|
خطاب القائد أمام حشد من رجال
التعبئة والحرس -.
8/9/ 1999
بسم الله الرحمن الرحيم
تمر علينا هذه الأيام (الأيام الفاطمية)، وهي
ذكرى أليمة ترتبط بسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، السيدة فاطمة
الزهراء سلام الله عليها. إن هذه المناسبة الأليمة تدعو القلوب والعقول للتدبر
في القضايا العديدة التي تواجه الأمة الإسلامية في وقتنا الراهن.
الحرس والتعبئة هم صفوة شباب
المجتمع
أنتم يا شباب التعبئة والحرس الثوري، أيها الشباب
المؤمن، لقد جمعتم بين المعرفة والعلم وحس المسؤولية، وبين الحماس والمشاعر،
أنتم صفوة وعصارة شباب هذا العصر وهذا المجتمع، لذلك فإن الواجب يحتّم عليّ أن
أتقدم بالشكر الجزيل إليكم يا شبابنا الأعزاء، وأن أعلن إخلاصي ووفائي لهذا
الحشد المؤمن والمتحمس.
إن القصد من هذا اللقاء هو الحديث عن الإخوة في
الحرس الثوري والتعبئة، الذين استطاعوا تقديم خدمات جليلة على امتداد هذه
المنطقة الحدودية الواسعة وضمان الأمن فيها.
إن الحديث عن موضوع الأمن هو أمر في غاية
الأهمية، ولقد ارتأيت أن أتقدم بالشكر الجزيل لهذه القوى وجهاً لوجه من خلال
هذا اللقاء، فلقد استطاعت هذه القوى خلال الأشهر الماضية، ومن خلال جهودها
المضنية وتضحياتها القيمة والمتميزة، أن تعيد الأمن لهذه الحدود، ولقد استتبّ
الأمن في المنطقة بفضل جهودها الجبارة.
الأمن هو نعمة عظيمة
إن هذا الحشد العظيم المجتمع هنا يحفزني للحديث
عن الأمن لأن هذا الموضوع يعتبر اليوم من المواضيع الأساسية في مجتمعنا وبلدنا،
ولذلك سأتحدث قليلاً عن هذا الموضوع.
إن الأمن هو نعمة عظيمة، ولقد جاء ذكر الأمن
واستتبابه في القرآن الكريم أيضاً.
إن الأمن هو الأرضية التي يجب توفوها في كل مجتمع
من أجل الوصول إلى التطور والتقدم المادي والمعنوي.
وهناك أيضاً بعض المتميزين الذين يقومون بإنجازات
عظيمة في أجواء غير آمنة، وتحت ظرف وضغوط خانقة، كالتي تمارسها الأنظمة الجائرة
والتعسفية، وكما كان الوضع عليه في هذا البلد قبل انتصار الثورة، فلقد كان هناك
رجال قاموا بإنجازات عظيمة في تلك الأجواء غير الآمنة، ولكن الشرط الأساس
للحركة وللإنطلاقة الإجتماعية لأي شعب كان هو استتباب الأمن في الدرجة الأولى.
فروع الأمن
وهناك عدة فروع للأمن، ومنها الأمن العسكري
والمدني، وكما تلاحظون في بعض المناطق الحدودية مثلاً في بعض دول العالم، فإنها
تعتبر مناطق غير آمنة من الناحية العسكرية والمدنية، وهذا فرع من فروع الأمن.
وهناك أيضاً الأمن السياسي، والأمن الإقتصادي، والأمن الفكري والعقائدي، وكلها
مسمّيات في غاية الأهمية. وهنا سأتحدث بالإجمال عن هذا الموضوع، وعليكم أيها
الشباب الأعزاء أن تولجوا عقولكم في هذا الموضوع وأن تفكروا، وأسأل الله أن
ينفعكم ذلك في استنتاجاتكم العامة.
