|
كلمة الامام الخامنئي دام ظله في
مؤتمر القمة الاسلامية الذي عقد في طهران
بتاريخ 8 شعبان 1418 هجرية
بسم الله
الرحمن الرحيم
في هذا التجمع الأخوي الذي يريد أن يصدح بلسان
المسلمين في العالم، أود أن أبدأ حديثي بحمد الله و شكره، حمداً لك اللهم على
نعمة المعرفة و التوحيد و العبودية و المحبة. حمداً لك اللهم على أخوة الإسلام،
و على تكريم الإنسان، و على تعليم الصبر و التوكل، و على التوصية بالإحسان و
المروءة.
و أصلي و أسلم على محمّد المصطفى صلّى الله عليه
و آله عبدك و رسولك الذي نشر راية التوحيد و العدل و رفع صوت تكريم الإنسان،
فحرره من عبودية كل شيء و كل شخص سواك. و أسلّم على آل بيته الطيبين و صحبه
المنتجبين و من اهتدى بهداهم، و على جميع عباد الله الصالحين .
و أرحب ترحيباً أخوياً من الصميم بكل الضيوف
الأعزاء قادة و زعماء العالم الإسلامي و رؤساء الوفود و كل الأعضاء و الأمين
العام لمنظمة الأمم المتحدة و الأمين العام لهذا المؤتمر و سائر الضيوف
الأجلاء.
أيّها الأخوة و الأخوات! لقد تجمعتم الآن في بيت
من بيوت الإسلام و قاعدة من قواعده، و مضيفكم و ان كان هو رئيس الجمهورية
رسمياً، فان كل إيراني يرى نفسه مضيفاً لكم في بلد الإيمان.
أيّها الأعزّة! جمعنا هذا ليس جمع أصحاب ربطتهم
مصالح معينة و تستطيع مصالح أخرى يوماً أن تفك رباطهم.. لا، نحن إخوة ربط بيننا
القرآن رباطاً أبدياً ليس له انقطاع، و جعل منا رغم الفواصل التاريخية و
الجغرافية و السياسية جسداً واحداً هو الأمة الإسلامية . لقد اعتنقنا هذه
الرابطة من يوم أن اعتنقنا الإسلام و ليس أمامنا خيار آخر. الاختلافات و
الخلافات بل حتى النزاعات ليست سوى غبار يمس وجه هذه الحقيقة و يمكن غسله بزلال
الحكمة و العقل و الحلم.
لنتطلع إلى هذا التجمع العظيم و هذا اللقاء
التاريخي بهذا المنظار كي نستطيع أن نستثمره لصالح شعوبنا و أمتنا الإسلامية
الكبرى.
أيّها الإخوة! أيّها الأعزاء! حديثي في افتتاح
هذا المحفل أركزه على ثلاثة موضوعات لأخرج منه بنتيجة، و هذه الموضوعات هي:
الإسلام، و الأمة الإسلامية، والمؤتمر الإسلامي و آفاق المستقبل.
الإسلام في فجر بزوغه و في يومنا هذا طريق نحو
عالم جديد مقرون بحياة سعيدة تتضمن كل ما يتطلبه صلاح الإنسان و فلاحه. آلام
البشر الأصلية التي سعى الإسلام لإزالتها كانت على مر العصور و الأزمان و لا
تزال واحدة لا تتغير، و هي: الفقر، و الجهل، و ألوان التمييز، و النزاعات، و
انعدام الأمن، ثم الوقوع في شراك المادية و الخصال الدنيئة.
و الإسلام دين الإنسانية و الاعتدال و التعقل و
التسليم أمام إرادة ربّ العالمين. و هكذا كان شأن كل الأديان دون شك قبل أن
تمسها يد التحريف. لذلك قدم الدواء لهذه الأدواء الإنسانية بطريقة عقلانية لا
يشوبها الإفراط و لا التفريط، و دعا الإنسان إلى الذكر و التضرع و الارتباط
الداخلي برب العالمين، و علمه و أوصاه أن يكافح الشرور و العدوان و الظلم و
الفساد، و أن يواجه باستمرار ما في نفسه من جموح الذات و الأنانية و استفحال
الأهواء .
