|
خطبتا صلاة الجمعة (العبادية -
السياسية)
بتاريخ: 7/5/1998(الموافق:
11 محرم 1419 هـ).
الخطبة
الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين.. أحمدهُ وأستعينه
وأستغفره وأتوكّل عليه.. وأُصلي واُسلّم على حبيبه ونجيبه وخيرته من خلقه وحافظ
سرّه ومبلّغ رسالاته بشير رحمته ونذير نقمته.. سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم
المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين المظلومين المعصومين،
سيّما أبو عبد اللّه الحسين (ع).. وبقية اللّه في الأرضين، الحجة ابن الحسن
(عج).
أُوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، وأدعوكم للتقوى
أولاً وآخراً، وأحثكم على التزوّد بزاد التقوى. وحتى البحوث التي نقدّمها انما
نبغي من ورائها ترسيخ التقوى - بعون اللّه - في أنفسنا وتركيز دواعيها لدى
الناس ولدى مستمعي صلاة الجمعة إن شاء اللّه.
اُكرس خطبتي الأولى في هذا اليوم لبحث واقعة
عاشوراء. وهذا الموضوع وان أفاضت فيه الكثير من الكلمات والخطب، وألقينا فيه
بحوثاً ودراسات، إلا ان جوانب وآفاق هذه الحادثة العظيمة الخالدة مهما بُحثت
تبقى تشع منها أبعاد جديدة وتشرق منها مزيد من الأنوار فتسطع على حياتنا.
محاور البحث في واقعة عاشوراء
هنالك، في ما يتعلق بمباحث واقعة عاشوراء، ثلاثة
محاور أساسية:
الأول: دراسة علل ودوافع ثورة الإمام الحسين (ع)
والأسباب التي حدت به إلى الثورة؛ أي تحليل الدوافع الدينية والعلمية والسياسية
لهذه الثورة. وسبق لنا وان تحدثنا فيما مضى عن هذا الموضوع بالتفصيل، اضافة إلى
ما للفضلاء والأكابر من دراسات قيّمة فيه. ولهذا فلا أتحدث – اليوم - عن هذا
الجانب.
الثاني: هو بحث الدروس المستقاة من عاشوراء. وهو
طبعاً بحث حيّ وخالد على مر الزمن ولا يختص بزمن معين دون سواه. فدرس عاشوراء
هو درس التضحية والشجاعة والمواساة، ودرس القيام للّه، والايثار والمحبّة. وأحد
دروس عاشوراء هي هذه الثورة الكبرى التي فجرتموها أنتم ابناء الشعب الإيراني
امتثالاً لنداء حسين العصر وحفيد أبي عبد اللّه الحسين (ع). وهذا بحد ذاته واحد
من دروس عاشوراء. ولا أُريد حالياً الدخول في أي حديث عن هذا الموضوع.
الثالث: هو العبر المستقاة من عاشوراء.
سبقت لنا إثارة هذا الموضوع قبل عدّة سنوات
وأشرنا إلى ان لعاشوراء - فضلاً عن الدروس المستقاة منه - عبراً أيضاً.
والبحث في عبر عاشوراء يختص بالزمن الذي تكون فيه
الحاكمية للإسلام. ويمكن القول - على أدنى الاحتمالات - ان مثل هذا البحث يختص
الجانب الأساسي منه بمثل هذا الزمن الذي يوجب علينا وعلى بلدنا أخذ العبرة.
ورأينا طرح هذه القضية وفقاً للصيغة التالية، وهي
كيف ان المجتمع الإسلامي الذي التف حول الرسول وأحبّه وآمن به وامتلأ بالدين
حبّاً وشغفاً، ونشأ وتنامى في ضوء الأحكام التي سنتحدث لاحقاً عن شيء منها،
وفيه مَن أدرك عصر رسول اللّه(ص)، كيف وصل به الحال بعد خمسين سنة أن يجتمع
ويقتل سبط الرسول أبشع قتلة؟ وهل هناك ارتداد ونكوص وانحراف أشد من هذا؟!
ألقت زينب الكبرى (سلام اللّه عليها) في سوق
الكوفة خطبة عصماء بليغة تمحورت حول هذا، قالت فيها: «ألا يا أهل الكوفة يا أهل
الختل والغدر، أتبكون؟» وذلك لأنهم حينما شاهدوا رأس الحسين على الرمح، وبنت
علي مسبية، ولمسوا عمق المأساة ضجّوا بالبكاء. «فلا رقأت الدمعة ولا هدأت
الرنّة، ..» ثم قالت: «انما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة انكاثاً
تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم».
وهذا هو النكوص والارتداد والتراجع القهقرى.
فأنتم في الحقيقة كالمرأة التي غزلت الصوف ومن بعد ما أتمته نقضت الغزل وعادت
إلى ما كانت عليه، وأنتم في حقيقة الأمر نقضتم غزلكم وأعدتموه صوفاً، وهذا هو
التراجع. وهذه عبرة.
كل مجتمع إسلامي معرّض لمثل هذا الخطر. لقد كانت
أكبر مفخرة لإمامنا الخميني أنه حفّز الأمة على العمل بأحاديث الرسول. وهل يمكن
مقارنة غير الأنبياء وغير المعصومين بشخصية عظيمة كشخصية الرسول الذي بنى ذلك
المجتمع؟! ولكن انتهى الحال بذلك المجتمع إلى اقتراف تلك الجريمة. فهل كل مجتمع
إسلامي معرّض للانسياق لمثل هذه الخاتمة؟
من الطبيعي انه إذا استعبر لا ينتهي إلى مثلها،
ولكنه إذا لم يستعبر فمن الممكن أن يتسافل إلى هذا الحد. فهذه عبر عاشوراء.
أما نحن فقد وفّقنا في هذا العصر بحمد اللّه
وفضله لاقتفاء السبيل من جديد، واحياء اسم الإسلام في العالم، ورفع راية
الإسلام والقرآن عالية. وكانت هذه المنقبة من نصيب الشعب الإيراني الذي مرت على
ثورته عشرون سنة تقريباً وهو ما انفكَّ مرابطاً وصامداً على هذا النهج. إلا
اننا إذا انتابتنا الغفلة، ولم نحترس أو نحاذر ونثبت على المسار كما ينبغي، فمن
الممكن ان ننتهي إلى نفس ذلك المصير. وهنا يتضح معنى العبرة من عاشوراء.
أُريد حالياً التوسع بالحديث في الموضوع الذي
طرحته قبل سنوات، ولاحظت - والشكر للّه - ان الفضلاء أفاضوا في دراسته وبحثه
والكتابة فيه والقاء الكلمات حوله. ومن الطبيعي ان الاسترسال في شرح هذا
الموضوع لا يستوعبه الوقت المخصص لخطبة صلاة الجمعة؛ فهو بحث مطوّل. وسأتناوله
تفصيلياً وبكل خصائصه في غير اجتماع صلاة الجمعة إذا رزقني اللّه عمراً ووفقني
لذلك. ولكن لا بأس هنا بإلقاء نظرة اجمالية عليه. وإذا وفقني اللّه فسأعمل على
اخراجه في كتاب في قالب خطابي ليكون بين أيديكم.
يجب أولاً وقبل كل شيء ادراك مدى فداحة تلك
الواقعة حتى نتحرك ونتتبع أسبابها. لا يقصر نظر أحد على أنّ واقعة عاشوراء كانت
- في النهاية - مذبحة قتل فيها مجموعة. كلا، بل انها وكما نقرأ في زيارة
عاشوراء: «لقد عظمت الرزية وجلّت وعظمت المصيبة».
ثلاثة مراحل من حياة الحسين
(ع)
ولأجل أن يتضح مدى عظم تلك الفاجعة، أستعرض بصورة
اجمالية ثلاثة مراحل قصيرة من حياة أبي عبد اللّه الحسين (ع)، لنرى شخصية
الحسين (ع) في هذه المراحل الثلاثة، هل من الممكن ان يحتمل أحد أنه ينتهي بها
المآل يوم عاشوراء إلى أن تحاصره حشود من أمّة جدّه وتقتله أشنع قتلة هو
وأصحابه وأهل بيته وتسبى عياله؟
تتلخص تلك المراحل الثلاثة في:
أولاً: مرحلة الطفولة وتبدأ منذ نعومة أظفاره إلى
تاريخ وفاة الرسول (ص).
ثانياً: مرحلة شبابه.. أي خمس وعشرون سنة، من
وفاة جده إلى خلافة أمير المؤمنين (ع).
