وهذا الرأي ليس من عندي وانما هو رأي الأمريكيين أنفسهم؛ وهو ما يصرّح به كبار كتّاب مقالاتهم السياسية، ويستدلون عليه ويقولون: أجل، ان فكرة الوطن العالمي الواحد التي تفترض أن يكون العالم كله وطناً واحداً وعلى رأسه سلطة واحدة، في طور الإمكان، وقد يتحقق. ويصرّحون بأنه لم تظهر على مدى التاريخ دولة ذات قدرة عسكرية ومالية كدولة أمريكا، والشعب الأمريكي والحكم الأمريكي يجب ان تكون لهما السيادة على العالم. وهذا ما يصرّحون به علانية ويطبعونه ويوزعونه في العالم بعشرات ومئات الآلاف من النسخ. ففي هذا العالم الكبير وفي هذا العالم الحافل بشتى أنواع الثقافات يأتي منظر ويشبّه العالم بقرية عالمية. وهم يظنون ان العالم يصدقهم في ما ذهبوا إليه، فهذه القرية لابدّ وأن يكون على رأسها مختار، يقولون ان الاتصالات قد تطوّرت حتى أمسى العالم وكأنه قرية صغيرة. ولكن لا، فالعالم أكبر من هذا التصور بكثير؛ الشعوب والناس والثقافات والقلوب أكبر من هذا بكثير، ولا يتسنى لدولة تصغير العالم إلى هذا الحد عبر جيش من المنظرين والكتاب وما شابه ذلك، ليكون على رأسه نظام كالنظام الأمريكي الذي يحكمه هذا الشخص، ويجري عليه أحكامه. كلا هذا لا يكون، ولكن الأمريكيين يريدون له أن يكون.

ان الجدل مع أمريكا لا يقتصر على الإيرانيين والجمهورية الإسلامية، بل حيثما كان لحكومة ما جدل مع أمريكا - سواء في أوربا، أو في أفريقيا وهو أدنى ما يكون أو في آسيا - فان سببه يعود إلى رغبة أمريكا في التصرف كحاكم مستبد. وحينما تقف بوجهها دول كفرنسا وألمانيا واليابان تجدها تتردد بعض الشيء، ولكن حينما تقف بوجهها دولة كبعض الدول الضعيفة في المنطقة - ولا أريد ذكر اسمها - فإنها تبني لها قاعدة فيها، وتسلبها مالها، وتدخل إلى دارها، وتتجبر عليها، وتنزل بها ما تشاء من النكبات، حتى انها تستغل سيفها لتضرب به جيرانها. وهذا هو منطق الاستبداد الذين يريدون تبرير استخدامه ضد الدول والشعوب، وليكون هناك سلطان واحد. وبما ان هذا الرأي يواجه بكراهية وبغض شديدين من قبل الشعوب ومن قبل العقلاء في العالم، يحاولون تصويره أمام أنظار الناس على نحو جميل؛ فما ان تبرز قضية في افغانستان حتى تتدخل فيها أمريكا، وما ان تظهر قضية في الخليج الفارسي حتى تتدخل فيها أمريكا، وإذا كانت هناك قضية في الشرق الأوسط، يجب ان تتدخل فيها أمريكا، وإذا كانت هناك قضية في أوربا لابدّ ان تتدخل فيها أمريكا. ولكن لماذا هكذا؟ وكلمة «لماذا» هذه تعتمل في قلوب الكثيرين. أما الجمهورية الإسلامية فمن صفاتها انها تعكس هذه الـ «لماذا» بكل قوّة وجرأة وشهامة وتصرّح بأننا نرفض هذا الاستبداد.