أحكام الإسلام الأساسية تبلورت بهذا الشكل، و
منهج الإسلام للحياة الفردية و الاجتماعية و الأخلاقية و السياسية نما من هذه
الجذور.
و على هذه الأسس بالذات و لمعالجة تلك الأدواء
المزمنة الدائمة يقيم الإسلام نظامه السياسي حيث العدالة الاجتماعية، و الحريات
المختلفة، و السلام العادل، و مكافحة الظلم و العدوان، و العلاقات بين الجنسين،
و العلاقات بين كل أفراد المجتمع و بين المجتمعات، و هكذا تزكية النفس، و
العلاقة الداخلية بين الإنسان و ربه.
البشرية اليوم - رغم الظواهر البراقة الجذابة
المعيشية - تعاني من نفس الآلام التي عانت منها على مر التاريخ؛ أكثر شعوب
العالم فقيرة و تسيطر أقلية قليلة على أكثر ثروات المعمورة .. أكثر الشعوب
محرومة من التطور العلمي، و تتخذ فئة علمها وسيلة للسيطرة على غيرهم. . لظى
الحروب تستعر في بقاع عديدة من العالم و يتوجس الناس في غيرها خيفة من
اندلاعها، و التمييز بين بلدان العالم على الساحة العالمية و بين الطبقات في
أغلب البلدان ظاهرة مشهودة.. مادية الغرب تكتسح الأجواء، و إغراءات المال و
البطن و الشهوة طغت على النفوس، ثم إن مظاهر الصفاء و البساطة و السماحة و
الإيثار قد تركت مكانها في قسم عظيم من العالم للخداع و التآمر و الحرص و الحسد
و البخل و لغيرها من الخصال الدنيئة.. العالم تطور بشكل واسع و سريع في حقول
العلم و التقنية لكن الأدواء المزمنة القديمة لا تزال تفتك بالبشر، و العقبات
الأساسية لا تزال قائمة دونما تغيير.
الليبرالية الغربية و الشيوعية و الاشتراكية و
غيرها من المدارس جربتها البشرية و ثبت فشلها، و الإسلام اليوم - كما في السابق
- هو شاطئ النجاة و البلسم الوحيد، و صوت الإسلام اليوم لا يزال كما كان قبل
أربعة عشر قرناً يدعو البشرية، إذ يقول: (قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه و
يهديهم إلى صراط مستقيم).
المهم الكشف عن الوجه الناصع للإسلام و معرفته.
جهود الأعداء الحقودين خلال قرون التقت مع تصرفات الأصدقاء الجهلة الغافلين
خلال قرون أطول لتشوه وجه الإسلام النير، و لتزيد عليه أو تنقص منه عن غرض أو
عن ذوق جاهل. و لإن كانت الأذواق المريضة و المصالح الدنيوية لا تزال تفعل
فعلها في تعتيم صورة الإسلام من قبل أهله، فان الهجوم الإعلامي لأعدائه يزيد
على ذلك بكثير بطرق مدروسة خبيثة.
أحد محاور هذه الجهود الضخمة التي يبذلها الأعداء
في هذا المجال هو الهجوم الإعلامي الشرس الضاري على إيران الإسلام بعد إقامة
دولة الإسلام في هذا البلد. و للتعتيم على نداء هذه الثورة الكبرى جندوا
طاقاتهم لتوجيه التهم لها و نشر الأخبار الكاذبة عنها . ما قالوه كذباً عنا و
ما نسبوه إلينا أصبح بسبب تكراره مملاً ثقيلاً على الأسماع.