ثالثاً: المرحلة التي استمرت عشرين سنة من بعد
استشهاد أمير المؤمنين (ع) إلى واقعة كربلاء.
ففي المرحلة الأولى، أي في عهد رسول اللّه (ص)
كان الحسين (ع) طفلاً مدللاً ومحبوباً عند رسول اللّه (ص). فقد كان لرسول اللّه
(ص) بنت، وكان المسلمون يعلمون جميعاً آنذاك انه (ص) قال: «اني لأغضب لغضب
فاطمة وأرضى لرضاها». فانظروا عظيم منزلة هذه البنت بحيث ان رسول اللّه (ص)
يبجلها بهذه الكلمة وأمثالها في محضر المسلمين والملأ العام. وليس هذا بالأمر
العادي.
وزوّجها الرسول الكريم (ص) لشخص كان ذروة في
المآثر، زوجها علي بن أبي طالب (ع) الذي كان شاباً شجاعاً شريفاً ومن أكثر
الناس إيماناً واسبقهم إلى الإسلام، وأكثرهم مشاركة في كل ميادينه، عليّ.. من
قام الإسلام بسيفه.. من كان يُقدم حيثما يحجم الآخرون ويحل المستعصي من العقد..
هذا الصهر العزيز المحبوب الذي لم تكن محبته منطلقة من وازع القرابة وما شاكلها
من الوشائج، وانما كانت انطلاقاً من عظمة شخصيته، ولهذه الأسباب زوّجه ابنته،
فكان من نسلهم الحسين و...
وهذا الكلام يصدق كله أيضاً على الإمام الحسن
(ع). إلا ان كلامي هنا يدور حول الإمام الحسين (ع).. أعز عزيز عند الرسول..
الذي كان زعيم العالم الإسلامي وحاكم المسلمين ومحبوب كل القلوب يضمه بين
ذراعيه ويصطحبه إلى المسجد. والمسلمون كانوا يعلمون ان هذا الطفل هو محبوب قلب
الرسول الذي تذوب القلوب جميعاً في محبته. فحينما كان الرسول يلقي خطبة من فوق
المنبر علقت رجل هذا الطفل بعائق فسقط على الأرض، فنزل الرسول من فوق المنبر
واحتضنه ولاطفه. لاحظوا، هكذا كانت محبة الحسين (ع) عند الرسول.
قال رسول اللّه (ص) عن الحسن والحسين وهما آنذاك
في السابعة والسادسة من عمريهما: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة». قال
فيهما هذا القول وهما لا زالا طفلين. أي انهما حتى وان كانا في تلك السن إلا
انهما يفهمان ويدركان ويعملان كمن هو في سن الشباب، ويفوح الأدب والشرف من
جنبيهما.
ولو قال قائل حينذاك ان هذا الطفل سيقتل على يد
أمّة هذا الرسول بلا جرم أو جريرة، ما كان ليصدّقه أحد. مثلما صرّح رسول اللّه
نفسه بتلك الحقيقة المرّة وبكى لها. وتعجب في وقتها الجميع، مستنكرين إمكانية
حدوث عمل كهذا.
المرحلة الثانية: هي الفترة التي استمرت خمساً
وعشرين سنة من وفاة الرسول إلى خلافة أمير المؤمنين (ع). إذ كان (ع) شاباً
متوثّباً وعالماً وشجاعاً، شارك في الحروب وخاض شدائد الأمور. كان معروفاً عند
الجميع بالعظمة، وعندما يأتي ذكر الكرام تشخص إليه الأبصار وتحوم حوله الأذهان.
واسمه يسطع بين جميع مسلمي مكة والمدينة وحيثما امتد الإسلام، بكل فضيلة
ومكرمة. والكل ينظر إليه وإلى أخيه باحترام وتكريم. وحتى خلفاء ذلك العصر كانوا
يبدون لهما التعظيم والاجلال. وكان مثالاً ومقتدىً لشباب ذلك العهد . وهكذا لو
ان شخصاً قال آنذاك ان هذا الشاب سيقتل على يد هذه الأمّة، لما صدّقه أحد.
المرحلة الثالثة: هي تلك المرحلة التي حلَّت من
بعد شهادة أمير المؤمنين (ع) وكان دور غربة أهل البيت. فكان الإمامان الحسن
والحسين يقيمان خلال تلك المدّة في مدينة الرسول (ص). بعد مقتل أمير المؤمنين
بعشرين سنة، انحصرت الإمامة في الحسين على جميع المسلمين - وإن لم تكن الخلافة
في يده - وبدا مفتياً كبيراً ، وزاد احترامه عند الجميع، وأضحى عروة يتمسك بها
كل من يريد التمسّك بأهل البيت. فكان ذا شخصية محبوبة ورجلاً شريفاً نجيباً
اصيلاً عالماً. حتى انه بعث في ذلك الوقت بكتاب إلى معاوية، لو كان غيره كتبه
لأي حاكم لكان جزاؤه القتل. إلا ان معاوية حينما وصله الكتاب تلقاه بكل تكريم
وقرأه متغاضياً عما جاء فيه. ثم لو ان أحداً كان يقول في ذلك الوقت ان هذا
الرجل الشريف الكريم العزيز النجيب الذي يجسّد الإسلام والقرآن في نظر كل ناظر،
سيقتل عمّا قريب على يد اُمة الإسلام والقرآن قتلة شنيعة، لم يكن أحد ليتصور
صحّة ذلك. إلاّ انَّ هذه الواقعة العجيبة البعيدة عن التصور، قد حصلت فعلاً!
ولكن من الذين فعلوا ذلك؟ فعله أُولئك الذين
كانوا يترددون عليه ويوالونه ويعربون له عن محبتهم واخلاصهم! فما معنى هذا؟
معناه ان المجتمع الإسلامي أُفرغ طوال هذه الخمسين سنة من قيمه المعنوية
وجُرِّد من حقيقة الإسلام، فكان ظاهره إسلامياً وباطنه خاوياً. وهنا هو مكمن
الخطر. فالصلوات تقام وصلاة الجماعة موجودة، والأمة توصف بالأمة المسلمة، وحتى
ان البعض منها يوالي أهل البيت!
أؤكد لكم ان العالم الإسلامي كله كان ولا زال
يعتقد بأهل البيت، ولا أحد يشك في هذا. إن حب أهل البيت ظاهرة مشتركة بين جميع
المسلمين في الماضي والحاضر. واينما تذهب اليوم في أرجاء العالم الإسلامي تجد
المسلمين يحبّون أهل البيت. فالمسجد المسمى باسم الإمام الحسين (ع) والمسجد
الآخر المسمى باسم السيدة زينب في القاهرة تجدهما حاشدين على الدوام بجموع
الزوار حيث يرتادهما المسلمون ويزورون القبر ويقبّلونه ويتوسلون به الى اللّه.
جاؤوني في الفترة الأخيرة؛ أي قبل سنة أو سنتين
بكتاب جديد - الكتب القديمة مشحونة بهذا المعنى إنما ذكرته لكونه جديداً – عن
أهل البيت وحقّقه أحد الكُتّاب الحاليين في الحجاز. يثبت هذا الكتاب ان أهل
البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام). وهذا المعتقد جزء من
أرواحنا نحن الشيعة، إلا ان هذا الأخ المسلم الذي لا ينتمي للشيعة، كتب هذا
الكتاب ونشره، والكتاب موجود ولدي نسخة منه، ولابدّ أن آلاف النسخ منه طبعت
ووزعت.
ومعنى هذا ان أهل البيت يحظون بالاحترام والقبول
لدى جميع المسلمين، وكانوا في ذلك العصر يلقون غاية التكريم والمحبة. ولكن في
الوقت ذاته حينما يصبح المجتمع خاوياً تقع مثل تلك الحادثة. ولكن أين العبرة من
هذا؟ تكمن العبرة في ما ينبغي عمله لكي لا ينزلق المجتمع إلى مثل ذلك المآل.
وهذا ما يوجب علينا فهم الظروف التي ساقت المجتمع إلى تلك النهاية. وهذا هو
البحث المطوّل الذي أُريد ان أقّدم لكم موجزه.
