|
خطاب القائد في شهر محرم الحرام
1420 هـ ـ نيسان 1999.
بسم الله الرحمن الرحيم
إ ن فرصة التبليغ في شهر محرم الحرام لفرصة
إستثنائية عظيمة، وذلك بفضل وبركة دماء سيد الشهداء وقائد أحرار العالم الإمام
أبي عبد الله الحسين (ع) وأصحابه المخلصين الأطهار.
أثر الدماء المراقة ظلماً
يبقى خالداً طوال التاريخ
إن ما تتركه الدماء من أثر، وخاصة الدماء المراقة
ظلماً، يبقى خالداً طوال التاريخ والدهر، لأن الشهيد، ذلك الإنسان الذي يضع
روحه على طبق الإخلاص ويقدّمها هدية، هو إنسان يتمتع بالنقاء والصدق.
فليس هناك من إنسان مخادع ومراوغ يعرّض روحه
وأرواح أعزائه للخطر، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمصالحه الشخصية، حتى لو استطاع
من خلال كلامه وبيانه أن يُظهر نفسه على أنه ناصر وتابع للحق. فهو غير مستعد
للتضحية بنفسه وبما يتعلق به. إن الله (سبحانه وتعالى) أخذ على نفسه (حق على
الله) أن يحيي ويخلّد الذين يطأون ساحات الفداء والتضحية، ويقدّمون وجودهم
وأنفسهم بكل إخلاص وتفانٍ في سبيل الله {ولا تحسبن الذين قُتلوا في الله
أمواتاً} فهؤلاء يبقَون أحياء، كما أن أحد أبعاد خلود هؤلاء هو بقاء آثارهم
ومعالمها وأعلامهم حية خالدة لا تمحى أبداً.
قد يخف بريق هذه المعالم لفترة محدودة، من خلال
أعمال العنف والتعسف وتدخل القوى الظالمة المعتدية، ولكن الله (سبحانه وتعالى)
قد قدّر لطبيعة الأمور وللسنن الإلهية أن تخلّد وتحيي سبيل الأطهار والصالحين
وصراطهم.
إن الإخلاص لأمر عجيب فعلاً، ولذلك نرى أن هذا
الدين قد تم إحياؤه وتخليده في أرجاء العالم ببركة الحسين بن علي وببركة دمائه
ودماء أصحابه، التي أريقت ظلماً وجوراً، ولقد استمرت هذه المسيرة من بعده
أيضاً، فلا يمكن أن ننتظر من جيل أن يكتفي بالإستفادة وباستثمار ما ورثه من
افتخارات وأمجاد من الأجيال السابقة، لأن هذا في مثل هذه الحالة سيسقط في منحدر
الزوال.
إن هذه المسيرة قائمة ومستمرة ما دامت الأجيال
البشرية والأجيال المتعاقبة تؤدي دورها على عاتقها بكل جدية.
دور المبلغين وطرق التبليغ
إن دور المؤمنين والمخلصين يختلف من عصر الى عصر،
ومن وضع إلى وضع، وكلها تصبّ في خانة الجهاد في سيل الله، ففي جميع الأحوال
هناك خطر التضحية بالمصالح، ومن جملتها التضحية بالنفس، وقد يكون ذلك في الحرب
أو الحوزة العلمية، كما هو حال الشهيد الأول والشهيد الثاني؛ وقد يكون في
الميادين السياسية، أو في مجالات التقدم والتطور الإجتماعي، وقد يكون ذلك في
ثورة عظيمة كثورتنا الإلهية، وقد يتم ذلك من أجل تبيان الحقائق والوقائع
الدينية، كما حصل ذلك مع الشهيد مطهري والشهيد بهشتي "فلكل أوان أذان" "ولكل
مقام مقال"، وهذا ما تلاحظونه اليوم في استشهاد ذلك الرجل الشامخ السعيد الذي
استُشهد على يد أكثر الناس إجراماً وبشاعة، ومن قبل ألعن الأيادي والوجوه
والقلوب التي منحت ذلك الإنسان الطاهر والصادق رتبة الشهادة.