و كان أكثر المرجفين نشاطاً الصهاينة و وسائل
الأعلام الصهيونية العالمية المعروفة و عملاء الاستكبار، و فاقهم جميعاً
الأمريكيون! أي كل أولئك الذين تضرروا من هذه الثورة أكثر من غيرهم.
أيّها الإخوة المسلمين انطلاقاً من هذا، فإن
مهمتنا الكبرى هي معرفة الإسلام و نشره و ترسيخ ما بيننا من أواصر التعارف.
الأمة الإسلامية هي الثمرة الأولى لنهج الإسلام
السياسي الإنساني.. هذه الأمة بدأت من مدينة النبي على منوّرها أفضل الصلاة و
السلام، و شقت طريقها بصورة مدهشة إعجازية نحو تكونه الكمي و النوعي. لم يمض
نصف قرن على هذه الولادة المباركة حتى ضرب الإسلام بجراته في ما يقرب من نصف
أصقاع الحضارات القديمة المجاورة، أعني إيران و روما و مصر. ثم بعد قرن أقامت
حضارة باهرة و حكومة عزيزة مقتدرة في قلب العالم تمتد من سور الصين شرقاً حتى
المحيط الأطلسي غرباً و أحراش سيبيريا شمالاً و المحيط الهندي جنوباً.
في القرنين الثالث و الرابع الهجريين و ما بعدهما
قامت حضارة باهرة لا تزال بركاتها العلمية و الثقافية مشهودة بوضوح في الحضارة
العلمية الراهنة. و لئن حاول المغرضون الغربيون في سردهم لقصة تاريخ العالم و
الحضارة ان ينظروا بعين الإجمال و الإهمال لهذه النهضة العلمية و الحضارية
العظيمة، و أن يؤرخوا للعلم بدء باليونان و الرومان و ينتقلوا مباشرة إلى
النهضة الأوربية حتى و كأن الموت عفا على العلم و الحضارة لألف سنة ثم عاد إلى
الحياة من النهضة الأوروبية فجأة!! لكن الحقيقة أن القرون الوسطى كان عصر جهل و
ظلام و وحشة للغرب و أوروبا فقط، و كانت للعالم الإسلامي بأصقاعه التي تفوق
أوروبا أضعافاً و تمتد من الأندلس حتى الصين، عصر سطوع و يقظة و عروج علمي.
الهدف من هذه العودة إلى التاريخ ليس تفاخراً
بالماضي، بل الهدف هو التأكيد على أن الطاقة التي أوجدت هذه الحضارة متمثلة
بالإسلام، و معارفه الحياتية لا يزال بين ظهرانينا و ينادينا بقوله: (يا أيّها
الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول و إذا دعاكم لما يحييكم) . الإسلام أثبت
قدرته على دفع أبنائه نحو الاعتلاء المدني و العلمي و العزة و الاقتداء
السياسي. الإيمان و المثابرة و الحذر من التفرقة شروط ثلاثة لازمة لتحقق هذا
الهدف الكبير، و القرآن يعلمنا بقوله: (و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون
إن كنتم مؤمنين)، و بقوله: (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع
المحسنين)، و بقوله: (و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم
و اصبروا إن الله مع الصابرين).
عدم توفر هذه الشروط الثلاثة ساق الأمة الإسلامية
اليوم إلى وضعها المؤسف. خلال القرنين الماضيين على الأقل كان للأعداء
المتربصين المخططين و بعض الحكومات الإسلامية الهزيلة إلى جانب عوامل و ظروف
تأريخية و سياسية مختلفة السهم الأوفى في إيجاد هذا الوضع، و نحن اليوم نرث هذه
التركة الثقيلة.
أيّها الإخوة! تعالوا نترك للأجيال القادمة إرثاً
أكثر فخراً مما وصلنا.
في استقراء العوامل الخارجية للوضع الحالي، أرى
أن هجوم جبهة الاستكبار ذو أثر أكبر من غيره.