أهمية الأمن في تطور البلدان
إذا أردتم الإطلاع بشكل صحيح على أهمية موضوع
الأمن وعلى مدى أهميته لتطور البلدان، بإمكانكم إدراك ذلك من خلال متابعتكم
لكيفية تعاطي العدو مع قضية الأمن. فعندما انتصرت الثورة، أزيح حاجز كبير من
أمام الشعب الإيراني، وكان هذا العائق قد أخر عجلة تطور الشعب الإيراني في جميع
الميادين طوال مئه أو مئه وخمسين عاماً، وكان على الشعب التعويض عن هذا التخلف
الذي لحق به طوال تلك الفترة.
ولقد كان نظام الحكم الإسلامي حاضراً لتحمل
المسؤولية لإرشاد الناس وهدايتهم في سبيل التطور والرقيّ في جميع الميادين
المختلفة.
ولقد بدأ الشعب الإيراني انطلاقته العظيمة في
مجالات العلم والصناعة والإكتفاء الذاتي وفي مجال القضايا الفكرية والعملانية
والمادية والمعنوية.
وكانت الخطوة الأولى التي قام بها الأعداء من أجل
عرقلة هذه المسيرة، في إيجاد الأجواء غير الآمنة، فلقد قاموا بخلق أجواء غير
آمنة في مناطقنا الحدودية.
إن هذه الملاحظة وهذه النقطة بالذات هي نقطة
أساسية وفي غاية الأهمية.
محاولات العدو لتخريب الأمن
إن أولئك الأعداء الذين قامت الثورة ضدهم، وتلك
القوى التي بذلت ما بوسعها للوقوف بوجه انتصار الثورة، قاموا باستخدام الحرب
لإيجاد الأجواء غير الآمنة في مواجهة هذا الشعب وهذه الثورة بعد انتصارها،
وقاموا بادئ ذي بدء بإيجاد الأجواء غير الآمنة في المناطق الحدودية، كهذه
المنطقة القريبة من محافظة خراسان المحاذية لتركمانستان، وفي منطقة كردستان
الواقعة غرب البلاد وفي شمال البلاد في مناطق مختلفة وفي منطقة خوزستان جنوب
البلاد، مستخدمين أساليب مختلفة. وقد قاموا بنشر الفساد وإيجاد الأجواء غير
الآمنة من خلال إثارة النعرات القومية.
ولكن نظام الحكم الإسلامي
انتصر عليهم جميعاً.
وحينها، أي قبل حوالي 19 أو 20 سنة، توجه الشباب
وكوادر التعبئة والشباب المؤمن أمثالكم إلى تلك المناطق المختلفة في كردستان
والمناطق الأخرى، وحولوا صدورهم إلى دروع، وقدّموا التضحيات، واستطاعوا أن
يعيدوا الأمور إلى نصابها والأمن تلك المناطق.
وفي الحقيقة، إستطاعوا القضاء على جذور تلك الفتن
في تلك المناطق. وهنا لاحظ العدو بأنه فشل في مساعيه هذه، فإنهم في السابق
كانوا يعتقدون بأنهم قادرون على تركيع الثورة من خلال إيجاد الأجواء غير
الآمنة، ولكن عندما تبيّن لهم فشلهم، قاموا بفرض الحرب علينا.
وكما تعلمون فإن الأجواء غير الآمنة الناتجة عن
الحروب الطاحنة، تعتبر من أكثر الأجواء غير الآمنة صعوبة، وينتج عنها خسائر
جسيمة للغاية في أي بلد كانت. ولقد بادروا بالفعل لهذا العمل وحرّضوا النظام
العراقي على الحرب وإشعال نارها، وبدا الهجوم على حدودنا من المنطقة الغربية
لبلادنا، ولم يقتصر الأمر على الحرب بين الشعبين والإمكانيات التي يتمتع بها
الشعبان والبلدان، بل قاموا بضخ جميع الإمكانيات التي كان بإمكان العراق
توظيفها في الحرب هذا البلد.
