المناسبة: الأحداث الأخيرة

الزمان والمكان: 6 جمادى الأولى 1423 هـ الموافق 16-7-2002 ـ طهران

الحضور: مسؤولو وزارة التربية والتعليم

أجواء الكلمة

بعد فشل الدوائر الاستكبارية في العالم وأياديها الداخلية في استغلال ذكرى أحداث الحيّ الجامعي بطهران لإثارة الفوضى والاضطرابات في الجمهورية الإسلامية، أوعزت إلى رأس الفتنة أي الرئيس الأمريكي بوش بالتدخل الصريح في شؤون إيران الإسلام والدعم العلني لتيار معيّن بغية زرع الشقاق بين الأجنحة الحاكمة في النظام الإسلامي، إلاّ أن هذا التدخل الوقح قد جوبه برفض صريح وقاطع من قبل كبار مسؤولي النظام الإسلامي وكافة التيارات السياسية في الساحة.

ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية سماحة الإمام الخامنئي (دام ظله) وفي معرض إشارته إلى بيان الرئيس الأمريكي والموقف الإسلامي الرافض لأي تدخل أجنبي في شؤون النظام الإسلامي ــ لدى لقائه مسؤولي وزارة التربية والتعليم ــ أبدى ملاحظات هامّة بهذا الشأن، وأكّد على أن النظام الإسلامي والشعب الإيراني لن يتراجعا عن الطريق الذي اختطه الإمام الخميني (قده) لأنه طريق العزة والكرامة والاقتدار.

العناوين الرئيسية في كلمة سماحته:

ــ التربية والتعليم أكثر المرافق حساسية وأهمية

ــ التربية تلازم التعليم

ــ سّر النجاح في العمل

ــ ملاحظات حول بيان الرئيس الأمريكي

1ــ أحلام الهيمنة على إيران مجدداً

2ــ تكرار الأخطاء السابقة

3ــ الصلافة في التحدث عن التودد والمحبة للشعوب

4ــ وضع العراقيل أمام رقي الشعب الإيراني

5ــ المعارضة للإصلاحات الحقيقية في إيران

ــ التوحّد حول محور الإيمان والثورة

بسم الله الرحمن الرحيم

أرحب بالأخوة والأخوات الأعزاء المسؤولين في قطاع التربية والتعليم.

التربية والتعليم أكثر المرافق الإدارية حساسية وأهمية

ربّما لا نبالغ إن قلنا التربية والتعليم أكثر المرافق الإدارية في البلاد حساسية وأهمية؛ وهذه نعمةٌ أسبغها الله سبحانه وتعالى عليكم في أن تكون مهنتكم اليومية في حياتكم في خدمة العلم والمعرفة وتربية أطفال وفتيان اليوم ــ مدراء البلاد غداً ــ.

هنالك الكثير من الأماكن التي يسع الإنسان العمل فيها وتوفير لقمة العيش، ولعلها أكثر محصولاً مما يوفره سلك التربية والتعليم، بيد أن هذا الفخر والقدسية لا يتوفران في كل مكان، ولهذا السبب فإن قطاع التربية والتعليم يعد قطاعاً مرموقاً. فاحمدوا الله إذ منَّ عليكم بهذه المسؤولية، واسألوه التوفيق لأداء هذه المهمة كما تستحق إن شاء الله.

إنكم على تماس مع شريحتين هما في غاية الحساسية من بين شرائح وطننا ومجتمعنا أو أي مجتمع: إحداهما الأطفال والأشبال والشباب ــ وهم التلاميذ ــ، والأخرى المعلمون؛ فعندما تقومون بتربية جيل الشباب فإنما تقومون في الواقع بتربية القوى الإنسانية في البلاد، فلا قدرة لأي بلد على بلوغ التطور دون أن يتمتع بقوة إنسانية تتميز بالفاعلية والعلم والعقل والالتزام وإن كان لديه الذخائر المكنوزة ومختلف الثروات؛ فالثروة الحقيقية لأي بلد هي القوى الإنسانية؛ وإنكم الآن تقومون بتبديل هذه الثروة من حالة (القوة) إلى (الفعل)، فانظروا كم هو مهم هذا العمل.