نحن نطلق كلمة الاستكبار على منظومة تستند إلى
قدراتها السياسية و العسكرية و العلمية و الثقافية و الاقتصادية، و إلى نظرة
تمييزية للنوع البشري، فتنطلق لفرض سيطرة مقرونة بالاستخفاف و الاستهتار على
المجموعات الإنسانية الكبرى أعني الشعوب و الحكومات و البلدان، فتضغط عليها و
تستمثرها و تتدخل في شؤونها و تنهب ثرواتها. تتعنت في تعاملها مع الحكومات و
تظلم في تصرفها الشعوب، و تستهين بمقدساتهم و تقاليدهم.
المثال البارز لهذه الظاهرة: الاستعمار ثم
الاستعمار الجديد، و أخيراً الهجوم السياسي و الاقتصادي و الإعلامي بل حتى
العسكري الشامل الذي يشنه أساطين الاستعمار القديم و ورثتهم، فارضين علقمه على
الشعوب جهاراً بدون قناع. القوى الغربية في هذا الهجوم الفاعل استثمرت تطور
العلم و التقنية و بعض الخصال القومية لشعوبها. نحن لا نلوم العدو، إنما اللؤم
على أولئك الذين يوفرون فرصة انتصار العدو و عوامل اندحارهم بما يحملونه من
أنانية و حب عافية و ضيق نظر.
الغرب في هجومه الشامل قد استهدف أيضاً إيماننا و
خصالنا الإسلامية، و في ظل متاعه العلمي الذي يحس الجميع بحاجتهم إليه، يصر على
تصدير ما ابتلى هو به إلى مجتمعاتنا من ثقافة التسيب و الإباحية و عدم الالتزام
بالدين و الأخلاق. و هذا المستنقع الأخلاقي الآسن سيبتلع دون شك في مستقبل ليس
ببعيد حضارة الغرب القائمة و يبيدها من الجذور.
العالم الإسلامي على أثر الغزو المعادي و العوامل
الداخلية الموروثة من الأجيال السابقة في وضع مأساوي لا يحسد عليه. الفقر و
الجهل و التخلف العلمي و الضعف الخلقي و أفظع من كل هذا سيطرة الأعداء الثقافية
و أحياناً السياسية من جهة، و المشاكل الكبرى مثل قضية فلسطين و مسألة
أفغانستان و لبنان و العراق و كشمير و البوسنة و الهرسك و القوقاز و غيرها من
جهة أخرى تشكل قائمة طويلة من المسؤوليات الإلهية و الإنسانية أمام الحكومات و
الشخصيات السياسية و قادة العالم الإسلامي.
يجب أن نأخذ زمام المبادرة بأيدينا. لقد كان
الزمام حتى الآن بيد العدو، و كان دورنا ترديد المزيد من الشكوى و العتاب.
فلسطين على الساحة التأريخية تبدلت إلى أقطاعية
صهيونية على أثر عشرات المبادرات التي أقدم عليها العدو. بدأت بشراء أرض
الفلسطينيين ثم تواصلت عبر تسليح الصهاينة المهاجرين، ثم إثارة الحرب الداخلية
و إعلان تقسيم فلسطين، ثم احتلال أجزاء جديدة من هذا البلد الإسلامي العربي، ثم
احتلاله بأجمعه، و إضافة أجزاء من مصر و سوريا و الأردن إليه. و هنا بادرت
البلدان العربية المجاورة لفلسطين لمرة واحدة فقط و أخذت زمام المبادرة بيدها و
تمثل ذلك بحملة مصر و سوريا في رمضان 93 هجرية. و هي و إن لم تحقق النتائج
المرجوة كاملة بسبب التعاون الأمريكي الإسرائيلي و تهاون البلدان الإسلامية، قد
سجلت مفخرة للجبهة العربية و حررت أجزاء من الأراضي العربية. بعد ذلك عاد
الصهاينة و حماتهم و على رأسهم أمريكا إلى أن يمسكوا بزمام حركة الساحة في إطار
شعارات التسوية و في اتجاه تثبيت الاحتلال الغاصب لفلسطين، جارين وراءهم كل
خصومهم حيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
كان ينبغي علينا نحن الدول الإسلامية أن نقدم
مساعدات أكثر جدية لدول المواجهة من أجل إنقاذ فلسطين. فيما مضى بعض حكوماتنا
لم تتوان حتى عن توجيه طعنة إلى ظهر دول المواجهة، و المثال الأبرز لذلك حكومة
إيران في عهد بهلوي. كانت إيران آنئذ مع الأسف مأمناً للصهاينة و مساعداً
حميماً للكيان الصهيوني.
أيّها الأخوة الأعزاء! هذا الوضع لا يتناسب مع
العزة الإسلامية، و هو بعيد كل البعد عن علاج ما يلمّ بالأمة الإسلامية. كل
البلدان الإسلامية يجب أن تتحمل السهم المناسب في استعادة الحق الفلسطيني، و
أيضاً لا بدّ أن يخرج العالم الإسلامي من حالة الانفعال إلى حالة المبادرة و
الإقدام. هاتان المسؤوليتان يتحملهما فعلاً الشباب المؤمن الغيور في فلسطين و
لبنان بكل وجودهم، فتحيّة لهم.
معارضتنا لما يسمى بمحادثات السلام في الشرق
الأوسط إنما هي لأنها غير عادلة و لأنها استكبارية و لأنها مهينة، ثم لأنها غير
منطقية. مبدأ ما يسمى بالأرض مقابل السلام يعني أن الصهاينة يعيدون أرض البلدان
المجاورة لأخذ الاعتراف بملكيتهم لفلسطين. أي كلام أكثر إجحافاً من هذا الكلام؟
و ما هو الجواب الذي يمكن تقديمه للشعب الفسطيني العريق في معاملة الغبن هذه؟
و من سخرية الدهر أن العدو الصهيوني رفض هذا
أيضاً، و لم يرض بتنفيذه!! أ لم يحن الوقت أن يكون للعالم الإسلامي رد مناسب
لهذا السلوك الاستكباري؟ لو رتبنا علاقاتنا على أساس من الأخوة لاستطعنا ذلك.
ما ذا تستطيع أمريكا أن تفعله أمام اتحاد جبهة
إسلامية تمتد من أندونيسيا حتى شمال أفريقيا؟ !
إن الاستكبار يراهن اليوم على حالة التمزق في هذه
الجبهة، أما آن الوقت لكي نرصّ الصف لصالحنا؟!
حضور عدو كالكيان الصهيوني في قلب العالم
الإسلامي كان بإمكانه أن يقرب بين صفوفنا.. . لكن الأيدي الاستكبارية الخفية
أبعدت هذا الخطر من طريقها، و عملت على أن نخشى من بعضنا أكثر ممّا نخشى العدو!
الوساوس و الأكاذيب و الإعلام المضاد، جعلت البلدان الإسلامية تخشى من بعضها
خطأ و دونما مبرر. منذ ثمانية عشر عاماً حتى الآن يعمد مهندسو السياسة
الاستكبارية إلى بث سمومهم بتخويف جيراننا في الخليج الفارسي من إيران
الإسلامية التي تحمل راية الاتحاد و الأخوة. إنني أعلن أن أي خطر لا يهدد أي
بلد إسلامي من إيران الإسلام .
إيران الإسلام ببركة حياتها في ظلال أحكام القرآن
الكريم تتطلع اليوم أكثر مما مضى لاتحاد العالم الإسلامي و عزته و اقتداره. نحن
الإيرانيون، ببركة إيماننا بالإسلام و رغم مؤامرات العدو الإعلامية، حافظنا على
وحدتنا الوطنية بشكل فريد، و خلاف ما يدعيه العدو و يرغب فيه وسعنا دائرة
الحضور الجماهيري، و الانتخابات الباهرة التي جرت هذا العام لاختيار رئيس
الجمهورية نموذج لهذا الحضور المتزايد. الحكومة منسجمة، و المسؤولون تربطهم
علاقات حميمة، و بين الحكومة و الشعب روابط عاطفية مفعمة بشعور الثقة.
كل مساعينا العلمية و السياسية و الاقتصادية و
الثقافية تقوم على أساس ما علمنا الإمام الخميني من الاعتماد على النفس بعد
التوكل على الله سبحانه. و نحن ببركة هذه الثقة بالنفس استطعنا أن نعيد إلى بلد
خرب متخلف ورثناه من العصر البهلوي و ازداد خراباً خلال الأعوام الثمانية من
الحرب المفروضة، البناء و النماء و النشاط الفعال. هذه الظاهرة نشاهدها في بعض
البلدان الشقيقة أيضاً، لكن الأهم من ذلك كله هو العزة و الاقتدار السياسي.
شعبنا و حكومتنا بفضل التمسك بالإسلام و المشاركة السياسية الجادة استطاعا أن
يقتلعا جذور التدخل الأجنبي في بلادنا.
الأمة الإسلامية بأجمعها أيضاً متعطشة إلى حالة
تسودها الثقة بالنفس و العزة و الاستقلال، و علينا أن نسعى جميعاً على هذا
الطريق. هذه مسؤولية تأريخية و كل الأجواء متوفرة ليستعيد العالم الإسلامي عزته
و اقتداره و كامل استقلاله.
لو أن تنسيق المساعي على هذا الطريق بحاجة إلى
مجمع متمركز فنحن نمتلكه، إنه منظمة المؤتمر الإسلامي، فلنلق نظرة على هذه
المنظمة و آفاق المستقبل المرتقب.
27 عاماً مضت على حريق المسجد الأقصى الذي أدى
إلى ولادة هذه المنظمة. ظروف عالمنا المعاصر جعلت هذه المنظمة أمام مسؤوليات
أكثر جدية من قبل، فهي تستطيع أن تكون مظهر اتحاد حقيقي بين البلدان المسلمة في
مسائلها و مصالحها المشتركة. باسم أعضائها تنطق و تطالب و تنفذ و بدعمهم المالي
و الاقتصادي و السياسي تتحرك، بين أعضائها رابط لحل مشاكلهم، و لتكون مركز لقاء
و عنصر تنسيق حيثما استوجب مشروع كبير و هدف مشترك حشد الهمم و الطاقات؛ تقضي
حيثما لزم التحجيم، و تنصح حيثما نفع النصح.
العالم الإسلامي اليوم رغم أن حصته في التجارة
العالمية أقل بقليل من 20% و هي نسبة سكانه إلى سكان العالم غير أن المقدار
الخاص بتجارته الداخلية بين البلدان الإسلامية أقل بكثير من هذه الحصة أيضاً.
هذه المنظمة تستطيع أن يكون لها دور فعال في المسألة الاقتصادية الحساسة ذات
التأثير على سياسة هذه المجموعة أيضاً. بعض بلداننا تحظى بإمكانات طبيعية و
انتاجية و طاقات علمية و صناعية و ثقافية قيمة مما تحتاجه بلداننا الأخرى
احتياجاً مبرماً. هذه المنظمة تستطيع أن تنهض بدور فاعل في تبادل منطقي عادل
لهذه الإمكانات.
