كلمة القائد أمام نخبة من الشباب الإيراني بمناسبة اليوم الثاني من عشرة الفجر

 3/2/1999(الموافق: 17 شوال 1419 هـ).

  بسم الله الرحمن الرحيم

- أرحّب بكم ايها الشباب الاعزاء أجمل ترحيب، وأعرب هنا عن مدى السعادة التي تغمرني لوجودي بينكم مرّة أخرى، وأنا أستمع لكم وأتحدث معكم؛ فحيثما وجد الشباب وجدت البهجة والطراوة والسعادة والنقاء. ونحن نقدّر قيمة هذه الظاهرة. عسى ان يكون مجلسنا هذا ذا فائدة وان لا تشعروا لطوله بالضجر، ولا تؤذيكم حرارة هذه المصابيح، وبخاصّة الفتيات اللواتي يرتدين العباءة؛ اذ ربما يصعب عليهن تحمل هذه الحرارة.

وعلى كل حال فإنني مستعد لسماع كلامكم.

 

* بعونك يا لطيف، انا فتحنا لك فتحاً مبيناً. أبي العزيز، انني حينما جئتُ الى هذا العالم، كان قد مر على وقوع هذه الثورة بضع سنوات. ومع ذلك فإنني افتخر بالثورة التي تحققت بقيادة الامام العزيز وبهمّتكم وبتضحيات شعبنا العزيز. انني من جيل ما بعد سنوات الملحمة ومن شباب ما بعد الثورة؛ ومعنى هذا انني لم ادرك الثورة إلاّ من بعد ما نما عودها وأثمرت شجرتها المعطاء.

ولهذا السبب كثيراً ما يتبادر الى ذهني هذا السؤال، وهو: لماذا وقعت في بلدنا ثورة، وكيف نزلت تلك الحشود الهائلة من الرجال والنساء والشيوخ والشباب الى الشوارع، وفجّرت في قلب التاريخ تلك الثورة الكبرى بزعامتكم انتم القادة الأكابر؟ أرجو منكم ان تقدّموا لي بكلامكم الجذّاب جواباً شافياً لسؤالي. مع فائق الشكر.

- بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا واحد من اكثر الأسئلة بداهة ومنطقاً مما يراود أذهان الشباب من أسئلة في الوقت الحاضر.وقد طرحت ابنتنا العزيزة سؤالها هذا على نحو بديع وبعبارات بليغة. أسأل الله لها التوفيق. وسأحاول الاجابة عن سؤالها هذا على قدر ما يسمح به وقت المجلس.

كانت ثورتنا نهضة جماهيرية كبرى ضد حكومة اتصفت تقريباً بكل ما قد تتصف به حكومة سيّئة من سلبيات؛ اذ كانت فاسدة، وعميلة، وفرضت على الشعب بانقلاب عسكري، وكان ينقصها التدبير والكفاءة. وسأقدّم في ما يلي شرحاً لكل واحدة من الخصائص الأربعة التي ذكرتها آنفاً.

كانت الحكومة السابقة فاسدة مالياً وأخلاقياً، ويكفي من فسادها المالي ان الشاه نفسه وأسرته كانت لهم يد في أغلب الصفقات الاقتصادية الضخمة للبلد، وكان هو وإخوته وأخواته من الذين جمعوا اكثر الثروات، وكان رضا خان قد جمع خلال فترة حكمه البغيض الذي امتد على مدى ستّ أو سبع عشرة سنة اموالاً طائلة. ولا بأس ان تعلموا ان بعض مدن البلاد - كما تشير الوثائق والمستندات - كان ملكاً صرفاً لرضا خان؛ فمدينة فريمان على سبيل المثال كانت برّمتها ملكاً خاصاً لرضا خان! وكانت أفضل الأملاك وأخصب الاراضي في هذا البلد ملكاً له؛ حيث كان له ولع شديد بمثل هذه الاملاك وبالمجوهرات. في حين كان لأولاده مشارب أكثر شمولاً؛ إذ كانوا يرغبون في اية ثروة كانت ويستحوذون على كل ما تطاله أيديهم، وأوضح دليل على ذلك انهم حينما خرجوا من البلد كانت ثرواتهم في المصارف الاجنبية تقدر بمليارات الدولارات. ولعلكم تعلمون اننا حاولنا من بعد الثورة استرجاع اموال الشاه، ولكن كان من الطبيعي جداً ان لا يُلبى طلبنا. كان مجموع اموال هذه الأسرة يقدر حينذاك بعشرات المليارات من الدولارات. واتجه كل واحد من اعضاء تلك الاسرة نحو دولة معيّنة وصاروا من كبار الاغنياء هناك. ومن الطبيعي انهم لم يحصلوا على تلك الاموال بكدّهم ولا بعرق جبينهم، وانما استحوذوا عليها بأساليب غير مشروعة. فكيف كانت اذاً طبيعة نظام غارق في مثل هذا الفساد المالي وكيف كان يتعامل مع ابناء الشعب.

اما فسادهم الأخلاقي فقد كان معروفاً من خلال عصابات التهريب التي كانت تمارس نشاطها بإمرة إخوة الشاه وأخواته، وكانت هناك فضائح أخلاقية وجنسية يندى لذكرها الجبين. وقد نشر في ما بعد بعض أفراد الحاشية والمقربون من تلك الاسرة شيئاً من تلك الفضائح في ما كتبوه من مذكّرات.

كان الفساد الاداري مستشرياً في كل الارجاء؛ ولم تكن الكفاءة تراعى عند اختيار المدراء والمسؤولين، وكل ما كان يؤخذ بنظر الاعتبار في مثل هذه الشؤون هو علاقاتهم الشخصية وتوجهات الاجهزة الجاسوسية والأمنية الأجنبية.

لاحظوا - اذاً - مدى سوء الحكومة التي كانت تأخذ الرشاوى، وتكتنز الثروات، وتتعامل بالتهريب وتخون الشعب. ولو شاء المرء تدوين كل هذه الامور بأدلّتها وشواهدها لاستلزم ذلك مجلدات ضخمة.

وكانت القطيعة بينهم وبين أبناء الشعب سبباً لعمالتهم للأجانب واستنادهم اليهم للحفاظ على سلطتهم؛ فمن الحقائق التاريخية المسلّم بها هي ان الانجليز هم الذين جاؤوا برضا خان الى السلطة، وهم الذين ثبتوا محمد رضا على رأس الحكم. ومن بعد عهد مصدق خطف الامريكيون زمام الامور من الانجليز ودبّروا تلك المؤامرة وتسلطوا على شؤون البلاد وأصبح هنالك عشرات الآلاف من المستشارين الامريكيين في اهم المراكز العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، ويشغلون مواقع حساسة ويحصلون على اموال طائلة؛ وكانوا في الحقيقة هم الذين يسيّرون شؤون البلاد ويوجهونها حسب ما يشاؤون. وكان الامريكيون والاسرائيليون هم الذين أسسوا الجهاز الأمني في إيران.

وعلى الصعيد السياسي كانت الحكومة خاضعة لتوجيهات الانجليز، في حين خضعت في الآونة الاخيرة لتوجيهات الامريكيين. وكانت سياستها على الصعيد الاقليمي والعالمي، بل وحتى في المجالات الاقتصادية - من قبيل اسعار النفط وكيفية بيعه، والكيفية التي يجب ان تكون عليها اوضاع شركات النفط الاجنبية في إيران - قائمة على تنفيذ ما يُملى عليها. وكانت طبعاً تأخذ مصالحها الخاصة بنظر الاعتبار. ولم تكن تلك التضحيات من اجل الأجانب أنفسهم، وإنما لغرض الحفاظ على حكومتهم. ولهذا فسحوا المجال للأجانب وبسطوا أيديهم تماماً للتطاول على البلد وعلى الشعب، واعتمدوا عليهم في كل شيء.

هذا فضلاً عن ان تلك الحكومة جاءت بواسطة انقلاب عسكري وفرضت على الشعب فرضاً؛ فقد جاء كل من رضا خان، ومحمد رضا الى السلطة عبر انقلاب عسكري. ومن الواضح ان الحكومة التي تفرض على الشعب من خلال انقلاب عسكري لا تحترم آراء الشعب ولا معتقداته ولا إرادته، ولم تكن ثّمة صلة حميمة بين الحكومة والشعب؛ بل كانت العلاقة عدائية، علاقة أسياد وعبيد؛ لأن النظام كان ملكياً، وهذا هو معنى الملكية؛ أي انها كانت حكومة مطلقة لا تقيّد بشيء أمام الشعب. وهكذا حكمت الأسرة البهلوية بلدنا على مدى خمسين سنة.

وأخيراً كانت تلك الحكومة لا تملك الكفاءة؛ فكل مواطن في هذا الدولة يعلم تماماً – وخاصة انتم الشباب - اننا يجب ان نبذل جهوداً لسنوات طويلة حتّى نتمكن من بلوغ المكانة اللائقة بنا في الحقول العلمية والصناعية والتقنية، والتقدم في ميادين البحوث والدراسات. وهذا التخلف الذي نعيشه ناجم عن حكم استمر خمسين سنة لنظام غير كفوء لم يستثمر طاقات هذا الشعب، ولا الامكانات الهائلة في هذا البلد. وأنتم اليوم تلاحظون الطاقات العلمية المتفجرة لدى شبابنا في المسابقات العلمية العالمية، بينما لم يكن يُعتنى بهذه الطاقات ولم تستثمر في تلك الآونة، وانما تُستعمل في اطار رغباتهم ومآربهم الخاصّة، ولهذا هاجر الكثير من اصحاب الطاقات والكفاءات، بينما بقي الكثير منهم، ولكن بدون ان تزدهر طاقاتهم وكفاءاتهم أو ان ينتفع منها في عمل ما.

لقد تركوا وراءهم بلداً مدمّراً تماماً. وفي مرحلة ما بعد الحرب كان اكبر همّنا يتركّز على بناء ما دمّرته الحرب، ولكننا وجدنا الدمار الذي خلّفته الحرب يقل كثيراً عمّا خلّفته الأسرة البهلوية من دمار طوال سنوات حكمها على هذا الشعب.

وفي عام 1341 [1962 م] عندما ارتفعت صيحة الامام اخذت حيّزها في القلوب وتفجّر غضب الجماهير؛ اذ كان البعض قد ألف الاوضاع حينذاك، بينما اثارت سخط الكثيرين من أبناء الشعب. واعلموا ان الامام حينما رفع صوته لم يكن حينها مرجع تقليد معروفاً؛ فعلى الرغم مما كان له من وجاهة وشهرة ومكانة مرموقة في قم بين العلماء والاكابر والفضلاء وطلبة الحوزة العلمية، إلا انه لم يكن معروفاً لدى عموم أبناء الشعب، ولكن بما ان تلك الصيحة كانت صيحة حق وكانت منطلقة من إرادة الجماهير وقائمة على أسس الدين، فقد دوّت أصداؤها في كل الأرجاء تلقائياً وتداولتها الألسن وتناقلتها الأيدي وانتشرت في كل مكان وغرست حب الامام في القلوب. فالإمام الخميني الذي لم يكن يتمتع بتلك الشهرة في عام 1341 [1962م]، أضحت له مكانه في القلوب في خرداد عام 1342 [حزيران 1963م] الى درجة دفعت بالشعب الى النهوض ضد الحكومة في الحادثة المعروفة بحادثة الخامس عشر من خرداد، التي أسفر عنها مقتل الآلاف من الاشخاص في سبيل الامام. وقد جاء هذا كله اثر أحقية تلك الصيحة.

لقد بيّن الامام للشعب تعاليم الإسلام ومعنى الحكومة ومعنى الشخصية الإنسانية، وشرح له طبيعة ما يجري عليه وكيف ينبغي ان تكون حياته؛ وهي حقائق لم يكن الآخرون يجرؤون على التصريح بها، إلا انه صرّح بها جهاراً لا همساً ولا على شكل منشورات ولا بأساليب سرية وخلايا تنظيمية كما تفعل الاحزاب عند طرح الامور لكوادرها، لقد اتبع الامام الخميني اسلوب الجرأة والصراحة في بيان الحقائق للناس، ولهذا لبّى أبناء الشعب نداءه.

لقد مرّت خمس عشرة سنة عصيبة منذ ان بدأ الامام نهضته الى حين انتصار الثورة؛ وخلال تلك الفترة فهم تلاميذ الامام وأنصاره وأصدقاؤه وعموم أبناء الشعب عمق ومضمون رسالة الامام، فتداولوها ونشروها بين مختلف الاوساط والشرائح الاجتماعية. وأدى تداولها وتدارسها والثبات عليها الى خلق مشاكل جمّة لأولئك الناس؛ فاستشهد الآلاف منهم، وطال التعذيب أضعاف ذلك العدد.

لقد كان عهداً عصيباً حقاً، حتى ان البعض لم يشعر بالطمأنينة والراحة في بيته حتّى ليلة واحدة، ولم يخرج من بيته يوماً وهو آمن من أنه لن يصيبه في ذلك اليوم مكروه. وكان الامام يقود تلك المسيرة بعزم وحكمة وشجاعة طوال تلك المدّة، الى ان تعاظمت في السنة الاخيرة الامواج الجماهيرية الهادرة؛وحيثما نزل أبناء الشعب الى الساحة بدوافع إلهية ودينية وبعيداً عن المطامع المادية، لا يمكن لأية قوّة ان تقف بوجههم، أو كما قال الامام انهم لم يستطيعوا بكل ما لديهم من معدّات وتجهيزات الوقوف بوجه شعبنا الاعزل. وهكذا وقعت هذه الثورة وانتصرت.