لقد كان ذلك الرجل الجليل متصفاً بكل هذه الصفات،
فقد كان إنساناً صادقاً ومخلصاً، وكان يقوم بدوره في فترة الحرب المفروضة،
وكذلك في الفترة التي تلتها، وكان ذاكراً لله خاشعاً وكان يعمل لله وكان صادقاً
متفانياً.
إن هذه المسيرة مستمرة..
متشعب هذا النهر، هذا عذب وذاك أجاج
ومستمر تياره بين الناس إلى حين نفخ في الصور
إن هذه المسيرة مستمرة، فمن الذي يجعل هذه النظم
وهذه المسيرة وهذه القافلة المستمرة حية في النفوس؟
إنهم المبلّغون، وعلى رأسهم أنبياء الله
والأولياء والصالحون.
المبلغون هم شمعة تضيء القلوب
إن المبلّغين هم كشمعة يحثون الفراشات على
الطيران والحركة.
نحن كشمعة شديدة اللهب للفراشات نَهَب الدفء
للعشاق من لهيب كلامنا
إن المبلّغ يسير ويعمل بلسانه
وقلبه وروحه ونفسه وعزمه وبصيرته.
إن الثورة الإسلامية قد انتصرت بهذا الشكل أيضاً،
ففي تلك الأيام الخانقة، وفي ذلك الزمن العصيب، كان مبلّغو الدين، وهم من طلبة
العلوم الدينية المغمورين غير المتبجحين ولا المتأملين نفعاً، يتوجهون على
أرجاء العالم الإسلامي والى أصقاع هذا الوطن، وكانوا يضيؤون القرى والمساجد
والأحياء الشعبية والبيوت.
لقد أناروا سراجاً منيراً في كل مكان حلّوا فيه،
مستلهمين بذلك من تلك الشمس الساطعة التي كانت مركزاً لجميع هذه الإشعاعات،
وأقصد بذلك إمامنا الجليل الراحل، والذي كان بدوره شعلة وهاجة تضيء شمس أبي عبد
الله الحسين (ع) الساطعة.
لقد أضاء أولئك المبلّغون شمعة في كل مكان حلّوا
فيه، ولذلك أمطرت الدنيا ضياءاً، وعندما تستضيء القلوب وتستعلم النفوس فإن
الحياة تدبّ في الأجساد والألسن، وتبدأ الإرادة والعزيمة بالحركة والعمل، كما
هو حال اليوم والغد.
التبليغ فن يفترض على المبلّغ
إتقانه
إن الفن الذي يجب على مبلّغ الدين إتقانه في كل
زمان ومكان هو تعريف المخاطبين باحتياجاتهم ومتطلباتهم، لذلك يجب عليه معرفة
احتياجات كل عصر وزمان. لقد لفت نظري قول من أقوال الإمام أبي عبد الله الحسين
(ع)، وكل أقواله حِكَم، وفي كل قول نقاط مستترة. وهنا أؤكد أيها الأعزاء أن
عليكم الإستفادة قدر المستطاع من أقوال هذا الإمام العظيم في محاضراتكم
وأحاديثكم الهادفة والنيرة للناس، وقد وجدت هذا القول مناسباً لهذا الجمع، فقد
روي عن الإمام الحسين (ع) أنه قال: "اللهم إنك تعلم أن الذي كان منا، لم يكن
منافسة في سلطان ولا التماس شيء من الحطام".