جماعات كبيرة من المسلمين اليوم و دائماً يعانون
من آلام مضنية تتطلب حلاً عاجلاً. على سبيل المثال تتعرض الآن بعض الولايات
الأفغانية مثل باميان إلى مجاعة عامة و تقترب من برد قارس شديد، و الشعب
العراقي يعيش واحدة من أكبر محنه التأريخية و يعاني من نقص في الغذاء و الدواء،
و أرواح الملايين من أبنائه و خاصة الأطفال في خطر. و في الجزائر مذابح رهيبة
ترتكبها أيد خفية لتتهم بها الإسلاميين و لتشوه بها وجه الإسلام، و في البوسنة
و كشمير و الصومال و قره باغ و بقاع أخرى يواجه المسلمون مشاكل حادة. منظمة
المؤتمر الإسلامي تستطيع أن تشكل لجاناً خاصة و تضع مشاريع عمل فاعلة يشترك
فيها كل الأعضاء لحل هذه المشاكل. لتنشيط هذه المنظمة في المسائل المرتبطة بين
الأعضاء لا تحتاج إلى شيء و لا إلى أحد سوى الإرادة الجماعية و المساعدات
المالية من الدول الإسلامية الغنية . المعارضة المحتملة من البلدان التي تتضرر
من اتحاد المسلمين لا تستطيع أن تقف في طريقنا اللهم إلاّ إذا أوجدت تزلزلاً في
إرادتنا.
حين كان المسلمون في منطقة البلقان يتعرضون
لإبادة وحشية و كان أولئك المسلمون يدافعون لوحدهم عن هويتهم الإسلامية أمام
جموع عسكرية منظمة مهاجمة و جموع متفرجة، كان من المفروض أن يكون مثل هذا
المركز متواجداً ليخفف عن بعض آلام أولئك الإخوة، و ليكون ثقلاً في ميزان
المعادلات العالمية لصالح ذلك الشعب المظلوم.
و الآن، فإن حضور الأساطيل الأجنبية و خاصة
أمريكا بعددها و عدتها في الخليج الفارسي - و هو بحر إسلامي و مركز هام للطاقة
في كل العالم - يؤدي إلى انعدام الأمن. وجود منظمة إسلامية مقتدرة يستطيع من
جهة أن يرغم الأجانب على سحب شرورهم بمنطق العزة و الاقتدار الإسلامي، و يستطيع
من جهة أخرى أن يزيل مبررات هذا الحضور، كما أنه بإمكانه أن يرسل متى اقتضى
الأمر قوات من نفس البلدان الإسلامية لصيانة أمن هذه المنطقة و سلامها.
و الآن تعاني أقليات مسلمة في بعض بلدان العالم
من التمييز و الظلم و السلوك المتعصب أشد المعاناة. مساعدة هؤلاء واجب كل
المسلمين. غير أن المساعدة الجادة المطلوبة في إطار العلاقات الدولية بحاجة إلى
مركز إسلامي دولي. و أي مركز أنسب من منطقة المؤتمر الإسلامي؟ ! عشرات المهام
تنتظر التنفيذ، و كل واحدة منها تلقي مسؤولية على جميع البلدان الإسلامية . و
ما ذكرناه نموذج لذلك. و في كل هذه المواضيع لا تستطيع أية حكومة إسلامية أن
تؤدي ما يؤديه مركز دولي إسلامي.
أيّها الإخوة! أيّها الضيوف الأعزاء! تعالوا
نغتنم الفرص متكلين على حول الله و قوته و نتقارب و نقوي مركز الاتصال بيننا.
المؤتمر الإسلامي يجب أن يتابع قراراته حتى
التنفيذ الكامل كي يكون لهذه الاجتماعات عطاء لشعوبنا. و لا بدّ أن يستطيع
تأسيس برلمان لمجلس البلدان الإسلامية، و أن يخطط لديوان عدالة إسلامي و أن
يكون نيابة عن خمسة و خمسين بلداً إسلامياً و مليار و بضع مئات الملايين من
السكان، و من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، و طالما
كان حق الفيتو قائماً فليكن العضو السادس من الأعضاء الذين يملكون هذا الحق في
ذلك المجلس.
هذه آفاق مستقبل هذا المؤتمر، و بهذا يستطيع أن
يرسم آفاق مستقبل الأمة الإسلامية.
و السلام عليكم و رحمة الله و
بركاته 
|