|
الموضوع: فتح "خرمشهر" وتجسيد
كفاءة الإسلام والثورة
المناسبة: ذكرى تحرير مدينة "خرمشهر"
الزمان والمكان: 9 ربيع الأول
1423 هـ ـ طهران
الحضور: جموع من أهالي مدن آبادان
وخرمشهر والقوات المشاركة في تحرير مدينة خرمشهر
أجواء الكلمة
ففي الذكرى السنوية لتحرير مدينة "خرمشهر" في
عمليات بيت المقدس عام 1980م، التقى قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى
الإمام الخامنئي (دام ظله) جمعاً من أهالي مدينتي آبادان وخرمشهر والمقاتلين
المشاركين في تحرير خرمشهر، حيث قدم سماحته شرحاً مفصلاً عن الأوضاع التي كانت
سائدة في إيران الإسلام ابان الهجوم العراقي عليها وأهداف هذا الهجوم، واصفاً
تحرير مدينة "خرمشهر" من أيدي المحتلين بأنه أشبه بالمعجزة، وأنه جسّد للعالم
كفائة الإسلام والثورة.
وأشار سماحته إلى إدراك العدو لسرّ الانتصار في
خرمشهر، داعياً الجميع إلى اليقظة لمواجهة مساعي الجبهة الاستكبارية اليوم في
سلب هذا السر، أي عنصر الاقتدار والقوة والمقاومة، واستنكر بشدة الدعوات
الذليلة لاجراء المحادثات مع أمريكا، واصفاً الدخول في مثل هذه المحادثات بأنها
خيانة وحماقة.
العناوين الرئيسية في كلمته
سماحته:
ــ تحرير "خرمشهر" أشبه بالمعجزة
ــ فتح "خرمشهر" جسّد للعالم
كفائة الإسلام والثورة
ــ مساعي جبهة الاستكبار اليوم
ــ المحادثات والعلاقات مع
أمريكا خيانة وحماقة
بسم الله الرحمن الرحيم
أرحب بكم جميعاً أيها الأخوة والأخوات الأعزاء
الحاضرون في هذا الاجتماع الطافح بالألفة والنقاء، وأبارك لكافة المقاتلين
والمضحين وعوائل الشهداء والمعاقين ذكرى الواقعة العظمى والخالدة، ذكرى
الانتصار في جبهة خرمشهر، وإعادة هذه المدينة إلى الجسد الدامي لوطننا على أيدي
الأشاوس المؤمنين من أبناء الجيش والحرس الثوري والقوات التعبوية المضحّية.
لقد ازدادت هذه الذكرى بركة وبهجة في هذا اليوم
لاقترانها بيوم بداية إمامة وولاية مولانا وسيدنا بقية الله الأعظم "أرواحنا
فداه وعجَّل الله تعالى فرجه الشريف"، متمنياً أن يحظى هذا الشعب وهذا البلد
على الدوام ببركات الأدعية الزاكية لهذا العظيم والعناية الرؤوفة لهذا المولى
الكريم.
تحرير "خرمشهر" أشبه بالمعجزة
إن واقعة خرمشهر تمثل عن بُعدٍ حدثاً تاريخياً
للحماس ومبعث فخرٍ بالنسبة للشعب الإيراني لا غير؛ لكن هذه القضية عن قرب كانت
أشبه بمعجزة كبرى، فعندما شنَّ النظام العراقي هجومه على حدودنا بتحريض من
الحكومات المعادية، كان دقيقاً في هدفه، وخرمشهر كانت الخطوة الأولى والمؤثرة
للغاية في هذا الهدف.
كان هدفهم باختصار: انهم كانوا يتصورن أن إيران
حين انتصار الثورة لم تعد تمتلك قوات مسلحة تذود عن حدودها أولاً، وأنها تفتقر
للنظام الإداري والاجتماعي السليم الذي يتكفل الدفاع عن البلاد والمصالح
الوطنية ثانياً، وليس هنالك مَنْ يؤيد الثورة عالمياً ثالثاً؛ فمن جانب كانت
أمريكا العدو الذي يتصبب حقداً وضغينة على الثورة لأنها قضت على الهيمنة
الأمريكية على هذا البلد، ولهذا فقد كانوا يطفحون حنقاً وضغينة على الثورة
والنظام الإسلامي، ومن جانب آخر كان الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان مناوئاً
للثورة لأسباب أخرى؛ فاتحدت كلمة كلتا القوتين الكبريين على معاداة إيران ــ
وهما القطبان اللذان اختلفا فيما بينهما على العشرات من القضايا ــ وقامتا بكل
ما أوتيتا من قوة بدعم النظام العراقي والدفاع عنه.. كما دعم حلف "الناتو"
والدول الأوربية العراق أيضاً؛ فزوّدوه بالدبابات والأسلحة الكيمياوية
والمروحيات والصواريخ؛ وقامت أوربا الشرقية التي كانت خاضعة يومذاك لهيمنة
الحكومة السوفيتية وتابعة لها بتزويد العراق بما يريد.
وعليه فقد كان العراق طرفاً يحظى بدعم أميركا
والاتحاد السوفيتي والناتو ووارشو ــ وهو الحلف الذي كان يضم أوربا الشرقية
والدول الشيوعية ــ وكذلك الحكومات العربية في المنطقة التي كانت تضع تحت تصرف
حكومة بغداد الأموال والسلاح والإمكانيات والمستشارين العسكريين وكل ما كانت
تطلبه لتحقيق مآربها من هذا الهجوم؛ وكان نظام الجمهورية الإسلامية طرفاً آخر.
لقد كانت أمريكا تناوئ هذا النظام وتُحصي اللحظات
للقضاء عليه، وكذا الاتحاد السوفيتي كان معادياً له، فيما كان الأوربيون لا
يقيمون علاقة معه ولا يبدون إزاءه أي اهتمام، وهكذا الحال بالنسبة للحكومات
الرجعية.
كانت الامكانيات المادية للبلاد ضعيفة للغاية،
والقوات المسلحة تعاني عدم الانسجام، والتجهيزات العسكرية كان بعضها قد تهرأ
فيما كان البعض الآخر ينتظر قطع الغيار التي أبَوْا بيعها لنا، فلقد كنا نمتلك
الطائرات والدبابات لكنها كانت تفتقد قطع الغيار التي أبى العالم بيعها لنا ولم
يكن يُنتج منها شيء في الداخل.
في مثل هذه الحالة ماذا كان واقع القضية؟ إنه عين
ما تصوّره العراق، من الهجوم واحتلال خرمشهر أولاً ثم الأهواز ثم دزفول
وبالتالي اقتطاع خوزستان عن إيران، ومن ثم يبدأ بالمساومة وعدم إعادة خوزستان
إلى الأبد ويستولي على المصادر النفطية في البلاد وإجبار الحكومة الثورية على
الجلوس حول طاولة المفاوضات ذليلة ضعيفة.. كانت تلك خطة النظام العراقي، وهي
خطة أمريكا والاتحاد السوفيتي في واقع الأمر!
فتح خرمشهر جسّد للعالم كفاءة
الإسلام والثورة
في الوهلة الأولى حققت القوات العراقية تقدماً
ووصلت على بعد ثلاثة أو أربعة عشر كيلومتراً من الأهواز، لكنهم حينما حاولوا
الهجوم على خرمشهر ــ وهي الأقرب إلى الحدود ــ جوبهوا بالموانع، والسبب كان هو
نزول القوى الشعبية والشباب المؤمنين والثوريين من الرجال والنساء إلى الساحة؛
أي أن الثورة بدأت تطل بنفسها هناك.. وعليه فقد توقف العدو على مقربة من
الأهواز؛ إذ وقفت القوات المسلحة من الجيش والقوى الشعبية متعاضدةً كالطود أمام
العدو، فكانت تلك أول ضربة توجه إليه، بيد أن الحزن قد استولى على قلوب الشعب
الإيراني لأن آلاف الكيلومترات من تراب الوطن كانت تحت سيطرة العدو، ولقد كنت
خلال الأشهر الأولى من الحرب في تلك المناطق وكنت أشاهد وضع الشعب ووضع القوات
المسلحة التي كانت تتمتع بالعزيمة والحزم، لكن حزناً ثقيلاً كان يملأ أفئدتهم،
وشيئاً فشيئاً برزت عظمة القوى الشعبية.
وسرعان ما بادر الحرس الثوري لتنظيم نفسه وأخذت
القوى الشعبية وقوات التعبئة بالتشكل تدريجاً؛ أي إن جوهر الثورة والإيمان قد
تجسّد في ميدان الخطر هذا، بالإرادة والعمل وقدرة الإنسان على الإدارة.
ما الذي صنعه معنا عالم السياسة من قبيل الأمم
المتحدة وما شاكلها؟ لقد مارس العالم ضغوطه من كل ناحية أن اجلسوا للتفاوض مع
العراق وأوقفوا الحرب والمقاومة.. هذه إحدى محطات الاعتبار، وعلى شبيبتنا
التركيز على هذه المحطات كثيراً؛ فلقد كانت حكومتنا حديثة عهد إذ كان عمرها
سنتين وواجهت مثل هذا الهجوم الشديد، والعدو قد رسّخ أقدامه في آلاف
الكيلومترات من ترابنا، بدءاً من أدنى نقاط الجنوب وحتى أقصاها شمالاً على حدود
الجوار مع العراق، لكنهم كانوا في نفس الوقت يدعوننا للمفاوضات! المفاوضات من
موقف الضعف والذلّة مقرونة برصيد قوي للعدو في المساومة؛ ولو قدِّر للمفاوضات
أن تجري يومها ــ وكان بعض السياسيين يضغطون على الإمام للدخول في المفاوضات ــ
فمن المسلّم به أن العراق لم يكن ليخرج من قسمٍ كبير من أراضينا، وكانت خوزستان
وخرمشهر وربما الكثير من المناطق الأخرى ماتزال تحت سيطرة القوات الأجنبية
المعتدية. بيد أن الإمام قد صمد، وكان منطقه أننا لن ندخل المفاوضات مادام
العدو داخل أراضينا ويهددنا معتمداً على ما لديه من رصيد قوي، والمفاوضات إنما
تجري حينما يخرج العدو من أراضينا بأكملها.. واليوم يتنكر بعض الخونة لهذه
الحقيقة، فيما كان البعض يومذاك ومن بينهم أولئك الكالحة وجوههم ــ الذين هربوا
من الوطن ولاذوا الآن بأحضان أمريكا وأوربا وغيرها من البلدان ــ يمارسون
الضغوط باستمرار عن طريق المحافل السياسية والصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون
التي كانت بأيديهم ويؤكدون على وجوب قبول الإمام بالمفاوضات.
وكانت الوفود الدولية تترى على إيران ويدعوننا
لدخول المفاوضات، لكن الإمام صمد مستلهماً من رؤيته الواضحة والإيمان الراسخ
والتوكل على الله وقوة الإرادة، وقال: إذا ما استطعنا استعادة أراضينا إذ ذاك
يحل زمن المفاوضات، أما اليوم فهو ليس وقت مفاوضات. وهكذا كان الحال على الصعيد
العملي.
في مثل تلك الظروف حيث الحزن يستحوذ على القلوب،
وتشدقات العراق كانت تملأ الدنيا ضجيجاً، كانت قواتنا تفتقر لأقل الامكانيات
المادية؛ وإنني إذ أقول: أقل الامكانيات المادية فتلك حقيقة، ولستُ أنسى مجيء
أحد القادة المضحين يومذاك ــ وهو من الحضور في هذا الاجتماع والحمد لله ــ
ومعه عدة أشخاص إلينا في الأهواز يطلبون بعض الهاونات كي يستطيعوا القتال
والصمود بها في الخطوط الأمامية، ولكن لم يكن هنالك من يزوّدهم بهذه الهاونات
القليلة! وقد كنا نعاني مشكلة بالنسبة للأسلاك الشائكة والقذائف والــ "آر.بي.جي"
ناهيك عن الدبابات وناقلات الجنود.
ما كان يمتلكه الشعب الإيراني عبارة على الإرادة
الصلبة والنشاط المتعدد الجوانب المنبثق عن الإيمان والوعي، وهذا ما يعنيه قول
الإمام: "إن الله حرّر خرمشهر".
يحسن بنا أن نُحيي هنا ذكر شهيدنا الغالي صياد
شيرازي ــ والحمد لله فإن الكثير من القادة وقتذاك لايزالون اليوم على قيد
الحياة ويتميزون بالحيوية ويزالون أعمالهم، فيما نال بعضهم الشهادة ــ إذ قام
هذا الشهيد ورفاقه في الجيش والحرس الثوري بتشكيل منظومة اقتدار؛ فخطّطوا
لعمليات الإمام الرضا والفتح المبين وبيت المقدس ونفّذوها، فأخذت كفائة الثورة
والإسلام والشعب المؤمن التي تجسّدت في هذه المنطقة الخطيرة جداً تبهر أنظار
الجميع، إذ لم يكن في العالم من يصدّق أن تفلح قواتنا المسلحة باسترداد خرمشهر،
لأن خرمشهر كانت قد ضاعت! وإن المشاهد التي ترونها الآن وقد افتعلها
الاسرائيليون بدباباتهم في جنين كانوا قد أوجدوها في خرمشهر؛ وكما قال والد
الشهيد جهان آرا العزيز فإن شبابنا قد قاوموا وأوقفوا العدو خلف الباب فترة من
الزمن تقرب من أربعين يوماً أو تزيد، إذ استطاع شبابنا المؤمن وقواتنا المسلحة
أن يصفعوا الجيش العراقي صفعة قوية وأصابوا منه مقتلاً، غير أن الكثيرين
استشهدوا في آخر المطاف واغتُصبت خرمشهر من الشعب الإيراني. وعندما باشرت
قواتنا المسلحة حركتها في عمليات بيت المقدس بتدبير وبصيرة وإرادة منبثقة عن
الإيمان والاتكال على الله واستثمار كافة الإمكانيات ــ أي لم يَدعوا أي جزءٍ
من الإمكانيات يضيع هدراً ــ معتمدين على قدراتهم الذاتية وعلى الباري تعالى،
لم يكن في العالم مَنْ يصدِّق بأنهم سوف يفلحون بتحرير خرمشهر، لكنهم أفلحوا..
ولمّا أعلنّا عن استعادتنا لخرمشهر لم تكن وكالات الأنباء العالمية على استعداد
لبث الخبر يوماً أو يومين إذ كانت تنظر إليه بعين الريبة! غير أن ذلك ما وقع
واضطروا في النهاية للإذعان لهذا الانتصار.
خلال هذه العمليات أسرَ مقاتلونا أكثر من خمسة
عشر ألف أسير عراقي نقلوهم إلى معسكرات الأسر خلف الجبهات، وحُررت خرمشهر، لكن
الكثير من أراضينا بقيت تحت سيطرة العدو؛ فقد كانت مهران ونفط شهر والمئات من
المدن والقرى على طول الحدود مغتصبة.
في تلك الأثناء عاود أولئك الذين لم يكونوا على
استعداد لأن يخطوا خطوة واحدة لصالح الثورة ومصالح البلاد، بل كانوا يحسنون
الثرثرة وافتعال المؤاخذات على الثورة، عاودوا ضغوطهم لإنهاء الحرب؛ ولولا
إرادة الإمام الصلبة وتصميمه وصموده فمن المؤكد أن الحرب لم تكن لتنتهي إلاّ
بغلبة العدو، والأنفاس الخبيثة ذاتها التي كانت يومذاك تبث هذه الوساوس داخل
البلاد ارتفعت بعضها الآن لتكرر ذات الأباطيل وتقول لِمَ لَمْ تقبلوا بوقف
إطلاق النار بعد تحرير خرمشهر؟
بعد تحرير خرمشهر كان جزءٌ كبير من أراضينا ــ من
حدودنا ومدننا ــ وعددٌ كبير أيضاً من مواطنينا مايزال تحت سيطرة العدو. لقد
كان الخطر يحول حول حدودنا والعدو يتم تجهيزه من كل حدب وصوب؛ ولا مناص من
إبعاد شر العدو عن حدودنا، وهذه كانت رؤية حكيمة؛ ويومها كان الغيارى على الوطن
من القادة العسكريين وغيرهم يبرهنون هذا المنطق أمام الجميع، والإمام كان
إنساناً منطقياً إذ صمّمَ وعملَ واستطاع بفضل الله إعزاز الشعب الإيراني.
لقد سعى الذين لا أهمية لديهم لعزة الشعب
الإيراني واستقلال الوطن والشرف والكرامة ــ التي يعتز بها هذا الشعب ــ في ذلك
اليوم وفي الوقت الحاضر وعلى مر السنين عبر مدعياتهم الخيانية الجبانة لإذلال
الشعب الإيراني وإضعافه مركزين على الدوام على: اننا عاجزون! الضعف يعشعش في
قلوبهم لكنهم يرمون به الشعب الإيراني، وقلوبهم خاوية من نور الإيمان لكنهم
يوصمون الشعب الإيراني بذلك؛ إنه إجحاف بحق هذا الشعب المؤمن؛ لقد أثبت شعبنا
أنه وحيثما كان الأمر يتعلق بالشرف والكرامة والدفاع عن قيم الوطن والقيم
الإسلامية السامية، استنفر كل طاقاته وألحق الهزيمة بالعدو.
يتصور البعض حينما يجري الحديث عن التمسك
بالإيمان والإيثار فذلك معناه الاستعداد للتضحية بالنفس. كلا، فالتمسك بالإيمان
والإيثار إنما يعني تفجّر كافة طاقات الإنسان من خلال الإيمان الكامن في فؤاده
والتوكل والاعتماد على الله سبحانه، وهذه الطاقات بإمكانها خلق العلم والخبرة
والإبداع وإجادة أكثر الصناعات تعقيداً، وقد أجادت، وإننا منذ مطلع انتصار
الثورة حيثما تمسكنا بإيماننا وعملنا بأحكام الإسلام كان النصر حليفنا، سواء
على الجبهة العلمية أو السياسية، على صعيد الأنشطة الاقتصادية أو العسكرية..
وحيثما هُزمنا وركست أقدامنا في الوحل وطالنا الضعف إنما كان ذلك بسبب ابتعادنا
عن الإسلام، وهذا ما أدركه العدو جيداً.
مساعي جبهة الاستكبار اليوم
لقد شاهد العدو بأُمّ عينيه سرَّ انتصارنا في
خرمشهر وغيرها، وأدرك أن هذا الشعب لو حافظ على راية الإسلام والإيمان خفاقة
سيكون الظفر حليفه في كافة الميادين. لذلك فقد سعى لتنكيس هذه الراية، وإن كل
مساعي أمريكا والجهاز الاستكباري وجبهته اليوم تتركز على سلب عنصر الاقتدار
والقوة والمقاومة منا؛ أي إنها تحاول إضعاف الإيمان والثقة بالنفس والتفاؤل
والوحدة فينا؛ فمن الواضح أن الشعب الذي يفتقد الإيمان والاتحاد ويستحوذ عليه
اليأس إزاء المستقبل سينهزم في الميادين كافة؛ على صعيد الاقتصاد وعلى صعيد
بناء البلد أيضاً.
إنهم يحاولون انتزاع هذه العناصر منّا، وأول ضربة
يوجهونها تتمثل في زرع اليأس في الشعب إزاء ذاته؛ وإن البعض أصبح شغلهم الشاغل
هذه الأيام تضخيم العدو باستمرار، فيستصغرون أنفسهم ويصورون للآخرين عظمة العدو
ويصرحون على الدوام بأننا عاجزون! أي علينا أن نذوب في بوتقة الاستكبار العالمي
شأننا في ذلك شأن الكثير من الدول والحكومات.. وإنهم يخطئون؛ فهؤلاء هم الضعفاء
والخاوون ــ إما أنهم كانوا خاوين أو أصبحوا خاوين ــ ولذائذ الدنيا هي التي
جعلتهم خاوين؛ وحب الدنيا هو الذي أفقدهم قيمتهم وهويتهم، لذلك فهم يتصورون أن
الجميع مثلهم! كلا، فإن هذا الشعب شعبٌ مقتدرٌ ويعززه الأمل.. فلا يعملوا على
زعزعة قلوب أبناء الشعب عبثاً، ولا يقولوا بأننا عاجزين ولا قدرة لنا على
الحركة؛ فهذا الشعب قويٌ على التحرك وهو يمتلك الإسلام وعنصر الإيمان المؤثر
جداً، ولهذا الشعب اتحاد حقيقي وقلبي مع مسؤولي البلاد؛ فقليلاً ما يُلمس في أي
بلد من بلدان العالم نظيرٌ لحبل الوحدة هذا الذي تعززه أواصر الإيمان والعاطفة.
إننا وبفضل من الله سنذلّل الصعاب ونوقف العدو
عند حدّه؛ وإن العدو مهما كان قوياً من حيث الآلة العسكرية فهو لا قدرة له على
ارتكاب أية حماقة في مقابل شعب متماسك ومؤمنٍ ويكلّله الأمل إزاء المستقبل،
وعلينا ــ بطبيعة الحال ــ نحن المسؤولين العمل بمسؤولياتنا؛ فعلى الحكومة
والسلطة القضائية ومجلس الشورى أداء واجباتهم، وإن مَنْ تقاعس الآن عن واجبه
الحقيقي وانشغل بعملٍ آخر وتنصّل على أداء واجبه إنما يكون قد ارتكب خيانة
وسيبوء باللعنة الأبدية.
علينا ــ نحن المسؤولين ــ أن نحافظ على الروح
الإسلامية في داخلنا والنأي عن الروح الارستقراطية وأن نضع عن أيدينا وأقدامنا
أغلال النفعية وحب الثراء واللهاث وراء المنافع الشخصية وحب البهرجة وما شابه
ذلك؛ فإذا ما استعطى علاج مشاكلنا في أيٍّ من الحقول، فهذه هي أسبابه وعلينا
إصلاحها.
المحادثات والعلاقات مع أمريكا خيانة وحماقة
إن البعض يكبّل نفسه بالقيود ويختلق التعقيدات
ويحرم نفسه القدرة على نفع هذا الشعب وتطلعاته ثم يوجّه الاتهام للإسلام
والنظام الإسلامي والأحكام الإسلامية، فهل هنالك خيانة أعظم عن هذا؟! والبعض
يشعر بالضعف في داخله، فإما أن ترهبهم نظرات أمريكا الغاضبة، أو تستهوي قلوبهم
الضعيفة الهزيلة وعود أمريكا وأضرابها فينجرفون نحوها؛ ثم يوصمون الشعب وشبيبة
البلاد المؤمنين ومسؤوليه المؤمنين والصادقين بالعجز ويقولون: ما علينا إلا
الاستسلام لأمريكا!
إن الذين يتحدثون عن المباحثات مع أمريكا، إما
أنهم يجهلون ألف باء السياسة أو أنهم يفتقرون لألف باء الغيرة؛ ففي الوقت الذي
يعبس العدو بالنحو الذي عليه الآن ويتكلم من منطق التكبر ويوجه الإهانة للشعب
الإيراني ويصرّح بمحاولته العمل ضد هذا النظام وهذا البلد ومصالحهما، تنبري
حفنة هنا بكل ذلة وصَغار قائلة: ما العمل، أنذهب أم لا، أنتقرب ونتحادث معهم؛
أنلتمس ونعتذر؟! إن هذه إهانة لغيرة الشعب الإيراني وعزته، وهي دليل على فقدان
الغيرة، وهي ليست من السياسة في شيء، وإن حاولوا إضفاء مسحة وصبغة سياسية من
الفهم السياسي على فعلهم هذا! كلا، فهذا يناقض الفهم السياسي تماماً.
إن للشعب الإيراني أهدافه وتطلعاته؛ فمَنْ احترم
هذه الأهداف والشعب الإيراني أيضاً وأعلن قبوله لنظام الجمهورية الإسلامية فإن
الشعب الإيراني يدخل معه المحادثات ويتعامل معه على طول الخط كطرفٍ مساوٍ، فنحن
كنّا نرتبط بعلاقات مع الاتحاد السوفيتي، ولنا علاقات مع أوربا والدينا بأسرها.
إن مشكلة أمريكا تتمثل في رفضها لهويتنا
الإسلامية والوطنية وهي تصرح بذلك، فلماذا لا يفهم ذلك البعض ممن يدّعي السياسة
والفهم؟! إنه لمدعاة للأسف حقاً، إن حكومةً تجاهر بقولها: أسعى للعمل ضد النظام
الإسلامي وإرادة الشعب الإيراني، وترصد الأموال للإطاحة بنظامنا، لإقامةُ
العلاقات والدخول في محادثات معها خيانةٌ وحماقة!
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً وينير قلوبنا
بنور معرفته، وينشر علينا بركات وجود إمام العصر "أرواحنا فداه" ويجعلنا من
جنوده وفدائييه وخدمه، ونسأله العزة للشعب الإيراني وأن يشمل المقاتلين
والمضحين الأعزاء ببركاته.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
|