 

* مع تقديم التحيات والتهاني بمناسبة الذكرى العشرين لانتصار الثورة الإسلامية الكبرى، وبمناسبة ايام عشرة الفجر المباركة.

بما ان تيارات فكرية وتنظيمات اخرى عدا نهضة الامام الخميني (رحمة الله عليه) كانت تدّعي الثورية ساهمت في انضاج الثورة، إلا ان نهضة الامام هي التي استطاعت استقبال الجماهير المليونية وخاصة الشباب، أود ان اعرض على سماحتكم سؤالاً في سياق ما تفضلتم به، وسؤالي: ما هي الخصائص التي كان يتحلّى بها الامام الخميني ونهضته بحيث كانت سبباً لإيجاد هذا الاقبال الجماهيري المنقطع النظير، وحفزت الناس على النزول الى الساحة تحت لواء زعامته، في حين لم يكن هناك اقبال جماهيري على التيارات الاخرى؟

- هذا سؤال جدّ وجيه. وكما قلتم فإن المجابهة ضد النظام البهلوي بدأت منذ وقت بعيد؛ أي منذ عهد رضا خان، وبالتحديد منذ عام 1314 [1935م]. وكان المرحوم المدرس قد بدأ معارضته للنظام قبل ذلك التاريخ، واستشهد على هذا السبيل. ففي عام 1314 بدأت نهضة العلماء الكبرى من مشهد على يد المرحوم آية الله القمي وعدد آخر من العلماء، وفي نهاية عهد رضا خان بدأت بعض التكتلات غير الاسلامية نضالها ضد حكومته، وفي العشرينيات [الاربعينيات من هذا القرن] بدأت الاحزاب والتكتلات من جهة، والنهضة العلمائية الشعبية من جهة اخرى معارضتها للنظام،وازدادت في السنوات اللاحقة المجابهة الجماهيرية ضد النظام، وكان لها بأجمعها تأثيرات في هذا المجال. ولكن - كما قلتم - لم ينجح اي منها في استنفار عموم الجماهير، ولم تكن لديها قدرة الانتقال بعملية المجابهة من إطار التكتلات الصغيرة ومن الخواص الى عموم جماهير الشعب. اما سر انتصار الامام فيكمن في قدرته على انجاز هذه المعجزة الكبرى، والارتقاء بسطح المجابهة الى مستوى الجماهير. ولكن ما هو سبب ذلك؟

لا شك ان لذلك أسباباً عديدة، يعزى البعض منها الى الصفات الخاصة التي كان يتحلى بها إمامنا الراحل، وسأتحدث عنها عمّا قليل، اما السبب الاساس فيعود الى ان الامام الخميني بصفته عالم دين موثوق به، كان يتحدث انطلاقاً من رؤية اسلامية، والإسلام هو العقيدة التي يؤمن بها عموم الشعب. وهذه هي خصيصة النهضة الدينية والدوافع الدينية.

من البديهي ان الدوافع الدينية تختلف عن الدوافع المادية والحزبية، فأكثر ما يثير الدوافع الحزبية والمادية هو السيطرة على السلطة، والاشخاص الذين يخوضون النضال يحدد كل واحد منهم لنفسه منصباً ومكانه في النظام المستقبلي. اما النهضة الدينية فلا مكان فيها لأمثال هذه المطامع، وإنما يشارك الناس في النهضة الدينية أداءً للتكليف.

ركز الامام في خطابه للجماهير على الإسلام مبيّناً سمو الرؤية الإسلامية؛ ومن هنا اتخذت الحركة الإسلامية عمقها، لأن كل أبناء الشعب نزلوا الى الساحة بدافع الايمان. ولابد انكم لاحظتم مدى استجابة اهالي القرى لنداءات الثورة. ولكن لو أراد حزب سياسي كسب تأييد قرية نائية، كم يجب عليه ان يبذل من جهود ليستميل أبناء تلك القرية الى جانبه فرداً فرداً. بينما لم يبذل الامام جهوداً تذكر في هذا المضمار. وهذا الوصف يصدق على المدن الكبرى ايضاً وعلى العاصمة طهران.

وخلاصة القول هي ان العنصر الاساسي الذي عوّل عليه الامام وكان سبباً لانتصاره هو الإسلام.

وكانت هناك من غير شكّ خصائص اخرى؛ فالإمام كان بطبعه رجلاً شعبياً ويعوّل على أبناء الشعب. وأنا لازلت أتذكّر كيف تحدى الامام الحكومة في عام 1341 – أي في وقت لم يكن فيه على هذا القدر من الشهرة – في احدى خطاباته التي كان يلقيها في قم في ذات المكان الذي كان يُلقي فيه درسه، قائلاً انها – أي الحكومة - اذا لم تنته عن كذا عمل فسأملأ صحراء قم المترامية الاطراف بالناس. وكان كلامه ذلك مثاراً لدهشة الجميع؛ اذ كيف يتأتى لرجل مثله يعيش في زاوية احد مساجد قم ان يعوّل على الناس ويكون واثقاً منهم الى هذه الدرجة! ولم تمض سوى عدّة اشهر حتّى ألقى الامام في عام 1342 خطابه التاريخي المشهور في المدرسة الفيضية، وبعد يومين حصلت في طهران الواقعة المعروفة باسم الخامس عشر من خرداد، ووقف الناس في تلك الاوضاع العصيبة ضد الدبابات والرشاشات والبنادق.

أشرت طبعاً الى ان الصفات الذاتية للإمام كان لها دورها أيضاً؛ اذ كان رجلاً ذا ارادة صلبة وعزم راسخ بالمعنى الحقيقي للكلمة ، وكان مؤمناًَ بنهجه ايماناً قاطعاً. ومثلما وصف القرآن الرسول بقوله {آمن الرسول بما انزل إليه من ربّه} كان هو مؤمناً بنهجه ايماناً كاملاً، وكان صادقاً وصريحاً، ولم يكن من ذي الألاعيب والحيل السياسية. وكان على قدر كبير من الفطنة والرؤية المستقبلية، وكانت لديه مقدرة عالية على استشراف الخطوات المستقبلية، وكان مثابراً بالعمل دؤوباً لا يعرف الكلل. ولا بأس ان تستذكروا ان الامام الخميني بدأ نهضته وهو في سن الثالثة والستّين. ولا زلت اتذكر انه قال في تصريحه الذي ألقاه في عام 1341 انني الآن في الثالثة والستين من عمري، ولو انهم قتلوني اكون قد قتلت في نفس السن التي رحل فيها رسول الله وأمير المؤمنين من الدنيا. فمع انه كان في الثالثة والستين من عمره إلاّ انه كان يبعث في نفوس الشباب الدفء والحيوية والنشاط. وحينما عاد الامام الى الوطن في الثاني عشر من بهمن وما تلا ذلك من وقائع انتصار الثورة، كان عندها في الثمانين من عمره. لاحظوا كيف نزل هذا الرجل المسنّ الى ساحة الصراع بنشاط الشباب، في حين كان في سنّ التعب والكهولة والتقاعد، ومعنى هذا ان الصفات الذاتية للإمام كان لها تأثير بالغ. هذا اضافة الى اعتماده على الإسلام وعلى ايمان واعتقاد الجماهير.

 

* إني أشعر بالبهجة لمثولي أمامكم في هذا المجلس بمناسبة عشرة الفجر هذه التي أصبحت بالنسبة لي من أحلى ذكريات عشرة الفجر التي مرّت عليَّ حتّى الآن. نحن نمر اليوم بالذكرى العشرين لانتصار الثورة الإسلامية. لعل الشعب الإيراني لم يكن يتطلع حينما ثار على النظام الشاهنشاهي الى اقامة حكومة معينة، وانما ثار اكثر أبناء الشعب بسبب ما كانوا يلقونه من ظلم على يد الحكومة ورغبة منهم في القضاء عليها، إلاّ ان الامام الخميني اعلن في الثاني عشر من بهمن عام 1357 [1 شباط 1979 م] عن نيّته في اقامة حكومة إسلامية بعد الاطاحة بالحكومة الشاهنشاهية. ومن الطبيعي ان اقامة حكومة اسلامية ليست بالأمر الهيّن، وإنّما تتطلب طاقات بشرية كفوءة يمكن التعويل عليها. فهل كان مثل هؤلاء الاشخاص موجودين في ذهن الامام؟ ومن هم أكابر انصاره في ذلك الوقت؟

- لا يمكنني الجزم بأن الامام الخميني حينما بدأ جهاده في عام 1341 أو عام 1342 [1962 ، 1963 م] كانت لديه الكوادر اللازمة، إلا انه كان منكبّاً على اعداد ذلك الكادر. انتم تعلمون ان الامام كان شخصاً له مكانته العلمية في الحوزة العلمية في قم، وكانت تحيط به ثُلّة من المؤمنين الكفوئين، فضلاً عمّا كان له من علاقات مع الطبقات والشرائح الأخرى.

لقد كان الامام من خلال كلماته وإرشاداته يربّي ويهذّب الناس؛ بالمعنى الحقيقي للكلمة، تربية فكرية وروحية وأخلاقية. ومن الطبيعي ان الكادر الكفوء لا يشترط فيه ان يكون ممّن درس العلوم الادارية أو السياسية، وإنما هم الناس القادرون على فهم الاهداف على نحو صحيح، وتحديد السبل السليمة واتخاذ القرار الصائب والعمل وفق إجراءات صحيحة. وهذا ما يتحقق عادة من خلال التربية المتواصلة،وهو ما كان الامام دائباً عليه على نحو طبيعي في اطار الجماعة المؤيدة له، ولكن لا في صفّ دراسي بعينه، بل من خلال السلوك اليومي ومعالجة المواقف وعبر تصحيح التصرفات الخاطئة والتنبيه إليها. والأهم من كل ذلك هو عملية إعداد الكادر التي كان الامام يمارسها على صعيد عموم الشعب، فعملية اعداد الكادر عند الامام تختلف عن عملية اعداد الكوادر الحزبية، لأن الاحزاب تعد أشخاصاً معيّنين للاضطلاع بمهام وأعمال معيّنة بينما كان الامام يربي الشباب ويمنحهم روح الثقة بالنفس. وكان منذ البداية يركّز على الشباب بوجه خاص، وهذا تفكير أثبتت الأيام صحته.

ومن بعد انتصار الثورة بادر أشخاص من الجماعة التي كانت تحيط بالإمام، وآخرون من خارج تلك الجماعة، وأمسكوا بزمام الامور وبدأوا بتصريف الشؤون ومن خلال التغييرات والاصلاحات التي حصلت على مر الزمن. ولكن ينبغي الالتفات هنا الى ان نهج الامام كان واضحاً، و كان على بينّه من أمره ويعلم ما يجب عليه فعله؛ فكان يسير على ذات النهج الذي سلكه الانبياء، وهو نهج يتلخص في تزويد مخاطبيه بالإيمان والثقة العميقة اضافة الى الوعي والبصيرة والفكر والتأمل. ومن الطبيعي ان يسفر هذا الاسلوب عن ازدهار الطاقات وتربية الكوادر الكفوءة.

لم تكن ثمة ضرورة تدعوه الى إعداد دليل مسبق من قبل عشر سنوات يحدد فيه إعداد شخص معين لمهمّة معيّنة، ولكن كان من الطبيعي ان تظهر أدّلة مطوّلة في هذا السياق.

تعلمون ان مجلس قيادة الثورة قد شكل في إيران قبل انتصار الثورة وعين بعض الاشخاص كأعضاء فيه، ولم تواجه اولئك الاعضاء اية مشكلة توجب عليهم الاستعانة بغيرهم. وكان بعض الاعضاء غير معروفين في تلك الفترة، ولم يكونوا هم انفسهم على علم بعضويتهم فيه، وحتّى انني شخصياً كنت عضواً في ذلك المجلس ولكني لم اكن اعلم بعضويتي فيه، لأنني قد عيّنت كعضو فيه ثم أبلغت بذلك التعيين لاحقاً، فجئت من مشهد الى طهران وبدأت بممارسة مهمّتي. ومعنى هذا ان الامام كان على معرفة بالأشخاص وكان بطبيعة الحال يستشير من له معرفة وثيقة بهم ممّن كانوا على صلة به في طهران في ما يخص اختيار الاشخاص.

 

* اننا مسرورون للقائكم ونبارك لكم ذكرى عشرة الفجر المباركة، وأستأذنكم لطرح سؤال على سماحتكم يتعلق بمهنتي باعتباري فناناً.

وللفن على الدوام دور لا يستهان به في المجتمع وفي تخليد الأحداث التي يمرّ بها؛ اذ كان للفن دور مشهود في مجتمعنا منذ عهد النهضة وفي ايام الثورة وفي فترة الدفاع المقدس وما تلاه؛ أي مرحلة الاعمار. يتعلق سؤالي الاول بكيفية رؤية سماحتكم للفن على مدى عقدَي ما بعد انتصار الثورة، والسؤال الآخر حول تقييمكم لوضع الفن في الظرف الحالي، وما هي توجيهاتكم للارتقاء بمستواه؟ وشكراً لكم.

- ان ما ذكرتموه عن دور الفن صحيح تماماً؛ فالفن لغة بليغة تعبر عن كل الموضوعات وبخاصّة المعقدة منها كموضوع الثورة. ولا بأس ان أشير في سياق الجواب الذي قدّمته لابنتنا العزيزة في بداية هذا اللقاء، اننا أنا وأمثالي مهما قلنا عن الثورة نبقى عاجزين عن بيان تلك الحقيقة الكبرى ما لم يدخل الفن الى المعترك؛ فلغة الفن هي اللغة القادرة على بيان وشرح تلك الحوادث الكبرى وتسليط الاضواء عليها. ومعنى هذا ان كلامكم صحيح تماماً، والفن يضطلع عادة بمثل هذا الدور.