ركائز بنية النظام النبوي
أُشير أولاً وكمقدّمة للموضوع إلى ان الرسول (ص)
أرسى أُسس نظام كانت بناه الأساسية تقوم على عدّة ركائز.. تعتبر أربعة منها
الثقل في ذلك البناء، وهي:
الأول: المعرفة المتقنة الخالية من الغموض في
شؤون الدين، ومعرفة الأحكام، والمجتمع، والتكليف، ومعرفة اللّه والرسول، ومعرفة
الطبيعة. وهذه هي المعرفة التي انتهت إلى تراكم العلوم وبلغت بالمجتمع الإسلامي
في القرن الرابع للهجرة ذروة المدنية والحضارة العلمية. فالرسول الكريم (ص) لم
يترك أي ابهام وغموض. ولدينا في هذا الصدد آيات مدهشة من القرآن الكريم لا مجال
هنا لذكرها. وحيثما كان هناك موضع غموض أو التباس، كانت تنزل آية تجليه.
الثاني: العدالة المطلقة التي لا محاباة فيها
سواء في حقل القضاء، أم في حقل الاستحقاقات العامّة - لا ما يتعلق بحقه الشخصي
إذ كان (ص) يعفو عن حقّه - أي العدل التام فيما يتعلق بعامة الناس ويجب تقسيمه
بينهم بالعدل. وكذا العدالة في تطبيق حدود اللّه، وفي توزيع المناصب وتفويض
المسؤوليات، وتحمل المسؤولية.
ومن البديهي ان العدالة غير المساواة. لا يلتبس
الأمر عليكم، فقد يكون في المساواة ظلم أحياناً. بينما العدالة تعني وضع كل شيء
في نصابه، واعطاء كل شخص حقّه. فقد كان العدل حينذاك عدلاً مطلقاً لا تشوبه
شائبة. ولم يكن في عهد الرسول استثناء لأي شخص يجعله خارج اطار العدالة.
الثالث: العبودية الخالصة للّه والخالية من أي
شرك؛ أي العبودية للّه في العمل الفردي .. العبودية في الصلاة حيث يجب أن يكون
فيها قصد التقرب إليه. وكذلك العبودية له في بناء المجتمع وفي النظام الحكومي
وفي نظام الحياة، والعلاقات الاجتماعية بين الناس. وهذا موضوع يستلزم بحد ذاته
شرحاً مستفيضاً.
الرابع: المحبّة الغامرة والعاطفة الفياضة. وهذه
من السمات الأساسية للمجتمع الإسلامي.. حبُّ اللّه، وحبّه تعالى للناس {يحبّهم
ويحبّونه}، {ان اللّه يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين}، {قل ان كنتم تحبّون
اللّه فاتّبعوني يحببكم اللّه}، الحب .. حب الزوجة وحب الأولاد، من المستحب
تقبيل الأولاد، وتستحب محبتهم، ويُستحب حب الزوجة، ويُستحب حبُّ الأُخوة
المسلمين والتحبب إليهم، والأعظم هو حب الرسول وأهل بيته.. قال تعالى: {إلاّ
المودة في القربى}.
لقد رسم الرسول هذه الخطوط العريضة وأرسى ركائز
المجتمع على أساسها، ووضع معالم الحكومة عشر سنوات على هذا المنوال. ومن الواضح
طبعاً ان تربية الناس تأتي على نحو تدريجي ولا تتحقق جملة وحدة. وبذل الرسول
قصارى جهده على امتداد هذه السنوات العشرة لترسيخ تلك الأُسس، والعمل على مد
تلك الجذور في أعماق الأرض. إلا ان فترة العشر سنوات تعتبر قصيرة جداً إذا ما
أريد بها تربية الناس على خلاف ما كانوا قد ترعرعوا عليه من سجايا وخصائص، فقد
كان المجتمع الجاهلي في كل شؤونه على النقيض تماماً من مضامين هذه الركائز
الأربعة؛ لأنه كان فارغاً من أية معرفة وغارقاً في حيرة الجهل والضلال، ولم تكن
لديه أية عبودية للّه، بل كان مجتمع تجبّر وطغيان، وكان مجتمعاً بعيداً عن
العدالة ومليئاً بألوان الظلم والتمييز.
رسم أمير المؤمنين (ع) في الخطبة الثانية من نهج
البلاغة صورة فنية رائعة عمّا كان سائداً في العصر الجاهلي من ظلم وتمييز، جاء
فيها: «في فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها». كان المجتمع آنذاك مجرداً من
معاني المحبّة، كانوا يئدون بناتهم، وكانت كل قبيلة تثأر لقتيلها من أي رجل
تجده من قبيلة القاتل، سواء كان مستحقاً للقتل أم غير مستحق، وسواء كان مجرماً
أم بريئاً، وسواء كان عالماً بتلك القضية أم لا.. كان يسودهم الاضطهاد والقسوة
والغلظة والفظاظة المطلقة.
مَن نشأ في تلك الحالة يمكن أن يصلُح ويُهذّب على
مدى عشر سنوات - إن تحققت شروط ذلك - ويمكن ادخاله في الإسلام، ولكن لا يمكن
غرس هذه القيم والمفاهيم في أعماق نفسه إلى الحد الذي يجعل لديه القدرة على
ايجاد نفس هذا التأثير على الآخرين.
دخل الناس في الإسلام أفواجاً أفواجاً، ودخل في
الإسلام اُناس لم يعايشوا الرسول ولم يدركوا تلك السنوات العشر مع النبي. وهنا
تتجلّى أهمية مسألة الوصية التي يعتقد بها الشيعة، ويكمن منشأ الوصية والنص
الإلهي، من أجل ديمومة ذلك النهج التربوي؛ وإلا فمن الواضح أنّها ليست من سنخ
أنواع الوصايا الأُخرى المتداولة في هذا العالم، فكل إنسان يوصي قبل وفاته
لابنه، إلا ان القضية هناك تعني لزوم استمرارية نهج الرسول من بعده.
لا أُريد الدخول في المباحث الكلامية بل أُريد
تناول التاريخ بشيء من التحليل ولتتناولوه أنتم أيضاً بمزيد من التحليل. لهذا
البحث - طبعاً - صلة بالجميع ولا يختص بالشيعة وحدهم، فهو للشيعة وللسنّة
ولجميع الفرق الإسلامية على حد سواء. ونظراً لما يتصف به من الأهمية، يجب ان
يحظى إذن باهتمام من قبل الجميع.
المجتمع الإسلامي بعد وفاة
الرسول (ص)
وأما عن الوقائع التي جرت من بعد رحيل الرسول،
فما الذي حدا بالمجتمع الإسلامي خلال تلك الخمسين سنة للنكوص عن تلك الحالة إلى
هذه؟ وهذا هو أصل القضية .. ويجب أن يلاحظ متن التأريخ بشأنها.
من البديهي ان البناء الذي بناه الرسول ما كان
لينهار بهذه السهولة. ولهذا نلاحظ انّ من بعد رحيل الرسول، استمرت عامة الأمور
- باستثناء قضية الوصية - على ما كانت عليه. فكانت العدالة في وضع حسن، والذكر
في حالة حسنة، والعبادة على ما يرام. وإذا نظر المرء إلى الهيكل العام للمجتمع
الإسلامي في سنواته الأولى يجد الأمور كما كانت ولم يرجع شيء القهقرى. نعم كانت
تقع بعض الحوادث بين الفينة والأُخرى إلا ان ظواهر الأمور كانت تعكس بقاء نفس
الأُسس والركائز التي وضعها الرسول. بيد ان ذلك الوضع لم يدم طويلاً، فكلما كان
الوقت يمضي كان المجتمع الإسلامي ينحدر تدريجياً صوب الضعف والخواء.
ثمة نقطة في سورة الحمد أشرت إليها عدّة مرّات في
لقاءات مختلفة. فحينما يدعو الإنسان ربّه: {اهدنا الصراط المستقيم} يوضح بعدها
معنى ذلك الصراط المستقيم في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} فهو تعالى قد أنعم
على كثير من الأقوام والأمم؛ فأنعم على بني اسرائيل: {يا بني اسرائيل اذكروا
نعمتي التي أنعمت عليكم} والنعمة الإلهية لا تختص بالأنبياء والصالحين
والشهداء: {أولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين} هؤلاء أيضاً
نالوا النعمة، وكذلك بنو اسرائيل نالوا النعمة.
والذين يُنعم عليهم فريقان:
فريق حينما ينال النعمة لا يتعرض لغضب اللّه، ولا
يحقق دواعي الغضب الإلهي ولا يضل سبيل الهداية، وهؤلاء هم الذين ندعو اللّه ان
يهدينا سبيلهم. وعبارة {غير المغضوب عليهم} تمثل في الحقيقة صفة {الذين أنعمت
عليهم} أي ان صفة (الذين) هي (غير المغضوب عليهم).