الطبقة الثانية التي أنتم ــ المدراء والمسؤولين في التربية والتعليم ــ على تماس معها هم المعلمون الذين يمثلون استمراراً لسلسلة الأنبياء، فينبغي عدم استصغار المعلم. إنكم على تماس بشريحة المعلمين العريضة الواسعة التي تتعامل بشكل مباشر مع قلوب شبابنا وعقولهم وأرواحهم، وهي عناصر نفيسة جداً بين أيديهم. والمسؤولية الأساسية لقطاع التربية والتعليم هي التعامل مع هاتين الشريحتين بما يليق بهما.

لقد بُذلت جهود طيبة فيما يخص المعلمين ــ وقد لمستُ نشاطات وجهوداً طيبة لدى مطالعتي التقرير الذي قدّمه وزير التربية المحترم ــ بيد أن كل ما يُبذل من أجل المعلمين يعتبر في موضعه. وهذا الجهد لا يقتصر على القضية المعاشية ــ وإن كان رُكناً مهماً يتعين الاهتمام به ــ بل الكرامة والحرمة لها أهميتها أيضاً؛ فلابد من إحياء حرمة المعلم وسط المجتمع كما أقرّها الإسلام للمعلم، ولا أظن أن ثقافةً أو مذهباً فكرياً أو دينياً يولي المعلم أهميةً وشأناً وكرامةً بقدر الإسلام؛ فعلينا العمل لأن يحظى المعلم بهذه الكرامة وهذا الشأن في قلوب العوائل وأبناء الشعب وشبابنا وتلاميذنا. وهذا ما يستلزم اتخاذ الاجراءات؛ إذ لابد من القيام بنشاطات ثقافية في هذا المضمار، كما يتعين القيام بالاستثمار المعنوي والمادي في مجال إعداد المعلم وتربية أناس لممارسة التعليم يكون العلم والالتزام والتدين والروح الثورية رصيدهم الحقيقي والمقومات الجوهرية لشخصياتهم، ومن ثم يتوجهون نحو المدارس؛ إذ ذاك سيكون لهذا العمل تأثيره الباهر، وفي هذه الحالة ستزداد كرامة المعلم وحرمته تجلياً في الأنظار؛ فالمعلم العالم المتضلع والعارف بمهنته المتبحر بالعلم الذي يدرسه والواقف على نمط التعليم هو الذي يتمتع بالكرامة والحرمة. هذا هو نصف المهمة التي يتعين إنجازها. أما النصف الآخر فهو الذي يتحتم تكريسه لإدارة شؤونهم الحياتية؛ فلابد من مواصلة المناهج التي ذكرها السيد (حاجي)[1] في تقريره الذي قدّمه لي بحدود إمكانيات الحكومة ــ فنحن لا نطمح بما يفوق حدود الامكانيات ــ.

التربية تلازم التعليم

إنني أقول فيما يتعلق بالتلميذ: إن التعليم مهنة ظريفة ودقيقة للغاية، وهو لا يقتصر على أن ندوّن مجموعة من المعلومات على الأوراق ونقدمها للتلميذ ونطالبه بقراءتها، ومن ثم نحدد له مقطعاً من السنة لأداء الامتحان، فهذا لا يمثل التعليم على حقيقته، بل لابد أن يكون التعليم بنحو يبني الذهن ويُنشّط العقل، ويخلق التشوّق للعلم في قلب المتعلم بالدرجة الأولى؛ فمهما ازدادت معلومات الذين يتعلمون علماً دون اندفاع فلن تكون لديهم كفاءة مَنْ اندفع نحو ذلك العلم بشوقٍ ورغبة، وهكذا الحال في كافة الفروع العلمية، إذ لابد من خلق هذا الشوق والرغبة في قلب المتعلم سواء في المعلومات الأساسية أو الفروع العلمية الخاصة ــ التي من المقرر إرساء قواعدها وإعدادها من قبلكم خلال المرحلة المتوسطة ــ كي يتفاعل هذا النشاط الفكري والعقلي وهذا الشوق القلبي وكذلك الجهد الذي يقدمه المعلم بين يدي التلميذ داخل سريرته فيحوّله إلى عالمٍ حقيقي. والعلم لوحده لا يكفي، وإنما يتحتم أن ترافقه (التربية)، ولذا فأنتم قطاع (التربية والتعليم). وقد جرى الاهتمام بالأمور التربوية منذ مطلع انتصار الثورة، وسبق أن أوصيت وزير التربية وأُعاود وصيتي الآن أيضاً بأن تُؤخذ على محمل الجد، ورحم الله الشهيدين رجائي وباهنر اللذين فعّلا هذا الحقل عن علم؛ فليس صحيحاً إلغاء هذا الحقل من التربية والتعليم على كافة المستويات، بل لابد من إيلائه العناية وتخصيص نصف عمل التربية والتعليم للتربية على أقل تقدير. لذا فإنكم تلاحظون ما ورد في القرآن الكريم من أن التزكية والتعليم هي مهمة الأنبياء، وقد استشفّ البعض من تقدم كلمة "يزكيهم" على "يعلمهم" في عدة آيات من القرآن الكريم أن التزكية أعلى مرتبةً من التعليم، ويمكن أن تكون كذلك أيضاً. والحد الأدنى أن تقترن التزكية بالتعليم {يزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة}، وذلك هو تعليم الكتاب والحكمة ــ وليس تعليم ما هو متواضع ــ ويأتي مقروناً بالتزكية؛ وعليه فإن التزكية في غاية السمو، وهي تعني التربية.

إن كنوز الشعب ــ الأطفال والأشبال والشباب ــ بأيديكم، وليس ثمة كنز خيرٌ من هذا الكنز؛ فإذا لم تستثمر قابلياتهم باتجاه التربية الفكرية والرقي العلمي، أو أنهم حققوا الرقي العلمي لكنهم تربّوا منحرفين معوجين من حيث البعد الإنساني والأخلاقي والتربوي، وغدوا أناساً يعوزهم الاعتقاد والالتزام بالموازين الأخلاقية، لا يكترثون بشعبهم ولا وطنهم ولا إسلامهم ولا ثورتهم ولا القائمين على خدمة البلاد ومسؤوليها ولا بمستقبلهم وتاريخهم، فلا قيمة لعلمهم حتى وإن أصبحوا علماء؛ أي أن ضرر العلم وخسارته يزدادان بازدياد العلم، وبذلك يكون مصداقاً للشعر القائل:

قد أحسنَ اللصُّ انتقاءَ بُغيتهْ لمّا سطا حاملاً المصباحا[2]

سّر النجاح في العمل

وبناءً على هذا، يجب العناية كثيراً بتربية التلاميذ؛ وقد سمعتُ بما أُثير في وزارة التربية والتعليم في إرفاق التربية إلى جانب التعليم كي يؤدي المعلم التربية داخل الصف أيضاً، وهذا كلام صائب جداً. وإنني أعتقد أيضاً أن بإمكان معلّم مادة الفيزياء أو الجغرافيا أو الرياضيات أو أي معلمٍ آخر التأثير على عقلية التلميذ من خلال كلمة بليغة وتربيته بنحوٍ ربما لا يترك كتاب بأكمله مثل هذا التأثير؛ وهذا لا يتنافى مع بقاء قطاع التربية محافظاً على قوته ويحظى بالاهتمام على صعيد التربية والتعليم. فاعملوا على تطويره وإكماله؛ فالتطور جيدٌ في جميع الأحوال، والجمود سلبي في جميع الأعمال، ولابد من بلوغ التقدم مع المحافظ على الأصول.

إن المسؤولين في قطاع التربية والتعليم ــ بدءاً بالوزير وحتى المعلم ومدير المدرسة ــ أعزاء عليَّ بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنني أقول هذا بعيداً عن المجاملة. وبناءً على هذا فإنني أضيفُ أمراً آخر إلى ما تقدم من كلامي وهو: إن أردتم النجاح في أعمالكم فعليكم، بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى وتوطيد آصرتكم القلبية بشكل مستمر مع الذات الإلهية المقدسة، عليكم بتجنب الدخول في السجالات الفئوية والحزبية ــ التي يحاول البعض تغذيتها داخل البلاد ــ ففي هذا سرّ نجاحكم. هنالك أيادٍ تعمل للإيقاع بين بعض الناس حول قضايا واهية وموهومة وتأجيج الناس بعضهم على بعض، على خلفية المواقف الحزبية والفئوية والتنظيمية وربما التكتلية أحياناً، وخلافاً تماماً لقوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}؛ فبعد أن يتحدث القرآن قائلاً {وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} يردف بقوله {إنما المؤمنون إخوة}، فالمؤمنون بالله وبالدين وخط الأنبياء إخوة؛ وربما يتشاجر أخوان فيما بينهما، ولكن ما هو واجبنا يا ترى؟ إنه {فأصلحوا بين أخويكم}. وعلى العكس من ذلك تماماً يحاول البعض باستمرار إضرام تنور الاختلافات وتأجيج نيرانها عبر إثارة الفئوية والتصريحات الحزبية واختلاق الولاية الحزبية!

إنهم يثيرون الشبهات ويشوّهون مفهوم ومعنى الولاية التي تعتبر جزءاً من التعاليم الأساسية للدين والقرآن ومن واضحات الدستور، ويختلقون الولاية الحزبية بدلاً عنها، مفتعلين بذلك هذا التناقض الرهيب. فابتعدوا عن هذه الأمور، ولا ضير في أن يكون للمرء رؤية ورأي في القضايا السياسية المختلفة ومواقف الأشخاص وتصريحاتهم، فلابد للإنسان أن يكون ذا رأي، وإنني أؤكد دوماً على المعرفة السياسية وامتلاك القدرة على التحليل السياسي، فذلك مما يحصّن الشعب إذ يفهم طبيعة الوضع السياسي في العالم؛ أي يفهم ما الذي يحاولون فرضه عليه؛ وإلى أين يريدون جرفه، وإلى أين يتعين عليه التوجه، وماذا يريد؟ وهذه من الضروريات بالنسبة لأي شعب، ولحسن الحظ فإن شعبنا من بين الشعوب المتقدمة من حيث الوعي السياسي، ولكن هذا يختلف عن الفئوية واللغط واتخاذ الموقف والسجال السياسي، فتجنبوها؛ وعليكم بالمهمة الأساسية التي يتوقف عليها مستقبل البلاد والتي هي بين أيديكم، فأنتم الذين يتعين عليكم القيام بها بشكل تام.

ملاحظات حول بيان الرئيس الأمريكي

وأتكلم الآن قليلاً حول المواقف العدائية التي تتعرض لها الجمهورية الإسلامية؛ إن السبب في هذه المواقف العدائية هو تطلّع الشعب الإيراني للوقوف على قدميه بفضل الإسلام والثورة، وأن لا يعتمد على الآخرين ولا يستسلم استسلاماً أعمى للقوى الدولية. وإن البيان الأخير الذي أصدره الرئيس الأمريكي يُعدّ حافز وعي قوي للغاية بالنسبة لشعبنا ولشعوب العالم ولاسيما الواعين وذوي الرؤية السياسية في مثل هذه الأحداث، ليروا ويعتبروا ويفهموا ما يفكر به الأعداء والأجانب والطامعون بشأن هذا الشعب؛ وجريرة هذا الشعب هو ما أسلفنا لا غير؛ فهم يريدون الانتقام من هذا الشعب لمحاولته الوقوف على قدميه والحياة مستقلاً بعيداً عن القيود السلطوية لهذا أو ذاك، بفضل الايمان بالله {وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}؛ وما هذا البيان الاّ دليل على الحيرة التي استولت على المسؤولين وأرباب السياسة والمخططين السياسيين في أمريكا إزاء هذا الشعب وهذه الثورة؛ إنهم حقاً حيارى لا يعرفون ما يفعلون، فهم ينشطون ويدورون بهذا الاتجاه وذاك ويغيّرون منطقهم متوهمين أنهم بذلك إنما يحوكون مؤامرة لخداع العقل الجمعي للشعب الإيراني، لكن لا جدوى من ذلك كله.

1ــ أحلام الهيمنة على إيران مجدداً

أول ملاحظة تُستشفّ من هذا البيان هي أن النظام الأمريكي ــ ولا شأن لنا بالشعب الامريكي، وإنما الحديث يدور حول النظام والسلطة في أمريكا ــ لم يفقد بعد نهمه الذي لا يسدّه شيء للهيمنة على هذا البلد، ومازالوا تراودهم فكرة تسلطهم المشؤوم والسيّئ الصيت الذي استمر لمدة خمسة وعشرين عاماً وابتدأ بشدة منذ 28 مرداد عام 1332 [1953م] وحتى انتصار الثورة الإسلامية عام 1357 [1978م].

إنهم لم يُقلعوا لحد الآن وتراودهم أحلام تلك الأيام التي كان حاكم البلاد ــ أي محمد رضا الخائن الفاسد ــ إذا ما أراد اتخاذ قرار لم يبادر له إن لم يأخذ رأي الأمريكان، إذ كان عليه التشاور مع السفير الأمريكي حتى بشأن أيّ من الوزراء أو رئيس الوزراء أو أي مبادرة دولية، وهو الذي يقول له ما يجب عليه القيام به! وبالرغم من الادعاء بمناصرة الديمقراطية ودعوات تحرير الشعوب ــ حيث ما فتئ يصدر ذلك عن ألسنة وأفواه المسؤولين الأمريكيين، زاعمين أنهم يناصرون الديمقراطية والحكومات الشعبية وحق الانتخاب ــ فإن جُلّ أملهم يتعلق الآن بحثالات النظام الملكي الفاسد أكثر من غيرهم، ومازالوا كذلك، إذ لم يقطعوا الأمل من الأسرة البهلوية الفاسدة وأذنابها ومازالوا يبحثون عن هذه النماذج، وما الانتخاب والديمقراطية وحاكمية الشعب وأمثالها التي تجري على ألسنتهم إلاّ من بين المفردات التي لا يؤمنون بها أبداً، وليس ــ بطبيعة الحال ــ ثمة أمل بهؤلاء الذين يكذبون على شعبهم؛ فأيّ أمل في أن يصدقوا مع الشعب الإيراني ولا يكذبوا عليه؟!

2ــ تكرار الأخطاء السابقة

الملاحظة الثانية التي تثير الاهتمام في هذا البيان هي الأخطاء الفادحة التي يرتكبونها في سعيهم الدؤوب لإثارة الاختلاف بين العناصر الرئيسية داخل بلدنا، وكأن السبل الأمنية والجاسوسية وغيرها من المؤامرات لم تُجدِ نفعاً ورُدّت إلى نحورهم، فزجّوا برئيسهم في القضية ليقوم بعملية فصلٍ بين العناصر القائمة على إدارة البلاد ويقول: إننا نقبل هذا ونرفض ذاك! وكأن الشعب الإيراني جلس منتظراً ليرى من الذي يرتضونه ومَن الذي يرفضون! إنهم ليكذبون، فهم لا يرتضون من يدّعون قبوله، وإلاّ فلو علم الشعب الإيراني جدّيتهم في الإتيان بأناس أو تيار ووضعه على رأس البلاد لخالفه الشعب لفرط عناده معهم وإن لم يكن مخالفاً لذلك التيار.

وهذه الخديعة لم ولن تُفلح أيضاً؛ فلقد وجه رئيس جمهوريتنا بموقفه هذا لطمة إلى فم الرئيس الأمريكي، فيما اتفقت كلمة مختلف التيارات داخل البلاد حول هذه القضية بالرغم من اختلافها حول العديد من القضايا، وقال الجميع: كفى فضولية وتدخلاً، لا تتدخلوا في الشؤون الداخلية لبلدنا! وسيقدم شعبنا يوم الجمعة إن شاء الله عرضاً وحدوياً يزيد في ندم الأمريكيين، وستشاهدون بعونه تعالى وبفضله نزول كافة التيارات إلى الساحة ومشاركتهم في المسيرات يوم غدٍ؛ فلقد وقف المسؤولون وشتى التيارات السياسية وأبناء الشعب بوجه هذا البيان، وهذا ما كان متوقعاً.

3ــ الصلافة في التحدث عن التودد والمحبة للشعوب

والملاحظة الأخرى هي أنهم يتحدثون عن التودّد والمحبة للشعوب! وهذا في الواقع ما يدل على مدى صلافتهم؛ فالأمريكيون يرتكبون الجرائم في مختلف بلدان العالم وآخرها أفغانستان، وفضلاً عن المآسي والجرائم التي ارتكبوها أثناء هجومهم على أفغانستان بذريعة محاربة الطالبان أو فصيل غيرها، فقد استمروا بعد ذلك بخلق المآسي حيث يقتلون المئات ويصيبون مئات أخرى بجروح، ومن ثم يقولون عن ذلك وقع خطأً لكننا لا نعتذر..! إنهم يقصفون قافلة كانت متوجهة إلى كابل للمشاركة في مراسم سياسية خاصة، فيصرحون بعد ذلك قائلين: لقد تصورنا أنهم أتباع تنظيم معين وقد جاؤوا للتخريب! هذا هو حبّهم للشعوب!