وهذا يعني اللهم إنك تعلم أن التحرك الذي قمنا
به، وهذه النهضة التي أوجدناها، وهذا العزم، وهذه الإرادة، وهذا القرار الذي
اتخذناه، لم يكن من أجل الوصول إلى السلطة، فالوصول إلى السلطة لا يمكن أن يكون
أو أن يصبح هدفاً للإنسان، ونحن لا نرغب باستحواذ على زمام السلطة والقوة
وهدفنا لا يصبّ في المطامح الدنيوية، لأننا لا نريد أن نستلذ بحلاوة العيش
الرغيد، وأن نشبع البطون، ونستغل الأوضاع، وأن نجمع الأموال، ونحصل على
المكاسب، وأن ندّخرها، هذه ليست أهداف ثورة الإمام الحسين (ع). إذاً فما هي
أهدافها؟
لقد لخص الإمام الحسين (ع) ذلك في بعض العبارات
والجمل التي تمثل مسارنا واتجاهنا، والتي تعتبر الإتجاه السوي في جميع مراحل
التبليغ الإسلامي. "ولكن لنري المعالم من دينك" أي لنبيّن معالم الدين للناس،
ونجعل راياته خفاقة عالية أمامهم، ولنضع تلك المعالم والدلالات نصب أعينهم،
فهذه المعالم والدلالات مهمة للغاية. الشيطان يستخدم دائماً أسلوب التحريف في
تعامله مع الجماعات المتدينة، فهو يدل دوماً إلى الطريق الخاطئ، وهو إن استطاع
أن يجبر الناس على ترك الدين فسيفعل، وسيسلب الناس إيمانهم الديني، من خلال
التركيز على الشهوات والإعلام الضار والسيئ، فإذا استطاع ذلك فسيفعل ولكن إذا
لم يتسنَ له ذلك فإنه سيغير اتجاهات معالم الدين، فعلى سبيل المثال إذا كنتم
تسيرون في طريق ما وشاهدتم علامة أو سهماً يشير إلى اتجاه الطريق وسلكتم أنتم
ذلك الإتجاه، غافلين عن أن هناك يداً غادرة وخائنة قد غيرت ذلك الإتجاه فالصراط
المستقيم كانت من جهة واتجاه السهم كان من جهة أخرى، وهكذا هو الوضع.
أولويات أهداف الإمام الحسين
لقد أعلن الأمام الحسين (ع) عن أولويات أهدافه
وهي "لنُري المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك"، أي لنستأصل جذور الفساد
في الدولة الإسلامية ونقيم الإصلاح فيها، فما هو معنى الإصلاح؟ الإصلاح يعني
القضاء على الفساد والرذيلة، ولكن ما معنى الفساد والرذيلة؟
الفساد له أنواع وأشكال متعددة، فالسرقة،
والخيانة، والتبعية، والظلم، والتعسف، والشذوذ الأخلاقي والمالي، والعداوة بين
الأصدقاء والأهل، كلها من توابع الفساد، وكذلك الركون إلى أعداء الدين،
والتعبير عن الرغبة تجاه الأمور المخالفة للدين، وكل ذلك من فروع الفساد
والرذيلة. إن كل أمر يحدث في ظلال الدين، وهذا ما نراه في تعبير الإمام الحسين
في قوله: "لنُري المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من
عبادك"، أي ليأمن عبادك المظلومون، نعم ليأمن المظلومون في المجتمع، لا
الظالمين، ولا الجبابرة الجائرين، ولا وعاظ السلاطين، ومدّاحي الظلم والجور،
ولا حاملي أوزار الظلم والجور، بل ليأمن المظلومون الذين لا حول لهم ولا قوة
ولا سبيل، فهم المستضعفون في المجتمع، وهم ضعفاء القوم، فيجب إذاً أن يأمنوا من
جميع النواحي وفي جميع الأحوال، نعم يجب أن يأمنوا ويتمتعوا بالأمن على شرفهم
وكرامتهم وأموالهم وبالأمن الغذائي والذي لا أثر له اليوم في العالم.
لقد أراد الإمام الحسين (ع) أن يطبق ويحقق تلك
الأهداف التي كانت تتعارض والمصالح السلطوية لطواغيت زمانه، والتي نراها اليوم
في أرجاء العالم بأمّ أعيننا. فهم يقلبون المعالم الدينية رأسا على عقب،
ويحبيرون على عباد الله المظلومين أكثر فأكثر، ونرى مخالب الجبابرة الجائرين
تتلطخ بدماء المظلومين المضطهدين أكثر فأكثر.
ماذا يجري في العالم اليوم
وكيف هي الأوضاع؟
أنظروا كيف يتم التعامل مع مسلمي كوسوفو، فهناك
أكثر 500 ألف إنسان، من بينهم أطفال وشيوخ ورجال ونساء ومرضى، يَهُمْنَ في
البراري وعلى الحدود، وهي ليست بالبراري أو الحدود الهادئة أو الساكنة أو
الرحيمة، بل هي تحت سيطرة الأعداء وضغوطهم، فهم يقومون بزرع الألغام في الطرق
التي يسلكها الأهالي، ويتم إطلاق القذائف من خلفهم، والهدف من كل ذلك القضاء
على هذه الجماعة. وهنا أود أن أعلمكم أمراً أرغب بالتوسع كثيراً في هذا المجال،
ولكن اعلموا أن الإرادة الجماعية قررت القضاء على المسلمين في منطقة البلقان
وتشتيتهم، فهم يمانعون من إقامة دولة إسلامية أو تشكيل جماعة إسلامية في تلك
المنطقة، ولا فرق عندهم نوعية هذا الإسلام، حتى ولو كان إسلاماً لم يعرض
المعارف الإلهية بشكل صحيح خلال أكثر من مئة عام، المهم أنه إسلام، فهو يشكّل
خطراً عليهم كيفما كان فهم يعلمون جيداً بأنه حتى لو افترضنا أن الجيل المسلم
اليوم في منطقة البلقان هو جيل لا يمتّ بصلة مع الإسلام، فإن جيل الغد سيتعرف
على الإسلام وسيعمل به. إن مجرد إحياء الأحكام الإلهية والإسلامية فيهم يعتبر
خطراً على الأعداء وقد أعلن ذلك البعض منهم بكل صراحة في تصريحاتهم. فهؤلاء
الأهالي إذاً هم المظلومون. إنهم يتنازعون حالياً فيما بينهم، ولكن الشيء
الوحيد الذي لا يتم التوجه إليه في هذه الحرب ولا يتم الإلتفات إليه بشكل جدي
وحقيقي هو وضع المسلمين المظلومين هناك، وقد يتم التصريح بأنهم يهتمون لأمرهم
ولكن هذا الكلام لا يتعدى كونه لقلقة لسان.
الأهداف الأساسية للثورة بيّنها الإمام الحسين في
كلامه
الهدف الأساس هو "ليأمن المظلومون من عبادك" أن
هذا الهدف وهذه الأهداف جميعاً هي الأهداف الأساسية لكل ثورة ولكل سلطة إسلامية
وإجمالاً لحاكمية دين الله.
يقول الإمام الحسين (ع): "ويعمل بفرائضك وأحكامك
وسننك"، هذا هو هدف الإمام الحسين (ع)، دعونا الآن من بعض الأشخاص الذين لا
يمتّون بصلة للمعارف الإسلامية ولا لأقوال وأحاديث الإمام الحسين (ع)، والذين
لا يتقنون كلمة عربية واحدة، والذين يكتبون ويصفّون الكلمات جنباً إلى جنب في
الحديث عن أهداف الحسين (ع)، وأن أهدافه كانت كذا وكذا، فمن أين أتيتم بهذه
الأقاويل؟
هذا هو كلام الإمام الحسين (ع) "ويعمل بفرائضك
وأحكامك وسننك"، أي أن الإمام الحسين (ع) يضحي بنفسه وبأطهر رجالات عصره لكي
يعمل الناس بأحكام الدين، فلماذا؟
لأن السعادة والعدالة والحرية وانعتاق البشرية
تتجلى من خلال العمل بأحكام الدين. فمن أين لهم الوصول إلى الحرية؟ وكيف؟ إن
جميع رغبات وحاجات البشر تتحقق وتجاب في ضوء تطبيق أحكام الدين.
حاجات البشر ليست مادية فقط
إن البشر اليوم لا يختلفون بتاتاً من حيث الحاجات
الأساسية مع البشر، قبل ألف عام أو عشرة آلاف عام، فحاجات البشر ومتطلباته
الأساسية هي واحدة، لأن الإنسان بحاجة إلى الأمن والحرية والمعرفة والعيش
الرغيد، وهو ينفر من العنصرية والظلم. هذه هي حاجات الإنسان الأساسية.
أما الحاجات والمتطلبات الزمانية المتغيرة فهي
أمور يمكن تأمينها في إطار وفي ضوء الحاجات الأساسية. أما الحاجات الأساسية فهي
تتحقق فقط بفضل وببركة دين الله ولا غير. وإن أيٍ من الإتجاهات والإيديولوجيات
العالمية والمدارس البشرية والأسماء والعناوين الرنانة اللامعة لا يمكنها إنقاذ
الناس، وها نحن نشاهد نماذج حية عنها وعن مفعولها. ولنفترض أنها استطاعت تأمين
الأمور المادية أو المال، ونقصد به القيمة المطلقة للمال لمجموعة من الناس، فهل
هذه هي حاجات البشر؟ هل أن حاجات البشر في وقتنا الراهن تتلخص في أن يصل معدل
الدخل القومي الإجمالي لبلد ما إلى رقم يتعدى المليارات، في حين أن هذا الدخل
القومي الإجمالي لا يمكنه تأمين الغذاء لمجموعة من أفراد المجتمع ذاته؟ فهل هذا
يكفي؟ وهل نحن نبحث عن هذا الحل؟ فما فائدة بلد غني بقطن فيه العديد من الجياع؟
وما فائدة بلد لديه دخل مرتفع ولكنه يعاني في الوقت نفسه من الإختلاف الطبقي
ومن العنصرية في مجتمعاته؟ أو أن تكون هناك مجموعة تستفيد من هذه المبالغ
الطائلة التي يتمتع بها ذلك البلد، وتقوم بالسيطرة على أعداد هائلة من البشر،
وبمارسة الظلم والجور والتعسف ضدهم، وأن تقوم باستغلالهم؟ فهل على الإنسان أن
يسعى لتحقيق مثل هذه الحاجات والمتطلبات؟ أو أن يقوم بالتضحية من أجل ذلك؟
التضحية يجب أن تتم لتحقيق
العدالة والحرية
إن التضحية يجب أن تتم من أجل حرية وسعادة وسرور
الإنسان ومن أجل ابتهاج الروح الإنسانية، وهذا ما يؤمّنه الدين.
إن التضحية يجب أن تتم حتى يكتسب البشر الأخلاق
الحميدة والفضيلة، ولكي تتحول الأجواء البشرية إلى جنة النقاء، ومن أجل هذا يجب
على الإنسان أن يسعى ويعمل، ومن أجل هذا يجب عليكم التبليغ، في هذا الإتجاه وفي
هذا المسار، ولذلك فقد لفت نظري حديث في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يذكر أموراً يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مراعاتها ومنها: "رفقٌ
فيما يأمر ورفقٌ فيما ينهي"، أي يجب أن يتم هذا الأمر بالرفق، خاصة في الحالات
التي تستلزم ممارسة الرفق، وغالبية الحالات هي من هذا النوع. وكل ذلك حتى يتمكن
الإنسان من خلال المحبة والمودة أن يستودع تلك الحقائق في القلوب والأفكار.