القضية هنا لا تتمثل في شعب يريد أو لا يريد الاستفادة من التجارب والعلوم والثروات المادية والمعنوية لشعب آخر؛ إذ من الواضح طبعاً ان الجميع يرغبون في الاستفادة من بعضهم الآخر، ولا بأس في ذلك. كما ان القضية لا تمثل هنا عداء شعب لشعب آخر؛ فنحن قد صرّحنا مرّات عديدة بأننا لا عداء لنا مع الشعب الأمريكي، ولا شأن لنا بالأشخاص، ولكننا نجابه الأغراض والمآرب، وهي المهمة بالنسبة لنا حيثما كانت وممن كانت. فنحن لا نستطيع الوقوف موقف المتفرّج ازاء هذه الأغراض والمآرب الواضحة بالنسبة لنا ونلاحظ آثارها في العالم كله، إذا وجهت نحو بلدنا. ومن الطبيعي ان هؤلاء أنفسهم متى ما استدعت الضرورة يأتي أحدهم على ذكر اسم ايران - كأن يتحدث عن الحكومة الإيرانية أو يقدم تعريفاً أبتر، وليس تعريفاً كاملاً عن أحد شخصياتها -، ولكن ينبغي معرفة الغاية الكامنة وراء ذلك. ان غايتهم هي التسلط لا العلاقات، وهدفهم النهب لا التبادل، وغاية طموحهم اعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أكثر من ثلاثين سنة، أي منذ انقلاب 28 مرداد 1332 [19 أغسطس 1953م] فصاعداً، والتي كان الأمريكيون يتمتعون بها في هذا البلد بكل وضوح. ويطمعون في ان تكون كل شؤون هذا البلد بأيديهم. ومن البديهي ان الشعب الإيراني والحكومة الإيرانية وهذه الثورة بكل عظمتها لن يرتضوا ذلك. وإذا شاؤوا تأليب بعض الجهلة أو تحريض بعض أذنابهم ليقولوا أو يكتبوا شيئاً، فليفعلوا ذلك، فالثورة لا يمكنها التنازل عن أهمّ مبادئها من أجل هذه الأراجيف.

القضية ليست في أننا نريد أو لا نريد الاستفادة من علاقاتنا مع دول العالم؛ فمن البديهي اننا نميل إلى اقامة علاقات حسنة مع دول العالم كافة، وهذه العلاقات موجودة وسنعمل بفضل اللّه على تطويرها يوماً بعد آخر؛ تصوروا ذات يوم ان علاقاتنا ستقطع مع أوربا، وتصوروا يوماً آخر اننا لن نُقيم علاقات مع روسيا أبداً، ولكن الأمر ليس كذلك، إذ لدينا اليوم علاقات حسنة مع أوربا ومع روسيا ومع بلدان آسيا ومع كل الدول الكبيرة في العالم. أمّا بالنسبة لأمريكا فقضيّتنا معها قضية أخرى لا صلة لها بالعلاقات، لأنهم يعتبرون العلاقات مقدمة للتسلط، وهم لا يقنعون بأدنى من ذلك، وهم انما يذكرون اسم العلاقات كشعار ليس إلا؛ ومن الواضح ان مقدمة أي عمل من الأعمال التي يبتغون ممارستها، هي العلاقات.

هذه الحكومة العراقية التي وطأتها جزمة أمريكا الاسبوع الفائت على هذا النحو المهين، أليست لها علاقات مع أمريكا؟ أجل، لها علاقات معها ويوجد لديها سفير لها، ويوجد سفير لأمريكا في العراق. غير ان العلاقات لا تحول دون أمثال هذه الأعمال. فأمريكا التي تدرج الحكومة السورية كل سنة في عداد الدول الارهابية، أليست لها علاقات معها؟ نعم لها علاقات سياسية معها. فالعلاقات لا تمنع الظلم والاساءة وما شابه ذلك. ان العلاقات مجرّد ذريعة، وأمّا الغاية الأساسية فهي استعادة التسلط السياسي والاقتصادي والأمني الذي كان للأمريكيين في هذا البلد على مدى ثلاثين سنة، ثم جاءت الثورة وقضت عليه بهمة هذا الشعب وهؤلاء الشباب، وبهمة ويقظة الإمام.

يظنّون ان الشعب الإيراني تنصّل عن ثورته، يظنّون أنه تراجع عن الإمام، يظنون أنه تخلّى عن أهدافه. ولهذا يريدون إعادة الوضع إلى ما كان عليه. ولكن ليعلم الأمريكيون ان الشعب الذي نهض باسم الإسلام، وسار قُدُماً باسم الإسلام، واستطاع باسم الإسلام وذكر الإسلام إزاحة كل هذه الموانع عن طريقه، وتمكن بفضل الإسلام مضاعفة عزّته واقتداره يوماً بعد يوم، لن يتراجع أمام الضغوط والممارسات الرذيلة، ولن يستسلم لهم. وان هذا الشعب لن يتفق معهم ما دام مع الإسلام.

{بسم اللّه الرحمن الرحيم: والعصر * ان الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته..