الموضوع: أمريكا ونهجها العدائي تجاه المسلمين في العالم

الزمان والمكان: 17 رمضان 1423هـ 22-11-2002م ـ طهران

الحضور: جموع غفيرة من المصلين المؤمنين

الخطبة الأولى

ــ وصية أمير المؤمنين (ع) وما تتضمن من أمور هامة

ــ الممارسات التي دأب عليها أعداء الثورة الإسلامية

الخطبة الثانية

ــ التطورات التي يشهدها العالم الإسلامي

ــ النهج العدائي والمواجهة الفظّة التي تنتهجها أمريكا تجاه المسلمين

ــ الصحوة الإسلامية وتنامي روح الكراهية لأمريكا

ــ الدعم الأمريكي اللامحدود للكيان الصهيوني

الخطبة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونستغفره ونصلي ونسلِّم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه وحافظ سرِّه ومبلِّغ رسالاته سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين سيما بقية الله في الأرضين؛ وصلِّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين. أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

أوصي كافة الأخوة والأخوات المصلّين ونفسي بالتزام التقوى ومراقبة الأفعال والأقوال بل وحتى الظنون وما يخطر على البال. إن شهر رمضان شهر إكتناز التقوى، فلنستمد العون من الله سبحانه وتعالى علّنا نستطيع في هذا الشهر التزود من ذخيرة التقوى لعامنا بل ولعمرنا بأسره.

في الخطبة الأولى لهذا اليوم أتناول عبارة لأمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام" تتصل بوصيته لأبنائه وذويه، وكما صرَّح "ع" في هذا الكتاب ـ نقلاً عن نهج البلاغة ـ فإن المخاطَب بهذه الوصية كافة من يبلغهم هذا الكتاب وهذه الوصية، أي إننا من المخاطبين أيضاً بكلمات أمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام، وهي تلك الوصية المعروفة حيث يقول فيها بعد سطر أو سطرين: "أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَنْ بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم".

وصية أمير المؤمنين (ع) وما تتضمن من أمور هامة

ورد في هذه الوصية ما يقرب من عشرين أمراً؛ وذلك بديهي فهي وصية إنسانٍ عظيم كُتبت في الساعات الأخيرة من عمره وتتضمن أهم الأمور بنظره، وقد سطَّر أمير المؤمنين هذه الوصية بعد أن ضربه ابن ملجم، وان الأمور التي وردت فيها هامة تخص حب الدنيا، القرآن، الحج، الجهاد، اليتامى، الجيران ...الخ وقد انتقيتُ اثنين من هذه المطالب العشرين لكي أتحدث عنها اليوم وهما "نظم أمركم" والثاني "صلاح ذات بينكم" أي خلق التآلف بين الإخوان، وهنا يُفهم أن هذين الأمرين من الأمور الهامة للغاية في نظر أمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام".

إن النظم من الموضوعات التي عندما يتعمق الإنسان في معناه ومفهومه ومفعوله في الحياة يزداد إدراكاً لأهميته، فالنظم إنما يعني وضع الشيء في محلّه، وإن الكون بما فيه من أرض وسماء ويمتد حوالينا نحن البشر إنما هو منظومة مقنَّنة، والقانون والنظم هو السائد على كافة مجريات الأحداث في الكون والتحركات في العالم الذي نستشعره ونبصره والذي يحيط بنا، والإنسان بدوره جزء من هذا العالم المتميز بالنظم، وإن الحياة الطبيعية للإنسان يسودها النظم أيضاً، فدوران الدم ونبضات القلب وانتفاخ الرئتين وسائر الحركات من فعل وانفعال يجري داخل جسم الإنسان تابعة بأجمعها للنظم، وإذا ما تكلل عمل الإنسان وفعله بالنظم إذ ذاك سيتوفر التناسق بينه وبين العالم المحيط به، فالنظم يهب الإنسان فرصة استثمار كل شيء حق الاستثمار ولا يدع شيئاً يفوته، وإذا ما حصلت فوضى داخل جسم الإنسان فإن نتيجتها المرض أو ما يوصف بالمرض، وذات الأمر يطرأ في سلوكيات الإنسان سواء في حياته الفردية أو سلوكياته الاجتماعية. وعليه فأن للنظم أهميته.

إن دائرة النظم واسعة بطبيعة الحال فهي تبدأ من الحياة الخاصة للإنسان داخل غرفته التي يحيا ويعمل فيها حيث يتم الاهتمام بالنظم ـ فيما إذا كانت تتميز بترتيبها أم لا ـ ومروراً بالتصرفات الفردية لنا في الوسط الوظيفي أو الدراسي وانتهاءً بالوسط الاجتماعي وتشكيلة المجتمع وبناء النظام الاجتماعي بما يعنيه من بُنية منبثقة عن نظام معين له فلسفته الخاصة به، وذلك بأجمعه يشمله "ونظم أمركم" الذي صرَّح به أمير المؤمنين في هذا المقطع من وصيته.