نعم إن التبليغ يجب أن يتم من أجل ذلك، أي من أجل
إحياء الأحكام الإلهية والإسلامية. نحمد الله على أن هذه الفرصة سنحت في الوقت
الحاضر في بلادنا، فرجال الدولة يتألمون لألم الدين، أما الأعلام الأجنبي فإنه
يسعى للإيحاء بأن القيمين على البلاد والشخصيات البارزة فيه أو بعضهم لا يعيرون
للدين أهمية ولا يهتمون للقضايا الدينية، ولكن ليس بالأمر الواقع، لأن بعض
هؤلاء العاملين في مجال الإعلام لا يدركون ولا يفهمون شيئاً، والبعض الآخر
يمارسون قصداً أسلوب التعمية، فهم يقصدون القيام بهذا النوع من الإعلام
والتبليغ، وهم يريدون إفساد أفكار الناس. نحن اليوم في بلادنا نرى أن المسؤولين
رفيعي المستوى يتألمون لألم الدين، فهم يريدون تطبيق ما يفهمونه من الدين،
وحسناً ما يفعلون، لأن الأرضية مناسبة للقيام بهذا الأمر. ولكن للإنصاف أقول
بأن وسائل الإعلام لديها إهمال وتقصير في هذا المجال، فعليكم اغتنام الفرصة
المتاحة أمام وسائلكم الإعلامية والتبليغية، كما أن على جميع تلك الوسائل أن
تصلح حالها وأوضاعها. أما أنتم فعليكم معرفة الشأن الكبير لمنابر التبليغ، هذه
المقرات العظيمة للتبليغ في المساجد والحسينيات وتحت خيمة الإمام الحسين (ع)،
فهذا أمر نافذ ومؤثر ومبارك.
الشعلة الساطعة هي في هداية
الناس
قوموا لهداية الناس.. نوّروا بصائرهم وأفكارهم..
شجعوهم على تعلّم الدين الصحيح الخالي من الشوائب.. عرّفوهم على الفضيلة
والأخلاق الإسلامية.. أوجدوا فيهم فضائل الأخلاق بالقول والفعل.. عظوهم..
خوّفوهم من عذاب الله ومن قهره ومن جهنم.. أنذروهم فللإنذار دور مهم قي هذا
المجال يجب أن لا يُنسى.. بشّروهم بالرحمة الإلهية، بشروا المؤمنين والصالحين
والعاملين.. عرّفوهم على قضايا العالم الإسلامي الأساسية على قضايا البلاد
الأساسية. هذه هي الشعلة الساطعة المنيرة التي يجب على كل فرد منكم أيها
الأغراء أضاءتها في كل مكان تحلّون فيه، وبذلك تستنير القلوب، وتنشأ المعرفة
العامة، وتبدأ الحركة والمسيرة، وسيصبح الإيمان إيماناً عميقاً. وهذا هو أكثر
الأسلحة تأثيراً في التصدي للغزو الثقافي ولغارات العدو الدنيئة، فهم قلقون
بشدة من هذه المسيرة، ويريدون أن يمنعوا رجال الدين الشباب، المؤمنين الشجعان،
ذوي الخبرة والمعرفة والأفكار النيرة، من القيام بواجباتهم في المناطق
المختلفة، كالجامعة والأسواق والقرى والمدن والمصانع.
أما ما يقابل هذا الإتجاه، أي الجهاد في سبيل
الله، فهو ما تقومون به أنتم، ويجب أن يتم على أكمل وجه من الدقة والإتقان،
وفوق كل ذلك يجب أن يتم بكل إخلاص وتفانٍ "لم يكن منافسة في سلطان، ولا التماس
شيء من الحطام".
الختــام
أسال الله عز وجل أن يشملكم أيها السادة الأعزاء،
وأن يشمل قلوبكم المنيرة وسعيكم وأعمالكم ومسيرتكم بلطفه وفضله، وأن يجعلها
مباركة للناس. ونسأل الله أن يخلّد ما تتركه أعمالكم من آثار بارزة في مجتمعنا.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.. |