أما الفريق الآخر فهم الذين حينما أنعم اللّه
عليهم، بدلوا النعمة وتمردوا عليها، ولهذا حلَّ عليهم غضبه. أو انهم ائتموا
بأولئك فضلّوا السبيل. وتشير رواياتنا إلى ان المراد من {المغضوب عليهم} هم
اليهود، وهذا البيان مصداق لتلك الحقيقة. لأن اليهود وحتى زمن النبي عيسى،
كانوا يحاربون النبي موسى وأوصياءه عن علم وقصد. أمّا {الضالين} فهم النصارى..
انهم ضلوا بادئ بدء أو ضل أكثرهم على أدنى الاحتمالات، حينما أنعم اللّه عليهم.
أمّا المسلمون فأنزل اللّه عليهم نعمته.. إلاّ
أنّ النعمة تبدّلت - نتيجة لما اقترفوه - صوب المغضوب عليهم وصوب الضالين.
ولهذا ورد عن الإمام الصادق (ع) انه قال: «لما قتل الحسين اشتد غضب اللّه على
أهل الأرض» وذلك لأنه إمام معصوم. ويفهم من هذا ان المجتمع الذي ينال النعمة
الإلهية قد يسير في اتجاه يجلب عليه غضب اللّه. ولهذا يجب توقّي أقصى درجات
الدقّة والحذر في المسير، وهو أمر عسير طبعاً ويستلزم الانتباه واليقظة.
أورد في ما يلي بعض الأمثلة. فالخواص والعوام
أصبح لكل منهما وضعه الخاص به، فإذا ضلَّ الخواص قد يدخلون في خانة «المغضوب
عليهم»، أما العوام قد يصبحون في فئة «الضالين». وكتب التاريخ زاخرة طبعاً
بالمصاديق والأمثلة. وسأنقل لكم - من هنا فصاعداً - مما جاء في تاريخ ابن
الأثير، واجتنب النقل من أي مصدر شيعي، بل ولا أنقل حتى من مصادر التاريخ
السنيّة التي يشكك السنّة في رواياتها، مثل ابن قتيبة الدينوري؛ إذ جاء في
كتابه «الإمامة والسياسة» أمور وقضايا تثير الحيرة.
حينما ينظر المرء إلى مضامين كتاب ابن الأثير
الموسوم بـ«الكامل في التاريخ» يشعر بوجود عصبية أموية وعثمانية فيه، واحتمل
انه انتهج ذلك الأسلوب مداراة لبعض الاعتبارات، فقد نقل هذا المؤرخ عن أحداث
مقتل عثمان، ان عثمان قتله أهل مصر والكوفة والبصرة والمدينة وغيرهم. وبعدما
نقل نصوص وأخبار تاريخية مختلفة يقول: وقد تركنا كثيراً من الأسباب التي جعلها
الناس ذريعة إلى قتل [عثمان]؛ لعلل دعت إلى ذلك.
وعند نقله لقصة أبي ذر وكيف ان معاوية حمله إلى
المدينة من الشام بغير وطاء، ونفاه من المدينة إلى الربذة بصورة شنيعة، قال:
وقد حصلت أمور لا يصح نقلها. وعلى هذا فإمّا أن يكون هذا المؤرخ قد انتهج
أسلوباً من الرقابة الشخصية – حسب التعبير المعاصر - وإمّا ان يكون متعصباً.
وهو على كل الأحوال لم يكن شيعياً ولا يميل إلى التشيع، بل يحتمل انه كان أُموي
وعثماني الهوى. وأؤكد ثانية على ان كل ما سأورده بعد الآن انما أنقله عن ابن
الأثير هذا.
أنقل في ما يلي أمثلة عن الخواص؛ كيف كان الخواص
على امتداد هذه السنوات الخمسين بحيث وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ وحينما أُدقق
النظر في أحداث وظروف ذلك العصر اُلاحظ ان هذه الركائز الأربعة: العبودية،
والمعرفة، والعدالة، والمحبة.. قد تزعزعت. واضرب لكم بعض الأمثلة كما وردت في
التاريخ عيناً.
كان سعيد بن العاص من بني اُمية ومن أقارب عثمان.
وقد تولى بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط - والوليد هو الشخص الذي شاهدتم
مقتطفات من حياته في المسلسل التلفزيوني: الإمام علي (ع)، والذي وقع مقتل
الساحر في محضره - ليصلح ما كان قد أفسده الوليد.
قال ذات يوم رجل في مجلسه: «ما أجود طلحة!» ولا
بدّ ان طلحة كان قد وهب أحداً مالاً أو تكرّم على شخص. فقال سعيد: «ان من له
مثل النشاستج لحقيق أن يكون جواداً» وكانت النشاستج ضيعة كبيرة قرب الكوفة
يملكها صحابي الرسول، طلحة بن عبد اللّه الذي كان يعيش حينذاك في المدينة. ثم
أردف قائلاً: «واللّه لو أن لي مثله لأعاشكم اللّه به عيشاً رغداً».
قارنوا بين هذا الوضع وبين حالة الزهد في عهد
رسول اللّه والفترة الأولى من بعد رحيله ولاحظوا طبيعة الحياة التي كان يعيشها
الأكابر والأمراء والصحابة في تلك السنوات وكيف كانوا ينظرون إلى الدنيا. لقد
وصلت الأمور إلى هذا الحد من بعد مضي عشر سنوات أو خمس عشرة سنة فقط!
المثال الآخر هو أبو موسى الأشعري.. والي البصرة
- وهو الاشعري صاحب الموقف الشهير في قضية التحكيم - فقد صعد المنبر ذات يوم،
حينما كان والياً على البصرة.. كان الناس يستعدون لإحدى الغزوات .. فنادى في
الناس وحضّهم على الجهاد وذكر شيئاً في فضل الجهاد ماشياً، فترك نفر دوابهم
وأجمعوا ان يخرجوا رجّالة طمعاً في الثواب. «فحملوا على فرسهم» أي طردوها من
أمام عيونهم لأنها تحرمهم من الثواب إلا ان جماعة آخرين من العقلاء فضلوا
التأمل ومشاهدة حقائق الأمور وقالوا لا نعجل في شيء حتى ننظر ما يصنع؛ فإن أشبه
قوله فعله، فعلنا كما يفعل.
جاء في نص عبارة ابن الأثير في هذا الصدد: «فلما
خرج أخرج ثقله من قصره على أربعين بغلاً» كانت تلك ممتلكاته الثمينة وكان
مضطراً إلى اصطحابها حيثما حل وارتحل وحتى في ميادين الجهاد. وسبب ذلك انه لم
تكن ثمة مصارف أو بنوك في ذلك العصر، أضف إلى ان الحكومات لا اعتبار لها، فقد
يأتيه الأمر من الخليفة وهو في ساحة الجهاد بعزله من منصبه. وإذ حصل ذلك لا
يمكنه الرجوع إلى البصرة وأخذ تلك الأموال، لذلك كان مضطراً لحملها معه. فحمل
ممتلكاته الثمينة على اربعين بغلاً وأخذها معه إلى ميدان الجهاد.
فلما خرج جاءه قوم وتعلّقوا بعنانه وقالوا:
احملنا على بعض هذه الفضول وارغب في المشي كما رغّبتنا، فضرب القوم بسوطه،
فتركوا دابته.. فمضى. إلا أنهم طبعاً لم يتحملوا ذلك منه بل ذهبوا إلى المدينة
وشكوه إلى عثمان، فعزله.إن أبا موسى الذي كان من صحابة الرسول ومن طبقة الخواص،
كان على مثل هذا الحال!
المثال الثالث هو سعد بن أبي وقاص الذي عيّن
والياً على الكوفة. اقترض سعد مالاً من بيت المال. لم يكن بيت المال بيد
الوالي، لأنهم كانوا في ذلك العصر ينصبون الوالي للقيام بأمور الحكومة وادارة
شؤون الناس، وينصبون شخصاً غيره للشؤون المالية وهو مسؤول أمام الخليفة مباشرة.
وحينما عين سعد بن أبي وقاص والياً على الكوفة، كان خازن بيت المال عبد اللّه
بن مسعود وكان صحابياً جليلاً.