وقبل أن يشير "ع" للنظم تحدث عن التقوى فجاءت التقوى في البداية "أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما" لكنه يردف بعد سطرين بالقول "أوصيكما وجميع ولدي بتقوى الله ونظم أمركم" وهنا تكررت التقوى من جديد، ولعل في ذلك إشارة إلى أن النظم المنشود في الحياة الفردية ونظام الحياة العامة والاجتماعية للإنسان هو النظم المستمد من التقوى والممزوج والمتجانس معها. إذ هذه وصية شاملة لنا جميعاً أن نلتزم النظم والتخطيط على صعيد الحياة الفردية والعائلية وكذلك الوظائف الدراسية والإدارية والأعمال التي نمارسها وسط المجتمع، وهذه بالأساس صيغ من النظم على الصعيد الفردي، وعلينا أيضاً التزام النظم والتخطيط على مستوى المجتمع كذلك. فعلى كل امرئ وحيثما كان التقيد بالنظام الاجتماعي فذلك يمثل أدباً عاماً بالنسبة لنا على صعيد المجتمع والجميع مشتركون في هذا الشأن.

إن احترام القوانين ومراعاة الأخوة والقناعة وعدم التمدد على حقوق الآخرين واحترام الوقت ـ سواء وقت المرء أو وقت الآخرين ـ والالتزام بقوانين المرور والتجول والقضايا المالية والتجارية وما شابه ذلك، كلها مصاديق للنظم. ومن مصاديق النظم أيضاً التناسق بين ممارستنا داخل المجتمع وبين أفكارنا وقناعاتنا وشعاراتنا، فمن حالات الفوضى البالغة الخطورة أن تكون القواعد الفكرية والعقائدية والأمور التي يؤمن ويعتقد بها المجتمع شيئاً فيما لا تنسجم السلوكيات التي تتبلور على أساس هذه القواعد والمعتقدات وتشكِّل قانوناً عاماً واجتماعياً مع تلك المتبنيات والأفكار والقواعد، وهذا مما يخلق نوعاً من الازدواجية والنفاق وهو خطير جداً.

من الأمور البالغة السوء التحدث باسم الإسلام وترديده دون العمل بأسس الإسلام؛ المناداة بحقوق الإنسان كمبنىً وقاعدة فكرية دون الالتزام بحقوق الإنسان عملياً ـ وهو ما يمثل اليوم إحدى البلايا الدواهي التي يعاني منها المجتمع البشري على الصعيد العالمي وللأسف ـ، والتشدق باسم التحرر دون احترام لحرية الآخرين، وترديد اسم القانون والدعوة للقانون دون التمسك به على الصعيد العملي وهي تعد من المصاديق البارزة والخطيرة للفوضى. وبطبيعة الحال يتعين على المسؤولين الذين يتطلعون لسنّ القوانين والمقررات أو يطبقونها مضاعفة التزامهم بالنظم، كما يتعين على أبناء الشعب مراعاة هذا الأمر في التزاماتهم العامة.

الأمر الثاني "صلاح ذات بينكم" وأن صلاح ذات البين الذي يشير إليه أمير المؤمنين (ع) في وصيته ليس التآلف والاتحاد الظاهري، بأنْ تتفق فئتان أو جماعتان حول أمرٍ ما وتشكلان ائتلافاً ظاهرياً، بل هو أسمى من ذلك، أي أنْ تتصافى القلوب فيما بينها ويسود حسن الظن بين العقول وأن لا يقع أي تجاوز وإيذاءٍ من شخص أو تيار معينٍ تجاه أية جماعة أخرى.

بعد قوله (ع) "وصلاح ذات بينكم" في هذه العبارة يستشهد بحديث للنبي الأكرم "ص" حيث يقول: "وإني سمعتُ جدكما "صلى الله عليه وآله وسلَّم" يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام"، أي أن صلاح ذات البين ـ أي تقريب القلوب من بعضها وزرع حسن الظن في العقول إزاء بعضها ـ يفوق بفضيلته كل صلاة وصيام، فإذا ما خُيِّر امرؤ بين الصلاة المستحبة أو الصيام المستحب وبين إصلاح ذات البيت فإن الثاني هو الأفضل. وهذا من الأمور التي نحن بأمسّ الحاجة إليها في الوقت الراهن.  

الممارسات التي دأب عليها أعداء الثورة الإسلامية

من الممارسات التي دأب عليها أعداء الشعب الإيراني منذ بداية انتصار الثورة وحتى يومنا هذا تأليب قلوب فئات المجتمع بعضها على البعض الآخر سواء منها الفئات السياسية أو الدينية أو بين شتى الطبقات، وقد انتهج الاستعمار هذه السياسة على مر الزمان ـ لاسيما الاستعمار البريطاني حينما كان مهيمناً على منطقة الشرق الأوسط بأسرها ومنها بلدنا وسائر البلدان ـ ومنه تعلَّم الآخرون لاحقاً، والأمريكان اليوم يمارسون ذات الفعل، فأعداء الشعب الإيراني يخططون للأمر نفسه بشأن وطننا من تأليب القلوب إزاء بعضها وإبعاد شرائح المجتمع عن بعضها البعض.

لقد تقاربت القلوب والفئات في مطلع انتصار الثورة بفضل الصرخة الإصلاحية للإمام والحركة الإصلاحية للثورة ولم يعد هنالك وجود لتلك الثغرات التي كانت تفصل فئات الشعب سنوات مديدة قبل الثورة، إذ كانت هنالك فجوات تاريخية بين المعمم (عالم الدين) والجامعي، والعسكري والمدني، والمثقف وجموع الكسبة والتجار وقد جرى التركيز عليها لسنوات طوال، ولكن تم ترميم هذه النجوات بعد انتصار الثورة فكان أن زالت أو تقلصت، لكنهم عاودوا الآن إثارتها من جديد، فهم يمعنون بتكريس الهوة الدينية وتحريض الفئات للتظاهر بمعاداة بعضها البعض لغرض خلق هذه الهوة، إذ أن الثغرات التي تحصل في البناء الجماهيري المستحكم من شأنها تمهيد الطريق أمام العدو الذي يتسنى له الإندساس داخل المجتمع وداخل البلد من خلال هذه الاختلافات وتمرير سياساته، فعلى الجميع التزام الحذر.

إنكم تلاحظون الآن تركيز الإعلام العالمي على عدة أمور منها العمل على شطر طاقم المتصدين والقائمين على الخدمة في النظام وكوادر البلاد إلى مجموعتين داخل نظام الجمهورية الإسلامية ويضع لكلٍّ منهما اسماً، وهنالك بعض السذَّج في داخل البلاد يرددون ما يقوله أولئك وهو في الواقع ليس كلاماً يطلقونه بأنفسهم بل يطلقه أولئك، ولدى تقسيم العدو الأجنبي لمسؤولي النظام إلى فئتين يعلن أنه يؤيد واحدة ويخالف أخرى، وإحداهما تسمى الاصلاحيون فيما تسمى الأخرى المحافظون، وهذه من مصائد العدو وعلى الجميع توخي الحذر لئلا يقعوا في مصيدة العدو.

يخاطبنا أمير المؤمنين (ع) قائلاً: عليكم بـ "صلاح ذات بينكم" عليكم بتنقية القلوب وتقريبها، ولا تجعلوا من الاختلاف في الأذواق عداءاً؛ فلا يغدو الاختلاف في الرأي والذوق بل وحتى الاختلاف في القناعات السياسية والدينية وغيرها ـ حيثما لم تكن على مساس بالأسس العملية للنظام ـ سبباً في العداء والانفصال والتخاصم فيما بينكم.

لقد كرَّس أمير المؤمنين حياته ـ التي تعدل كل ساعة منها أعماراً ـ لهداية وبناء المجتمع في عصره والمجتمع الإسلامي والبشري عبر التاريخ، ولحسن الحظ فإن شعبنا شعب علوي يؤمن بأمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام" ومريد وعاشق له، ولازم هذه المحبة أن نعلِّق كلماته (ع) على أبواب مسامعنا ولا نعدّها وصية جافة خاوية، بل نجعلها نصب أعيننا في مقام العمل واتخاذ القرار، ولقد خاض (ع) الجهاد في هذا الدرب واستشهد عليه "قُتل في محرابة لشدة عدله" فعدالته أدت إلى شهادته، إذ أفضى تمسكه الواقعي الصادق الصميمي بالعدل والأسس الجوهرية التي كان "ع" يتبناها خلال فترة حكومته إلى أن تتعرض حياته لهذا الخطر ويراق دمه الزاكي في محراب العبادة. في زيارة عاشوراء نخاطب الإمام الحسين "ع": "السلام عليكم يا ثار الله وإبن ثاره" أي أن الله هو المنتقم لدم أمير المؤمنين "ع" كما هو الحال بالنسبة للإمام الحسين "عليه السلام"، لأن هذا الدم أُريق في سبيل إحقاق الحق وإحياء العدل على ربوع المعمورة.

لنسع جميعاً لالتزام هذه التوجيهات والوصايا ـ التي تمثل خطاباً لنا أيضاً ـ في أعمالنا تعظيماً منا لهذا الدم الطاهر وتلك الشخصية العظيمة المقدسة لهذا الولي العظيم.

اللهم اجعلنا من الأتباع الحقيقيين لأمير المؤمنين

اللهم أحينا على ممية وولاية أمير المؤمنين "عليه السلام" وأََمِتْنا على محبته وولايته، وثبِّت أقدامنا على الدرب الذي سلكه.

بسم الله الرحمن الرحيم

{والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}

 

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين لاسيما علي أمير المؤمنين والصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف القائم المهدي حججك على عبادك وأمنائك في بلادك، وصلِّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين.

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله.

مرة أخرى أدعو الأخوة والأخوات المصلّين الأعزاء وأوصيهم بالتزام التقوى ومراقبة أفعالهم وأقوالهم وما يجول في خواطرهم وما يصدر عنهم من فعل.  

التطورات التي يشهدها العالم الإسلامي

من الضروري في هذه الخطبة إلقاء نظرة على التطورات التي يشهدها العالم الإسلامي والقضايا الهامة التي يواجهها المسلمون الآن، وكذلك الإشارة بإيجاز إلى قضايانا الداخلية التي هي بطبيعة الحال لا تنفك عن القضايا العالمية.

الظاهر للعيان بجلاء في العالم الإسلامي حالياً هو النهج العدائي والمواجهة الفظّة التي تُلمس الآن من قبل دوائر الهيمنة الاستكبارية وبالأساس أمريكا تجاه المسلمين في العالم. وهؤلاء يحاولون أحياناً ومن خلال أساليب وطرق ظاهرية الإيماء بأنْ لا شأن لهم بالمسلمين غير أنَّ هذه الأساليب لا جدوى منها لأنهم أثبتوا مراراً في ممارساتهم وتصريحاتهم لاسيما في غضون العام أو العامين الأخيرين الحقد الدفين الذي تنطوي عليه قلوبهم إزاء المسلمين والشعوب الإسلامية، وربما لا يمكن العثور اليوم على بلد من بلدان العالم الإسلامي في مأمنٍ وحصانةٍ من إثارات وابتزازات أمريكا والقوى الاستكبارية على اختلافها، فحتى تلكم الدول العربية التي لها تاريخ من العلاقة التقليدية مع أمريكا تتعرض اليوم وبأنحاء شتى للضغوط والإيذاء.

وكما يترشح من أقوال المسؤولين الأمريكيين التي تأتي في إطار التصريحات واللقاءات الصحفية هنا وهناك، فإن هدفهم يتمثل في إفراغ المنطقة التي يمتد عليها العالم الإسلامي ـ وهي من الناحية الإستراتيجية والموقع الجغرافي وكذلك من ناحية الثروات الطبيعية لاسيما النفط مما لا نظير لها وتحتل مكانة مرموقة ـ من الوجود الذي يضايقهم ويحمل اسم الإسلام ومن الفكر الإسلامي والتوجهات الإسلامية وإحكام قبضتهم عليها بنحوٍ تام، وهذا الكلام ليس تحليلاً حيث كنا يوماً نتحدث عن هذه الأمور من باب التحليل وكنا نقول أن هؤلاء يناوؤن الإسلام، غير أنها أضحت اليوم أخباراً تحكي بواقعها عمّا هو قائم ويقع ويقّرون به.

النهج العدائي والمواجهة الفظّة التي تنتهجها أمريكا تجاه المسلمين

إن السبب الحقيقي وراء هذا العداء هو أن أمريكا المستكبرة بما يختلجها من أطماع عاقدة العزم على توسيع سلطاتها ونفوذها، وكما قلنا فإن منطقة الخليج الفارسي على وجه الخصوص ومنطقة الشرق الأوسط وأهم المناطق الإسلامية وبتعبير آخر البلدان الإسلامية بأجمعها تعد من المناطق التي إذا ما أفلحت أمريكا المستكبرة في إخضاعها لنفوذها، لن يبقى يساورها أي قلق من ناحية النفط والغاز بما يمثلان من شريانٍ للحياة للعالم الصناعي المعاصر وكذلك من ناحية الموقع السياسي والجغرافي.

ليس هنالك في العالم من يصدّق التشدق بحقوق الإنسان وبسط الديمقراطية والحرية في العالم وما يطلقه زعماء أمريكا في تصريحاتهم الرسمية، فلقد غدت هذه شعارات باهتة جداً، وما من أحد يصدِّق شعار مناصرة حقوق الإنسان أو شعار نشر الديمقراطية في العالم الذي يردده الرئيس الأمريكي وأضرابه في أقاويلهم، فلقد تعاونوا مع الطغاة مصّاصي الدماء وأعانوهم لضمان مصالحهم إلى الحد الذي لم تعد معه إمكانية لتصديق هذه الأقوال من قبل الجميع في العالم وليس بالنسبة إلينا فقط نحن الشعب الإيراني الذي يعرفها منذ سنوات، بل إن أطماع أمريكا وتوسيعها أدت إلى أن تتجابه الدول الأوربية وبشكل صارخ مع أمريكا بشأن بعض القضايا وذلك لمعرفتها ـ الدول الأوربية ـ بهذا الهدف وشعورها بالخطر.

فيما يخص قضية العراق ـ وسوف أتحدث قليلاً حولها فيما بعد ـ أراد الأمريكان إشعال حرب دامية مدمرة في هذه المنطقة دون قيد أو شرط وهم لم يقلعوا بعد عن هذه الفكرة، غاية الأمر لم يقع ما كانوا يريدون في البداية من التدخل بأسلوب متهور ولم يستطيعوا العمل بهذه الطريقة. فلقد كانت غايتهم شن الهجوم على العراق وخلق وضعٍ دموي لشعبه مهما كلَّف الثمن واتخاذ ذلك سبيلاً للسيطرة على المصادر النفطية في العراق وتسديد تكاليف الحرب التي أنفقوها من نفط العراق، أي أنهم هم الذين يفرضون الحرب ويقومون بعمليات الابادة ويتقاضون نفقاتها من شعب العراق! ومن ثم يمسكون بنفط العراق ويتصرفون بمقاليده ويضيفون موطئ قدمٍ آخر لهم في منطقة الخليج الفارسي.

إن أهداف أمريكا أهداف استعمارية استكبارية توسعية تتنافى تماماً مع حقوق الإنسان وحقوق الشعوب وهذا ما أدركه الأوربيون وعرفوا الأساليب التي كان ممكناً لها الإساءة لهم داخل المنظمة الدولية وغيرها فتصدوا لأمريكا حتى حين.