الأجواء الإعلامية غير الآمنة
وتأثيرها على الجيل الصاعد
أيها الأعزاء، أيها الشباب، إن هذه المواضيع التي
أطرحها عليكم الآن، كانت من المسلّمات ومن الأمور البيّنة في أجواء البلاد
العامة قبل خمسة عشر عاماً. بعبارة أخرى، فإن هذا الكلام الذي أتحدث به إليكم
الآن لم يكن أمراً خفياً ولا جديداً لأفراد الشعب قبل خمسة عشر عاماً، لأنهم
كانوا جميعاً يستشعرونه ويلمسونه عن كثب بكل كيانهم ووجودهم.
أما في الوقت الراهن فإن الجيل الصاعد المتواجد
في المعترك هو جيل لم يدرك تلك الأيام، ولم يتلمس وقائعها وأحداثها بشكل واعٍ
وصحيح.
وهنا لا بد من القول بأن الأجواء الإعلامية غير
الآمنة والأجواء السياسية غير الآمنة، المتأتية من العدو، تحمل في طياتها
ضغوطاً جمة، وتحاول جاهدة أن يتنكر جيل الشباب الصاعد لهذه الحقائق التي كانت
قبل عشرة أو خمسة عشر عاماً من المسلّمات البديهية، وتسعى كذلك لإخفاء تلك
الحقائق وتعتيمها. وأنا أسعى كي ألفت عقولكم وعقول جيل الشباب الصاعد لهذه
الحقائق.
إن هذه الحقائق الجلية، ليست بأحداث جديدة للذين
عاشوا في هذا البلد في تلك الفترة، والذين يشكّلون اليوم الأغلبية الساحقة
لسكان البلاد. ولكن العدو يحاول، من خلال هجماته الإعلامية والسياسية الحاشدة،
أن يخفي تلك الحقائق أيضاً.
النظام الأميركي عدو للنظام
الإسلامي
لقد ساهمت جميع القوى، في تلك الحرب إلى جانب
العراق ووقفت ضدنا، كلٌ حسب إمكانياته، كي تزرع الأجواء غير الآمنة في مناطقنا
الحدودية، وحتى أميركا، ولكن هناك مجموعة من الجهَلَة أو الخونة يحاولون دفع
الشعب إلى نسيان عداء النظام الأميركي للشعب الإيراني، ومدى الخسائر التي تسبب
به هذا العداء وما زال، فهم يحاولون التنكر لهذا الواقع.
لقد قدم النظام الأميركي بنفسه المساعدة للعراق،
وكنا في حينها نقول ذلك من خلال التحليل والمنطق. ولكن بعد انتهاء الحرب تم
إثبات ذلك من خلال الأخبار والإحصائيات والمعلومات الدقيقة عن هذا الموضوع،
فلقد قدّموا المساعدات الإلكترونية والأسلحة والتدريب على أساليب المعارك
والحروب والمساعدات المالية، والمساعدات المباشرة وغير المباشرة. وكذلك فقد
قدّم (الناتو) مساعداته والكثير من البلدان العربية، كي يتم القضاء على نظام
الحكم الثوري وتركيعه، من خلال الضغوط الناتجة عن الأجواء غير الآمنة. ولكن
عزيمة شباب هذا الوطن، إيمان قلوبهم الطاهرة، وإيمان هذا الوطن، إستطاعت قوى
التعبئة والحرس الثوري والجيش والمؤمنون الصادقون الطاهرون، الذين حافظوا على
التهاب ينابيع العزيمة في الصفوف الخلفية للجبهة، إستطاعوا جميعاً الإنتصار على
مؤامرات الأعداء كافة، وأن يوجهوا ضربة موجعة للنظام الغازي ولجميع أعوانه
وأنصاره، كأميركا والإتحاد السوفياتي في ذلك الحين وغيرهم وغيرهم.. وأن يقدّموا
الشعب الإيراني في تلك الحقبة شعباً منتصراً وبطلاً أمام عين العالمين.
الشباب ضمان استقرار الأمن
والعدو يسعى لتخريبه
في الواقع، إن عزيمة وإيمان الشباب هما العامل
الأساسي الذي استطاع أن يعيد الأمن كإحدى النعم الكبرى لهذا الوطن، وأن يعيد
الهدوء والإستقرار إلى المناطق الحدودية، وإلى المدن التي كانت واقعة تحت القصف
الجوي في أيام الحرب، ففي تلك الأيام كانت نصف مساحة إيران الجغرافية واقعة تحت
قصف العدو الجوي، وأن يعيد الإستقرار والأمن لأبناء الشعب من الرجال والنساء
والمسترزقين والعلماء طلاب الجامعات العمال والسياسيين للرؤساء والمرؤوسين،
ولجميع التواقين للأمن، لأولئك الجاحدين الناكرين للجميل، الذين ينكرون بأن هذا
الأمن والإستقرار قد تحقق لهم بفضل العزيمة الإيمانية الراسخة لهؤلاء الشباب
فهؤلاء الشباب هم الذين أعادوا الأمن والإستقرار للجميع.
ولكن العدو لم يشعر باليأس والإحباط جراء ذلك،
وما زال، ولم يترك مساعيه في هذا المجال، لذلك فإن الإعتقاد بأن عهد اختلاق
الأجواء العسكرية والمدنية غير الآمنة قد ولى بلا رجعة إعتقاد خاطئ، فالعدو
يقوم بخلق الأجواء غير الآمنة كلما استطاع ذلك، وهو يقوم بفرض الأجواء العسكرية
والمدنية غير الآمنة على هذا الشعب كلما استطاع ذلك.
وكما لاحظتم فلقد اعتمدوا على ذريعة واهية في شهر
تموز المنصرم في مدنية طهران، أو أنهم اختلقوها وقاموا بإيجاد أجواء غير آمنة
فيها.
إنهم يقومون بخلق الذرائع أو لنفرض أنهم يخلقوا
تلك الذريعة فإنهم يستغلون ذريعة صغيرة لإيجاد أجواء غير آمنة، ولكي ينزلوا إلى
الشوارع ويحطموا الزجاج ويحرقوا المحال التجارية والسيارات ويهددوا الناس. إذاً
فالعدو لم ييأس من اختلاق الأجواء غير الآمنة، ولم يترك مساعيه في هذا المجال.
أما تلك المجموعة التي تتنكر لأولئك المؤمنين
الضامنين لأمن البلاد، والذين أثبتوا منذ انتصار الثورة إلى الآن على أنهم
الضمانة الفعلية لأمن واستقرار هذا الشعب، ويتنكرون أيضاً لوجودهم وضرورته
وأهميته، فإن تلك المجموعة إما أن تكون من الجاهلين أو من الخائنين، ولا شيء
سوى ذلك. هذا ما يتعلق بقضية الأمن المدني.
قوات التعبئة هي سند وذخر
للوطن
إن وجود قوات قادرة على ضمان أمن واستقرار هذا
الشعب وهذا الوطن وجميع النشاطات البناءة والحيوية القائمة فيه يعتبر أمراً
ضرورياً ولازماً لجميع الشعوب، تماماً كالماء والهواء، ولكن هناك مجموعة تحاول
التنكر لتلك القوات.
إن التعبئة الجماهيرية العامة وقوات التعبئة هي
القوات العسكرية المؤمنة والمخلصة، والتي تعتبر ذخراً وسنداً صلباً للبلاد، لا
غبار عليه البتة.
إن قوات التعبئة هي سند ذخر للوطن. إن قواتنا
العسكرية المخلصة ليست بالقليلة من حيث العديد، ولله الحمد، كالحرس الثوري
والجيش، فهما مؤسستان مبنيتان على الإيمان، ولا جدل في ذلك.
ولكن هناك فرق بين تلك القوى التي تلج ميادين
الدفاع كواجب مؤسساتي وتنظيمي، وتلك القوى التي تساهم في جميع الميادين، متّبعة
واجبها الإيماني وعشقها الرباني، وأوامر تلك العواطف النابعة من أعماق وجودها،
وهذه هي قوات التعبئة، لذلك فإن التنكر لقوات التعبئة يعتبر تنكراً لأعظم
ضروريات ومصالح الوطن، فلو لم تساهم قوات التعبئة في ساحات الوغى وفي الحروب
لما توصلنا إلى ذلك الإنتصار العظيم حينها.
كما أن عدم وجود قوات التعبئة، بعد انتهاء الحرب
وفي وقتنا الراهن أيضاً، يؤدي إلى إلحاق الضرر الجسيم بالثورة وبنظام الحكم
وبجميع الحركات البناءة القائمة في هذا البلد. إن التنكر لقوات التعبئة وعدم
احترامهم، يكون نابعاً إما من الجهل أو الخيانة، ما دام هذا الوطن وهذا الشعب
بحاجة إلى الأمن والإستقرار، وهي حاجة أبدية، لأن الحاجة إلى الأمن حاجة دائمة،
وما دام هناك حاجة للأمن وللإستقرار، فإن الحاجة إلى قوات التعبئة وإلى الدوافع
التعبوية والتنظيم التعبوي، وإلى الحب والإيمان التعبوي، تبقى موجودة. هذا ما
يتعلق بالأمن العسكري والمدني، الأمن السياسي أيضاً هو أحد فروع موضوع الأمن.
الأمن الإقتصادي
وهناك أيضاً الأمن الإقتصادي، الذي يدور حوله هذه
الأيام جدل كبير، وهو أمر صائب، ونحن نؤيده، فنحن نؤمن إيماناً راسخاً بالأمن
الإقتصادي في هذا البلد، فالأوضاع في هذا البلد يجب أن تفسح المجال أمام جميع
الأعمال والحركات والمساعي والإزدهار والإعمار الإقتصادي بجميع أقسامه وأنواعه،
ويجب ضمان الأمن لجميع الراغبين بالقيام بهذه الأعمال، كي يتمكنوا من القيام
بها. وحالياً فقد اتفقت السلطة القضائية والسلطة التنفيذية حول هذا الموضوع،
وسأقوم شخصياً بتقديم الدعم لهم كي يتمكنوا من تحقيق هذا الأمر وهذا الهدف الذي
يعتبر في غاية الأهمية بالنسبة للبلاد.
ولكن يجب التأكيد هنا كي لا يعتقد أحد بأن ضمان
الأمن الإقتصادي يعني إفساح المجال أمام المتطفلين الإقتصاديين والمستغلين
ومصاصي دماء الشعب.
إن الأمن الإقتصادي لا يعني عدم الإعتناء بقوانين
البلاد وقراراتها السليمة، بل يعني أن يعلم الجميع من جماهير هذا الوطن من جميع
طبقاته وفئاته، ولا فرق في ذلك، بأنهم إذا أرادوا القيام بأي نشاط إقتصادي في
مجال الصناعة والزراعة والإستثمار والتجارة، فلن يضايقهم أحد في ذلك. ولكن هذا
لا يعني أن الأشخاص الذين استطاعوا في فترة الحرب وفي فترة الإعمار إستغلال
المنعطفات الإقتصادية بشكل غير قانوني وغير مشروع، واستحصلوا على ثروات غير
مشروعة، ستعاد لهم الكرة وسيتمكنون، مرة أخرى، من القيام بتلك النشاطات غير
المشروعة تحت عنوان الأمن الإقتصادي.
إن الأمن الإقتصادي لا يعني اتباع مدرسة النعيق
مع كل ناعق في مجال الإقتصاد، ولا يعني أيضاً إفساح المجال أمام المحتالين
والمستغلين والإنتهازيين، الذين يتربصون الفرص من أجل الإنتفاع وملء جيوبهم من
خلال التوسل بأساليب غير مشروعة.
لذلك، يجب الإنتباه إلى أن الأمن الإقتصادي لا
يعني ذلك كله أن جميع أنواع الإستثمار الذي يجيزه القانون يجب أن يكون محاطاً
بالأمن والأمان. ولا تعتقدوا بأن الأجواء الإقتصادية غير الآمنة قد تم اختلاقها
من قِبل المسؤولين والأقسام القانونية والقضائية في البلاد، كلا، إن غالبية
الأجواء الإقتصادية غير الآمنة قد تم اختلاقها من قِبل المستغلين، فكل مكان نرى
فيه أحد المستغلين نلاحظ نوعاً من الخلل في سياق ونسق الأعمال ونمطاً من
الأجواء غير الآمنة.
إذاً، فالأمن الإقتصادي أيضاً قضية مهمة للغاية
ونحن نؤمن بها.
الأمن السياسي
أما الأمن السياسي، فهو يعني أن يكون الفكر
السياسي والمعارف السياسية في المجتمع معارف واضحة المعالم وبعيدة عن النفاق في
القول والفكر.
إن الأمن السياسي يعني أن يكون المسؤولون عن
تبيان وتوضيح القضايا والشؤون السياسية للشعب أمناء تجاه الناس، ويعني أن على
المسؤولين عن الصحافة والتوزيع ونشر المعارف الفكرية والعقلية في المجتمع أن
يتمتعوا بالصدق، وعدم الكذب، وعدم الغش، وأن لا يمزجوا السم في الطعام الذي قد
يبدو شهياً ولذيذاً. وهذا هو الأمن السياسي.
إن ذلك القلم الذي يتنكر من خلال كتاباته لعشرين
عاماً من جهاد ومساعي هذا الشعب في التصدي للقوى الغاشمة والجائرة والناهبة
والعدوة، فإنه يخلّ بأجواء الأمن السياسي في البلاد، وكل مَن يتنكر لذلك الجهاد
ولمظلوميته ولتضحيات الشعب الجهادي طوال عشرين عاماً مضت فإنه يؤسس لأجواء
فكرية غير آمنة.
إن الذي يقوم بتبرير رغبات رجال الدولة
والسياسيين في إحدى البلدان العدوة، ويقدّمها بشكل مقبول وفي أطر مقبولة شكلياً
للبعض، مستخدماً الإمكانيات التي وضعها القانون وبيت مال هذا الشعب تحت تصرفه،
فإنه يؤسس لأجواء سياسية وفكرية غير آمنة، وهو يشابه في فعله هذا قطّاع الطرق،
ولا فرق بينهما، وهو يشابه في فعله هذا الأشرار المتخفين في المناطق الحدودية،
فهؤلاء يتاجرون بالممنوعات والبضائع المهربة التي تؤدي إلى تعاسة ومرض وإدمان
شباب المجتمع إلى غيرها من الآفات.
إذاً، فعمل ذلك الشخص إذا لم يكن أخطر من تجارة
أولئك الأشرار فهو قطعاً ليس بأقل خطراً منها، فهو يسوق العقول إلى الإنحراف
وإلى الضلال.
الدور الأمني للصحافة
لقد تحدثت مراراً عن الصحافة وما يُكتب، ولا يمكن
لأحد أن يفكر بأني لا أشجع الفكر الحر، والقلم الحر، والخطاب الحر، والمعارف
المختلفة التي تنتشر في أرجاء البلاد، وهذه هي عقيدتي، ولكني أقول بأن الأفكار
والآراء ووجهات النظر والأذواق المختلفة يجب أن تُطرح بشكل صائب وصحيح في
المجتمع.
ولكن نشر المعارف المختلفة أمر، الكذب على الناس،
ونشر الأكاذيب للناس، وتحريف الوقائع والحقائق، والتحول إلى وسيلة دعائية
للعدو، أمر أخر.
وهذا الأمر الثاني لا يمكن أن أقبله أو أتقبله من
الصحافة بأي شكل من الأشكال.
إذا كان هناك مئتا صحيفة بدلاً من عشرين صحيفة في
البلاد فلا مانع من ذلك، فإذا كانت هناك مجموعة ذات مقدرة وكفاءة، وكان عندها
ما تقوله، فسيحصلون على قراء لهم من دون أدنى شك ولا مانع في ذلك. ولكن إذا
أرادت صحيفة ما الاستفادة من إمكانيات هذا الشعب ومن بيت ماله ومن مساعدات
الناس، وأن تكتب ضد مصالح هذا الشعب بشكل كاذب ومفترى، وأن لا تمتلك عقيدة ما
في الكتابة بل تتحول إلى وسيلة دعائية لإذاعة إسرائيل وصوت أميركا في هذا
البلد، فهذا لن يحصل وهذا أمر مرفوض.
أو أن يتنكر بعضهم لأحكام الإسلام ولضرورياته،
وهذا بحث آخر ونوع آخر من حالات إيجاد الأجواء غير الآمنة، فهم مثلاً يتنكرون
للقصاص.
في الحقيقة، إن سفري هذا وانشغالي بأمور السفر،
لم يتيحا لي المجال للتحقق من صلب هذا الموضوع بشكل موثق ودقيق، ولكني طلبت أن
يتم متابعته والتحقيق فيه.
المتنكر لضروريات الدين هو
مرتد
فإذا كان هناك من يتجاهر بالتنكر لضروريات الدين
وبالطبع فإن القصاص الإسلامي والشرعي هو أحد ضروريات الدين، فإن ذلك الشخص مريد
وحكم المرتد في الإسلام حكم واضح وصريح.
إذا كان البعض يعتقد أن بإمكانه المضي قدماً
بنشاطاته في هذا البلد بالاعتماد على الأجهزة الإعلامية إلاستكبارية وشبكة
الإعلام وإمبراطورية الإعلام الصهيوني في العالم، فهم على خطاً، وأن أمراً كهذا
لن يتم. ففي هذا البلد، ومع وجود الشعب الحي والوعي وهذا الشباب المؤمن، فإن كل
شيء يجب أن يتحرك ويتحقق من خلال قنوات إرادة وتصميم وإيمان هذا الشعب.
وليعلم الفرحون بعملائهم في الداخل، وكذلك
الفرحون بدعم أسيادهم الأغراب، بأن أمراً كهذا لن يتحقق، فهذا الشعب مؤمن
ومسلم.
مسلّمات النظام الإسلامي
إن هذا الشعب شعب قدّم أرواح شبابه من أجل الحفاظ
على نظام الحكم، وضمان أمنه، والحفاظ على الوطن، وضمان أمن الشعب، كي يقدر رجال
الدولة من القيام بأعمالهم، ولكي يستطيع العلماء وطلاب الجامعات والمتعلمون
وأصحاب النشاطات البناءة جميعاً من القيام بأعمالهم، فهل من الممكن الوقوف بوجه
هذا الشعب وإرادته الدينية العظيمة، وهل من الممكن أن تتحكم إرادة أجهزة وأفراد
العدو وعناصره الأمنية والسياسية بمصير هذا البلد، فهل يعقل ذلك؟ وهل بالإمكان
تحقق ذلك؟ فليعلموا بأن هذا البلد هو بلد الإسلام، وأن هذا الشعب قد ثار من أجل
الإسلام، وأن إرادة تصميم الشعب في يومنا هذا أيضاً هو استقرار وثبات نظام
الحكم الإسلامي.
إن نظام الحكم الإسلامي يتمتع ببيّنات ومسلّمات
وبديهيات، وفيه أمر ونهي. إن نظام الحكم الإسلامي هو نظام العدالة، ولذلك فإن
أي جور وظلم مشجوبة فيه.
إن نظام الحكم الإسلامي هو نظام القسط، لذلك فإن
أي عنصرية تفرقة مشجوبة فيه.
إن نظام الحكم الإسلامي هو نظام الإستقلال
الوطني، لذلك فإن أي تبعية مشجوبة فيه.
إن نظام الحكم الإسلامي هو نظام الأخوّة وتمتين
الأواصر القلبية بين أفراد الشعب، لذلك فإن أي تفرقة مشجوبة فيه.
إن نظام الإسلام هو نظام يكون فيه المسؤولون
تواقين لخدمة الشعب، فهم من الشعب وإليه، لذلك فإن أي انقطاع بين المسؤولين
والشعب مشجوب فيه.
فالوضع ليس بهذا الشكل بأن يسمح للبعض بالعمل
وفقاً لرغبات أعداء هذا الشعب، وخلافاً للإتجاه العام لنظام الحكم، ولهذا الشعب
ولحركته ومسيرته، وأن يقف نظام الحكم الإسلامي مكتوف الأيدي أمامهم، وأن لا
يحرك ساكناً، وأن لا يكترث لهذا الأمر، فهل يمكن حصول أمر كهذا؟ يجب أن يركز
أصحاب الفكر والمتعمقون في القضايا المختلفة، عقولهم على هذا الموضوع.
مصلحة هذا الشعب أن ينهج سبيل
الإسلام
إن هذا البلد الذي يتمتع بإمكانيات هائلة وحشود
من الشبيبة وآفاق مستقبلية ساطعة، حقق طوال عشرين عاماً مضت تقدّماً وتطوراً
ملموساً في المجالات كافة، ولله الحمد، وهناك أرضية مناسبة لتحقيق تطور أكثر في
هذا البلد. لذلك، فإن من مصلحة هذا الشعب أن ينهج سبيل الإسلام ويتّبعه بكل
حكمة وذكاء وشجاعة، فهذا السبيل يضمن له دنياه وآخرته.
فالعدو لا يكف أبداً عن خداعه وإعلامه المغري،
يجب عدم الإستسلام لإعلام العدو المغري.
إن الذين يسعَون من خلال إطلاق شعارات غير سوية
بين جماهير الشعب إلى الفصل بين عقول الناس وحركتهم الإسلامية والإيمانية
الشاملة فإنهم يقدّمون خدمة العدو عن قصد أو من دون قصد، علموا بذلك أم لم
يعلموا.
إن الوحدة في وقتنا الحاضر تتم في ظلال الإسلام،
وإن حركة الشعب تتم باتجاه الإعمار الإسلامي وتوطيد أسس استقلال هذا البلد
وباتجاه التهذيب المعنوي والروحي.
الفرعنة تستوطن القلوب
يا شبابنا الأعزاء، لا تغفلوا عن التهذيب وتزكية
الروح والقلب. إن الأنانية وحب النفس وحب الصدارة والرئاسة أساس تعاسة جميع
الشعوب والمسؤولين والكبار والصغار.
إن الفرعنة تستوطن القلوب، فأحياناً لا نلاحظ على
الإنسان من خلال جسمه الظاهر أي أثر للفرعنة، ولكنه فرعون القلب.
إن الأنانية، وحب النفس، والتمحور حول الذات، وحب
الصدارة، وحب الرغبات، والميول، والشهوات الذاتية، وحب الفائدة، والمنفعة للذات،
كلها جميعاً تعتبر أساساً لأغلب المفاسد في الحياة.
عليكم بتهذيب النفس، إنطقوا باتجاه تهذيب النفس.
إن القيام بهذه الحركات الشمولية التي تشتمل على الحركات باتجاه بناء الأجواء
العامة في البلاد وبناء الأجواء المختلفة، وإعمار لبّ القلوب، هي فريضة وواجب
يقع على عاتقنا جميعاً في الوقت الحاضر.
أسال الله (سبحانه وتعالى) التوفيق لكم جميعاً
أيها الأعزاء، وأن يشملكم ولي العصر (أرواحنا فداه) بدعائه المبارك.
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته..
|