من المؤسف ان الفن لم يدخل الساحة قبل انتصار الثورة وعلى مدى مرحلة النهضة التي استمرت خمس عشرة سنة إلاّ ما ندر، حيث كانت تنظم في بعض الاحيان قصائد كان لها دور في إنارة الاذهان. وربّما عرضت في الآونة الاخيرة من مرحلة النهضة؛ اي في الخمسينيات، تمثيليات ومسرحيات تسير ضمن هذا السياق، ولكنها كانت نادرة جداً. وأذكر هنا على سبيل المثال مسرحية «ابو ذر» التي عرضت في طهران، وفي مشهد عرض بعض الشباب الصالحين مسرحية «المطر» ، ومازال هؤلاء يمارسون نشاطهم في المجالات الفنية. ومقصد كلامي هو ان الفن لم يؤدّ في تلك الاثناء دوراً ذا بال.

ومما يثير الأسف ان الفن كان خلال السنوات الخمس عشرة الاخيرة من عمر النظام البائد - وهي سنوات النهضة الجماهيرية ضدّه - في قبضة أصحاب السلطة، وأصيب بنكسة ولم يؤدِّ دوراً يذكر. ولكن الفن قفز منذ لحظة انتصار الثورة الى الواجهة من طريقين، وأكثر ما جاء على يد الطاقات الفنية الفتية، أي على يد الشباب. وأكثر الوجوه المعروفة حالياً هي من شباب ما بعد الثورة ممّن تكوّنت لديهم ثقة بأنفسهم ودفعهم إيمانهم الى اصطحاب آلاتهم التصويرية والتوجه نحو الجبهة لتصوير وقائع الحرب، وقد دفع بهم هذا النوع من الممارسات الى التوجه تلقاء الفن. وهكذا ايضاً بالنسبة لبقية الفنون، اذ كان الشباب هم أول من بادر اليها منذ أول الثورة. وهناك فنانون آخرون كانوا قبل الثورة، وبعد انتصارها لبّوا نداءها، إلاّ ان الكثيرين منهم لم يلبّوا - وللاسف - نداء الثورة ، وانما اعتزلوا جانباً ولم يكرّسوا فنّهم لخدمة الثورة.

وعلى العموم، كان للفن دور كبير منذ بداية الثورة وعلى مدى عشرين سنة مضت والى يومنا هذا، ودخلت الفنون - وليس الفنون الاستعراضية او الفنون الشعرية وحدها - الى شتّى ميادين الحياة وأدت دوراً كبيراً وبارزاً فيها، وخرّجت لنا فنانين شباباً.

اما سؤالكم عن رؤيتي للفن في الوقت الحاضر، فيجب القول اننا اذا قارنّا الوضع الحالي مع ما كان عليه في فترة ما قبل الثورة لوجدنا انفسنا في وضع نحسد عليه، اما اذا قارنّاه بما ينبغي ان نكون عليه فيجب القول بصراحة اننا متخلّفون في هذا الجانب، وما زالت لدينا نواقص جّمة في ميادين الشعر، والفنون الاستعراضية؛ أي السينما والمسرح، ومازالت لدينا واجبات كثيرة لم تُنجز بعد، ومازلنا نشاهد العديد من المحاولات المبتدئة. آمل من العاملين في مختلف فروع الفن التحلي بعنصر الثقة الذاتية الذي شاهدناه في الميادين الاخرى للثورة، والذي شدّ اليه انظار العالم كميادين الصناعة، والتصنيع العسكري، والميادين العلمية التي قدّمنا فيها انجازات بهرت العالم، عسى ان نوفق لتقديم اعمال في مجال الفن تكون بمثابة معلَم لشعبنا الإيراني العظيم ولثورتنا الكبرى.وأنا كلي ثقة بقدرتنا على ذلك.

 

* أشكركم على ضيافتكم لنا ودعوتنا الى داركم. سؤال أودّ إلقاءه على سماحتكم، واستهلّه بمقدّمة موجزة وهي ان احداث ومتطلبات فترة اول الثورة كانت على نحو جعل الشرائح الشابّة تنظر اليها وفق رؤية خاصّة. فهل يجب على الاجيال الشابة اليوم التعامل مع تلك المتطلبات ذاتها، وتتصرف حيالها على نفس ذلك النمط من الأزياء والثياب، والمشاركة في الميادين الاجتماعية، وتكون ذات المطالب والحاجات؟ وبعبارة اوضح ان جيل الشباب في مجتمع اليوم يعيش ظروفاً ومستجدات تختلف اختلافاً شاسعاً عن ظروف مرحلة بداية الثورة، ولكن مما يؤسف له ان البعض يصدر لهذا الجيل احكاماً قد لا تكون في كثير من الحالات موضع رضى وقبول لديه، أرجو من سماحتكم بيان السلوك الطبيعي المرتجى من جيل اليوم. او لأقول على وجه الدقّة ما هي الخصائص التي ترتضونها لجيل الشباب المعاصر؟

- أريد ابتداءاً إجراء تصحيح طفيف على عباراتكم التي قلتم في احداها «مرحلة بداية الثورة» ولا أدري أيّ وقت تقصدون.

 

* أقصد أوّل الثورة.

- تعبير «أول الثورة» صحيح، أمّا قولكم «مرحلة بداية الثورة» فهو تعبير غير صحيح وغير تام، اذ لا ينبغي تقسيم عمر الثورة الى مراحل افتراضية وخيالية. فأنا ألاحظ البعض يقسّم الثورة الى عقود؛ كأن يقول العقد الاول او العقد الثالث، ولكن السنة التاسعة عشرة او العشرين او الحادية والعشرين لا تختلف عن بعضها بشيء، وليس هنالك ثمة حاجز يفصل بين هذا العقد وذاك. فالثورة ذات مرحلة واحدة وذات حركة مستمرّة، وهي ليست اندفاعة ذات طابع مرحلي، بل هي تحوّل متواصل يقع على امتداد سنوات طويلة، وكلّما جددنا السير على هذا السبيل نبلغ غاياتنا على نحو أسرع وننجز أهدافنا بشكل أفضل.

ولا يشك طبعاً بوجود أذواق شتّى ومستجدّات مختلفة بشأن الشباب؛ ففي مجال الأزياء والألبسة وما شابه ذلك، مما يمكن ان تطلق عليه تسمية الأمور الذوقية، فلكل عصر ولكل مرحلة ولكل مدينة وطبقة وبيئة متطلباتها في هذا المجال. انتم – مثلاً - ترتدون هنا أزياء وألبسة لا يحبذها اهالي المناطق الجنوبية الشرقية من بلادنا؛ لأن فيها أنواعاً اخرى من الثياب مما تستلزمه المتطلبات الاقليمية والجغرافية والتاريخية، وهكذا الحال بالنسبة للمناطق الاخرى، إلاّ ان امثال هذه الامور لا تدخل في اطار الفوارق الأصلية أو الاساسية.

أمّا ما نرتجيه من شباب اليوم فهو عين ما كنّا نرتجيه منهم في أوّل الثورة وفي ما قبل الثورة؛ فنحن نريد من الجيل الشاب التدّين والصلاح والورع، وان يتصف في الوقت ذاته بالحيوية والنشاط والإبداع والخلاقة، وان يعمل ويتجّنب البطالة والكسل، ويجعل التقوى شعاراً له – وأعتقد انني تحدثت ذات مرّة حول هذا المعنى في خطبة صلاة الجمعة - ويكبح جماح نفسه، ويكرّس هذه الطاقة الهائلة المسمّاة بطاقة الشباب في سبيل رقيّه وتكامله وخدمة بلده وأسرته. هذا هو أملنا بالشباب. كما وان لكل وقت متطلباته؛ فاذا ما خاض البلد حرباً نرتجي من الشباب شيئاً، واذا كان البلد في حالة اعمار وبناء نرتجي منهم شيئاً آخر.

 

* (لا أدري لماذا يُسمى الفرس حيواناً نجيباً.. وتوصف الحمامة بالجمال.. ولماذا لا يحتفظ أي انسان بنسر في قفص.. وما الذي يميّز زهرة البرسيم عن شقائق النعمان!.. يجب ان تُغسل العيون وينظر الى الاشياء على نحو آخر..) فنحن قد أخذنا عن أكابرنا، ونشعر بأننا نستطيع عبر التطهير المتواصل لأرواحنا وقلوبنا ونظراتنا ان نرى الاشياء على نحو أجد. ولكن يبدو ان ثمة سوء تفاهم في الأسرة وفي الوسط الاجتماعي بشأن الشباب، بسبب ما يتصفون به من نزعة تميل بهم نحو التجديد وتسوقهم صوب كل ما هو حديث. وهذه السمات على كل الاحوال من متطلبات سنّهم وظروف حياتهم وتوجهاتهم الشابّة.

فعلى صعيد الاسرة هنالك شعور يوحي وكأن الآباء والأمهات يريدون للشباب ان يعيشوا كما عاشوا هم، او ان الأولاد يجب ان يبلغوا ما أخفق في بلوغه الأبوان. اما الوسط الاجتماعي فهو محكوم بعادات وتقاليد وأعراف - لا أرى انها بأجمعها صحيحة بالضرورة - لا تتقبل بسهولة النزعة التجديدية التي يميل اليها الشباب، بل وحتّى انها تنمّ عن اتهام الشباب بالانفلات والتحلل و اللامبالاة وعدم اليقظة. أعتقد اننا كانت لدينا، على مدى عشرين سنة الماضية، فرصة كافية لترسيخ مبادئنا الاعتقادية في ما يتعلق بثورتنا الكبرى، غير اننا نشعر أحياناً بحاجة ماسة الى وجوب الكشف عن الحالات التي يحتمل فيها إبداء مزيد من الخلاّقية والابداع والتجديد والنظر الى الاشياء برؤية عصرية. أذكر على سبيل المثال ان سماحة الامام الخميني كانت لديه رؤى متفاوتة حيال الموسيقى والشطرنج وأحدث ثورة جادّة في هذين الموضوعين، وكان هناك انفراج فسيح في ما يخص الشباب.

انني اعتبر الشهيد رجائي واحداً من القدوات الكبرى في التقوى والاخلاص والايمان، ولديَّ صورة له في ذروة المدّ الثوري في السنوات الاولى للثورة وهو جالس بين يدي الامام ويرتدي قميصاً بأكمام قصيرة ويتحدث معه. وسؤالي هو انكم باعتباركم قائداً دينياً وزعيماً لملايين الناس، ما هي المجالات التي ترون إمكانية فسح الفرص للتجديد والعصرنة فيها - من بعد ترسيخ تلك المبادئ الاساسية - ليمارس الشباب تجربة التجديد وفقاً لنزعاتهم، وليكونوا اكثر تحرراً، ولا تفرض عليهم - لا سمح الله - صيغ شديدة الجمود والتحجر؟

-   لمن كان الشعر الذي قرأتموه؟

 

* للمرحوم سهراب سبهري.

- حسناً، انني أوافقكم على الكثير ممّا قلتموه.أمّا سؤالكم عن المجالات التي يمكن للشباب الابداع والتجديد فيها، فيجب القول ان التجديد ليس بالشيء الذي يستلزم الإذن أساساً، أو يوجب على من يريد التجديد الاستئذان من أحد. فاذا ما توفّرت الاجواء يأتي التجديد والإبداع. وأنا أؤمن بوجوب التجديد في الميادين كافّة. والتجديد لا يعني التشكيك في مبادئنا المنطقية التي تسالمنا عليها، بل يعني تطوير ودفع الامور والجوانب السائرة باتجاه التكامل. فالعدالة مثلاً أمر جيّد، ويمكن لكل من يريد التجديد ابتكار اسلوب جديد لإقرار العدالة، بيد انه لا ينبغي له التشكيك في اصلها وحسنها. وحب الأبوين والأولاد أمر طبيعي، وقد يتوصل شخص الى ابتداع أسلوب لهذا الحب لم يظهر له نظير من قبل.

وانطلاقاً من هذا الفهم، فإنكم حينما تتحدثون عن التجديد وتقولون ان الشبّان يميلون الى التجديد،فليس من الضرورة ان يتضمن التجديد صيغاً غير معقولة ولا منطقية. ومعنى هذا ان التجديد الصحيح هو المقصود من كلامنا.

انني أؤيد فكرة التجديد تماماً، ولكنني لا أتفق معكم في قولكم ان مجتمعنا لا يحبّذ ذلك. وهذا إمّا أن يعود الى كونكم شاباً وتعيشون في اطار أسرتكم او في موضع آخر وتعلمون أموراً لا أعلمها انا، وإمّا لأنني لديّ تجربة وخبرة أكثر وأعلم ما لا تعلمونه أنتم. وهو على كل الاحوال لا يتعدى أحد هذين الاحتمالين. وأنا اعتقد ان مجتمعنا يرحّب بالتجديد وينمّيه،وأحد الأمثلة على ذلك هو ما أشرتم إليه في ما يخص سماحة الامام الخميني (رحمه الله) الذي كان شيخاً في الثمانين وأصدر في أواخر عمره تينك الفتويين اللتين ذكرتهما. ويُستدل من هذا على ان مجتمعنا يساير المعقول والمنطقي من الظواهر الجديدة.

وهذا الوصف يصدق على العوائل ايضاً. من المحتمل طبعاً ان بعض الأسر تقف بوجه الانتهاكات الصريحة للحدود التي قد تصدر من الشباب، وهذا موقف منطقي طبعاً، حيث يرتجى من الآباء والأمّهات تقديم النصح لشبابهم. وكل شاب بحاجة الى العون الفكري من أبويه. وينبغي ان لا يتصور أحد ان التوجيهات الفكرية والأوامر والنواهي من الأبوين للأولاد تقتل روح التجديد لدى الشباب. ولا أعتقد ان التجديد المنطقي والمعقول يجابه بالرفض من الأبوين ومن المحيط الاجتماعي، بل ان التشجيع على التجديد يعد من جملة الشعارات والاهداف التي يرفعها هذا المجتمع وهذا النظام.

اننا نحب التجديد، ولكن كما أشرتم في حديثكم وكما يُستشف من اشارتكم انكم على وعي تام واستيعاب كامل لهذا المعنى، وقد صرحتُ أنا به تصريحاً لا غبار عليه، وهو ان التجديد ينبغي ان لا يفضي الى صيغ مجافية للعقل والمنطق. بمعنى ان المرء يجب ان لا يحارب كل تقليد وكل موروث وكل قديم لمجرّد الرغبة في التجديد؛ لأن مثل هذا الموقف لا يقرّه عقل ولا يرتضيه منطق. والتجديد معناه اننا يجب ان ندفع نحو الامام اية حركة تكاملية في الميادين التي تستلزم التكامل. وهذه هي الحقول التي يرتجى من الشباب الابداع والتجديد فيها.

انا لا أنكر طبعاً وجود أشخاص منغلقين ومتحجرين تماماً، بيد ان امثال هؤلاء المتحجرين يمكن إيقاظهم وتوعيتهم بأساليب منطقية سليمة. وهذا كثيراً ما جرّبناه في عهد النهضة. كان بعض الشبان ممّن كانوا على صلة بنا يتحدثون في بيوتهم بأمور تثير القلق والفزع لدى أبويهم، وحصلت حالات راجعنا فيها بعض الآباء والأمّهات، وأنا شخصياً واجهتني امثال هذه المواقف عدّة مرّات، وحينما كان المرء يتحدث مع أولئك الآباء والأمهات لا يجد لديهم أيّ تعصب، لأنّ عدم وقوفهم على مغزى كلام أبنائهم، أي ان الأبناء لم يبيّنوا المراد من كلامهم على الوجه الصحيح، هو الذي يثير الفزع في قلوبهم.

وعلى كل الاحوال، فحتّى الاشخاص الذين يظن المرء فيهم تعصباً أو تحجراً حيال أمر ما، يمكن انارة أذهانهم بالمنطق السليم؛ولكن ينبغي طبعاً الالتفات مسبقاً الى احتمال ان موقف الأبوين لم يكن نابعاً من تعصّب أو جمود، بل قد يكون موقفاً سليماً يرمي الى تصحيح رأي سقيم لدى الأبناء.

 

* بعد التحية والسلام، أود ان أعرب عن أسمى آيات شكري لسماحتكم لما تولونه من اهتمام لشؤون الشباب. يقال: عندما تتوقف لغة الكلام تبدأ لغة الموسيقى بالنطق، مع وجود فارق ان لغة الموسيقى لا تنبعث من التراث المنبعثة عنه فحسب، بل قد تنطوي على ميدان شاسع يضم العالم كلّه، وتتخذ لنفسها صفة الطابع العالمي. وكما ان الكلام يمكن ان يحمل بين ثناياه معاني إيجابية ومفيدة، قد يحمل ايضاً بنفس القدر معاني تافهة وعقيمة ومغلوطة. وانطلاقاً من الابعاد المختلفة التي قد تحملها الموسيقى، ونظراً لأهميتها في أوساطنا الاجتماعية الحديثة، اصدر الامام الخميني (رحمة الله عليه) رأيه في هذا الخصوص، وأباح الانماط غير الغنائية منها، ملاحظاً الاعتبارات الخاصّة التي يؤمن بها مجتمعنا وديننا.

ومع اننا عايشنا في ما بعد ذلك سيراً بطيئاً للموسيقى، الا ان ذلك يعد بحدّ ذاته مؤشّراً على تناميها في بلدنا. اما العامل الذي يحول دون تبوّؤ الموسيقى لمكانتها المتناسبة مع ما فيها من طاقات، هو ان عموم الشؤون الثقافية والفنية في بلدنا تولّى زمامها مسؤولون يعملون ويتخذون القرارات بطريقة معاكسة لبعضهم البعض. وبكلمة أدق، هناك اختلاف شاسع بين الاذواق في هذه المجالات تسبب في إهمال اهتمامات الشباب، خصوصاً المهتمين منهم بالموسيقى.

وبصرف النظر عن الجوانب الفقهية التي طُرقت في ما سبق وعُرضت عليكم أسئلة بشأنها، ما هو رأيكم في القابليات الاجتماعية للموسيقى بصفتها فنّاً؟ وما هي الشروط الواجب توفّرها في الموسيقى في مجتمعنا المعاصر، وبما يتناسب مع متطلبات العصر الحديث وحياة الأجيال الشابة في الظرف الحالي، ونزعة التجديد التي تستهوي الشباب؟ كما أودّ معرفة رأيكم في السمات الخاصة التي تحملها الموسيقى غير التراثية باعتبارها لغة عالمية وليست غربية على وجه التحديد وهل تعتقدون ان أفضل اسلوب لمجابهة الغزو الثقافي - الذي يعتبر التغلغل عن طريق الفن أخطر سبله وخاصة عن طريق الموسيقى - هو تقديم نماذج موسيقية أصيلة تتناسب مع ظروفنا الوطنية والدينية؟

- لا اعتقد ان الموسيقى هي أفضل أسلوب لمجابهة الغزو الثقافي، لأنها لا تتصف بمثل هذه المقدرة، ولكن من الأفضل وصفها على انها واحدة من سبل مجابهة الغزو الثقافي، فيما اذا توفرت فيها الشروط الكافية. وينبغي الالتفات الى وجود رأيين في الموسيقى:

الاول: هو ان نرى الخصائص الفارقة بين الحلال والحرام.

الثاني: تعيين حدود ذلك عملياً، لكي يكون الشباب - حسب تعبيركم - على بيّنة وعلم بالمحلل والمحرم منها. ومن الطبيعي ان الشق الثاني ليس عملاً سهلاً، اذ يصعب على المرء وضع حدّ فاصل يعين حلّية أو حرمة المعزوفات الموسيقية المختلفة؛ الاجنبية منها بشتى انواعها وأصنافها وكذلك الايرانية بشتى فروعها وأقسامها. ولكن ثمة معيار عام سبق لي ان طرحته على المسؤولين والمختصين في هذا المجال. وأعرض عليكم هنا بإيجاز ما أعرفه في حقل الموسيقى: اعلم ان الموسيقى اذا أفضت بالإنسان الى التحلل والابتذال والخفّة والطيش والابتعاد عن حقائق الحياة وعن ذكر الله وعن الآفاق المعنوية، ودفعته نحو المعصية والمجون فهي محرّمة. أمّا اذا خلت من هذه المضار الموجبة للحرمة فهي حلال. ولا شك في ان ما قلته قد يكون موجوداً في الموسيقى غير المصحوبة بكلام وفي المعزوفات، وبعضها حتى في الكلمات، أي من الممكن على سبيل الفرض وجود موسيقى لا ضرر فيها، ولكن قد يصحبها شعر أو كلام فيه ضلال أو يدفع نحو التحلل والتهتك والغفلة وإثارة الشهوة وما شابه ذلك، وعند ذلك يحرم هذا النوع من الموسيقى. ومعنى هذا ان معيار الحلّية والحرمة في الموسيقى، وهو ما طرحه الامام في أواخر حياته بشأنها، هو هذا المعيار.

هناك ما يُسمى بالمصطلح الفقهي بموسيقى اللهو؛ واللهو معناه الغفلة والابتعاد عن ذكر الله والابتعاد عن واقع الحياة وعن العمل والمثابرة والانغماس في التحلل والابتذال، وهذا النوع من الموسيقى محرّم طبعاً، ولا يغير حرمتها اقترانها بكلام او تغيّر أساليب العزف.

اما وصفكم للموسيقى باللغة العالمية، بمعنى انها تجاوزت الحدود وانتشرت في أماكن كثيرة، فهل في هذه الصفة دلالة على جودتها وحسنها؟ وهل مقدرة موسيقى معيّنة على الخروج من حدود بلد ما والانتشار في بلدان أخرى والحصول على هواة فيها دليل على جودتها؟ كلاّ وألف كلاّ. اذا كانت ثمّة موسيقى تبعث على اثارة الشهوة، لابد وانها تستهوي حفنة من الشباب المغفلين، وحيثما وجدت مثل هذه الاشرطة الموسيقية تحظى بالاهتمام والتداول بين أمثال هؤلاء الشباب. وهذا طبعاً لا يعدّ دليلاً على جودة هذه الموسيقى.

لا أستطيع القطع بحلّية الموسيقى الإيرانية الاصيلة. يتوهم البعض ان المعيار في حلّية الموسيقى وحرمتها هو مصدرها؛ كأن تكون من التراث الإيراني أو من غيره. ولكن حقيقة الأمر ليست كذلك؛ فالموسيقى التي كثيراً ما حوربت من قبل أكابر الدين ودعاة الشريعة وأفتوا بحرمتها في العهود السابقة هي الموسيقى التراثية الإيرانية التي كانت تعزف في بلاط السلاطين وأهل الفسق والمجون الذين كانوا يخوضون في الشهوات.

وعلى هذا الاساس لا يحدد معيار حرمة الموسيقى في كونها إيرانية أو تراثية أو غربية أو شرقية، وإنّما الملاك هو ما ذكرتُ، ومن الممكن ان أفوّض هذا الملاك اليكم. اما القول في ان هذا الشريط يدخل في اطار هذا النوع ام ذاك، فهذا ما لا استطيع البتّ فيه.

توجد في الوقت الحاضر اجهزة مختصة تتولى فرز هذه الأنواع، لكنني لست واثقاً بصواب هذا الفرز على وجه الدقّة. لأنّ البعض يأتينا ويخبرنا بأنّ أشرطة متهتّكة جداً أجيز تداولها، وقد يقع العكس أحياناً، ولا علم لي بمدى حصول هذا الفرز للمعايير الحقيقية. أمّا ما استطيع الإدلاء به لكم باعتباركم شاباً صالحاً وكواحد من أبنائي فهو ما أسلفت قوله.

يبدو لي ان الموسيقى قادرة على إغواء الإنسان وإضلاله وسوقه نحو الشهوات وإغراقه في مستنقع الفساد والرذيلة والانحطاط، ويمكن ان تكون على العكس. وهنا يكمن معيار التحليل والتحريم . آمل ان تدخلوا أيّها الشباب الى ميادين الحياة مجهزين بزاد التقوى، وان يكون لكم نتاج يحمل بالمعنى الحقيقي للكلمة خصائص الموسيقى الجيّدة والبليغة، ويكون ذا تأثير إيجابي حقّاً، وفيه توجيه للشباب والنفوس نحو النقاء والآفاق المعنوية ونحو الحقيقة.

 

* لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. سلامي وتحياتي لقائد الثورة أصالة عن نفسي ونيابة عن القطاع الرياضي وخاصّة المصارعين.[وبعد ان قرأ السيد جديدي مقطوعة شعرية، قال]:

نحمد الله تبارك وتعالى على ما نشهده ونحن في عهد الشباب من مرور الذكرى السنوية العشرين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران وحلول عقدها الثالث. أستهل حديثي بكلام رائق لسماحة الامام الراحل قال فيه: «إنني لست رياضياً، ولكنني أحب الرياضيين». وهذا القول الحكيم ينطوي على ألف مغزىً ومغزى؛ إذ إنه أعطى للرياضة أولوية خاصة. وانطلاقاً من تصريحات سماحتكم بشأن الرياضة وإحراز البطولات فيها – وان الفرق الرياضية الإيرانية يجب ان تكون في عداد أفضل ثلاث فرق رياضية في العالم، حتى يتسنّى للشباب الإيرانيين الغيارى تصدير الثورة الإسلامية عن طريق الميادين الرياضية الفسيحة، وإبراز مقدرة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية امام انظار العالم. وكما تعلمون ان للرياضة صدى وتأثيراً واسعاً في العالم كلّه وخاصّة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، وكما تعلمون ايضاً ان الممارسات الرياضية العامة تختلف عن الألعاب البطولية، أذكر على سبيل المثال ان الالعاب الاولمبية التي يجرى فيها خمس وعشرون نوعاً من المسابقات غالباً ما ينال قصب السبق فيها رياضيون محترفون يتدربون وفقاً لأساليب علمية وتقنية وثقة عالية بمستقبل مشرق. ومن المؤسف ان توجيهاتكم بشأن الرياضة والبطولات الرياضية لم تدرك أجهزة الدولة أبعادها، وأشير الى مثال بارز في هذا السياق وهو ان النواب المحترمين في مجلس الشورى الإسلامي عند مصادقتهم على ميزانية عام 1378 [هـ.ش] تسببوا، وانطلاقاً من رؤية بعيدة عن الخبرة المهنية، في إضعاف القطاع الرياضي. ومع وجود المشاكل الجمّة التي تعانيها الرياضة في إيران ومن جملتها الخدمة العسكرية لأصحاب البطولات، ومشكلة السكن، والعمل المناسب، والتي لا تشكل إلاّ جانباً من جوانب مشاكل الرياضة عموماً ، ألا تعتقدون بعدم إمكانية تحقيق مثل هذا الطموح بالنسبة للشاب الذي يتطلع للبطولة، لكنه يعيش هواجس مستقبل مجهول ويسلك طريقاً وعراً حافلاً بالمعوقات؟ يرجى الإدلاء برؤيتكم وتقييمكم لعموم الشؤون الرياضية السائدة في البلد حالياً. وبشكل عام هل انتم راضون عن وضع الرياضة الحالي أو لا؟

- وفقكم الله. ان السيد جديدي – ما شاء الله - مع ما لديه من قوة واقتدار رياضي وبطولي، هو من هواة الشعر أيضاً. حسناً جداً، امّا قولكم ان البطولة غير ممكنة من خلال هذا المسلك الوعر، فقد أثبتّم أنتم شخصياً إمكانية ذلك، فكيف تقولون بعدم امكانية ذلك؟! فأنتم وأمثالكم وأمثال بطل المصارعة السيد خادم والكثير من المصارعين الآخرين اجتزتم هذا المسلك الوعر نفسه، واستطعتم مع وجود هذه المصاعب إحراز مراكز بطولية. وفي صنوف الرياضة الاخرى كان هناك أبطال بارعون تألّقوا في هذه الميادين وحققوا انجازات باهرة مع وجود هذه المسالك الوعرة ذاتها. اذاً تتضح هنا إمكانية اجتياز أصعب العراقيل ومعالجة أسوأ الظروف بواسطة الجد والمثابرة والهمّة والعزم والارادة التي تلاحظ على نحو واضح لدى الرياضيين البارزين. وهذا هو رأيي الذي سبق لي ان صرّحت به مرّات عديدة في مجال الرياضة.

اني اعتبر الرياضة واجبة لعموم الناس، بما فيهم الشباب والشيوخ رجالاً ونساءً. ومعنى هذا ان الرياضة اذا كانت واجبة على الشباب، فهي واجبة علينا ايضاً، لأنها تدخل بالنسبة لمتوسّطي الأعمار في باب سلامتهم وتتوقف عليها حياة الشخص أو موته. بمعنى انه اذا مارس الرياضة يعيش حياة سليمة، ولا يصاب بالمرض والكآبة. اما اهميتها بالنسبة للشباب فلأنها تمنحهم السلامة والنشاط والبهجة والجمال. وفي ضوء ما مرّ ذكره، أعتبر الرياضة واجبة لعموم الناس، رجالاً ونساءً، وبما يتناسب مع أعمارهم.

ومن الطبيعي ان الرياضة المقصودة هنا لا يراد منها الألعاب البطولية والمشاركة في المسابقات. بعض الناس يتصور ان الرياضة تعني وجوب المشاركة في المسابقات. واذا قلت بوجوب ممارسة المرأة للرياضة، فلا يعني ذلك ضرورة المشاركة في المسابقات. وإنّما يجب ان تضع الرياضة ضمن منهاج حياتها اليومي كتناول الطعام، وأداء الاعمال اليومية، والدراسة.

كما انني اعتقد من جهة أخرى بوجوب ألألعاب البطولية، اذ لولا هذه الألعاب لما وجدت الممارسات الرياضية العامة.فلابدّ من وجود قمّة ليتحرك أناس كثيرون عند سفوحها. وهذا هو السبب الموجب للألعاب البطولية. ولا شكّ في ان المشاركة في الميادين الدولية للألعاب البطولية تتمثل في جلب السمعة للبلد ورفع اسمه عالياً. والدليل على ان هذا الشعب ذو عزم وإرادة أن لديه امثال هؤلاء الشبان، وقادر على الإتيان بمثل هذه الانجازات، والاضطلاع بمثل هذه المهام. وهذا تجسيد لمعنى البروز على الصعيد الدولي. وهذه الفوائد التي تنطوي عليها الألعاب البطولية، والمشاركة في الميادين العالمية هي التي تجعلني أقرّها.

ليس لديّ اطلاع على ميزانية القطاع الرياضي لهذا العام؛ لأنها من صلاحية الحكومة ومجلس الشورى، ولا أعلم الأرقام والمبالغ على وجه الدقّة، بيد انني أشاهد أحياناً البرامج التي يعرضها التلفاز عن مداولات مجلس الشورى في ما يخص الميزانية، وتقدّم لنا نسخة من لائحة الميزانية. لكنني لا اعلم على وجه الدّقة وضع ميزانية الرياضة التي أثارت قلقكم.

من الطبيعي ان لدى مسؤولي القطاع الرياضي حوافز قوية لتطوير هذا القطاع، إلاّ انني غير راضٍ تماماً عن الوضع الحالي للرياضة في بلدنا. هناك بطبيعة الحال تقدّم، إلاّ انه ليس على المستوى المطلوب، فلا الممارسات الرياضية العامة تحظى بالانتشار المطلوب، ولا الرياضة على الصعيد العالمي ناجحة كما ينبغي.

حضر الى هنا قبل مدّة مسؤولو القطاع الرياضي وعدد من الرياضيين، وصرّحت لهم برأيي في ان إيران لا ينبغي ان تكون في آخر قائمة ميادين الرياضة العالمية، بل يجب ان تكون ضمن البلدان الثلاثة الاولى في ميادين الرياضة العالمية. ولا أقول بوجوب ان تحرز المنصب الاول او الثاني، ولكن ينبغي ان تكون في الصدارة. ويعزى سبب ذلك الى اننا لدينا تاريخ رياضي حافل،ولدينا شباب سالمون، ومناخ مناسب ونمو بدني جيّد، ولدينا طاقات بشرية كفوءة. ولهذا يجب ان نحرز تقدّماً على الصعيد العالمي.

من المؤسف طبعاً ان رياضتنا الوطنية المنبثقة من ثقافتنا وتراثنا مهملة حالياً، وهذا ليس بأيدينا. وهنالك أنواع أخرى من الرياضة في بلدنا متروكة، وقد ذكرت أسماء عدد منها في اللقاء الذي أشرت إليه آنفاً؛ فلعبة الصولجان مثلاً من جملة انواع الرياضة القديمة لدينا، ومن جملتها ايضاً ألعاب القوّة المسمّاة بالرياضة القديمة (الزورخانه)، وهي ألعاب ممتازة يمكن طرحها على الصعيد العالمي، بل وحتّى بإمكاننا إبداع انواع من الرياضة للعالم. فلعبة كرة القدم وكرة السلة لم يكن لهما ذات يوم أي وجود، لكنهما ابتدعتا وانتشرتا في العالم. فلماذا لا يبتكر الرياضيون وأصحاب الاختصاص الايرانيون نوعاً من التجديد في عالم الرياضة؟ كنّا قبل قليل نتحدث عن التجديد، وأحد الميادين المفتوحة امام التجديد هو ميدان الرياضة، ينبغي إيجاد نوع من التجديد وابتداع أشياء جديدة في القضايا الرياضية وفي الرياضة نفسها.

أمّا بالنسبة للرياضة العامّة، فيجب علينا اتخاذ اجراءات أساسية بشأنها. وبما ان هذا الحديث سيبثّ ويسمعه الشباب؛ لهذا أوصي الجميع بممارسة الرياضة. وحينما أذهب أحياناً في الصباح الى مرتفعات شمال طهران وأجد تلك الاماكن خالية من الناس أشعر بالاستياء بينما أشعر بالارتياح حينما اذهب الى هناك احياناً ايام الجمعة وأجد أعداداً غفيرة من الناس.

وأعتقد ان الله تعالى وفّر لأهالي طهران وسائل مجانية للرياضة في مرتفعات (البرز) هذه، غير ان الأكثرية لا تستفيد منها. فهذه المرتفعات لم ننفق لأجلها أموالاً ولم نبذل فيها جهوداً، وعلينا فقط ان ننتفع من هذه الهبة الربانية ونمارس الرياضة في أجواء مفتوحة وهواء طلق. وكل المدن في بلدنا تقريباً توجد فيها مثل هذه الامكانيات المجانية، لأن مستلزمات الرياضة لا تنحصر بالضرورة في حلبة المصارعة او الملاعب الرياضية وما شابه ذلك.وهذه طبعاً من جملة المستلزمات الواجب إيجادها، واذا لم تكن موجودة، فيجب السعي لإيجادها. أمّا ما تستلزمه الرياضة العامّة فهو الارادة والهمة ووجود المكان الذي يمكن فيه ممارسة الرياضة على نحو معيّن. ومثل هذا المكان موجود والحمد لله في كل ناحية بشكل او آخر.

انني أوصي الجميع بممارسة الرياضة، وأوصي جميع الابطال الرياضيين والمختصين في شؤون الرياضة بالتجديد، والمثابرة لكسب مزيد من المهارة والقوّة البدنية من أجل احراز تقدّم اكبر في الميادين العالمية. وأوصي مسؤولي القطاع الرياضي بتهيئة ما يمكن من مستلزمات للرياضيين على طريق تحقيق هذه المهام.

* نتقدم لسماحتكم بوافر التحية والسلام ونشكركم على تخصيص هذه الفرصة لمقابلة ممثلين عن جيل الشباب .

سماحة السيد الخامنئي، بما ان مجتمعنا شاب، ويبدو من حسن الحظ ان شبابنا اكثر ما يقضون اوقات فراغهم في الرياضة أو في متابعة الشؤون الرياضية، ونظراً لأن شباباً تحدوهم الرغبة لمعرفة أبعاد شخصية قائدهم، نتوجه اليكم بسؤال وهو: هل تسمح لكم الفرصة في برنامج عملكم اليومي بمشاهدة البرامج الرياضية التي تبثّ من التلفاز؟ وسؤالي الآخر انتهز فيه فرصة وجود السيد استيلي بيننا وأسألكم عن شعوركم عندما سجّل السيد استيلي ذلك الهدف الباهر في مرمى الفريق الامريكي، وما الذي دفعكم لكتابة ذلك البيان؟

- عندما جاءني السيد استيلي لاحقاً قلت له انني اقبل جبهتك لقاء ذلك الهدف وقبّلت جبهته. من المؤسف انني قلّما تسنح لي الفرصة بالتفرّج على البرامج الرياضية في التلفاز. وهناك سبب آخر وهو ان أكثر البرامج الرياضية في التلفاز مخصصة للعبة كرة القدم، وأنا لا خبرة لي في هذه اللعبة، وحتّى انني لم أمارسها في شبابي وإنّما كنت أمارس لعبة الكرة الطائرة. أمّا بالنسبة للمباراة التي جرت بين إيران وأمريكا فإنني في الحقيقة لم يكن في نيّتي مشاهدتها، لأن وقتها كان متأخراً ويتعارض مع وقت نومي، ولكنني عندما كنت جالساً دار في خلدي ان اشغل التلفاز، وواجهتني فيه فجأة صورة الهدف الذي أحرزه السيد استيلي، فطار النوم من عيني وبقيت أتفرّج على المباراة حتّى نهايتها. أمّا السبب الذي دعاني لكتابة تلك الرسالة فهو انني حين اجتمعت بالاخوة المعنيين بكرة القدم تحدثت اليهم بحديث، أنقل لكم هنا بعض الجمل التي وردت فيه – ولم تنشر وسائل الاعلام ذلك اللقاء،ولم يطلع الناس على مضمون ما دار فيه - قبل ذلك الاجتماع أخذت اجهزة الاعلام التابعة لامبراطورية الدعاية العالمية تثير حملة دعائية حول تلك المباراة واصفة إيّاها بالمباراة السياسية في حين يؤكد الجميع على الفصل بين السياسة وبين كرة القدم والرياضة عامة. وكانوا يستهدفون من وراء إضفاء طابع سياسي على تلك اللعبة، أمرين هما:

أولاً: قضية العلاقات الإيرانية الامريكية. لا أدري الى أي مدى كنتم مطّلعين على مجريات الامور، بينما كنا نحن الذين نتابع اخبار وتصريحات الاذاعات الاجنبية، نلمس مدى كثافة التركيز الاعلامي على هذا الجانب.

ثانياً: ان التوقعات كانت تشير - وخاصّة من قبل الامريكيين أنفسهم، ولو أنهم لم يعلنوا ذلك صراحة، ولكنه كان يستشف من بين ثنايا أقوالهم - الى ان الفريق الإيراني سيهزم، وليس ثمة احتمال بفوزه. ومعنى ذلك ان الرئيس الامريكي سيظهر على شاشة التلفاز - كما كان مقرراً - ويتحدث من موقع القوّة والاقتدار، قائلاً اننا قد هزمناكم، ولكن تعالوا نمدّ الى بعضنا الآخر يد الصداقة؛ إلاّ ان ذلك الهدف وما أسفرت عنه المباراة التي خاضها أبناؤنا الاعزاء، قد قلب الأمور ظهراً على عقب، وأصبح تجسيداً لموقف الشعب الإيراني حيال أمريكا. وقد استعملت في الرسالة التي أصدرتها كلمة «تجسيداً»، لأنني لم أقصد القول ان هذا اللاعب سجّل ذلك الهدف لأغراض سياسية، وإنما كان يلعب كرة القدم بمهارة وخبرة أقوى من خصمه وأحرز هدفاً ضدّه.وأي لاعب آخر لو كان في موقفه لسجّل هدفاً، وأيّ لاعب آخر لو كان في الوقت الذي كان فيه الخصم سُجِّل ضده ذلك الهدف. ومعنى هذا هو ان اللاعب لم يُسجّل الهدف لغرض سياسي، لكن ذلك الهدف قلب تماماً كل الصورة السياسية التي أرادوا إضفاءها على تلك اللعبة. وحاولت أنا استثمار ذلك الموقف بأقصى ما يمكن. وأثارت تلك الواقعة غضبهم وأخذت وسائل الدعاية العالمية تلك تشيع بأن فلاناً أضفى طابعاً سياسياً على لعبة كرة القدم. ولم يقولوا انهم هم الذين أضفوا عليها هذه اللعبة قبل بضعة أسابيع.

 

* بعد السلام نتقدّم لسماحتكم بأحرّ التهاني ونشكركم على إتاحة هذه الفرصة للقائكم.

ان شريحة الشباب بحاجة الى أجواء سليمة وخالية من التوتّر لاستثمار طاقاتهم، ومن أجل ان تكون لديهم رؤية واستيعاب صحيح لمختلف القضايا الاجتماعية، إلاّ ان المواقف الحالية لبعض التيارات كثيراً ما تثير التوتر في هذه الاجواء، مع ان البواعث الجذرية لبعض هذه الحالات غير واضحة لدينا، ويبدو انّها تعود الى عدّة عقود خلت. وهذه المجموعات كانت نفسها موجودة في صميم أحداث الثورة، وتدرك تمام الادراك ان اهم عوامل انتصار الثورة وديمومتها تكمن في وحدة الأمّة، الا ان هذا التناحر،فضلاً عن الضرر الذي يلحقه بالوحدة، قد تسبب في إلقائنا نحن الشباب في وادي الحيرة، وأوجد لنا نوعاً من الضجر والتبرّم. وسؤالي هو ما الذي ينبغي على الشباب، وخاصة الطلبة الجامعيين، فعلُه في الظروف الراهنة، ونحن على أعتاب العقد الثالث من عمر الثورة، من اجل ان يكون لديهم فهم وتحليل صحيح للقضايا، ولكي لا يغفلوا، وهم في غمرة هذه الصراعات والنزاعات، عن التحديات التي تواجهها الثورة، وعن القضايا الاساسية للبلد، وعن الاعداء الحقيقيين؟ وسؤالي الآخر: ما هي توصياتكم في هذا المجال لتلك التيارات المتصارعة؟

- أوصي الشباب ان لا يعيروا هذه الصراعات الفئوية – حسب تعبيركم - أيّ اهتمام. وأوصي تلك التيارات بما أوصيتهم به مراراً، وهو الكف عن هذه الصراعات. ولكنني أحب التنبيه الى ان اختلاف الأذواق موجود، وتباين الآراء السياسية موجود أيضاً، غير ان العالم يحاول تصوير هذا الواقع وكأنّه حرب شاملة، بينما حقيقة الأمر ليست كذلك. ولو اننا ألقينا اليوم نظرة على الساحة السياسية لبعض الدول لوجدنا مثل هذا الجدل، كالجدل المحتدم حالياً بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا، وآل بهما المآل الى ما علمتموه من خلال الاذاعة والصحافة. وهل يمكن مقارنة ذلك التناحر بما يحصل لدينا من اختلاف بين جهة تنفيذية وهيئة رقابة دستورية حول تفسير مادّة قانونية؟ كلا طبعاً، لا وجه للمقارنة بينهما، لأن الموجود هناك صراع وتناحر، والموجود هنا اختلاف في الآراء.

الحقيقة ان لبعض الصحف أداءاً سيّئاً تبرزه من خلال عناوينها ومقالاتها ونوعية الاخبار التي تعكسها وتُظهر وكأنّ صراعاً ناشب هنا. ومن الطبيعي ان الاجانب يرغبون في الإيحاء بوجود صراع شامل ونزاع دامٍ بيننا. وأؤكد لكم كذب هذه الإيحاءات. وربّما وجد ثمّة تباين في الأذواق بين المسؤولين السياسيين والمسؤولين الاقتصاديين، أو المسؤولين الحكوميّين أو غير الحكوميين، غير انهم متعايشون، وهذا التعايش هو ما نُسميه بالوحدة.

قد يوجد هناك طبعاً من لا يتفق مع هذه الجماعة في الفكر والمعتقد، ولا يدخل في عداد أفرادها. كما ان أبناء الشعب قاطبة يقفون خارج صف هذه التكتّلات، ويعملون في اطار النهج الذي يسيرون عليه، وكل واحد منهم منهمك في شؤونه وتطلعاته وأمانيه. ويجب ان لا يسود تصور يستوحى منه وجود صراع طاحن في إيران - كما يلوّح الاجانب بذلك، ويُعيد أصحاب الصحف المغفلون اجتراره في الداخل - لأن مثل هذا الصراع لا وجود له، وإنّما هنالك اختلاف في الأذواق.

ان وحدة الكلمة سرّ انتصار كل شعب. وكانت وحدة الكلمة هي سرّ انتصار ثورتنا، وسرّ انتصارنا في الحرب. وسرّ تفوقنا في الادوار التي أعقبت الحرب الى يومنا هذا - وهي مراحل البناء والاعمار - يكمن في وحدة كلمتنا. أمّا اذا فقدنا وحدة الكلمة، ولم يكن بيننا قاسم وطني مشترك، فستضيع حينذاك كل إنجازات الشعب. إلاّ ان هذا المحور المشترك موجود لدينا، وأبناء الشعب ملتفّون كلهم حوله، وأكثر ما يلاحظ هذا في المسيرات وفي الحشود الجماهيرية؛ اذ تشارك في المواطن التي تطرح فيها آمال وغايات وتطلعات مشتركة جميع طبقات الشعب وفئاته، دون أن تشعر بوجود أيّ اختلاف بينها.

 

* بما ان جيل الشباب، وطلبة الجامعات على وجه الخصوص، يتطلعون الى استكناه الحقائق، ويبحثون عن تحليلات واضحة للأمور، من الطبيعي ان يؤدّي استمرار مثل هذه اللقاءات، التي تطرح فيها تساؤلات الشباب وهمومهم وتقدّم فيها الإجابات من قبلكم، الى مساعدة الطالب الجامعي على التوصل الى تفهّم صحيح للقضايا وعدم الانسياق وراء الألاعيب السياسية، وعدم الارتماء في أحضان الأجنحة المختلفة، وتتكون لديه في الواقع رؤية سياسية، ويكون ذا تدبير سياسي. لقد توصلنا من خلال النقاشات التي دارت مع الطلبة في الجامعات خلال الاعوام الماضية الى عدم صواب بعض الأساليب التي اتّبعت في اختيار وتعيين الاشخاص في مختلف المناصب؛ وذلك يعزى بطبيعة الحال الى حداثة النظام والى حداثة تجربة الحكومة الإسلامية. ولا شك في ان هذا الواقع يستلزم إعادة النظر في هذه القضايا. وكذا نستنتج من خلال البحث مع الزملاء في هذا المضمار ان «المصلحة» أو «شأنية النظام» لا تبيح الخوض في أمثال هذه الامور. وكثيراً ما كانت تدور بين الطلبة نقاشات تتساءل عن حدود تلك «المصلحة». وأعتقد ان لموضوع مراعاة المصلحة جذوراً عميقة على امتداد التاريخ ولدى جميع الحركات.وكثيراً ما يستغل أعداء النظام والثورة هذه النقاط لإثارة الشبهات في أذهان الشباب. ويوجد في هذا الصدد رأيان: يذهب الاول الى عدم مناقشة هذه القضايا أساساً، انطلاقاً من هذه المصلحة. بينما يذهب الآخر الى ان أبناء الشعب هم انصار الثورة، ولابد من مكاشفتهم بهذه القضايا تفصيلياً. ما هو رأي سماحتكم، بصفتكم قائداً للثورة، في كيفية التعاطي مع هذه القضايا؟

- هذه القضايا ليست من نسق واحد، ولا يمكن الحكم عليها جميعاً برأي واحد.

والمصلحة التي تحدثتم عنها صحيحة، ورعاية مصالح النظام ركن لاشك فيه؛ فقد تقتضي مصلحة شعب وبلد الاحجام عن عمل ما، ومن الطبيعي ان المصلحة ذات أهمية فائقة ولا ينبغي تجاهلها، ولكن من غير الصحيح طبعاً الإتيان بأعمال مغلوط فيها، والاستمرار عليها تحت ذريعة المصلحة.

أريد أن أطرح بادئ ذي بدء مسألة وهي وجوب الثقة بالمسؤولين المعروفين ومن يتحملون أعباء ثقيلة. عندما يركب أحدنا حافلة يجدها تسير على مهل تارة وتسرع تارة أخرى، وتسابق غيرها مرّة ، وتفسح المجال لغيرها مرّة أخرى. فاذا كنا نعارض السائق في كل واحدة من هذه الحالات وننكر عليه التوقف أو نلومه على الاسراع، فلا يستطيع والحال هذه قيادة الحافلة. فنحن اذا جلسنا في الحافلة وارتضينا لسائقها تسلّم زمام قيادتها فيجب الوثوق به والاعتماد عليه.

أمّا بالنسبة لما ينبغي وما لا ينبغي للشباب وللطلبة بحثه، فأنا أرى ضرورة البحث في أمثال هذه القضايا. غاية ما في الأمر ان البحث يجب ان يكون واقعياً بعيداً عن الجدل العقلي، لأن الجدل العقلي لا يُعنى عادة بالحقائق والوقائع، ويقوم على التحليل وحده، ويسوق الانسان الى غير هدى.

من حسن الحظ انني تصلني رسائل كثيرة يكتبها إليّ أشخاص مختلفون بدافع النصح أو المحبة أو إبداء وجهة نظر معيّنة أو حتى بدافع الانتقاد، ويدور بعضها حول مواضيع ذات أهمية. وقسم من هذه الرسائل اقرأه بنفسي والقسم الآخر يلخّص ويقدم إليَّ. ولاحظت ان الكثير من هذه الرسائل ذات طابع تحليلي وتختلف عن الرسائل العادية، والكثير من التحليلات الواردة فيها ناجمة عن عدم اطلاع وعدم معرفة بحيثيات الأمور. فإذا قيل ان هذا الرأي الذي تطرحه سبق ان طرحه فلان على فلان، وكانت له تتمة معيّنة، أو كانت مقدمته تنطوي على كذا، أو ان هذا الرأي لم يطرح أساساً، أو انه طرح في كذا تاريخ؛ فهذه التحليلات المطوّلة تذهب كلّها أدراج الرياح. أنا أعتقد ان الشباب، وخاصة في الوسط الجامعي، لا بأس عليهم بالبحث والنقاش، ولكن يجب ان تجري تلك النقاشات في ضوء الوقائع والأرقام. أو بتعبير آخر يجب إفضاء طابع واقعي على التحليلات.

المسألة الثانية هي ان هذه النقاشات يجب ان لا تنتهي الى الجدال؛ فالجدال أسلوب ذميم، وهو ما عبّرت عنه الاحاديث الشريفة بالمراء، الذي يعني إعادة وصقل المعلومات وطرحها على المقابل في محاولة لتغليبها على آرائه بأي ثمن كان. وهذه الصفة مذمومة شرعاً ومستهجنة عقلاً. ولو تم استبعاد هاتين الصفتين، لكان البحث والنقاش وعقد الاجتماعات الكبيرة لغرض التباحث مفيداً في إنارة العقول وصقل الأذهان.

 

* ان الشباب الذين عاشوا عهد الثورة لمسوا التسلط الاستعماري عن كثب؛ ومعنى هذا انهم شاهدوا وأدركوا الكثير من الاشياء، إلاّ ان شباب اليوم لا يملكون تصوراً واضحاً عن طبيعة التسلط الاستعماري. وهذا أمر طبيعي لأنهم لم يدركوا أيام الثورة ولم يشاهدوا الخبراء الاجانب، ولم يعيشوا الفترة التي كانت فيها جزمة المستعمر تطأ أرض وطننا الإسلامي. وانطلاقاً من هذا الواقع نجد الشباب متى ما دار الحديث حول رفض الغرب يتبادر الى أذهانهم رفض التقنية الغربية. فقد ذهب البعض الى رفض الغرب كلياً، بينما ذهب آخرون الى اعتبار الانفتاح على الغرب تخلٍّ عن القيم الإسلامية والوطنية، ونظراً لأن رفض الغرب لابد وان تكون له أسبابه الواضحة لدى ثورتنا ونظامنا، نرجو من سماحتكم اعطاء تعريف جامع مانع للغرب، يتيح لنا أخذ ما لديه من محاسن وإيجابيات، واجتناب ما لديه من سلبيات، مع الاحتفاظ بمبادئنا وبقيمنا الإسلامية والوطنية.

- هذا سؤال جدّ مهم. وسأعرض على أسماعكم هاهنا عدّة نقاط تتعلق به، وهي ان رفض الغرب لا يعني على الاطلاق رفض التقنية والتقدم والعلم والتجارب الغربية، وليس هناك عاقل يقول بهذا. رفض الغرب معناه عدم القبول بتسلّط الغرب سياسياً واقتصادياً وثقافياً. وسأتحدث لكم هنا بشيء من الإيجاز عن التسلط الثقافي الغربي، عسى ان تكون فيه فائدة لكم.

ان الثقافة الغربية تتألّف من مزيج من المحاسن والمساوئ. وما من أحد يدّعي ان الثقافة الغربية قبيحة برمّتها، بل لابد وانها تنطوي - كأية ثقافة أخرى - على محاسن. وليس هناك من أحد يرفض الثقافات الاجنبية، كلّياً ويدعو الى إغلاق الابواب بوجهها. وإنّما الثقافة الغربية، كالثقافة الشرقية وكأيّة ثقافة أخرى في العالم، فيها سلبيات وإيجابيات وأي مجتمع عاقل يأخذ منها تلك الإيجابيات ويغني بها ثقافته، ويرفض ما فيها من سلبيّات.وكما أسلفت الاشارة، لا يوجد أيّ فارق هنا بين ثقافة أوربا، وأمريكا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، واليابان، وينطبق عليها بأجمعها حكم واحد. ومتى ما عرضت لنا ثقافة ما، نحاول جهد الإمكان استقاء محاسنها، ورفض مساوئها وما لا يتناسب معنا منها، وكل ما هو قبيح ومضر، وكل ما يتنافى مع ما نراه حسناً. وهذا مبدأ عام نسير عليه.

اما بالنسبة للثقافة الغربية على وجه الخصوص، فهناك نقطة مهمة أودّ ان تلتفتوا - انتم الشباب الاعزاء - إليها، وهي ان الثقافة الغربية - أي ثقافة الاوروبيين - تتّسم بمنقصة لا وجود لها في سائر الثقافات الاخرى - كما نعلم -، وتلك المنقصة هي النزعة التسلطية، التي لابد وان تكون لها أسبابها البشرية والجغرافية والتاريخية؛ فما ان أحرز اصحاب هذه الثقافة تفوقاً علمياً، حتى حاولوا فرض ثقافتهم الى جانب تسلطهم السياسي والاقتصادي، الذي اتخذ القرن التاسع عشر صورة الاستعمار المباشر، ودأبوا على محاربة ثقافات الشعوب الأخرى. وهذا طبعاً موقف ذميم؛ اذ من الطبيعي ان الشعوب ترغب في سيادة ثقافتها القومية والوطنية في بلدانها، ومن غير المقبول فرض ثقافة ما على شعب يرفضها مهما كان حسن تلك الثقافة. ولا شك في ان الانسان يفضل تناول الخبز واللبن برغبته على ان يرغم على تناول الرز والكباب مثلاً. والشعوب تلفظ تلقائياً كل ما يفرض عليها بالإكراه وكل ما ترغمها عليه جهة أخرى تعاملها بمنطق العجرفة والاستعلاء، بل ولابد لها من لفظ ذلك.

نذكر على سبيل المثال ان ربطة العنق ظاهرة غربية يميل اليها الغربيون وهي تتماشى مع تقاليدهم. فاذا ما ارتدى شخص من بلد آخر السترة والبنطلون ولم يرتد ربطة العنق أو وردة العنق، ينظرون اليه على انه شخص غير مؤدب وغير منضبط ولا يسمحون له بدخول مجالسهم الرسمية. وهذا بمثابة فرض للثقافة الغربية على الشعوب الاخرى.

وبالنسبة للمرأة الغربية، هنالك منهج سلوكي معين لها، وللغربيين نظرتهم الخاصّة للمرأة ولأسلوب حياتها ولطريقة ارتدائها للزي وعلاقتها بالرجال وبالمجتمع. ولا نريد الخوض هنا في مدى صحّة أو سقم هذه النظرة، ولكنما نتحدث عن محاولاتهم فرض تلك النظرة وتلك الثقافة على الشعوب الاخرى. وهذا هو الجانب المستقبح في الثقافة الغربية.

ضربت في وقت ما مثلاً لرجل يتناول دواء بمحض إرادته، وآخر يُخدّّر أو يضجع على الارض وتوثق يداه ورجلاه ويحقن بعقار ما. وهذا المثال يصدق على محاولات الغربيين حقن ثقافتهم للشعوب الاخرى بواسطة الانظمة العميلة والفاسدة، وكان النظام البهلوي البائد - لا غفر الله لهم جزاءً على ما فعلوه بالشعب الإيراني - من هذا القبيل؛ اذ سعوا الى فرض الثقافة الغربية على بلدنا بمختلف الطرق والأساليب، ولهذا كانوا يستحقرون الشعب الإيراني ويستهينون بثقافة ومعتقداته الوطنية.

في عهد النظام البهلوي وما سبقه بقليل؛ أي في أواخر العهد القاجاري حيث كانت الهجمة الغربية قد بدأت وبلغت ذروتها في العهد البهلوي، كان الاشخاص الذين تربّوا في تلك الفترة لا يعتبرون الشعب الإيراني قادراً على إدارة شؤونه بنفسه، أو انتاج شيء أو تقديم شيء للعالم، أو اضافة شيء الى معلومات العالم. ولكن ما هو السبب الكامن وراء وجود مثل هذه النظرة؟ لا شك في ان السبب يكمن في استحقار الثقافية الوطنية، واستهجان الهوية القومية، وفرض الثقافة الغربية؛ وإلاّ فللثقافة الغربية محاسنها ومساوئها؛ اذ لاشك ان فيها قبائح تتعلق بهم، ولا بأس علينا بأخذ محاسن تلك الثقافة. أمّا ما هي هذه المحاسن؟ فذلك بحث آخر.

 

* نشكر سماحتكم على حضوركم بيننا وترك هذه الذكرى الجميلة في أذهاننا عن أيام عشرة الفجر في هذا العام.

أيّها القائد العزيز، متى ما دار الحديث عن الثورة وعطائها تأتي الاشارة الى الدور الاجتماعي للمرأة. وبما أننا لم ندرك عهد ما قبل الثورة، لا يمكننا المقارنة بين هذين العهدين. ومعنى هذا اننا لا نتحسس طبيعة الاوضاع التي كانت سائدة حينذاك، وما البواعث التي أحدثت ذلك التغيير في نفسية النساء وتغيير النظرة الاجتماعية الى قدرة المرأة على تحمل المسؤولية. ومن جهة أخرى لعل هناك عوائل ما زالت لا ترتضي هذا التوجّه حتى بعد مرور هذه المدّة. فكيف يمكن في رأيكم التوفيق بين رضا هذه الأسر وبين التكليف الشرعي الذي ألقاه الامام على عاتق المرأة على الصعيد الاجتماعي؟

- أجل، لقد كان للمرأة دور كبير في الثورة، كما كان للنساء دور كبير أيضاً في جميع الميادين من بعد انتصار الثورة الى هذا اليوم؛ وهذا حدث هائل ومثير للدهشة. أتصور ان المرأة تعرضت في عهد النظام البائد لظلم سياسي وثقافي أكثر مما يمكن أن تتعرض له من ظلم في بعض الأسر؛ فبدلاً من تشجيع المرأة على الابداع كانت كثيراً ما تُساق نحو التهتك والتحلل. ولما جاءت الثورة فسحت المجال امام النساء، فكان لهنّ نشاط أكبر وملاحم أروع.

أمّا عن سؤالكم حول التعارض الذي يقع بين الفتيات وأسرهن في هذا المضمار؛ فأنا أتصور ان أغلب العوائل الإيرانية – ولا أزعم عامّتها – المؤيدة للثورة والمحبّة لها ترحّب بمشاركة فتياتها في النشاطات التي تصبّ في مسار المشاركة العامة بنحو أو آخر. قد ترى احدى العوائل لو ان فتاتها واصلت دراستها لكانت أكثر نفعاً لمستقبل البلد، ولهذا تركّز هذه الأسرة على الجانب الدراسي في حياة الفتاة، وإذا لاحظت ان هذا النشاط الاجتماعي أو ذاك يتعارض مع دراستها تمنعها عنه أو تنصحها بعدم المشاركة فيه. وأظن ان الوضع الموجود – ان كان له وجود طبعاً - لا يتعدى مثل هذه الحالة. وإلاّ فلا ينبغي للعوائل معارضة نشاط أولادها.

ان النشاطات التي يمارسها الشباب تصقل شخصيّتهم وتضمن لهم مستقبلاً مشرقاً. وأنا أوصي العوائل بمساعدة أولادها على المشاركة في ما يناسبهم من نشاطات. وأوصي الفتيات بعدم النظر الى إرادة أسرهنّ وكأنّها عبء ثقيل. انكم بمثابة أولادي وأنا أتوجه إليكم بالنصح من موقع الأبوّة، وخذوا عني ان رؤى الآباء والأمّهات في ما يخص مصلحة أو مضرة أولادهم غالباً ما تكون أفضل من رؤى أولادهم وأوضح. واعلموا انهم عليكم حريصون.

من حقكم طبعاً مناقشة أبويكم. وأوصي الآباء والأمهات بفسح المجال امام اولادهم للنقاش، واحترام ارادة واستدلالات الأولاد؛واذا رأوا لديهم استدلالاً منطقياً يجب عليهم القبول به. وأعتقد ان هذا الاسلوب يمثل حلاًّ مناسباً.

أوصي الشباب بالمشاركة في النشاطات الاجتماعية، ولكن بشرط ان لا تكون تلك النشاطات حائلاً يعيقهم عن الدراسة. وعليهم أيضاً بترجيح النشاطات الاجتماعية ذات الطابع الديني الأوضح، لأن النشاطات الاجتماعية ذات الطابع الديني تخلو عادة من الضرر أو هي أقل ضرراً من غيرها - فيما اذا كانت تنطوي على ضرر -، إضافة الى ما تشتمل عليه من إيجابيات النشاط الجماعي. فإذا خُيِّرتم على سبيل الفرض في المشاركة بين سفرتين إحداهما أكثر قرباً للدين من الأخرى، فعليكم باختيار أقربها الى الدين. ولكن قد لا تكون الأمور واضحة على الدوام على هذا النحو؛ فهنا يستلزم الأمر دقّة نظر من قبلكم، ومساعدة من والديكم.

 

* اللهم لك الحمد حمد الشاكرين ، أحمد الله على توفيقه إيّاي للمثول بين يدي سماحتكم.

لقد بادر سماحة الامام الخميني في بداية الثورة، كما تعلمون، الى إعداد كوادر شبابية فوّض إليهم المسؤوليات ورّباهم على تحمل المسؤولية وإدارة دفّة الحكم. ولو نظرنا من هذه الزاوية نلاحظ ان سماحته حينما أقدم على هذا الاجراء وجهت الى الثورة تهمة تفويض شؤون البلاد الى عناصر شابّة وعديمة التجربة، في حين شاهدنا نجاحات كبيرة أحرزها الشباب في مقاطع مختلفة من عمر الثورة، وكثيراً ما تصدت عناصر شابّة لقيادة الفرق والألوية والأفواج بنجاح باهر. وأرى ان الثورة أخذت تبتعد تدريجياً عن مبدأ تفويض المسؤوليات للشباب رغبة في تطهير ثوبها من تلك التهمة. أود استطلاع رأي سماحتكم في هذه القضية.

- أبيّن لكم ابتداءً أننا لا نتخذ أي إجراء لإزالة تهمة التوجّه نحو العناصر الشابة.وأنتم اذا اعتبرتم هذا الاتجاه حسنة - وهو حسنة طبعاً - واعتبرتم التعويل عليهم مدعاة لتقدّم البلاد، فاعلموا ان الامور تجري اليوم على ذات المنوال. وأودّ في ما يلي تقديم ما لدي من معلومات في هذا المضمار لعلها تكون ذات فائدة لكم.

أمّا قولكم ان سماحة الامام فوّض المسؤوليات للشباب في بداية الثورة فهو كلام صحيح ويصدق على موارد كثيرة، ولكن في الوقت ذاته لا يصدق على موارد كثيرة أخرى؛ ففي مجلس قيادة الثورة الذي عين فيه الامام المسؤولين الاوائل، كان المرحوم آية الله الطالقاني الذي كان حينها في السبعين من عمره، وكان هناك اعضاء آخرون في المجلس أكبر منه سناً. وأعتقد انني كنت أصغر عضو في ذلك المجلس الذي عيّنه الامام وأضيف اليه أفراد آخرون في ما بعد، وكان عمري تسع وثلاثون سنة. ولكن أضيف الى المجلس لاحقاً أشخاص أصغر مني سناً، في حين كنت أنا عضواً في مجلس الثورة منذ البداية، ولا أرى كلمة «الشباب» تصدق على مثل هذا السن. أمّا الحكومة التي أمر الامام بتشكيلها في ذلك الوقت فتعتبر الحكومة الموجودة اليوم حكومة شابّة اذا ما قورنت بها؛ اذ كان رئيس تلك الحكومة في السبعين من العمر، أمّّا رئيس الجمهورية الحالي فيبلغ عمره أربعاً وخمسين سنة. وكان في تلك الحكومة وزراء يبلغون من العمر سبعين أو خمساً وستين سنة، ولا أعتقد ان أصغرهم سنّاً كان دون الخمسين من العمر. أمّا الوزراء في الحكومة الحالية فأغلبهم بين سن الاربعين والخمسين، والقليل منهم بين الخمسين والستين. ومعنى هذا ان الحكومة الحالية أقرب الى سن الشباب من حكومة اول الثورة.

لقد قلتم صدقاً ان الامام كان يثق بالشباب ويعتمد عليهم؛ ولهذا كان القادة الاوائل لحرس الثورة – الذين وضعوا اللبنات الاولى لكيان حرس الثورة الإسلامية - من الشباب وأدّوا ذلك الدور الفاعل في الحرب. وحينما كانوا يُقدَّمون الى الإمام ويتعرّف بهم، لم يقل لأحد منهم قطّ انك مازلت شاباً فكيف لك بتحمل هذه المسؤولية، وإنّما كان يرحّب بتلك الخطوة.

كان في وزارة الشهيد محمد علي رجائي شباب صالحون، وهي أول وزارة يدخلها شباب بالمعنى الحقيقي للكلمة. وجاء من بعده المهندس حسين الموسوي وهو الذي أدخل الشباب الى حقل المسؤوليات الحكومية.

ان الاتجاه نحو العناصر الشابّة لازال سائراً في يومنا هذا، بيد ان الشاب الذي تصدّى لمسؤولية تنفيذية قبل عشرين سنة، لا يجوز الامتناع اليوم عن تفويضه مسؤولية ما لا لجرم سوى انه لم يعد اليوم شاباً، فالتجربة ليست مما يُنال بين ليلة وضحاها. وإنما هي كإناء تضعه تحت شجرة المطاط لتحصل منها على صمغ ثمين، فهو يمتلئ قطرة فقطرة، ثم اذا امتلأ نقول يكفي ونفرغه، ونضعه تحت الشجرة الى ان يمتلئ من جديد.

يجب معرفة قيمة التجارب والاشخاص المجرّبين. ومن الطبيعي ان الاعتماد على المجرّب لا يعني إغلاق الابواب أمام الطاقات الشابّة.

لا أعتقد بوجود نزعة لدى المسؤولين اليوم تدعو الى عدم فسح المجال امام الشباب، بل يلاحظ حالياً وجود شبان كفوئين على رأس مسؤوليات كبرى. نأمل ان تتقوى لدى الشباب حوافز الدخول الى الميادين الاساسية والهامّة، وتترسّخ ايضاً لدى المسؤولين دوافع الاستعانة بهذه الطاقات الفتية.

 

* سماحة القائد العزيز،لكم قول وصفتم الامام الراحل بما مضمونه: انه علّمنا ان التحلّي بصفات الكمال الانساني والدنو من مراتب الحكمة ليس عملاً إعجازياً.

تقدم الطلبة أو الشباب إلى الامام الراحل في زمن حياته بطلب انتداب ممثل عنه يراجعه الشباب في ما يتعلق بمشاكلهم، وقد انتدبكم الإمام لهذه المهمة.ورجائي منكم هو ان تعيّنوا ممثلاً أو ممثلين عنكم يرجع اليهم الشباب في ما لديهم من مشاكل وأسئلة.

- انتدبني الامام لهذه المهمة بعدما راجعه عدد من طلبة الجامعات، وأخذت حينها أتردد عليهم لتلك الغاية. وفي الوقت الحاضر يوجد بين طلبة الجامعات علماء دين جيّدين وموضع تأييد من قبلي، ولا أريد هنا ذكر اسمائهم، وحتى ان البعض منهم عرّفته الى الطلبة بالاسم، وهم موجودون حالياً ولديهم نشاطات جيّدة.

العمل الذي أشرتم اليه كان مبادرة جديدة غير مسبوقة بمثلها ولم يأت قبلها مجموعة من الشباب مثلاً ليطلبوا من الامام انتداب عالم دين يعنى بشؤون الشباب، ولبّى الامام طلبهم، ولم تنشر وسائل الاعلام ذلك الخبر، وإنّما نشره الشباب أنفسهم وعلمتموه، وها انتم تطرحونه حالياً. غير ان هذا العمل أصبح شائعاً في الوقت الحاضر.

يوجد في كل الجامعات اليوم علماء دين شباب يمارسون مهامّهم، ولكن من الطبيعي انهم ليسوا بمستوى واحد ولا بنفس الدرجة من النشاط والكفاءة، ويوجد بينهم أفراد ذوو كفاءة وهم ان لم يكونوا أفضل مما كنت عليه آنذاك - وهم يقيناً أفضل - فهم ليسوا بأدنى من ذلك.

 

* وما هو الموقف بالنسبة لغير طلبة الجامعات؟

- حينما يكون الشبان من شريحة واحدة، كشريحة التلاميذ أو العمال، يمكن انتداب شخص لسماع مشاكلهم، وكذلك الحال بالنسبة لمن هم ليسوا من شريحة واحدة، حيث يمكن الاستعانة بعلماء الدين الشباب والرجوع اليهم في ما لديهم من قضايا.

اما الفارق بين الحال اليوم وبين ما كان عليه بالأمس، فهو ان الاتصال بالشباب - خاصّة الجامعيين منهم - لم يكن قد اتخذ حينذاك مثل هذه الصورة، ولذلك كان لابد منه. أمّا في الوقت الحاضر فقد أصبحت هنالك قناة للاتصال بالشباب. والكثير من علماء الدين والفضلاء من الشباب على اتصال بشرائح الشباب، ويبحثون قضاياهم ويتابعون شؤونهم، وكثيراً ما يرى ويسمع المرء منهم أفعالاً وكلمات قيّمة. ولهذا لا أرى اليوم ضرورة لتسمية أحد لمثل هذه السمة، واذا ما استدعت الضرورة ذلك في موقع ما فلا مانع من ذلك.

 

* لقد أصبح من الصعب على الانسان العثور على الكتاب الجيّد بين الكتب الكثيرة المتنوعة الموجودة في سوق الكتاب. أرجو اذا أمكن تسمية أشخاص من قبلكم ليقوموا بمهمة انتقاء الكتب المفيدة للشباب والقادرة على الإجابة عن أسئلتهم، بغية عرضها في وسائل الاعلام ليتسنّى للشباب استحصال الجواب الشافي لما يدور في خلدهم من أسئلة، ولفتح فرصة أفضل أمامهم للمطالعة في شتى المجالات.

- اقتراحكم وجيه، وسأنظر فيه. لقد كنت في ايام النهضة وقبل انتصار الثورة أقوم بهذه المهمة، وكنت أقرأ الكتب بقصد معرفة من الذي يمكن ان يستفيد منها، أو أي قسم منها ينفع شريحة ما. وكنت أدوّن تلك المعلومات لديّ وأقدم أسماء تلك الكتب للشباب الذين كانوا يترددون عليّ في مشهد أو حتى عندما كنت في المنفى.ويمكن حالياً اختيار جماعة للقيام بهذه المهمّة.

وليس من المصلحة طبعاً نشر هذه الموضوعات من خلال وسائل الاعلام؛ لأننا اذا نشرنا دعاية علنية لمجموعة من الكتب في وسائل الاعلام، نصبح وكأننا نحدد دائرة مطالعة الكتب في اطار معيّن، كما ويستشف من هذا العمل وكأن الكتب التي نعلن عنها كتب مسموح بها وجيّدة، وما سواها غير جيّدة. ولكن يمكن تقديم تلك المعلومات لكل من يراجعنا ويسترشدنا لتوجيهه نحو الكتب المفيدة له.

 

* أشعر بسعادة بالغة لمشاركتي في هذا اللقاء الحميم. أرى لزاماً عليَّ ان أتقدم بالشكر لكم لتمهيد المجال أمام لقاء جيلين؛ جيلنا نحن شباب اليوم الذين ولدنا في اولى سنوات الثورة، وترعرعنا في ما بعد انتصارها من عصر ذهبي، وبين جيلكم أنتم مفجري الثورة. ان أكثر ما يسترعى التفات الفتيات هو انكم حينما كنتم في مثل أعمارنا كنتم تبذلون جهوداً كبيرةً في سبيل ما تؤمنون به من أفكار نبيلة وغايات مقدّسة. كما تعلمون أننا نعيش اليوم على أعتاب العقد الثالث من عمر الثورة المقارن للقرن الواحد والعشرين الميلادي، ولابد وان تواجهنا عقبات ومنعطفات جديدة تفرض علينا مسؤوليات تتطلبها المراحل السنية التي نمرّ بها لغرض اجتياز تلك العقبات. وقد أدرك الشباب الإيرانيون قبل الثورة طبيعة المهام الملقاة على عاتقهم في ضوء التوعية التي كان ينشرها المثقفون باتّجاه إقامة حكومة إسلامية، مما جعلهم يبذلون جهودهم في سبيل انتصار الثورة.

وفي فترة ما بعد انتصار الثورة انصبت جهودهم على حفظ الثورة حينما نشبت الحرب وغيرها من القضايا الأخرى، واستطاعوا - حسب ما نقل إلينا - انجاز مهامّهم على ما يرام. أمّا في ما تلا ذلك، فقد أخذت تدور في ذهني وفي أذهان أمثالي، من الحريصين على الثورة وعلى مستقبلها وعلى المكتسبات التي تحققت بفضل دماء آلاف الشهداء، هواجس حول كيفية معرفة هذه المنعطفات، وكيفية التصدي لها، وكيفية الاستعداد لتخطّيها؟ نرجو منكم بصفتكم أباً عطوفاً الإدلاء بنصائحكم لنا في هذا المجال.

- كما أشرتم، ستواجهون في السنوات المقبلة وفي جميع مراحل أعماركم التي - أسأل الله ان يطيلها - قضايا كثيرة. وكل انسان حي وفاعل يواجه قضايا كثيرة، ولكن هل ستكون قضايا السنوات المقبلة أصعب أو أسهل مما مرَّ علينا في السنوات الماضية؟ فهذا ما لا يمكن التنبؤ به، ولا يمكن القول ان قضايا السنوات القادمة ستكون أصعب مما مرّ علينا في السنوات الماضية، إلاّ ان ما نستطيع توصيتكم به هو:

أوّلاً: ان الشاب يجب ان يشعر بالمسؤولية، ويعتبر نفسه شخصاً مسؤولاً، وعليه ان يشق طريقه في الحياة، ولا يكون كريشة في مهب ريح الأحداث.

ثانياً: أن يتحرك في حياته بهدي الإيمان، لأن للإيمان دوراً كبيراً في تقدّمه في الميادين كافّة، وفي كل ما يعترض سبيله من عقبات.

ثالثاً: ان يكون على وعي وبصيرة من أمره.

اذا توفّرت هذه الخصال الثلاث لدى الشباب - وهو ليس بالعمل السهل طبعاً، ولكنه ممكن الى حدّ كبير - اعتقد انه يصبح قادراً على ضمان صحّة موقفه رغم كل التطورات التي تحصل في العالم من تقدّم في حقل الاتصالات، وظهور حضارات جديدة في العالم، وزوال قوى كبرى من خارطة العالم، وبروز قوى جديدة؛ وسواء كانت إيران تعيش تحديات اقتصادية وسياسية شتّى مع الآخرين، أم لم تكن. حاولوا اذاً غرس هذه الخصال الثلاث في نفوسكم. ومن الطبيعي ان المساعي لا تأتي كلّها بمستوى واحد، ولا تعطي ثمارها على قدر واحد. ولكن لابد ان ينال كلّ من يسعى حظّاً من النجاح.

الشعور بالمسؤولية الذي أتحدث عنه هو ما يكون في مقابل حالة التسيّب التي تطبع حياة بعض الشباب وتجعله في موقف اللامبالاة إزاء قضايا الحياة، وهذا التسيّب هو أكبر بلاء يحل بروح الشباب. والشعور بالمسؤولية معناه التخلّي عن حالة التسيّب هذه.

أمّا الايمان فيعني ان يدخل المرء الى معترك الحياة وقلبه مفعم بالإيمان. عليكم بتقوية وازع الايمان في قلوبكم. ان قلوبكم بحمد الله طاهرة ونقية، ويشعر المرء بالإيمان يشعّ منها. ولكن في الوقت ذاته يجب عليكم السعي لترسيخ هذا الوازع الايماني لكي لا يتزعزع عند الهزاهز. والايمان يمكن تقويته عن طريق قراءة كل ما هو جيّد وعبر الاستعانة بالأكابر والأساتذة الصالحين.

أوجدوا في نفوسكم البصيرة والقدرة على التحليل لتكوين صورة شاملة في أذهانكم عن الوقائع الاجتماعية. ان لقدرة التحليل أهمية فائقة، وكل ما تعرضنا له نحن المسلمون من نكبات جاء بسبب ضعف قدرتنا على التحليل، وهكذا هو سبب الضربات التي لحقت بنا في صدر الإسلام والمراحل اللاحقة. ولهذه الظاهرة تفسيرات وتصورات كثيرة.لا تدعوا العدو يستغلّ انعدام البصيرة والوعي لدينا ويظهر لنا الحقائق بالمقلوب.

لقد انتهت أسئلتكم، ولكن مادام الاجتماع لم ينته بعد، أشير الى أنّ أيّاً منكم لم يسألني عن الصلاة ولم يشر اليها. وإني ليؤسفني ان ينتهي هذا الاجتماع بدون أيّ ذكر للصلاة. اعلموا يا أعزائي ان الانسان عرضة على الدوام للوقوع في أخطاء شتى ولا بد للانسان صغيراً كان أم كبيراً وشاباً كان أم شيخاً ان يرتكب خطأ أو يحصل منه ذلك سهواً أو يقترف ذنباً ما. واذا أراد المرء شق طريقه بنجاح في الحياة يمكن للصلاة ان تكون بمثابة تعويض له عن تلك الحالة.

هناك آية قرآنية شريفة {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ان الحسنات يُذهبن السيئات}. الصلاة تزيح الظلمات وتذهب السيئات وتمحو أثر الذنوب من القلب. فالانسان قد يتلوّث بالمعاصي وتغلّ يداه بأغلال الذنوب، غير ان التمسّك بالصلاة يبقي على هذا النور في وجود الانسان ولا يسمح للمعاصي بالتغلغل الى أعماق النفس.

رجائي اليكم هو ان تنظروا الى الصلاة نظرة جادّة. من الطبيعي انكم بأجمعكم من المواظبين على الصلاة، ولكن المطلوب منكم هو الخروج بالصلاة من حالة الكسل والخمول. والصلاة اذا لم نخرجها من حالة الترديد الببغاوي تصبح مدعاة للكسل؛ بمعنى ان المرء ينهض ويتوضّأ ويؤدي عملاً لا يدري ما هو. بينما لو تأمّلتم في معاني كلمات الصلاة لوجدتموها لا تستجلب الكسل، بل تغرس في النفس حوافز الشوق والرغبة، وتحث الانسان على المسارعة نحو أداء الصلاة، ويتحقق عند ذلك معنى «حيّ على الصلاة».

اني لا أطلب منكم معرفة كل معاني الصلاة، لأن هذا العمل من شأن الخواص وأخص الخواص، وقد لا يتسنّى حتّى لنا فهمها على هذا النحو، ولكن يجب على الأقل قراءة قسم من الصلاة بالتفات وحضور قلب؛ بمعنى التوجه الى من تخاطبون وإلى معاني الكلمات التي تخاطبونه بهـا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته