الموضوع: رسالة صلاة الجمعة

المناسبة: ذكرى إقامة أول صلاة للجمعة بطهران

الزمان والمكان: 16 جمادى الأولى 1423 هـ الموافق 26-7-2002م ـ طهران

الحضور: أعضاء لجان صلاة الجمعة في البلاد

أجواء الكلمة

لاريب في أن لإقامة فريضة صلاة الجمعة بمعناها وحقيقتها آثار وبركات جمة على الصعيد الفردي والاجتماعي لأبناء الأمة الإسلامية. إن إقامة هذه الفريضة العظيمة ــ التي تعد من المعجزات التشريعية في الإسلام ــ بأحكامها وخصوصياتها الواردة عنها، من نشر التقوى والروح الدينية بين أبناء الأمة، وتوعيتهم بمجريــات الأحدات السياسية في العالم الإسلامي والمؤامرات التي تحاك ضد الأمة الإسلامية، رصيد هام لصيانة الأمة وضمان مكتسباتها الإسلامية.

ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي (دام ظله) أكد في لقائه أعضاء لجان صلاة الجمعة بإيران الإسلام، على أهمية هذه الفريضة الإلهية ورسالتها العظيمة خصوصاً في الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة الإسلامية حيث الإعلام الاستكباري الصهيوني قد صبّ كل جهده على إيصال خدعها ومؤامراتها إلى أسماع شعوب العالم وحرف أفكارهم عن صراط الحق.

العناوين الرئيسية في كلمة سماحته:

ــ دور صلاة الجمعة ورسالتها

ــ التقوى أساس الخيرات جميعها في المجتمع

ــ الإعلام سلاح العدو لتمرير أهدافه في الظرف الراهن

ــ الإصلاح الحقيقي هو اجتثاث جذور الفقر وإزالة التمييز والقضاء على الفساد

ــ السعي لإصلاح أوضاع البلاد أعظم جهاد ضد أمريكا في الظرف الراهن

ــ مسؤولية القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

أرحّب بكم جميعاً أيها الإخوة والأخوات الأعزاء القادمين من شتى أرجاء البلاد. وإنها لمفخرةٌ كبرى العمل في هذا المجال وهذه المهنة حيث اخترتم لأنفسكم خدمة الدين والمسلمين. وإنني أحمدُ الله تعالى للتوفيق الذي حالفني بأن ألتقيكم اليوم أيها الإخوة والأخوات في هذا اللقاء الحميم.

هذه أيام استشهاد الصديقة الكبرى "سلام الله عليها"، آملين أن تشملنا وإياكم والشعب الإيراني رعاية وعواطف سيدة نساء العالمين.

دور صلاة الجمعة ورسالتها

إن خدمة صلاة الجمعة خدمةٌ للدين والتقوى، لأن الهدف من صلاة الجمعة نشر التقوى والروح الدينية بين الشعب؛ كما أن خدمة صلاة الجمعة خدمة للوعي العام لدى الشعب الإيراني، لأن صلاة الجمعة ليست فرضاً عبادياً محضاً بل هي عملٌ يهب الوعي بمحتواه وطبيعة تركيبته من اجتماع عظيم للمسلمين في كل أسبوع يشاهده الصديق والعدو؛ وتفصيل وبيان للأوضاع والظروف السياسية لهم من قبل خطيب الجمعة. فصلاة الجمعة في الإسلام تركيب عجيب حقاً، فمن ناحية تأتي الوصية للناس بالتقوى والطهارة والإعراض عن الأهواء النفسية، وفيها من ناحية أخرى توعية الأمة بالأحداث السياسية ومؤامرات الأعداء ومتطلبات الأصدقاء وأوضاع العالم الإسلامي. فلابد من عرفان قدر هذه الفريضة العظيمة.

لقد تبدلت صلاة الجمعة اليوم وبفضل الثورة الإسلامية وحنكة إمامنا العظيم إلى سنّة وطيدة في البلاد، فلم يألف شعبنا صلاة الجمعة بمعناها وحقيقتها قبل قيام النظام الإسلامي. فكان لطف الله على شعبنا ــ وواحدة من بركات الثورة الإسلامية ــ أن استطعنا فتح هذه النافذة الواسعة نحو المعنويات والمعرفة أمامنا.