ومآسيهم في فلسطين مما يندر أن نرى نظيراً لها حتى في عهد الاستعمار، فقلّما شوهدت هذه الإبادة وارتكاب المصائب والجرائم ــ التي لاشك في أن أمريكا شريك قطعاً فيها ــ خلال الأيام السوداء للاستعمار المباشر؛ فلقد ساد الاستعمار المباشر الكثير من البقاع ــ منها الهند والجزائر وغيرهما من المناطق ــ بيد أن ما يرتكبه الصهاينة الهمج والخالون من الإنسانية والمفاهيم الأخلاقية والإنسانية بحق الشعب الفلسطيني قد فاق ذلك بأسره، ولاشك في أن نصف هذه الجرائم يُنسب إلى الأمريكان على أقل تقدير، وعلى عواتقهم يقع وزره ووباله؛ فهم الذين يحرضون ويمنحون الحق لهؤلاء [الصهاينة] باستمرار ويعلنون عن دعمهم لهم. في مثل هذه الأوضاع ينبري الرئيس الأمريكي الذي يقف الآن على رأس الفتنة ــ ولا علم لنا بمدى تأثيره على سياسات أمريكا خلف الكواليس ــ ويتحدث عن التودد للشعوب والحب لها والرغبة في تقدمها! وهذا ما يحتاج حقاً للصفاقة!

4ــ وضع العراقيل أمام رقي الشعب الإيراني

والملاحظة الأخرى هي قوله ان الشعب الإيراني توّاق للتطور والرقي؛ وهذا مما لاشك فيه وهم جادّون في عملهم، ولقد وجد أبناء الشعب والمسؤولون في إيران ميدان التقدم والرقي مُشرعاً أمامهم بعد انتصار الثورة، وها هم الآن يجتهدون لذلك، لكنكم أنتم الذين لا يروق لكم ذلك، فأنتم أعداء الشعب الإيراني لا تطيقون هذا التطور، فتضعون العراقيل في طريقه.

انظروا كم من دسيسةٍ حاكها نظام الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية وعلى الأصعدة الاقتصادية والسياسية والأمنية ضد الشعب والنظام الجماهيري في إيران، إنه يقول: إن الشعب الإيراني يسعى لبلوغ التطور شأنه شأن سائر شعوب العالم. نعم، إنه يطمح للتطور، وليس ذلك فقط، فالشعب الإيراني يبغضكم كما يبغضكم أغلب شعوب العالم، وهذه حقيقة قائمة؛ فقبل شهر أو شهرين قاموا بعمليات استطلاع للرأي اتضح على أثرها أن الحكومة الامريكية أشد الحكومات بغضاً في أنظار الشعوب في الدول الإسلامية والدول الآسيوية ومنطقة الشرق الأوسط، وهذا ما لم يعد مقصوراً على الشعب الإيراني، بل هو يشارك سائر الدول في بغضكم. لقد كان إحراق العلم الأمريكي أو تمثال الرئيس الأمريكي أو شعار الأمريكي مقصوراً يوماً ما على إيران، ولكن في أي بقعة من العالم لا يُمارس هذا الفعل الآن؟ فقد أُحرق العلم الأمريكي حتى في أوربا والدول الآسيوية، إنكم سيّئو الصيت في العالم، فالنظام الأمريكي الدكتاتوري والمستبد سيّئ الصيت ومبغوض على الصعيد العالمي، والتعبير عن هذه الكراهية لا ينحصر بالشعب الإيراني، وإن كان الكثير من الشعوب لا يمتلكون الجرأة للتعبير عنها بسبب ممانعة بعض الحكومات، أما الشعب والحكومة في إيران فيتميزون بشجاعتهم والحمد لله، لذلك فهم يعبرون عن مشاعرهم تجاه أمريكا بكل حرية وبعيداً عن كل قيد وشرط، واتخذوا من شعار (الموت لأمريكا) واحداً من شعاراتهم الأساسية.

5ــ المعارضة للإصلاحات الحقيقية في إيران

إن الرئيس الأمريكي يزعم تأييده لتيار يُدعى التيار الإصلاحي في ايران؛ إنكم تكذبون، فأنتم: أولاً: لا تؤيدون أيَّ تيار من التيارات المؤمنة بالثورة. وثانياً: إنكم لا تؤيدون الإصلاح أيضاً، وإن أي إصلاح يجري في هذا البلد من المسلَّم به أنه يتنافى مع ما يراه النظام الدكتاتوري المستبدّ والسلطوي في أمريكا. وثالثاً: على افتراض وجود شيء باسم الإصلاحات، وأنتم الذين تكتبون نسخته للشعب الإيراني، فإنه سيعتبر هذه الإصلاحات أمريكية ويلقيها في سلّة المهملات.

لقد قامت الثورة الإسلامية وإمام هذا الشعب العظيم بأعظم حركة إصلاحية في هذا البلد، ولاشك في أن أيّة حركة تجري الآن لترصين قواعد الثورة وتفعيل دستورنا الرفيع والعصري فهي حركة إصلاحية يدعمها الشعب، فأيّما فعل علمي وديني وعملي وأخلاقي واجتماعي وسياسي يصب باتجاه تطور الشعب الإيراني هو بمثابة حركة إصلاحية وتحظى بدعم الشعب، وإن جوهر الإصلاحات أن نكافح الفقر والفساد والتمايز، وأية إصلاحات ــ إن كانت حقيقية ــ تدور حول هذا المحور، وإن أسوأ أنواع الفساد في المجتمع عبارة عن تفشي الفقر واتّساع الهوة بين الفقير والغني، وبئس الفساد في المجتمع أن يبتلى أناس بالفساد المالي والاقتصادي ويقتاتون على بيت مال الشعب لتأمين مصالحهم الشخصية وحشو جيوبهم.

إن أنكى صنوف الفساد هو التمييز في تطبيق القانون وممارسته وسط المجتمع وإهمال قابليات الناس ومواهبهم وقدراتهم؛ إنه ذلك الفقر والفساد والتمييز الذي طالما أشرنا إليه وكان التأييد من الشعب بأن مكافحته هي الإصلاحات الحقيقية، وهذا ما يطمح اليه الشعب، بيد أن الأمريكان لا يريدونه، وأن الرئيس الأمريكي لا يروق له مثل هذا داخل بلادنا.

التوحّد حول محور الإيمان والثورة

المهم بالدرجة الأولى بالنسبة للشعب الإيراني في مواجهته لهذا العداء هو الأخوّة، فليقلّصوا من الاختلافات ما استطاعوا، وليدعوا الجماهير وشأنها في حبّها وتعلقها بالنظام الإسلامي ويتجنبوا المساس بآمالها. ومما يؤسف له أن البعض يمهد الأجواء التي من شأنها إحياء الأمل لدى العدو! فلقد كان الرئيس الأمريكي يتوهم حدوث ثورة في طهران يوم الثامن عشر من تير(*) ضد النظام الإسلامي! بيد أن طلبتنا خيّبوا آمال العدو بيقظتهم؛ فالطلبة والمسؤولون في وطننا يتميزون بوعيهم، وإن أبناء شعبنا لن يسمحوا للعدو باستغلال الأوضاع، ولقد أساء العدو وأخطأ في فهمه.

أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء! إن ما يحفظ للشعب صلابته عبارة عن التوحّد حول محور الإيمان والثورة، وهذا ما يزرع اليأس لدى العدو. وهؤلاء إنما يتصورون أننا نسعى للحصول على أسلحة الدمار الشامل أو السلاح النووي لغرض تثبيت نظامنا، وهم مخطئون، وهذا تحليل خاطئ ومعلومات لا صحة لها، إذ إننا نعلم أن ما تعجز حتى القنبلة النووية عن مجاراته عبارة عن شعب ذي عزيمة وإرادة، مؤمن متّحد، وهذا ما يعجز أي أحد من قهره وغلبته، وإلاّ فهل كان العداء الذي واجهناه منذ انتصار الثورة وإلى يومنا هذا قليلاً؟! وهل كنّا نمتلك السلاح النووي منذ انتصار الثورة وحتى الآن؟! إن ما حفظ لهذا الشعب عزته وكيانه، وكان سبباً في شموخ النظام الإسلامي وخلود اسم الإمام، إنّما هو إيمان هذا الشعب وعزيمته الراسخة وصموده ووحدته. فليكفّ البعض عن ارتكاب بعض السذاجات والأعمال المهتورة وإطلاق التصريحات واتخاذ مواقف غير مدروسة، فيزرعوا اليأس لدى الجماهير؛ فبمجرد أن يلمسوا ضعفاً في أحد الأجهزة يبادرون للتشكيك بالنظام الإسلامي متسائلين: لِمَ هذا الضعف في هذا الجهاز؟! إن الأجهزة والوزارات والتشكيلات الوظيفية تقوم بأعمال طيبة، وهي تقع بالخطأ والاشتباه أيضاً، ويتعين إجراء الاصلاح فيها، ولكن ما علاقة ذلك بتركيبة النظام الإسلامي وهيكليته حتى يتفوه البعض بما هو غير مدروس؟! وفي معظم الأحيان تخلو هذه الأقاويل من الغرض، بل هي نابعة عن الجهل، والعدو إنما يستغل حالات الجهل، وهذا ما يعنيه (جهل الصديق) الذي تتضمنه أدبياتنا وأشعارنا؛ فربما يكونون أصدقاء، لكنهم جهلاء، فيتفوّهون بما يعرّض النظام الإسلامي للتشكيك، ويصرحون بما يزرع الإحباط لدى الجماهير إزاء المستقبل؛ فلم ذاك يا ترى؟! إن هذا الشعب الزاخر بالحيوية والمفعم بالأمل والاقتدار والذي اجتاز كل هذه المنعطفات بإمكانه بلوغ القمة، فلماذا تخيبون آماله؟! إنه لو جوبه أقوى متسلقي الجبال وسط الطريق بالقول: سينفصم ظهرك، ستنكسر قدمك، سيصاب رأسك، وسيعمى بصرك، لن تقدر وتنزلق! فهم في الحقيقة إنما يثبّطونه؛ فلماذا يراد تثبيط الشعب الإيراني وهو يسير في طريق الشرف والعزة والرقي الذي اختاره لنفسه؟! كم من الجهود التي يبذلها المسؤولون الغيارى في العمل؛ فالجانب الأعظم من المسؤولين وعلى مختلف المستويات منهمكون بالعمل، وكم من الأعمال المخلصة التي يصغر أنا وأمثالي عن الاحاطة بها ولا يعملها إلاّ الله، لكن الإنسان يتغاضى عنها جميعاً ويحكم عليها بالبطلان ويعرّض للتشكيك نظاماً بأكمله! هذه هي المنزلقات التي نسأل الله أن يحفظ الإنسان منها، فيجب أن يسأل الإنسان من الله تعالى أن لا يصاب بها؛ فالإنسان كلما ازداد علواً في منصبه ازداد زلَلُه خطراً. كونوا صالحين رحماء فيما بينكم، وعليكم بحسن الظن مع بعضكم ومع مسؤولي النظام.

لقد أعلنّا عن مكافحة الفساد، وهذه صفحة وضّاءة في نظامنا، بيد أن البعض يحاولون تبديلها إلى صفحة سوداء، ويدّعون أن الفساد قد عمّ كل شيء! كلا، فالفساد لم يعم الأرجاء، ولابد من مكافحة الفساد أينما وُجد وإن قلَّ. ولعل إحدى الصحف تتعمد تهويل حالة من حالات الفساد، ولكن هل يعني ذلك أن الفساد قد عمّ الأرجاء؟!

إن الفساد قد طال بعض الزوايا، والناس ينزلقون ويرتكبون الخطيئة، فلابد من مكافحة هذه الخطيئة. وإذا ما كنّا مخطئين ونأبى مكافحة الفساد على قلّته فإنه سيستشرى؛ فمكافحة الفساد ضرورية، بيد أن زرع اليأس في أوساط الشعب بقولنا إن الفساد قد عمّ كافة الأرجاء يعد خطأً فادحاً ناجماً عن الجهل وانخداع مَنْ يعلم المرء بأنهم ليسوا مغرضين، أما المغرضون فلهم شأنهم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على هذا الشعب العظيم بمزيد عنايته، ونسأله تعالى أن يجعل هذا الشعب ممن يشمله دعاء بقية الله الأعظم (أرواحنا فداه) ويستجيب دعاءه وأدعية الصالحين والأبرار بحق المسؤولين القائمين على الخدمة وبحق هذا الشعب المقدام.

اللهم وفقنا جميعاً لخدمة الدين والثورة والشعب. اللهم اخذل وأهلك أعداء هذا الشعب. اللهم مَنْ يريد السوء بهذا الشعب وهذا البلد وهذه الثورة، إن كان مستحقاً للهداية فاهده، وإلاّ فأزلْه عن طريق هذا الشعب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

[1] مرتضى حاجي وزير التربية والتعليم.

[2] ترجمة لبيت شعر بالفارسي:

 "چو دُزدي با چراغ آيد       گزيده تر برد كالا"

(*) ذكرى أحداث جامعة طهران.