بعدما اقترض سعد من عبد اللّه بن مسعود من بيت
المال مالاً، تقاضاه ابن مسعود بعد مدّة، فلم يتيسّر له قضاؤه. فارتفع بينهما
الكلام، واشتد النزاع وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص حاضراً - وهو من أصحاب
أمير المؤمنين وكان رجلاً شريفاً - فقال: انكما لصاحبا رسول اللّه (ص) والناس
ينظرون اليكما، لا تتنازعا وحاولا حل القضية بينكما على نحو ما. فخرج ابن مسعود
- وكان رجلاً أميناً - ثم استعان بأناس على استخراج المال من دار سعد ، وهذا
يعني ان المال كان موجوداً. ولما علم سعد استعان بأُناس آخرين على منع أولئك.
ونتجت عن مماطلة ابن أبي وقّاص في رد الأموال منازعة شديدة.
فإذا كان سعد بن أبي وقاص وهو من أصحاب الشورى
الستّة قد وصل به الأمر إلى هذا الحد بعد بضع سنوات بحيث وصف ابن الأثير تلك
الحادثة بالقول: «فكان أول ما نُزع به بين أهل الكوفة». فأول نزاع يقع بين أهل
الكوفة - بتعبير ابن الأثير - سببه رجل من الخواص تغلب عليه حب الدنيا إلى هذا
الحد.
المثال الآخر هو ان المسلمين لما فتحوا بلاد
أفريقية وقسموا الغنائم في الجيش، كان يجب عليهم ارسال خمس تلك الأموال إلى
المدينة، وكان مقدارها هائلاً. نقل ابن الأثير في موضع آخر ان هذا المبلغ حينما
أرسل إلى المدينة اشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار. وكان هذا المبلغ
ضخماً جداً اضافة إلى ان قيمة ذلك الخمس كانت أكبر من ذلك المبلغ بكثير. وكان
هذا مما أُخذ على الخليفة عثمان في ما بعد. وكان عثمان يعتذر عن ذاك طبعاً
ويقول: انه رحمي، وأنا أصل به رحمي لأنه يعيش في ضنك وأنا أُريد مساعدته!
وخلاصة القول هي ان الخواص كانوا يتهافتون على جمع الأموال.
والقضية الأُخرى هي انه عزل [عثمان] سعد بن أبي
وقاص عن الكوفة واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان الأخير من أقارب
الخليفة. ولما دخلها تعجب أهلها من تولية هذا الشخص عليهم لأنه كان معروفاً
بالحماقة والفساد، وفيه نزلت الآية الشريفة: {إنْ جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا}.
أي ان القرآن وصفه بالفسق، لأنه جاء بخبر عاد بالضرر على البعض في عهد الرسول.
أُنظروا إلى المعايير والمقاييس وتبدّل أحوال
الناس. فهذا الشخص الذي سماه القرآن الذي كان الناس يقرؤونه يومياً - فاسقاً
أصبح والياً. وحتى ان سعد بن ابي وقاص نفسه، وعبد اللّه بن مسعود تعجّبا حين
شاهداه قادماً إلى الكوفة والياً، وقال له عبد اللّه بن مسعود لما وقع بصره
عليه: «ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟». وكانت دهشة سعد بن أبي وقاص من
بُعد آخر، حيث قال له: «أكسْت بعدنا أم حمقنا بعدك؟» فقال له الوليد: «لا
تجزعنَّ ابا اسحق، كل ذلك لم يكن انما هو الملك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون».
فتألم سعد بن ابي وقاص من هذا الكلام؛ فهو من
صحابة رسول اللّه، وقال له: «أراكم جعلتموها ملكاً!».
كان عمر سأل سلمان ذات مرّة: «أملك أنا أم
خليفة؟». وكان سلمان شخصية كبيرة ومحترمة وهو من الصحابة الكبار ولرأيه وزن
كبير. فقال له سلمان: ان انت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر
ووضعته في غير حقّه فأنت ملك لا خليفة.
لقد بيّن له المعيار. قال ابن الأثير: فبكى عمر.
فقد كانت موعظة عميقة المغزى حقّاً. فالقضية قضية خلافة، والولاية والخلافة
معناها الحكومة المقرونة بالمحبّة وبالتلاحم مع الجماهير، ويواكبها عطف وحنو
على أبناء الشعب، وهي ليست تسلط أو تحكم، في حين لا تحمل الملكية مثل هذا
المعنى ولا شأن لها بشؤون الناس؛ فالملك حاكم متسلط يفعل ما يشاء.
هكذا كان حال الخواص، وإلى هذا الحد انتهى بهم
المآل خلال تلك السنوات. وهذا ما حصل طبعاً في عهد الخلفاء الراشدين الذين
كانوا يولون أهمية للتمسك بالأحكام، بسبب معايشتهم فترة طويلة لعهد الرسول الذي
لازال صداه (ص) يدوي في المدينة حتى ذلك الحين، وكان شخص كعلي بن أبي طالب
حاضراً في ذلك المجتمع. ولكن بعد انتقال مركز الخلافة إلى دمشق تجاوزت القضية
تلك الحدود كثيراً.
كانت هذه أمثلة بسيطة لما كانت عليه أحوال
الخواص. ولو نقّب شخص في تاريخ ابن الأثير أو المصادر التاريخية الأُخرى
المعتبرة لدى الأخوة المسلمين لعثر على آلاف - وليس مئات - الأمثلة من هذا
القبيل. لأنه من الطبيعي حينما تضيع العدالة، وحينما تزول عبودية اللّه، يصبح
المجتمع مجتمعاً خاوياً وتفسد النفوس. فذلك المجتمع حين يصل به التهافت على
حطام الدنيا واكتناز الثروة إلى ذلك الحد، والشخص الذي ينقل فيه المعارف للناس
هو كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم لاحقاً ولم يدرك عهد الرسول؛ فهو لم يدخل
الإسلام في عهد الرسول ولا في عهد أبي بكر وانّما في عهد عمر، وتوفي في عهد
عثمان.. ما بالُك بذلك المجتمع؟!
يقول البعض ان تسمية هذا الرجل بكعب الأخبار خطأ،
وانما هو «كعب الأحبار»، والأحبار جمع حبر، والحبر هو عالم اليهود. فهذا الرجل
كان قطب علماء اليهود.. وثب.. فدخل في الإسلام، ثم أخذ يتحدث في مسائل الإسلام.
وكان ذات يوم جالساً في مجلس عثمان إذ دخل أبو ذر، فقال قولاً أغضب أبا ذر،
فقال أبو ذر: مالك ههنا؟ أتعلّمنا الإسلام وأحكامه ونحن سمعناها من رسول اللّه
(ص)؟
حينما تفتقد المعايير وتضيع المقاييس وتتقوّض
القيم، وتفرغ القضايا من المحتوى.. وتقتصر على الظواهر، وحينما يستولي حب
الدنيا وجمع المال على أُناس قضوا عمراً مديداً بالعزة والزهد في زخارف الدنيا
وقُيّض لهم نشر تلك الراية عالياً، حينها يتصدى لشؤون الثقافة والمعرفة مثل ذلك
الشخص الذي اعتنق الإسلام لاحقاً ويطرح باسم الإسلام ما يراه هو شخصياً لا ما
يقوله الإسلام، ثم يريد البعض تقديم قوله على قول مُسلِمٍ لهُ سابقة في
الإيمان!
هذا حال الخواص.
ثم ان العوام يتبعون الخواص ويسيرون وراءهم حيثما
ساروا. ولهذا فانَّ من أكبر الجرائم التي ترتكبها الشخصيات البارزة المتميّزة
في المجتمع هو انحرافها؛ لأن انحرافها ينتهي إلى انحراف الكثير من الناس الذين
إذا رأوا القيم قد خُرقت وان الأعمال تناقض الأقوال وتناقض ما جاء في سنة
الرسول، تجدهم يسيرون هم أيضاً في هذا المسار أُسوةً بالخواص.
وأنقل لكم مثلاً عن عامة الناس.. كتب والي البصرة
إلى الخليفة يذكر له كثرة أهل البصرة وعجز خراجهم عن المصارف، وسأله ان يزيد
أهل البصرة خراج مدينتين. ولما بلغ أهل الكوفة ذلك سألوا واليهم عمار بن ياسر -
الرجل النبيل الذي بقي صامداً كالطود الشامخ.. ولا شك في انه كان هناك أشخاص لم
تهزّهم الهزاهز إلا ان عددهم كان قليلاً - ان يكتب للخليفة يطلب منه ان يزيدهم
خراج مدينتين. إلا انه رفض تلبية طلبهم فأبغضوه لذلك وشكوه إلى الخليفة، فعزله
عن الولاية.
ووقع مثل هذا لأبي ذر ولآخرين، ولعل عبد اللّه بن
مسعود كان أحدهم. فحينما لا تراعى مثل هذه الجوانب يتجرد المجتمع حينها من
القيم. وهنا تكمن واحدة من تلك العبر.
أهمية التقوى
إعلموا يا أعزائي ان المرء لا يقف على حقيقة مثل
هذه التطورات الاجتماعية إلا بعد مرور وقت طويل. وهذا ما يوجب علينا الانتباه
والحذر والمراقبة؛ وهو معنى التقوى.. فالتقوى معناها ان يتحرّز على نفسه من ليس
له سلطان إلا على نفسه، وان يتحرّز على نفسه وعلى غيره من له سلطان على غيره
أيضاً. أما الذين يقفون على رأس السلطة فيجب عليهم التحرز على أنفسهم وعلى
المجتمع كلّه لكي لا ينزلق نحو التهافت على الدنيا والتعلق بزخارفها، ولا يسقط
في هاوية حب الذات.
وهذا لا يعني طبعاً الانصراف عن بناء المجتمع، بل
يجب بناء المجتمع والاستكثار من الثروة، ولكن لا لأنفسهم، فهذا مستقبح. كل من
لديه قدرة على زيادة ثروة المجتمع والقيام بإنجازات كبرى، يكسب ثواباً عظيماً.
لقد استطاع البعض خلال هذه السنوات بناء البلد ورفع راية الاعمار عالياً وانجاز
أعمال كبرى، وهذه مفخرة لهم، ولا يدخل عملهم هذا في اطار حب الدنيا. وانما يصدق
حب الدنيا فيما لو كان المرء يطلب النفع لذاته ويعمل لنفسه، أو يفكر في جمع
الثروة لنفسه من بيت مال المسلمين أو من غيره. وهذا هو التصرف القبيح.
يجب إذن الحذر من الوقوع في مثل هذه المنزلقات،
وإذا انعدم الحذر ينحدر المجتمع تدريجياً نحو التخلي عن القيم ويبلغ مرحلة لا
تبقى له فيها سوى القشرة الخارجية، وقد يأتيه على حين غرّة ويفاجئهُ ابتلاء
شديد - كالابتلاء الذي تعرض له ذلك المجتمع حين اندلاع ثورة أبي عبد اللّه -
فلا يخرج منه ظافراً .
عُرضت على عمر بن سعد ولاية الري. وكانت الري في
ذلك الوقت ولاية شاسعة وغنيّة. ولم يكن منصب الامارة [على عهد بني أُمية] كمنصب
المحافظ في الوقت الحاضر؛ فالمحافظون اليوم موظفون حكوميون يتقاضون مرتبات
ويبذلون جهوداً شاقّة. ولم يكن الأمر حينذاك على هذا النحو. الشخص الذي يُنصب
والياً كان مطلق اليد في التصرف بجميع الثروات الموجودة في تلك المدينة يتصرف
فيها كيف يشاء بعد ان يرسل مقداراً منها إلى عاصمة الخلافة. ولهذا كان لمنصب
الوالي أهمية عظمى.
ثم شرطوا تولّيه الري بمحاربة الحسين (ع).
من الطبيعي ان الإنسان النبيل وصاحب القيم لا
يتردد لحظة في رفض مثل هذا العرض، ما قيمة الري وغير الري؛ لو وضعت الدنيا بين
يديه فلا يعبس بوجه الحُسين.. لا يكفهر بوجه الحسين؛ فما بالك بالنهوض لمحاربة
عزيز الزهراء وقتله هو وأطفاله.
هكذا يقف الإنسان الذي يحمل قيماً. ولكن حينما
يكون المجتمع خاوياً ومجرداً من القيم، وحينما تضعف هذه المبادئ الأساسية بين
أفراد المجتمع، ترتعد الفرائص عند ذاك، وأكثر ما يستطيع المرء عمله في مثل هذا
الموقف هو انه يستمهلهم ليلة واحدة للتفكير في الأمر. وحتى لو انه فكر سنة
كاملة لوصل إلى نفس النتيجة ولاتخذ نفس القرار؛ إذ لا قيمة لمثل هذا النمط من
التفكير، إلا ان الرجل فكر في الأمر ليلة وأعلن في اليوم التالي عن موافقته على
ذلك العرض. إلا ان اللّه تعالى لم يمكنه من بلوغ تلك الغاية.
وكانت نتيجة ذلك ان وقعت فاجعة كربلاء.
الوجه الآخر لملحمة عاشوراء
أُشير هنا بكلمة في تحليل واقعة عاشوراء .. شخص
كالحسين (ع) - والحسين تجسيد لكل القيم الإلهية والإنسانية - ينهض بالثورة حتى
يقف بوجه استشراء الانحطاط الذي أخذ يتفشى في أوصال المجتمع وأوشك ان يأتي على
كل شيء فيه. بلغ الانحطاط أن لو شاء الناس العيش حياة إسلامية كريمة، فانهم
يجدون أيديهم خالية من كل شيء. وفي ظرف كهذا يثبت الإمام الحسين ويقف بكل وجوده
أمام ذلك الخواء والفساد المتصاعد، ويضحّي من أجل القيم الإلهية بنفسه
وبأحبّائه وبإبنيه: علي الأصغر وعلي الأكبر، وبأخيه العباس.. ثم يصل إلى
النتيجة المطلوبة.
أحيى الحسين جدّهُ رسول اللّه، وهو معنى قول
النبي (ص): «وأنا من حسين». هذا هو الوجه الآخر للقضية. فواقعة كربلاء الزاخرة
بالحماسة، وهذه الملحمة الخالدة لا يمكن ادراك كنهها إلا بمنطق العشق وبمنظار
الحب. فهي واقعة لا يتيسر النظر إليها إلا بعين العشق ليُفهم ما الذي صنعه
الحسين ابن علي من بطولة ومجد خلال يوم وليلة أي منذ عصر يوم التاسع من المحرم
وحتى عصر العاشر منه .. بحيث خلّده في هذه الدنيا وسيخلّده إلى الابد، ولهذا
أخفقت جميع الجهود التي بذلت لمحو حادثة الطف من الأذهان وطيّها في أدراج
النسيان.
صور من واقعة الطف
أقرأ عليكم مقتطفات من كتاب المقتل - المعروف
باللهوف - لابن طاووس .. نمر على بعض تلك المشاهد العظيمة لذكر مصيبة
الحسين(ع). وكتاب المقتل هذا، كتاب معتبر جداً، ومؤلفه السيد علي بن طاووس عالم
فقيه وعارف كبير، وصدوق موثّق، وموضع احترام لدى الجميع، واستاذ فقهاء كبار،
وكان أديباً وشاعراً وذا شخصية بارزة، كتب أول مقتل مُعتبر وموجز. وقبل كتاب
اللهوف كتب الكثير في مقتل الحسين(ع)، وحتى استاذه - ابن نما - له كتاب في
المقتل، والشيخ الطوسي أيضاً له كتاب في المقتل، وغيرهما. إلا انه حينما كتب «اللهوف»
غطّى على جميع الكتب الأُخرى في المقتل، لأنه كتاب قيّم اختيرت عباراته بدقّة
وايجاز.
من جملة المشاهد التي يصورها في كتابه هذا هو
بروز القاسم بن الحسن إلى الميدان، وكان فتيً لم يبلغ الحلم. ليلة عاشوراء أعلم
الحسين أصحابه بأن المعركة ستقع وانهم سيقتلون جميعاً، فأحلهم وإذن لهم
بالانصراف، فأبَوا الاّ أن يكونوا إلى جنبه. وفي تلك الليلة سأل هذا الفتى عمّه
الإمام الحسين (ع)، هل سيقتل هو أيضاً في ساحة المعركة؟ فأراد الإمام الحسين
اختباره – على حد تعبيرنا - فقال له: كيف ترى الموت؟ قال: أحلى من العسل.
لاحظوا، هذا مؤشر على طبيعة القيم التي كان
يحملها أهل بيت الرسول ومن تربى في حجور أهل البيت. فقد ترعرع هذا الفتى منذ
نعومة أظفاره في حجر الإمام الحسين (ع). فكان عمره حين شهادة أبيه ثلاث أو أربع
سنوات. فتكفل الإمام الحسين تربيته. وفي يوم عاشوراء وقف هذا الفتى إلى جانب
عمّه.
وجاء في هذا المقتل ذكر هذه الواقعة على النحو
التالي: «قال الراوي: وخرج غلام كأن وجهه شقّة القمر وجعل يقاتل». لقد دوّن
الرواة كل أحداث ووقائع عاشوراء بتفاصيلها؛ فذكروا اسم الضارب والمضروب ومَن
ضرب أولاً، واسم أول من رمى، ومن سلب، ومن سرق. فالشخص الذي سرق قطيفة ابي عبد
اللّه ذكروا اسمه، وكان يُطلق عليه في ما بعد لقب: «سارق القطيفة». ومن الواضح
ان أهل البيت ومحبيهم لم يتركوا هذه الحادثة تضيع في مجاهل التاريخ.
«فضربه ابن فضيل الأزدي على رأسه ففلقه، فوقع
الغلام لوجهه وصاح: يا عمّاه. فجلى الحسين (ع) كما يجلي السقر، وشدَّ شدّة ليث
أغضب، فضرب ابن فضيل بالسيف فاتقاها بساعده فأطنّها من لدن المرفق، فصاح صيحة
سمعه أهل العسكر، فحمل أهل الكوفة لينقذوه، فوطأته الخيل حتى هلك».
دارت معركة عند مصرع القاسم.. هزمهم الحسين (ع)
بعد أن قاتلهم.
قال الراوي: «وانجلت الغبرة، فرأيت الحسين (ع)
قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله، والحسين يقول: بعداً لقوم قتلوك». ياله
من مشهد مؤثر يعكس رقّة الحسين وحبّه لهذا الفتى، من جهة، وصلابته إذ أذن له في
القتال والتضحية من جهة أُخرى. كما ويدلّ أيضاً على ما لهذا الفتى من عظمة
روحية، وما يتصف به الأعداء من قسوة تجعلهم يتصرفون مع هذا الفتى بمثل هذا
السلوك.
ويصوّر كتاب اللهوف مشهداً آخر من مشاهد تلك
الواقعة وهو بروز علي الأكبر للقتال، وكان مشهداً مثيراً حقّاً من جميع أبعاده
وجوانبه. فهو مثير من جهة الإمام الحسين، ومثير من جهة هذا الشاب - علي الأكبر
- ومثير من جهة النساء وخاصة عمّته زينب الكبرى. وذكروا ان عليّاً الأكبر كان
بين الثامنة عشر إلى الخامسة والعشرين سنة من عمره، أي انه كان في الثامنة عشر
من عمره على أقل التقادير أو ما بينها وبين الخامسة والعشرين أو في الخامسة
والعشرين على أعلى التقادير.
قال الراوي: «خرج علي بن الحسين، وكان أصبح الناس
وجهاً وأحسنهم خلقاً، فاستأذن أباه في القتال، فأذن له».
لما جاءه القاسم بن الحسن واستأذنه، لم يأذن له
في بداية الأمر، وبعد أن ألحَّ الغلام أذن له. أما بالنسبة لعلي بن الحسين،
فبما انه ابنه، فما ان استأذن حتى أذن له. «ثم نظر إليه نظرة آيسٍ منه وأرخى
(ع) عينيه وبكى».
هذه هي احدى الخصائص العاطفية التي يتميز بها
المسلمون، وهي البكاء عند المواقف والأحداث المثيرة للعواطف. فأنتم تلاحظون انه
(ع) بكى في مواقف متعددة، وليس بكاؤه عن جزع ولكنه لشدّة العاطفة. والإسلام
ينمّي هذه العاطفة لدى الفرد المسلم.
ثم قال: «اللّهم اشهد فقد برز إليهم غلام اشبه
الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك».
أريد أن ابيّن لكم هنا مسألة وهي أن فترة الطفولة
التي عاشها الحسين إلى جنب جدّه، كان النبي يحبه كثيراً، وكان هو بدوره ايضاً
شديد الحب لرسول اللّه. وكان تقريباً في السادسة أو السابعة من عمره عند وفاة
الرسول وبقيت صورته عالقة في ذهنه، وحب الرسول متجذّر في أعماق قلبه.. ثم رزقه
اللّه في ما بعد ولداً، هو علي الأكبر .. مضت الأيام وشبّ هذا الفتى وإذا به
يشبه في خلقته رسول اللّه تمام الشبه، فترسّخ حبّه في قلب الحسين كحبّه للنبي،
فكان هذا الفتى يشبه النبي في شكله وشمائله وفي صوته وكلامه وفي أخلاقه، ويحمل
نفس ذلك الكرم وشرف المحتد.
ثم قال (ع): «وكُنا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا
إليه» . ثم صاح الحسين (ع): «يا ابن سعد قطع اللّه رحمك كما قطعت رحمي».
فتقدم علي الأكبر نحو القوم فقاتل قتالاً شديداً
وقتل جمعاً كثيراً، ثم رجع إلى أبيه وقال: «يا أبة العطش قد قتلني وثقل الحديد
قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل»؟
فقال له الحسين: «قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى
جدّك محمداً (ص) فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها». فرجع إلى موقف
النزال وقاتل أعظم القتال، وبعد ان ضُرب نادى: «يا أبتاه عليك السلام، هذا جدي
يقرئك السلام ويقول لك عجل القدوم علينا».
هذه مشاهد مروّعة من تلك الواقعة الخالدة.
وجرت في مثل هذا اليوم - الحادي عشر من محرم -
الذي يعتبر يوم زينب الكبرى (سلام اللّه عليها) مصائب مفجعة؛ فهي قد أخذت على
عاتقها منذ لحظة استشهاد الحسين ثقل الأمانة. وقطعت ذلك الشوط بكل شجاعة
واقتدار وكما هو خليق ببنت أمير المؤمنين؛ وهم الذين استطاعوا تخليد الإسلام
وصيانة معالم الدين. ولم تكن واقعة الطفوف هذه استنقاذاً لحياة شعب أو حياة
أمّة فحسب، وانّما كانت استنقاذاً لتأريخ بأكمله. فالإمام الحسين، وأخته زينب،
وأصحابه وأهل بيته أنقذوا التأريخ بموقفهم البطولي ذاك.
السلام عليك يا أبا عبد اللّه الحسين وعلى
الأرواح التي حلّت بفنائك.. عليك مني سلام اللّه أبداً ما بقيت وبقي الليل
والنهار ولا جعله اللّه آخر العهد منّي لزيارتك .. السلام على الحسين وعلى علي
بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
{بسم اللّه الرحمن الرحيم: قل هو اللّه أحد *
اللّه الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد}.
اللهم نقسم عليك بمحمد وآل محمد أن تثبت أقدامنا
على دينك ونهج كتابك. اللّهم اجعل مجتمعنا مجتمعاً إسلامياً.. اللّهم ولا تفرق
بيننا وبين الإسلام. اللّهم انصر الإسلام والمسلمين في كل أرجاء المعمورة.
اللّهم انشر بيننا قيَم الإسلام وأواصر الأُخوة والمحبّة والعاطفة، والعبودية
لك، والعدل الشامل. اللّهم أبعد عن رحمتك كل من يسعى من الأعداء لعزل مجتمعنا
عن الإسلام. اللّهم اجعل القلب المقدس لولي العصر أرواحنا فداه مسروراً بنا،
واجعلنا من أنصاره وأعوانه . اللّهم استجب دعاءنا لشعبنا، وتلطّف برحمتك على
شهدائنا الأعزّاء وعلى إمام الشهداء (رضوان اللّه عليه) وعلى جميع المعوّقين.
والسلام عليكم ورحمة اللّه
وبركاته
الخطبة الثانية:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على
سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المعصومين لا
سيّما علي أمير المؤمنين، والصدّيقة الطاهرة سيّدة نساء العالمين، والحسن
والحسين سبطي الرحمة وإمامي الهدى وسيّدي شباب أهل الجنة، وعلى علي بن الحسين
زين العابدين ومحمّد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن
علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف القائم المهدي.. حججك على عبادك وامنائك
في بلادك، وصلّ على ائمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.
أوصيكم عباد اللّه بتقوى
اللّه.
نظراً لفوات الوقت وضيق المجال، أعرض على حضراتكم،
بعد الوصية بالورع والتقوى في جميع الأُمور، موضوعاً واحداً فقط. طبعاً لابدّ
لي وان أتقدم أولاً وقبل كل شيء بالشكر والامتنان لجميع الأخوة والأخوات في كل
أرجاء البلد ممن أسهموا في اقامة شعائر العزاء في أيام مصيبة الحسين ونظموا
المواكب وأقاموا المآتم؛ خاصة ما واكبها من اقامة صلاة الجماعة في ظهر عاشوراء،
والتعبير عن المحبّة والولاء لآل بيت الرسول، وبمختلف فئاتهم وطبقاتهم، رجالاً
ونساءً، وشيوخاً وشباباً، وأدعو اللّه لهم جميعاً باللطف والرحمة.
الحرب الاعلامية
أمّا الموضوع الذي أود الاشارة إليه فهو ان
الدعاية المعادية للشعب الإيراني تبلغ ذروتها بين الحين والآخر، وهي ليست وليدة
الساعة، أضف إلى انه لا جديد في مضامينها. ولعل أعداء هذا الشعب وأعداء هذه
الثورة ما انفكوا منذ خمس عشرة سنة أو أكثر يكيلون للجمهورية الإسلامية نفس
التهم التي يكيلونها لها اليوم، وكنا نحن نحلل مقاصدهم يومذاك ونشير إلى الغاية
المستهدفة منها. أما اليوم فهم يصرحون بأنفسهم بما كُنا نصل إليه في تحليلاتنا
آنذاك.
دأبوا سنوات متمادية على اتهام إيران برعاية
الارهاب. فكُنا نقول حينذاك ان المقصود من وراء قولهم «إن الحكومة الإيرانية
ترعى الارهاب» هو انها تدعم كفاح المناضلين الفلسطينيين، وهذا هو ما يسمونه هم
برعاية الارهاب. هل المناضل الفلسطيني ارهابي.. حتى يسمّون دعمه دعماً للارهاب؟!
لقد أكدنا نحن هذا فيما سبق مرّات عديدة، وها هم اليوم يصرحون به بأنفسهم
علانية. وهذا يدل على ان الاستكبار العالمي، والأجهزة الدعائية العالمية، تضطر
أحياناً للتصريح علانية وبلا حياء بالحقائق التي كانوا يسترونها.
لقد جاءت حفنة من الصهاينة واغتصبت بلداً وشرّدت
أهله واقامت حكومة جائرة أنزلت بأهالي ذلك البلد ألوان المصائب والمِحَن،
وحينما يحاول أبناء ذلك الشعب اطلاق اية صرخة، أو ابداء أي رد فعل صغير، يسمّون
ذلك ارهاباً!
إذا كان هذا هو معنى الارهاب فنحن نفتخر بدعمنا
للمناضلين الفلسطينيين، بل وان من واجبنا مقارعة الباطل. والحكم في هذا متروك
للمنصفين في العالم.
فإذا كان هناك صاحب دار، وشخص آخر أتى واغتصب تلك
الدار. أصحاب الدار هم الفلسطينيون، والغاصبون هم الصهاينة الذين وفدوا من
أكناف العالم؛ من أمريكا، ومن أوروبا، ومن روسيا، ومن أماكن أُخرى، وسكنوا هناك
واقترفوا مئات الجرائم ضد صاحب الدار الذي تصدى لهم في بعض الحالات ووجه لهم
بعض الضربات.. فيا ترى من هو الارهابي؟ وهل الذي هجم على ديار الآخرين وقتل
النساء والأطفال وارتكب المجازر كمجزرة دير ياسين، وخلق لذلك الشعب آلاف
المشاكل، وسلبهم ديارهم وأسكن فيها غيرهم وقدّم مدنهم لأُناس آخرين، وإذا تنفّس
أحد منهم حالياً يذيقونه أمرَّ عذاب السجون، هو الارهابي، أم ذلك الذي يطلب
بحقّه؟
هذا الشيخ الفلسطيني الشجاع [الشيخ أحمد الياسين]
الذي قدم إلى إيران مؤخراً على ما يعانيه من شلل تام – فهو مقطوع النخاع ومشلول
اليدين والرجلين – ما انفك يجاهد منذ سنوات طويلة. وقد ألقي في السجن على الرغم
من اصابته بقطع النخاع الشوكي.. وتعرّض للتعذيب. واحتمل سجّانوه ان مثل هذا
الشخص المشلول إذا ضرب على بدنه لا يجد للضرب ألماً، فكانوا يضربونه بالسياط
على وجهه، وكثيراً ما كانوا يحرّمون عليه النوم. أليس أولئك هم الارهابيون؟
هم أنفسهم يخترقون لبنان ويختطفون من يعارضهم من
المجاهدين اللبنانيين. أليس هؤلاء
ارهابيين؟ وهل الفلسطينيون وقد عاش جيلان منهم في التشريد تحت الخيام وفي مساكن
متهرئة خارج أرضهم وبلدهم، ويتحملون آلام الغربة في العالم، إذ تكلّموا أو
اقدموا على عمل ما، يعتبرون ارهابيين؟
أمريكا تدعم الصهيونية، ونحن ندعم الفلسطينيين..
فأينا يدعم الارهاب؟ على المنصفين في العالم ان يدلوا برأيهم. وهذا هو الذي
يسمونه «رعاية إيران والحكومة الإيرانية للارهاب»! بينما يعني في الحقيقة عدم
استعداد الشعب الإيراني للرضوخ لعربدة أمريكا التي تناصر الباطل وتدعو العالم
كله لمناصرته واعتباره حقّاً. ومن المؤسف ان الكثيرين في العالم انصاعوا لهذا
المنطق، بيد ان الشعب الإيراني يأباه لأنه شعب باسل وصامد. ويجب ان لا يتوهم
أحد ان هذا الكلام يعبّر عن رأي شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص في إيران.
يزعم بعض الحمقى أنهم يستهدفون من وراء هجومهم
الاعلامي وغيره توجيه السهام نحو شخص معين - علي الخامنئي - إلا انهم يرتكبون
بعملهم هذا خطأً آخر إضافة على خطأ تحليلاتهم، وذلك لأنّهم يتصورون ان هذا
الكلام يعبّر عن رأي شخص واحد. كلا؛ فالكل اليوم في إيران على رأي واحد؛ فرئيس
الجمهورية العزيز يحمل نفس الرأي، والحكومة تقول بنفس الرأي، ومجلس الشورى
الإسلامي له نفس الرأي، ومسؤولو البلد كلهم على هذا الرأي، وجميع أبناء الشعب
على هذا الرأي، ولا اختلاف بينهم في ذلك.
وهكذا فان كيل التهم وتوجيه الاهانات للشعب
الإيراني لن يقود إلى نتيجة ذات جدوى.
لا شكّ في ان الاستكبار لن يغمض له طرف في هذا
الصراع، وهو لازال سادر في خطئه حتى الآن؛ فهو أخطأ في تقييمه للثورة، ولمسَ
أثره في ما بعد.. وأخطأ مرة أُخرى في قضية الحرب المفروضة، ورأى نتيجة ذلك..
وأخطأ ثالثة في تصوره لقضايا ما بعد الحرب، ثم أدرك نتيجة خطئه. وهو يسير على
نفس النهج الخاطئ حالياً، وسيدرك النتيجة في ما بعد.
في هذا البلد ترتفع راية الإسلام وراية الثورة
عالياً، اسمُ الإمام حي وخالد. والقيم السائدة في هذا البلد هي القيم التي منحت
شعبه وشبابه وكل أبنائه المجد والعزّة، وجعلت الشعب الإيراني يُنظر إليه باعزاز
واكبار، وفجّرت طاقاته، ومهدت له سبيل السير نحو مستقبل مشرق. وهو - بعون اللّه
تعالى - يحث الخطى صوب هذا المستقبل. وليس لهذه التهم أي تأثير أو جدوى.
وكما سبقت الاشارة فان هذه الدعايات، زوابع
موسمية يثيرونها في كل عام لمناسبة أو اُخرى. وبعد ان يدركوا عقمها يلبثون مدّة
ثم يعاود شيطانهم الوسوسة لهم. أما نحن فماضون في طريقنا، والشعب الإيراني
منهمك بالسير على هذا الطريق. ونسأل اللّه تعالى أن يمن عليه بمزيد من التوفيق
يوماً بعد يوم.
{بسم اللّه الرحمن الرحيم: إذا
جاء نصر اللّه والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا * فسبّح بحمد
ربّك واستغفره انّه كان تواباً}.
والسلام عليكم ورحمة اللّه
وبركاته
|