إن لأئمة الجمعة ــ بطبيعة الحال ــ والمتصدين لإقامة الصلاة عظيم الدور في تيسير هذه الفريضة للشعب، وهي خدمات مشكورة. وإنكم جميعاً العاملين والكادحين والقائمين على الخدمة في لجان صلاة الجمعة، وأئمة الجمعة والمسؤولين المهتمين بشؤون صلاة الجمعة في مواقعها شركاء في تنعم الجماهير بهذه الفريضة العظمى. فلابد من عرفان قدرها. وعلى الشعب أيضاً أن يعرف قدر صلاة الجمعة. وحريٌ بأئمة الجمعة وسائر القائمين عليها العمل على مضاعفة دواعي الاستقطاب في صلاة الجمعة، فجيل الشباب لدينا متعطش للحقيقة والإدراك والتوعية، ويجب أن تنجح صلوات الجمعة في إرواء هذا العطش وتلبية الحوائج العامة لجيل الشباب. وإذا ما نظرنا نظرة تدبير لأوضاع وطننا وماضيه ومستقبله المنشود إذ ذاك سنزداد إدراكاً لرسالة صلاة الجمعة وأهمية هذه الفريضة.

التقوى أساس الخيرات جميعها في المجتمع

إن التقوى أساس الخيرات جميعها في المجتمع. والتقوى الفردية إنما تعني سعي كل فرد بينه وبين ربّه أن لا ينحرف عن جادة الصواب والحق ولا يطأ موطئاً منحرفاً، فيما تعني التقوى السياسية أن يجتهد المرء للتعامل في عمله السياسي مع القضايا السياسية تعاملاً صادقاً غيوراً دافعه الحرص. والسياسة بمعنى التحايل والخداع والكذب على الرأي العام ليست مما ينشده الإسلام، وإنما السياسة تعني الإدارة الصائبة للمجتمع وهي من الدين. والتقوى السياسية إنما تعني أن يعمل المرء بصدق في ميدان السياسة. والتقوى الاقتصادية تعني إذا ما اضطر المرء للقيام بنشاط اقتصادي لإمرار معيشته وتحسين وضعه فعليه أن ينتخب الطريق الصحيح، فالغصب وأكل الحرام والتطاول على أموال الآخرين ــ لاسيما الأموال العامة ــ واستغلال موارد الناس للصالح الخاص، والتوسل بالحيل التي قد يستبطنها القانون بظاهره أحياناً بيد أن المرء يعلم مدى فساد باطنها وانحرافها، هذه جميعاً تتنافى مع التقوى الاقتصادية. أما التقوى الاجتماعية فهي تعني أن يتسم التعامل مع الناس في مختلف الأوساط ــ سواء في وسط التكسب أو المعاشرة أو الوسط العائلي أو المدرسي والجامعي أو الوظيفي ــ بالإنصاف والخشية من الله والأمانة والصدق. وإذا ما تحققت هذه المُثل في المجتمع وطبقت عملياً ستجد أغلب مشاكل الناس المادية والمعنوية طريقها إلى الحل. فالتقوى والورع إنما تعني الامتداد الواسع للأعمال الصالحة والخيّرة، وما هو حسنٌ من أفعالٍ وتروكات.

من أهم فصول صلاة الجمعة التوصية بالتقوى. ومثل هذه التقوى لا تتحقق ــ بالطبع ــ بالقول والتوصية بالرغم من الدور الهام للقول والتوصية وضرورة عدم إغفال دور البيان والنصح والإنذار والتبشير ــ وذاك فعل الأنبياء ــ غير أن الوصية الحقيقية هي لنا نحن خطباء الجمعة والعاملين والقائمين على الخدمة في صلاة الجمعة والمبرمجين والمنفذين لمختلف أقسام صلاة الجمعة، فعلينا بذل أقصى الجهود في أعمالنا وتصرفاتنا لئلا تطفو هذه التقوى على ألسنتنا فحسب، بل أن تتجلى في أعمالنا أيضاً، وهذه تمثل سبلاً طبيعية للغاية في الإسلام العزيز لهداية المجتمع والبلاد وإدارتهما.

والقضية في غاية الأهمية أيضاً على صعيد التوعية، ففي صلاة الجمعة يتعين أن يطّلع الشعب على الأحداث وقضايا العالم الإسلامي ويدرك الحقيقة. وهذا ما كان عليه الحال دائماً، غير أنه أكثر أهمية الآن من أي وقت مضى، وذلك لأن الدوائر السلطوية والاستكبارية في العالم تنفق الأموال لإيصال أكاذيبها وإشاعاتها وخدعها ومؤامراتها الدعائية المختلفة إلى أسماع شعوب العالم وحرف أفكارهم عن صراط الحق، فكم مما يخالف الحق يُطلق في العالم! فالإذاعات إذ تنفق الأموال ولها تُرصد الميزانيات من قبل الدول، إنما لتضليل أذهان الشعوب في منطقة معينة أو مناطق من العالم عن جادة الحق وقلب الحقائق أمامهم، ولأن المرء يتحرك طبق تشخيصه وفهمه لذا يسعون لحرف أفهام الناس ليضلوا طريقهم. في مثل هذه الظروف فإن توعية الناس على قدر كبير من الأهمية.

الإعلام سلاح العدو لتمرير أهدافه في الظرف الراهن

من هذا المنطلق تأتي وصيتي المتكررة للصحافة ووسائل الإعلام بأن تتعاطى بدافع المسؤولية مع قضايا البلاد؛ فالعدو يتشبث بالكذب والمكر في محاولته نشر أباطيله بين أوساط الجماهير، وعلينا نحن أن لا نتحول إلى أداة بيد العدو فنيسّر له مهمته ونغذي الشعب من خلال الصحافة ووسائل الإعلام والمنابر في داخل البلاد بما يحاول هو بثه في الأجواء الفكرية والثقافية لمجتمعنا. وهذا خطأ فادح، إذا ما وقع عن عمدٍ وإصرار فهو خيانة كبرى، وإذا ما جاء عن غفلة فهو خطأ جسيم. ولابد من التزام أقصى درجات الحيطة والحذر. وهذا هو منحى أمريكا السلطوية والدوائر الصهيونية الجهنمية في العالم في الوقت الراهن. لاحظوا، انهم يرتكبون أبشع الجرائم وأفضع عمليات الإبادة بحق الشعب الفلسطيني المظلوم المهتضم داخل فلسطين المحتلة، لكنهم يصوّرون الفلسطيني أمام الرأي العام ظالماً معتدياً، وجلاده مظلوماً! وهكذا يستغلون الإعلام حالياً. والأعداء يركزون إعلامهم على كل ما يتعارض مع سلطويتهم ومصالحهم غير الشرعية.

وكذا بالنسبة لداخل وطننا؛ فالإعلام هو السبيل الذي انتهجوه وحدّدوه لمواجهة هذا الشعب العظيم وهذا النظّام وبلدنا العزيز هذا، إذ إنهم يعلمون لو قاموا بتدخلٍ عسكري في هذا البلد فإن هذا الشعب سيوجّه لهم صفة تجعلهم يندمون. ويعلمون أن لا جدوى من الحصار الاقتصادي والمحاولات الاقتصادية ــ التي تمارس بحقنا منذ ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة ــ فالحصار الاقتصادي يدفع بالطاقات المؤمنة والمخلصة والزاخرة بالمواهب داخل البلاد إلى المزيد من التحرك والعمل كالحصار الذي فرضوه علينا خلال فترة الحرب المفروضة واحتياج شعبنا للمعدات الحربية، فهبّ شبابنا وعقولنا النيّرة لصناعة المعدات القتالية وأنتجوا ما كانوا بحاجته يومذاك، وكذا في مختلف المجالات الأخرى. فإذا ما حاصروا شعباً ازداد اعتماداً على نفسه وسعى لاستثمار قابلياته الذاتية. إذن لا فائدة تذكر من هذا الأسلوب أيضاً. وهو ــ بطبيعة الحال ــ يلحق ضرراً بالشعب، لكنه لا يحقق ما يرومون إليه.

وبإيجاز فإن الأعداء علّقوا آمالهم بعدة أمورٍ، يتعين على الشعب الإيراني والعناصر السياسية أيضاً أخذها بنظر الاعتبار:

إن أول أهدافهم زرع الفتور والإحباط في قلوب الجماهير إزاء النظام الإسلامي، وإن معظم دعاياتهم وإشاعاتهم إنما تتركز على هذا الهدف.