بناءً على هذا، السبب والباعث الجوهري وراء التحرك المناهض للإسلام الذي تشهده منطقتنا هو عداؤهم للإسلام وخوفهم منه، إذ أنَّهم يشعرون بتبدد محاولاتهم فرض سيطرتهم الفرعونية الاستبدادية على هذه المناطق واجترار ثرواتها المادية والمعنوية ومن ثم تدميرها، مع وجود الفكر الإسلامي، لذلك فإنهم يشعرون بأن الإسلام هو المعارض الحقيقي لهم فانبروا لحربة.

وهذا الأمر بالذات يمثل السبب الجوهري لعدائهم لوطننا وشعبنا، وأن ما تشاهدونه منذ انتصار الثورة وحتى الآن ـ حيث مضى ما يقرب من أربعٍ وعشرين سنة ـ  من عدم كفّ الأمريكان عن مناصبة الشعب والوطن والنظام في الجمهورية الإسلامية العداء وعدم إقلاعها عن هذا العداء ولو لحظة واحدة، إنما سببه أن بلدنا كان قاعدة سياسية واقتصادية آمنة للأمريكان، غير أن الفكر والإيمان الإسلامي أيقظ هذا الشعب الذي استطاع ببركة الإسلام قطع يد هذه القوة السلطوية الطامعة المتغطرسة الناهبة، وأن الإسلام في بلدنا ـ في الواقع ـ وجه أقوى ضربة للاستكبار الأمريكي. من هنا فهم يضمرون حقداً دفيناً وتتسم ممارساتهم بالتهور. إعملوا أن أمريكا اليوم شأنها كسائر مَنْ أسكرتهم قوتهم من البشر والتجمعات ـ إذ أن غرور القوة عادة ما يورث الوقوع في الخطأ، أي أن الإنسان يرتكب الخطأ والزلل الفضيع ـ ترتكب الآن أخطاءً فادحة فقد أسكرتهم قوتهم ولا يدركون ما هم صانعين لذلك فإنهم يرتكبون أخطاءً فادحة وهذه الأخطاء من شأنها زعزعة الأرض تحت أقدامهم، وأن هذه الأخطاء الفضيعة هي التي ستطيح بأمريكا في مستقبل ليس ببعيد، وليس الأمر كما يصورون ويوحون في أبواقهم ودعاياتهم هنا وهنا من عدم وجود مناصٍ، إذ أن أمريكا قوة قاهرة ويتعين مساومتها ومداهنتها بأي نحو من الأنحاء، فهاهي القوة القاهرة ترتكب الأخطاء نتيجة غرورها بقوتها، وهذه الأخطاء هي التي تخلف حفرة ومستنفعاً تحت أقدامها.  

الصحوة الإسلامية وتنامي روح الكراهية لأمريكا

إنني وفي صلاة الجمعة واللقاء معكم أيها المصلّون الأعزاء لا أُريد التطرق التحليل سياسي وإنما أود توضيح الحقيقة وصلب الموضوع لشعبنا العزيز، إن عداءهم لإيران إنما سببه تلقيهم لأقوى ضربة من الإسلام هنا، وكان ممكناً لهذه الضربة أن تتكرر في سائر البلدان الإسلامية كما حدث أن عمّت الصحوة الإسلامية العالم الإسلامي بفضل يقظة المسلمين في بلادنا، فها هي قضية فلسطين الهامة ـ أي يقظة الشعب الفلسطيني ـ التي وضعت أمريكا وإسرائيل أمام طريق مسدود إنما جاءت إثر يقظة الشعب الإيراني. وإلاّ لم يكن هنالك من يتصور قبل ذلك قيام الشعب الفلسطيني بما من شأنه تحدّي إسرائيل والصهاينة الغاصبين وأمريكا، فلم يحصل حتى ذلك الحين نظير ما يحصل الآن داخل فلسطين السليبة، وهذا شأن الصحوة التي عمّت المسلمين في سائر البلدان.

إن روح الكراهية لأمريكا وتدخلاتها ولأزلامها في سائر الدول تتفاقم يوماً بعد يوم في العالم الإسلامي فيما يحيى الجنوح نحو العزة التي يهبها الإسلام للشعوب ويزداد اضطراداً في أوساط الشعوب يوماً بعد يوم، إن ما كان يرهبهم أن تتكرر الثورة الإسلامية في إيران بعينها في سائر البلدان، فتصدوا لها بأساليب شتى لكنهم اخفقوا في الوقوف بوجه امتداد الفكر الإسلامي والصحوة الإسلامية، فعلينا أن نعرف أن الصحوة الإسلامية امتدت لتشمل العالم الإسلامي بأسره.

ليعلهم الشعب الإيراني أي عمل جبار أنجز، ومن الطبيعي أن يصبّ الأعداء في مثل هذه الحالة جلَّ جهودهم في مناهضة نظام الجمهورية الإسلامية، فكيف ينفذون مهمتهم هذه؟ أنهم على علمٍ بعدم جدوى الهجوم العسكري،ولقد جرّبوا الانقلاب العسكري وعمليات الإطاحة فرأوا عقمها، ولم يبقَ أمامهم سوى طريق واحد وهو التسلل إلى أعماق الشعب ونشر الأفكار والنزعات المعادية للإسلام إلى جانب الصاق الاتهامات بالثورة الإسلامية وتوجيه الإهانة والإساءة لها وزرع الفتور تدريجياً في قلوب أبناء الشعب إزاء المعين الهادر والجياش الذي دفعهم للتحرك والمقاومة على مرّ سنوات طوال، وهذا يمثل جانباً من ممارساتهم وأحابيلهم الجوهرية، وقد عبّروا عنها بـ "الانهيار" وقالوا إننا نتطلع لأن ينهار النظام الإسلامي، فما الذي يعنيه الانهيار ياترى؟ إنه يعني دفعهم الشعب للتشكيك بمبادئ الثورة وبث الرعب والتفرقة وتخلي الشعب عن مساندته للنظام.وهذه هي سياسة العدو.

لقد قلتها مراراً للشبع الإيراني، وقبل عام أو عامين أعلنتُ من منبر صلاة الجمعة هذا أيضاً، إن الأهم من معرفة العدو معرفة العداء ونمطه، فالمرء سيستجمع قواه إن هو شخَّص الطريق الذي يلج منه العدو، فالجميع يعرفون العدو، وليس من شك في أن عدو الشعب الإيراني اليوم وعدوا استقلاله وحريته هو حكومة أمريكا المستكبرة المتكبرة، وهم يعترفون بذلك أيضاً.

إنهم يتملَّقون ويتصنَّعون أحياناً فيقولون لسنا على عداء مع الشعب الإيراني، بيد أن عداءهم الحقيقي إنما هو مع شعب إيران لأن شعب إيران هو الذي قام بهذه الثورة العملاقة، وهو الذي يقدّم دعمه الصادق الغيور للإسلام، وهو الذي دفع بأمريكا للكف عن أطماعها، وإلاّ هل كان بمقدور المسؤولين الوقوف بوجه هذه الأطماع لولا مساندة الشعب الإيراني للنظام وللمسؤولين؟

إننا نعرف العدو ولكن يجب معرفة أنماط العداء أيضاً، فأسلوب العداء يتمثل اليوم في زرع الاختلاف والبغض والضغينة في أوساط الجماهير وبث روح الفتور إزاء الأهداف الإسلامية وحرف شعارات الجماهير وطرح الشعارات التي لا تنسجم مع مسيرة الشعب العملاقة.

في الكثير من بلدان العالم التي نعرفها، هنالك نُخبٌ تعلّمت على أيدي الدوائر الإستكبارية، ـ فلقد كانوا على عهد الإنجليز وكذلك السوفيت، والأمريكان حالياً ـ إذ أنها تنتقي من النخب والدارسين والمثقفين وتجعل منهم عبر الترغيب وما هي على معرفة بها من أساليب، متحدثين باسمها داخل بلدانهم فتكون مهمتهم ترديد ما تقوله تلك الدوائر وتكراره واختلاق الأدلة على الأفكار التي تطرحها،ولقد كان في بلدنا نظير هؤلاء وهم موجودون الآن أيضاً منذ مطلع انتصار الثورة ويمتلكون الأبواق التي تردد ما يُطلقه أولئك أو تكرار آرائهم وتصريحاتهم.

لقد أوضح شعبنا بجلاء عمّا يتطلع إليه، فيوم وقف شعبنا خلف الإمام ـ سواء أيام الثورة أو أثناء فترة السنوات الثمانية من الدفاع المقدس ـ وضحى بمئات الآلاف من شبابه في هذا الدرب؛ كان قد حدد ما يصبو إليه، فلم يكن الشعب يتطلع لديمقراطية الغرب، ولم يصبو الشعب المسلم ومَنْ تجرعوا الاضطهاد داخل السجون خلال فترة الجهاد ضد النظام الطاغوتي وتحملوا السياط، إلى جمهورية على النمط الغربي وإلى ثقافات الغرب الإلحادية وديمقراطية الغرب أو الشرق المزيفة.

إن الأمهات اللواتي قدَّمنَ أبناءهنَّ ـ الاثنين والثلاثة: والأربعة منهم ـ أو الصهر أو الزوج قرابين ولم يكفهر لهن جبين بل شعرن بالفخر، لم يكنَّ يبحثن،َ عن ديمقراطية غربية أو جمهورية ديمقراطية وما شابه ذلك. إن الميثاق الحقيقي للثورة والإرادة الحقيقية للشعب هو ما سُطِّر في الدستور لاسيما مواده الأولى، فالشعب إنما نشد التكامل المعنوي والازدهار المادي في ظل الإسلام وببركته في ظل سيادة الأحكام الإسلامية، وهذا ما ينشده الآن أيضاً.

إننا لا نعرف شعباً قط كالشعب الإيراني قد أيَّد تمسكه بمبادئه المعنوية والإلهية بدماء مئات الآلاف من الشهداء، فلم يسبق لشعبنا أن قام بمثل هذا الإنجاز العملاق الذي نهض به خلال هذه المرحلة. ونحن قد شاهدنا البلدان التي جرّبت الديمقراطية الغربية في أي هوان وذلة انغمست وكيف نشبت في أبدان وأرواح أبنائها مخالب الطامعين في الغرب وبالذات أمريكا خلال الفترة الأخيرة باسم الديمقراطية فتعرض كل ما لديهم للنهب. فلم يكن شعبنا ليبحث عن هذا النوع من الديمقراطية، وهو اليوم إنما يصبو لتحقيق الأهداف الإسلامية أيضاً والتي تتمثل بالدرجة الأولى بالعدالة والمعنويات والحرية بمفهومها الحقيقي الإسلامي، واستقلال البلاد عن شرور القوى الأجنبية المعتدية. هذه هي الأمور التي يصبوا إليها شعبنا وضحى من أجلها وسيضحي من أجلها فيما بعد أيضاً. فليحذر الشعب ويلتزم الحيطة لئلا يفلح العدو بأساليبه الخبيثة ـ الأمنية منها أو السياسية أو الإعلامية ـ بالتسلسل بين صفوفه.

إن الميثاق الرسمي والقانوني للثورة والوطن عبارة عن دستورنا الذي يضم كلّ ما هو ضروري لإدارة شؤون الشعب باتزان وصلابة، كما أن الميثاق المعنوي للثورة هي وصية الإمام ووصايا الشهداء؛ فاقرأوا هذه الوصايا وانظروا من أجل ماذا ضحى الشهداء وعمّاذا كانوا يبحثون وهم يقدّمون أنفسهم قرابين في ساحة الوغى، أوَ يسع المرء أن ينفض يده بهذه السهولة عن جميع تضحيات هذا الشعب ومبادئه؟! إن هذا هو دربنا وهذه هي مقومات سعادتنا التي يجب علينا البحث عنها.

إنني وحين أتطلع إلى الأحداث التي شهدها بلدنا خلال السنتين أو الثلاث الأخيرة أجد أن شعبنا شعب وفيٌّ مخلصٌ مؤمنٌ وغيورٌ حقاً والحمد لله وهو من الشعوب النموذجية في هذا المجال، وبالرغم من وجود الأخطاء والعيوب بين مسؤولي البلاد هنا وهناك ـ حيث لا تخلو أية مجموعة من النقص والخطأ ـ بيد أنه على نحو الإجمال يسير ويخطط ويعمل باتجاه هذه المبادئ. وإنني أرى العدو قد تعلقت آماله ببعض القطاعات داخل بلادنا ـ وبالأساس بالشبيبة ـ لأن جيل الشباب يشكل قطاعاً عريضاً في بلادنا وهذه إحدى نقاط القوة لدينا أن نمتلك هذا الكم الهائل من الشباب سواءً الجامعيين منهم أو من هم في المرحلة التي تسبق الجامعة أو المتخرجين منها أو المنشغلين بأعمالهم بعيداً عن الدراسة، فشبابنا أحد مصادر القوة للبلد والثورة وقد تعلقت أنظار العدو بهذا الجيل وما يتسم به من عواطف وقابلية على الإثارة، فعلى الشباب التحلي بأقصى درجات الحذر.

لقد شاهدتم قبل ثلاث سنوات ما صنعه حفنة من المفسدين ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ مع بعض الجامعيين في جامعة طهران وبعض المدن الأخرى من إثارة للعواطف وتغذيتهم بالإشاعات الكاذبة وقلبٍ للحقائق واتهامٍ للنظام والإسلام، وكانوا يومها يأملون أن يختلقوا حالة من الفوضى والفتنة والعربدة داخل البلاد، حينها نزل الشعب الإيراني بكل صلابة واقتدار ـ وهذا ما يعنيه الاقتدار الوطني ـ إلى الساحة وتصدى لهم، لكنهم ما برحوا على ممارساتهم هذه متذرعين بما يعثرون عليها من حجج أو دون حجة، فعلى الجميع التحلي بالحيطة، وينبغي عدم توفير الذرائع للعدو ليستغلها وعدم التحرك وفقاً لإثارات العدو.

إن النظام الإسلامي يقف اليوم بوجه أطماع أعتى مستكبر في العالم وتوسعيته وسلطويته. إن الشاب بطبيعته تواق للعدالة وتطبيق المبادئ وتحقيقها وإن كل شاب يقف بشكل طبيعي إلى جانب النظام الإسلامي سواء منهم شبيبة بلادنا أم شبيبة البلدان الأخرى.

وهذا ما نشاهده، وإن الذي يتهم النظام الإسلامي ـ الذي إنما قام لمقارعة الفساد والظلم والإجحاف والتمييز في العالم ـ بالاستبداد ومحاربة الحرية وحقوق الإنسان، إمّا أنه عدوٌ أو مخدوع بالعدو، وهذا ما يتعين على الجميع ـ وبالذات الشباب ـ الانتباه إليه.

بالإضافة إلى ذلك ثمة أمر آخر هو حيثما تبلورت داخل البلاد حركة بناّءة فإن العدو يفتعل الإثارات إلى جانبها لكي لا تستطيع الجمهورية الإسلامية المبادرة للمهام البنّاءة، الآن حيث يجري الحديث بجدية منذ مدة حول العلم والتحقيق وأهميته، وكثيراً ما حدث خلال لقاءاتي مع الأساتذة والطلبة ورؤساء المراكز العلمية والجامعية أن تحدثوا عن القضايا التي تهم الجامعة وعن أهمية العلم واشتكوا من تخلفنا في المجال العلمي والتحقيقي؛ وأنا بدوري ذكَّرتُ المسؤولين مراراً وقد اتخذوا قرارات جادة وأنجزوا بعض الأعمال بهذا الاتجاه، وعليه فقد انطلقت منذ فترة حركة أكثر جدية مما مضى باتجاه إنعاش العلم والتحقيق وتربية النخب والعقول داخل الجامعات والمراكز العلمية، لكنكم تشاهدون أحياناً بروز ما يُتذرع به لتهديد أصل المسار العام داخل الجامعة وتعويقه وتعطيله وليس تعطيل العلم والتحقيق فحسب، فعلُ مَنْ هذا؟ أوَ ليس هذا من فعل العدو؟ فحيثما كان البلد بأمَّس الحاجة لأن يسعى الشباب نحو العلم والتحقيق وتنمية قدراتهم العقلية وينهمك النظام بمزيد من الجدّية عمّا مضى بوضع الخطط لهذه المهمة بما تمثله من حاجة طبيعية يستشعرها الجميع، يُطلّ البعض فجأة فيُلهون الجامعة والجامعي والأستاذ والمحقق عن مهمتهم الأساسية أو يضايقونهم.

من الواضح إن هذه التحركات لن تفضي إلى شيء وليعلم الذين تعلّقت آمالهم بهذا الضرب من الإثارات والاستفزازات عساهم يؤذوا النظام، بأن التيار الجماهيري وإرادته وعزيمته من القوة بحيث سيُذيب هذه الأمور في داخله بكل سهولة، غير أن أجواء التوتر والفوضى في البلاد ستؤول في آخر المطاف إلى ما فيه ضرر الشعب والمسؤولين والنظام. وليعلم الذين يمهدّون لهذه الأمور عن جهل ويصعدونها ويثيرون الفوضى ويحملون على عواتقهم وزر هذا الفعل وعبئة الثقيل، بأن مسؤوليتهم باهضة جداً.

إن شعبنا بحاجة اليوم لوحدة الكلمة والعمل الدؤوب المتواصل وعدم التلكؤ في الأعمال البنّاءة ـ لاسيما العلمية منها ـ ومكافحة الفساد والتمييز والإجحاف، وهذه تعد من الواجبات التي ينهض بها المسؤولون كافة سواء في الحكومة أو السلطة القضائية، فاليوم يوم عمل وجدٍّ بالنسبة لشعبنا، وليس يوم قعود ليشاهدوا أصداء ما يرميه العدو من سهام عدائه ويتبادلونها فيما بينهم، فعليهم التحلي بمزيد من الوعي.  

الدعم الأمريكي اللامحدود للكيان الصهيوني

وعلى صعيد القضايا العالمية، فإن الاستكبار ـ وكما قلنا ـ يرتكب أخطاءً فادحة منها موقف أمريكا الحالي في دعمها للكيان الصهيوني، فاليوم من الممكن مشاهدة ظاهرتين لدى الكيان الصهيوني: احداهما العنف والوحشية التي تفوق الحدود، فالوحشية التي ينتهجها الصهاينة الآن مع أصحاب أرض فلسطين تمثل قصة مذهلة محيرة حقاً ولا سابق لها؛ والثانية: أن الكيان الصهيوني يواجه طريقاً مسدوداً ولم يعد هنالك منفذ أمامه أبداً، وأن خطأ أمريكا يكمن في دعمها السافر الصريح للكيان الصهيوني في ظل هذه الظروف، وتقديمها صك، أبيض لإسرائيل وأقطابها ليرتكبوا ما شاؤوا من حماقات ويقترفوا ما حلا لهم من جرائم، وهذه من أخطاء الأمريكان التي لا يمكن تلافيها وستحيق بهم عواقبها. لقد أثبت الشعب الفلسطيني أنه شعب جدير وصامدٌ وبرهن على إمكانية الصمود والمقاومة بأيدٍ عزلاء بوجه نظامٍ سلطوي مدجج بالسلاح وقاسٍ وغليظٍ مثل الدويلة الإسرائيلية، وهذا درس آخر للشعوب.

جميعنا مكلفون اليوم بتقديم الدعم المعنوي والمادي للشعب الفلسطيني، وأن أقرب فرصة للتعبير عن هذا الدعم يوم الجمعة القادم آخر جمعة في شهر رمضان ـ وإنني أقولها أن اليوم هو السادس عشر من شهر رمضان إن كان يوم الخميس أوله، وهو كذلك بالفعل إذ يثبت غير ذلك والتكليف الشرعي يتمثل في أن نعد يوم الخميس غرّة شهر رمضان ـ، كما أن يوم الاثنين القادم هو يوم التاسع عشر من الشهر وليلته ـ ليلة التاسع عشر ـ ليلة إحياء حيث يعمل المؤمنون بواجباتهم في ليالي الإحياء إن شاء الله، وأن يوم الجمعة القادم سيكون يوم الثالث والعشرين من شهر رمضان وهو آخر جمعة منه ويوم القدس، وعلى أمل أن يكون حضور الشعب الإيراني يوم الجمعة القادم يوم القدس ـ حضوراً يُذهل العدو بإذنه تعالى، كما أن أسبوع التعبئة على الأبواب وأن الشعب الإيراني سيجعل من تكريم التعبئة جزءاً من تكاليفهم إن شاء الله، فالتعبئة الشعبية العملاقة من النعم الإلهية الكبرى.

نسأله تعالى أن يعرِّفنا تكليفنا وما سيسألنا عنه ويوفقنا لأدائه.

بسم الله الرحمن الرحيم

{قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد}

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته