|
كلمة القائد أمام جمع من قادة
ومنتسبي القوة الجوية بمناسبة 19 بهمن ذكرى مبايعة عناصر من القوة الجوية
للإمام الراحل
8/2/1999 (الموافق: 7 ذو الحجة 1413 هـ).
بسم الله الرحمن الرحيم
ابتداءاً أرحب بكم جميعاً أيّها الاخوة الاعزاء
العاملين في أهم وأخطر صنوف الجيش والقوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية
الإيرانية، وأهنّئكم وكل فرد من أفراد القوّة الجوية، بمناسبة هذه الايام،
وخاصّة يوم التاسع عشر من بهمن، وأسأل الباري تعالى الرحمة لشهدائكم الأعزاء
الذين تألّقوا في سماء تاريخنا.
من حقكم تكريم هذا اليوم:
ان من حقكم تكريم هذا اليوم، لأن الحادثة التي
وقعت في يوم التاسع عشر من بهمن عام 1357 [هـ.ش] لم تكن مفخرة للقوة الجوية
وللجيش فحسب، بل رفعت رأس الشعب الإيراني والثورة والامام عالياً أيضاً. لعل
بعض الشباب بينكم غير قادرين اليوم على استيعاب أهمية هذا العمل في تلك الظروف
الحساسة والمصيرية، وتقييمها على وجه الدقّة، وربّما لم يتأمّل حتّى بعض من
عاشوها ولم يدركوا أهمّيتها كما ينبغي، إلاّ انها في الحقيقة كانت حادثة في
غاية الأهمية، وجاءت شأنها شأن كل حادثة مهمة أخرى:
أولاً: تعبيراً عن عزم وإرادة وإيمان قوي لشريحة
من أبناء الشعب تمثلت في أفراد القوّة الجوية.
ثانياً: تركت آثارها وبصماتها على مدى تاريخ
الثورة.
من الطبيعي ان ثماني سنوات من الحرب ليست أمراً
هيّناً أو مما يمكن نسيانه بالنسبة لأي بلد؛ فخلال هذه السنوات الثماني لم
يتوجّه أي ناقد أو شكاك بالاعتراض على عمل القوّة الجوية؛ وذلك لأنها كانت خلال
هذه الفترة العصيبة والدامية والحافلة بالملاحم، في الخطوط المتقدمة، وخرجت
بنجاح من امتحانات عسيرة خاضتها طوال فترة الحرب. وهذا الدور البارز لا يمكن ان
يأت بمعزل عن الموقف الجريء الذي اتخذته القوّة الجوية في يوم التاسع عشر من
بهمن، فهذه هي تلك الروحية التي برزت ذلك اليوم وبهذه الروحية عبّرت عن ذاتها
طوال فترة الحرب كما كان عليها ان تظهر في فترة البناء التي أعقبت الحرب على
نحو آخر، وهو ما تحقق فعلاً ببناء ذاتها والعودة الى أصالتها.
ليس لأحد منّة على جيش الجمهورية الإسلامية؛ فما
من أحد أخذ بيد الجيش نحو الثورة ونحو الإسلام وصوب النور والهداية، بل كلنا
ممتنّون للإسلام وللثورة، وللإسلام والثورة حق في رقابنا جميعاً، اذ خرجنا
بفضلهما من مرارة الذل والتبعية والخمول، والعجز عن تفجير طاقاتنا، والخضوع
للتسلط الأجنبي، وانتقلنا الى مرحلة، حتّى وان اعترتها مصاعب، فإننا نسير
خلالها نحو غد أفضل وباتجاه الاعتماد على ذاتنا.
كان الجيش من جملة شرائح هذا الشعب التي انطلقت
نحو الثورة برغبة واندفاع ومبادرة ذاتية وتحمل المخاطر، فاعتنق الثورة وذاب
فيها؛ وأبرز مثال على ذلك هو ما وقع في يوم التاسع عشر من بهمن عام 1357
[هـ.ش].
تكمن قيمة كل جيش في استقلاله
وارتباطه بمصالح الشعب:
من الواضح يا أعزائي أن لا قيمة للمعدات الحديثة
المتطورة اذا كان الآخرون يقدمونها لبلد ولجيش في مقابل نهب ثروات ذلك البلد
وذلك الشعب والتسلط على أبنائه. ولا تكمن قيمة جيش وقيمة قوّة جوية في حيازة
أحدث الطائرات التي يصنعها الآخرون ويعرفون مواصفاتها وهم الذين يصلحون عطبها،
ويعتبرون أنفسهم مُلاّكها، ويقدمونها لجيش أو لقوة جوية لقاء مبالغ طائلة،
ويجعلون من أنفسهم أسياداً لذلك الجيش ولتلك القوّة الجوية، ولهم الهيمنة على
مقاليد الأمور فيه. فهذا لا اعتبار فيه لذلك الجيش ولا لقوّته الجوية.
إنما تكمن قيمة كل جيش في استقلاله وارتباطه
بمصالح الشعب، ووقوفه على قدميه، وجرأته على العدو، وفي شموخه وبسالته ومنعته
أمام الاجنبي.
الجيش الذي تقف على رأسه ثلّة تنحني احتراماً
للأجنبي لا يعد جيشاً باسلاً ولا منيعاً ولا مرهوب الجانب.
هناك دول كثيرة تأتي من حيث قيمة عساكرها، في آخر
قائمة جيوش العالم، بينما تجد ترساناتها مليئة بأحدث المعدات العسكرية التي
قدّمت أموال شعوبها لقاء الحصول عليها، إضافة الى وجود خبراء عسكريين كأسياد
عليهم. فهذه لا فخر فيها . إنما المفخرة في ما تتصفون به أنتم؛ فأنتم مستقلون،
وأنتم لا ترتضون تسلّط الأجنبي عليكم ولا وجوده بين صفوفكم، وتحاولون تقديم
أفضل خدمة بما هو متوفّر لديكم. وكلما ازداد تحلي كل واحد منكم بمعاني الاقتدار
والاعتماد على الذات والعزّة والمنعة، ازدادت قيمتكم وأصبحتم أكثر نفعاً للشعب.
معجزة الإيمان وهمّة الإنسان:
لعلّي نقلت لكم في ما مضى واحدة من ذكريات الايام
الاولى للحرب؛ حينما جاءني أحد العسكريين وقدّم لي قائمة تتضمن ذكر أنواع
الطائرات الحربية وطائرات النقل التي ستفقد قدرتها على العمل في غضون الأيام
القادمة؛ وان الطائرات من كذا نوع ستصبح غير صالحة للطيران بعد ثمانية أيام،
والاخرى بعد عشرة أيام، وهكذا، وكان قد قدّم لي تلك القائمة لأقدّمها لسماحة
الامام ليطلع عليها وليكون على بيّنة مما هو موجود لدينا.
وجدت أن جميع الطائرات ستكون غير صالحة للإقلاع
بعد عشرين يوماً. فكانت من وظيفتي أن أقدم القائمة للامام، فنظر فيها الإمام
وقال:لا تأبه لما مكتوب فيها، فنحن قادرون على الخروج من هذا المأزق.
فرجعت ونقلت للاخوة الذين كانوا هناك قول الامام
أنكم قادرون على انجاز هذه المهمّة. فتلك الطائرات لا زالت صالحة للاستعمال
بمقدرتكم وبهمتكم، ولا زالت أوفر من معدّات الطيران الموجودة في المنطقة،
ولازالت قادرة على التفوّق على من لديهم معدّات حديثة.
لقد مر على ذلك التاريخ ما يقارب العشرين سنة،
وهكذا تكون معجزة همّة الانسان، ومعجزة الإيمان؛ فقد دأبوا على تصنيع وتصليح
تلك المعدات واستخدموها، وقد رُصدت لها في الآونة الاخيرة مبالغ لا يستهان بها.
لكن المهم هنا هو الوازع والايمان، ولاشك في ان القدرة على تثمين الامور صفة
منحتنا إيّاها الثورة؛ وتلك هي الثقة بالنفس والاستقلال والعزة، وقطع العلاقات
مع من يدّعون لأنفسهم السيادة على العالم كلّه.
تحاول القوى الكبرى في بداية الأمر ممارسة الضغوط
على الشعب الذي نال استقلاله بمشقة وصلابة مدهشة وعبر تقديم الكثير من الشهداء،
لكي يشعر بالندم على مواقفه؛ إلاّ اننا سنجتاز بقوّة الايمان كل هذه المسالك
الوعرة، وسيستطيع هذا الشعب العظيم الشجاع بلوغ ذرى آماله الكبرى، وسينال كل ما
لا يريد له الاعداء نيله.
حافظوا على روحيّة العزة
والاستقلال:
أوصيكم بالحفاظ على روحية العزّة والاستقلال
والاعتماد على القدرات الذاتية، والاستغناء عن كل من يحاول تجريدنا من قيمنا
وعزّتنا وإيماننا واستقلالنا وشخصيتنا وهويتنا الإنسانية في مقابل ما يقدمونه
لنا من ماديات، لأن في الاستغناء عنهم كنز ثمين. هذه هي الصفة التي يجب الحفاظ
عليها، وقد حفظها الشعب الإيراني وجيشنا العزيز.
وقد كنتم أنتم في القوة الجوية ولازلتم ويجب ان
تبقوا أفضل مظاهر الحفاظ على هذه الطاقة هذه الحالة. وثمّة مصاعب على الطريق
لابد من تحمّلها حتّى يتسنى اجتيازها. فهذه اللحظات المصيرية ذات أثر حاسم في
هذا الشعب وهذا البلد وهذا التاريخ. ومن الطبيعي ان هذا كله إنّما يتم بفضل
اللّه وعونه ورحمته.
لم يكن الأعداء يتصورون ان شعباًَ تقف قواته
المسلحة، بما في ذلك الجيش وحرس الثورة وقوات التعبئة وكل من شارك في سوح
المعارك، بمفردها وليس لديها سوى قدرتها الذاتية والتوكل على اللّه، يمكن ان
ينتصر على عدو كان يتلقى العون من كل مكان. وقد تحقق هذا النصر ببركة الايمان،
وسيبقى شاهداً حيّاً في تاريخ شعبنا. وعليكم ان تعرفوا قدر هذه النعمة. وهذا
فضل من اللّه علينا جميعاً. واذا حافظنا على هذا الايمان وهذا العزم وهذا
التوكل تدوم لنا النعمة الالهية.
أسأل اللّه لكم التوفيق يوماً بعد يوم، ليتسنى
لكم بعون اللّه السير قدماً بهذه القوّة الأبية على أفضل نحو ممكن، لتكون
مثالاً يحتذي به الآخرون، والوصول بها الى ما يمكن من العلو والتكامل.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته..

|