والهدف الثاني الذي تعلقت به آمالهم هو نجاحهم في إخماد جذوة الاعتقاد والإيمان لدى الشعب بما يمثله من محرّك له في المنعطفات الصعبة وسلبه منه.

والهدف الثالث العمل بما وسعهم دون علاج المشاكل المعاشية للجماهير التي تسعى الأجهزة التنفيذية ومسؤولو الحكومة وغيرهم لحلّها.

إنهم يحاولون من جهة بث اليأس والإحباط لدى الناس عبر إثارة الإشاعات والدعايات المغرضة ضد النظام والثورة والإمام والقيم الثورية، ومن جهة أخرى يحولون عبر شتى المحاولات دون إصلاح شؤون الجماهير ويعرقلون عملية حلّ مشاكل الشعب، ومن جهة ثالثة يلصقون أي ضعف يعاني منه البلد ــ وإن كان من حالات الضعف التي يعاني منها المسؤولون التنفيذيون والوزارات ــ بالنظام الإسلامي.

الإصلاح الحقيقي هو اجتثاث جذور الفقر وإزالة التمييز والقضاء على الفساد

من خلال هذه الممارسات مجتمعة يحاولون فصل هذا الشعب عن الثورة والنظام وهو الذي يمثل الدعامة الأصلية والحقيقية لهما. وقد بذلوا جهودهم بالفعل، بيد أنه من المسلّم به أنهم سيعجزون؛ فقد برهن الشعب على إيمانه وتمسكه بالدين والمعتقدات والقيم الإسلامية السامية ولا تخدعهم الألفاظ البرّاقة بظاهرها التي يطلقها أعداء هذا الشعب. إنكم تشاهدون اليوم الحديث يجري عن الإصلاح بإيران في إعلام الأمريكيين وتصريحاتهم ــ وليس فقط على مستوى وسائل الإعلام بل على مستوى الزعماء من نوابهم ورئيس جمهوريتهم وغيرهم ــ. إن الإصلاحات مفردة جميلة، والإصلاحات التي يَصبو لها الأمريكان في إيران هي الفساد بعينه. إنهم يسعون للقضاء على نظام الجمهورية الإسلامية الذي هو بمثابة تجسيد لإيمان الشعب وحبّه للاستقلال، فالإصلاحات في نظر الأمريكان تعني زوال نظام الجمهورية الإسلامية. إنهم يريدون من الشعب الإيراني أن يسحق على دماء شهدائه، ويركل بأقدامه إيمانه ومعتقداته، ويدير ظهره لتاريخه وماضيه، ويستسلم أمام الضغوط السياسية والإعلامية. إنهم يخالفون أي إصلاح حقيقي في هذا البلد، وإنكم تشاهدون حينما يجري الحديث عن مكافحة الفساد وتتخذ الأجهزة التنفيذية والقضائية إجراءاتها لمكافحة الفساد يندلع الضجيج والتهريج من قبل هذه الدوائر الإعلامية المعادية ومرتزقتها في الداخل ضد هذا التحرك، أهؤلاء أنصار الإصلاح ياتُرى؟ إنهم يكيلون شتى التهم لعملية مكافحة الفساد للحيلولة دون المباشرة بها، لأنها مهمة أساسية في البلاد.

لقد أثرنا في العام الماضي قضية العمل، وأكدنا عليها في هذا العام أيضاً، وعُقدت جلسات عديدة، وإن مسؤولي الحكومة جادون في متابعة هذا الأمر، بيد أن الأعداء ولغرض تشتيت أفكار المسؤولين وجرّ الأذهان نحو أمور أخرى بادروا لممارسة شتى الأفعال الخبيثة والدنيئة في إعلامهم لئلا تُنجز قضية العمل ويتم إصلاح الوضع المعاشي للشعب وتزال البطالة عن كاهل شبيبة البلاد.

إن دعاة الإصلاح في نظر أمريكا هم أولئك الملثمون الذين ينزلون إلى الشوارع فيحطمون زجاج الحوانيت أو يحرقون سيارات الناس، وأيما متحدث تفوّه بما هو ضد مصالح الشعب والثورة والإمام فهو إصلاحي من وجهة نظرهم! وإنني أؤكد على التيارات السياسية بأن تميّز حساباتها وشعاراتها عن حسابات أمريكا وتفصح عمّا يريده الأمريكان وما تريده هي. ولابد من تعريف لإصلاحات، فالإصلاح الحقيقي في هذا البلد هو اجتثاث جذور الفقر وإزالة التمييز والقضاء على الفساد الإداري والاقتصادي. وإنهم يفتعلون العراقيل في طريق هذه المهام ثم يتظاهرون بالحرص على الشعب الإيراني!

إن الحكومة الأكثر شعبية التي نعرفها حالياً هي حكومة الجمهورية الإسلامية، وإن دعائم هذه الحكومة لا تقتصر على أصوات الجماهير بل أصوات الجماهير وعواطفها وإيمانها هي مرتكزات نظام الجمهورية الإسلامية المقدس، وهو مقدسٌ لأنه على تماس بإيمان الجماهير وملتحمٌ ومعقود به، لكنهم في نفس الوقت يدّعون أنه نظام لا شعبي! إنهم هم الذين يؤيدون الأنظمة الانقلابية الاستبدادية والدول التي لم تجرّب مجلساً منتخباً ولا انتخاباتٍ أبداً، وهم الذين يساندون إسرائيل الغاصبة رغم مجازرها.

السعي لإصلاح أوضاع البلاد أعظم جهاد ضد أمريكا في الظرف الراهن

إن أمريكا لا تصلح لأن تتحدث عن حاكمية الشعب، ولا تمتلك الحكومة الأمريكية صلاحية الحديث عن إصلاح سائر البلدان، لأنهم هم بؤرة الفساد. وإن أعظم جهادٍ ضد أمريكا في الوقت الراهن يتمثل في العمل والجدّ والجهاد لإصلاح أوضاع البلاد. والأمريكيون لا يريدون ذلك. وعلى مسؤولي الحكومة ومختلف المرافق العمل والجد الحقيقي لتوفير فرص العمل ومكافحة الفساد وحل الأوضاع المعاشية للشعب وإنعاش اقتصاد البلاد. ومن جاهد وعمل في هذه المجالات إنما يخوض أعظم جهاد ضد أمريكا، لأن الأمريكان لا يريدون لمعضلات هذا البلد وهذا الشعب الحلّ، بل يريدون البقاء للمشاكل.

على مسؤولي الحكومة اغتنام فرصة العمل، وهذه هي الفرصة الحقيقية، وإن تحصين البلاد إزاء التهديد الأمريكي يتمثل في أن يعمل مسؤولو الحكومة بما وسعهم وبكل صدقٍ من أجل الشعب ويغتنمون هذه الفرصة. وقد يسمع المرء في البعض أحياناً إيرادهم لاسم الفرصة، بيد أن مرادهم من الفرصة هو الخنوع أمام أمريكا، فيقولون: لقد أهدرنا الفرصة الفلانية! أية فرصة هذه؟ ولا فخر في الاستسلام أمام غطرسة وأطماع قوة ناهبة ومتكبرة، وهي لا تعدُ فرصة أبداً، وما يُعتبر فرصة في هذا المجال فهو خطرٌ يهدد مصالح الشعب. الفرصة إنما تعني توفير فرص العمل لأبناء الشعب، وفرصة التصدي لمرتزقة أمريكا وعملائها وأدواتها والأعداء داخل البلاد. وقد شاهدتم وسمعتم نموذج ذلك عبر وسائل الإعلام، وهؤلاء هم أدوات العدو الخفية، وهذا ما كنتُ قد حذرتُ منه مراراً المسؤولين في القطاع الثقافي قبل سبع أو ثماني سنوات وقلتُ إن أصابع العدو تنشط للسيطرة على ثقافة البلاد والقيام بعملية مسخ فكري للجماهير، وها أنتم تلاحظون الاعترافات وانكشاف الحقائق.

مسؤولية القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية

يتعين على مسؤولي الحكومة والقضاء التصدي للذين يبثون الإشاعات ويدسّون الأكاذيب بين الجماهير. والعجيب أن البعض لا يواكب عملية مكافحة الفساد وإنما يعارضها وهم الذين يبثون الإشاعة بتفشي الفساد، أي إنهم يزرعون التشاؤم لدى الشعب وكأن الفساد قد تفشى في الأرجاء، ويقومون أيضاً بالإخلال عملياً في مكافحة الفساد ــ حيثما وجد ــ وهذا مما لا يمكن الصفح عنه بعد الآن.

على أجهزة الحكومة ــ السلطة التنفيذية ــ والسلطة القضائية ومجلس الشورى أيضاً إيلاء المزيد من الاهتمام لوظائفهم. وإن مسؤولية القائد أمام الشعب تتمثل في تنبيه مسؤولي السلطات الثلاث إلى واجباتهم، وتحذيرهم وتذكيرهم إذا شاؤوا القيام بحركة من شأنها أن تؤدي بالنظام والبلاد إلى الانحراف. وإن مسؤولية قضايا البلاد تتحملها الأجهزة ذات العلاقة ــ الحكومة، السلطة القضائية، ومجلس الشورى الإسلامي ــ أما مسؤولية القائد فهي أوسع مدىً منها وهي مسؤولية جسيمة للغاية، فحيثما أزمع المسؤولون في السلطة التنفيذية أو القضائية أو أعضاء مجلس الشورى الإسلامي القيام بحركة تتنافى مع أهداف النظام الإسلامي فيجب على القائد أن يقف سداً مانعاً بوجههم، وهكذا سيكون بعون الله. وإن حشد الأبواق الدعائية الاستكبارية ضد القائد ومماشاة بعض العناصر في الداخل عن جهلٍ أو وعي ــ لا سمح الله ــ لهم لا تؤدي به أن يتغاضى عن هذه المسؤولية الإلهية الكبرى، فنحن نؤمن بالقيامة والمحاسبة والمؤاخذة الإلهية، ولا أهمية لمؤاخذة زيد أو عمرو.

لقد برهن شعبنا العظيم على تمسكه بالإسلام والثورة والقيم الإسلامية، وأدرك جيداً أن ليس ثمة شيء سوى تطبيق القوانين الإسلامية العادلة والراقية يمكنه معالجة شؤون البلاد، وليس سوى الإسلام يمكنه الوقوف بوجه هيمنة العدو والسلطة الدكتاتورية الظالمة التي يحاول العدو بسطها على هذا البلد، فالعدو يسعى لأن تعم البلاد الفوضى وزعزعة إيمان الناس وفقدان الثقة بالحكومة، وفي ظل هذه الفوضى والاضطراب يأتي بدكتاتور على غرار الدكتاتور رضا خان، وذاك ما تمت تجربته في إيران مطلع هذا القرن خلال عهد رضا خان ومرة أخرى في 28 مرداد. ففي 28 مرداد قام عملاؤهم في الداخل بإثارة الدعايات والضجيج والغوغاء ونزل مثيرو الفتنة إلى الشوارع، وتبع ذلك إقصاء العلماء وإصابة الجماهير بالإحباط، فجاءت أمريكا وبدأت دكتاتورية محمد رضا القاسية وعهده الأسود، وهم الآن يريدون القيام بتلك الممارسات.

إن الشعب واعٍ، واليوم ليس كتلك الأيام، وليس بذلك اليوم الذي تستطيع أمريكا أن تفعل كما فعلت يوم 28 مرداد، ولا بريطانيا كما فعلت خلال عهد رضا خان، فشبيبة الوطن المستعدون للذود عن الإسلام، وهذه العوائل والآباء والأمهات، والمؤمنون الواعون والغيارى رجالاً ونساءً يشكلون اليوم شعباً هو الأسوة والأنموذج بالنسبة للشعوب؛ فالشعوب الأخرى تتطلع إليكم الآن وتتعلم وتستلهم منكم. فما دمتم وقوفاً على أقدامكم ــ وهذا ما سيكون على الدوام بعونه تعالى ــ سيزداد الأمل والشوق إلى الإسلام لدى الشعوب المسلمة، وستزلزل قواعد الاستكبار وتنهار على أيدي المسلمين إن شاء الله.

نسأل الله تعالى أن ينزل لطفه وفضله عليكم أيها الأعزاء القادمين من شتى أرجاء البلاد وعلى الشعب الإيراني كافة، ويجعلكم ممن تشمله عناية ولي العصر "أرواحنا فداه"، ويحشر الروح الطاهرة لإمامنا العظيم والأرواح الطيبة للشهداء مع أوليائه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته