الموضوع: معالم الحكومة العلوية

المناسبة: ذكرى مولد أمير المؤمنين (ع)

الزمان والمكان: 13 رجب 1423هـ الموافق 20-9-2002 ـ طهران

الحضور: جموع غفيرة من أبناء الشعب الإيراني المسلم

أجواء الكلمة

من المتيقن أن حكومة أمير المؤمنين (ع) رغم قصر مدتها مليئة بالدروس زاخرة بالفضائل والجدية في سبيل إحقاق الحق، وأعطت للتاريخ مع ما فيه من ظلمات جاذبية خاصة.

ومعالم الأنموذج العلوي في الحكم هي كالشمس تتألق لإضفاء الدفء والنور لطلاب الحق والعدالة والسياسة، وهي ليست إلاّ شعاع من نور وجود أمير المؤمنين (ع) وفضائله الروحية التي تعجز المصطلحات والعبارات عن بيان كنهها.

ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي (دام ظله) في معرض بيانه لبعض من هذه المعالم في كلمته هذه، أكد أن الجمهورية الإسلامية استطاعت أن تختط هذا الدرب وتجسد هذه المعالم في مسيرتها رغم العداء العالمي لها، وشدد على كوادر النظام الإسلامي ضرورة المحافظة عليها، ودعا الجماهير لمراقبة المسؤولين في الالتزام بهذه المعالم.

العناوين الرئيسية في كلمة سماحته:

ــ أمير المؤمنين (ع) خير أسوة

ــ معالم الأنموذج العلوي في الحكم

1ــ الإصرار على إقامة دين الله

2ــ العدالة المطلقة

3ــ التقوى

4ــ الانبثاق عن إرادة الأمة

ــ علينا الالتزام بهذه المعالم

ــ طريق الصواب لمن يشايع أمير المؤمنين

بسم الله الرحمن الرحيم

اليوم يوم ميلاد إمام المتقين وسيد المجاهدين في سبيل الله، وإنني بادئ ذي بدء أُبارك لكم أيّها الحضور الأعزاء هذا المولد السعيد والعيد الأعظم وللشعب الإيراني ولكافة دعاة الحق في العالم.  

أمير المؤمنين (ع) خير أسوة

ثمة طائفة من خصال أمير المؤمنين (ع) وهي خصاله المعنوية والملكوتية التي نقصر حتى عن فهمها؛ فمقامه العلمي والمنزلة النورانية والقداسة التي كانت لديه؛ والحقائق التي كان يعمر بها كيانه وقلبه النوراني وتتدفق على لسانه المبارك حِكَماً، والقرب من الله وذكر الله الذي كان يكلّل فعله وقوله وكافة أحواله، وأمورٌ من قبيل فطرته النورانية، لَهي ممّا يتعذّر فهمها بالنسبة لنا، وإننا نؤمن بها ونفتخر بها لأننا سمعناها عن الصادق المصدَّق.

ولكن ثمة طائفة أخرى من خصوصيات أمير المؤمنين تصوغ منه أسوة وأنموذجاً بالنسبة للبشرية قاطبة تحتذي به على مر التاريخ. وإن الأسوة وسيلة ومعيار وميزان يقاس بها العمل الذي يروم الإنسان القيام به. إن هذه الأسوة لا تختص بقومٍ معينين، وهي لا تقتصر على المسلمين أيضاً، وإنكم إذ تشاهدون مدى جاذبية أمير المؤمنين (ع) على مر التاريخ إنّما بسبب هذه الخصال. لذا فحتى من لم يرتضِ الإسلام أو لم يصدِّق بإمامته (ع) يشعر في داخله بالتعظيم لهذه الخصال وينطلق لسانه مثنياً عليها شاء أم أبى. لذلك فإن هذه الخصال أمثولة الجميع؛ ونحن إذ نقيم الآن حكومة إسلامية وندَّعي الحكم العلوي فإننا نفوق سوانا إلحاحاً وحاجة لهذه الأسوة وتمسكاً بها. فإننا إذ رفعنا راية الولاية العلوية في هذه البقعة من العالم، علينا أن نرى ما هو خطابنا، وما الذي نروم تقديمه للإنسانية، وأي إطار نرسمه لإسعاد البشرية ونتمسك به ونرفعه؟ وخيرُ أسوة هنا أمير المؤمنين (ع)؛ فلا يصح المناداة باسم أمير المؤمنين عليّ وإظهار المحبة والمودة باللسان فقط، ومخالفة فعله والدرس الذي علّمنا إيّاه في قوله وعمله على صعيد العمل.

إن مسؤولية كوادر الحكومة ــ أي أنا وأمثالي ــ أشد ثقلاً، لأننا نحن الذين يجب أن نعمل ونقتفي الدرب الذي سلكه. وربما يقول البعض أين أنتم من أمير المؤمنين "ع"؟ فأين أنتم من قدرته وقوته وإيمانه وصبره وصلابته الروحية؟ وهذا الكلام ــ بطبيعة الحال ــ صائب؛ فليس منا من يرقى للمقارنة معه (ع). ولا يصح القول هو الأفضل والأرفع ونحن الأدنى، فهذه المقارنة خاطئة من الأساس؛ إذ هو "ع" في علياء الذرى ونحن نقبع في أعماق الثرى نتخبط في دوامة حولنا.

إن المسافة بعيدة جداً، ولكن من الممكن اختيار المسار؛ فعلينا أن نقترب من الهدف والغاية التي كان يستهدفها كلٌّ حسب طاقته وبما يقتضيه زمانه، ولكن بذات الدرب وذات الهدف؛ وهذه القضية على قدر من الأهمية.  

معالم الأنموذج العلوي في الحكم

لعل من الحكومات التي جاءت إلى الحكم في العالم الإسلامي على مدى اثني عشر أو ثلاثة عشر قرناً مَنْ كانوا يعظّمون اسم رسول الله (ص) ويعتبرون أنفسهم خلفاء له، وكانوا على استعداد لقتل من يقول لهم: لستم خلفاء رسول الله، لما كانوا يدّعون من خلافة رسول الله (ص)، بدءاً من خلفاء بني أمية ومروراً بخلفاء بني العباس الذين حكموا ما يقرب من خمسمائة إلى ستمائة عامٍ ومن ثمة الخلفاء الفاطميين في مصر وشمال أفريقيا وتلاهم خلفاء الدولة العثمانية الذين حكموا في آسيا الصغرى، أي تركيا الحالية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث كانت عاصمة حكومتهم فيها، فيما كانت الدول العربية الحالية بأجمعها تقريباً تخضع لحكومتهم، وكان هؤلاء جميعاً يحملون اسم الخليفة الذي يعني خليفة النبي (ص)! والبعض تجاوز بخطوة أكثر حيث كانوا يدّعون أنهم خلفاء الله قائلين نحن خلفاء الله! نوّاب الله! كان هذا لقبهم، ولكن ما كان عملهم؟ كان عملهم على شاكلة الحكومات الملكية الظالمة التي سادت الدنيا قبلهم وعاصرتهم أيضاً في مناطق أخرى، وتلتهم مثل هذه الحكومات في أرجاء العالم حتى يومنا هذا.

كان الاسم خلافة رسول الله  (ص)، بيد أن النمط والعمل والسلوك كان شيئاً آخر. مَنْ هم هؤلاء، وما الاسم الذي يليق بهم؟ إنه اسم "منافق"! أي مَنْ يدعي شيئاً، ويعد بشيء، ويرفع راية باسم شيء معين، لكنه في سلوكه وعمله ومنهجه لا يلتزم بذلك الشيء، فثمة أمر آخر وعمل آخر يتحكم بفعله وخطّه. هذا هو المنافق، فهل نُزمع أن نكون كذلك بحيث نلوّح براية الولاية العلوية والحكم العلوي والتبعية لأمير المؤمنين (ع) لكننا نساوق حكومتنا مع الأنظمة التي تتنافى تماماً مع خط علي وفكره ومنطقه؟! فمنها من يخالفه 100% وبعضها 90% والبعض الآخر 80% وترتكز في عملها على أساس آخر. لذا يتعين علينا أكثر من الآخرين التمسك بالأنموذج ومعرفته واتخاذه ملاكاً؛ فما هي معالم الأنموذج العلوي في الحكم؟ إن هذه المعالم يجب الالتزام بها. كما يتعين على الجماهير مراقبتنا؛ فإذا ما وجدتنا نلتزم بمعالم الحكم العلوي ــ بما تسعه طاقتنا ــ فلتتقبّل حينها أننا حكومة تسير في خط علي. أما إذا لمست منّا عدم الالتزام بتلك المعالم أو أننا نعمل بما يعاكسها ــ وليس الحديث هنا أننا نقل قدرةً عن علي، وإنما عدم امتلاكنا الإرادة في اقتفاء خطه ــ إذ ذاك فلترفض خطابنا ومزاعمنا ولتقُل إن هذه الحكومة ليست علوية، وليس هي من ولاية أمير المؤمنين في شيء. وهذا هو الملاك الذي لابد أن يؤخذ بنظر الاعتبار، ولكن ما هي هذه المعالم ياتُرى؟

لو أردنا إيضاح معالم حكومة أمير المؤمنين (ع) فربما يمكن الحديث عن عشر معالم مهمة، أشير إلى بعضها هنا:  

     

1 ــ الإصرار على إقامة دين الله

الأولى: التمسك التام بدين الله والإصرار على إقامته، فأيّما حكومة لا يقوم أمرها على أساس إقامة الدين فليست حكومة علوية.

في خضمّ الحرب ــ وأولئك الذين كانوا وسط الميدان أثناء فترة الدفاع الذي استمر ثماني سنوات يعرفون ما أقول ــ ووسط ذلك المعترك، حيث كان كل مقاتل وجندي يصبّ جل اهتمامه على كيفية شنّه الهجوم أو الدفاع عن نفسه، جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع)، فسأله عن قضية تخص التوحيد قائلاً: ما المراد من كلمة "أحد" في قوله تعالى {قل هو الله أحد}؟ وهذه ليست بقضية جوهرية، فهو لم يسأل عن وجود الله، وإنما سأل عن قضية ثانوية. فهمَّ به المحيطون بأمير المؤمنين (ع) قائلين: أهوَ وقت سؤال؟! فقال (ع): دعوني أُجبه، فإنما نحن نقاتل لأجل هذا؛ أي أن قتال أمير المؤمنين وسياسته ومجابهته وحرقة قلبه وكافة الخطوط الأساسية التي اختارها لحكومته كانت من أجل إقامة دين الله؛ وهذا أحد المعالم. ولو كان الأمر في النظام الإسلامي والجمهورية الإسلامية التي تتخذ من الحكم العلوي عنواناً لها، أن لا يكون الهدف إقامة دين الله؛ عَمِلَ الناس بدين الله أو لم يعملوا، آمنوا به أو لم يؤمنوا، أقيم الحق أو لم يُقم ونقول ما شأننا نحن، إذ ذاك لا تعدّ هذه الحكومة علوية؛ فإقامة دين الله هي أول المعالم، وهي أمّ سائر الخصوصيات في حياة أمير المؤمنين وحكومته، ومنها تنبثق عدالته وتعود إليها حاكمية الأمة ومداراة الناس التي تميزت بها حياة أمير المؤمنين (ع).  

     

2ــ العدالة المطلقة

الخصوصية الثانية والمعلم الثاني في حكومة أمير المؤمنين (ع) هي العدالة المطلقة؛ أي أنه لم يؤثر مصلحته الشخصية وأية سياسة تمسّ شخصه على العدالة قط؛ "والله لا أطلب النصر بالجور". فانظروا أيّ لوحة زاهرة هذه وأي بيرق سامٍ هذا؛ فلربما يقال لك إنك المنتصر في ميدان السياسة أو التنافس العلمي أو الانتخابات أو ساحة الحرب، ولكن ذلك منوط بأن تمارس الظلم؛ فأيهما تختار ياترى؟ إن أمير المؤمنين يرفض هذا النصر، ويقول لا ضير في أن أُهزم، ولكن لا أظلِم.

والمحور في كل ما سمعتموه حول أمير المؤمنين (ع) من كلام بشأن العدالة هو دعوته المطلقة للعدالة، العدالة للجميع وفي كافة الأمور؛ أي العدالة الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية والأخلاقية. وهذا معيار آخر لحكومة أمير المؤمنين (ع)، فهو لا يطيق الظلم ولا يركن إليه ولو أُهدرت مصالحه. ومن أفظع الظلم هو التمييز، سواء في تطبيق القوانين أو في تنفيذ الأحكام؛ فهذا مرفوض على الإطلاق من قبل أمير المؤمنين (ع).

ارتكب أحد أتباعه مخالفة، وكان شديداً في حبّه وماهراً في الدعوة إليه، وكثيراً ما كان يمارس الدعوة الحقّة له (ع)، فأقام أمير المؤمنين (ع) عليه الحدّ، وكان ذلك خلافاً لما يتوقعه، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا الذي أواليك وأدافع عنك. فردّ عليه (ع): نعم، ولكن هذا حكم الله. والله هو الذي يتقبل منك موالاتك لي، ولك جزيل الشكر! وهكذا أجرى الحد عليه. لكنه ردَّ: ما دام الأمر كذلك، فإنني ذاهبٌ إلى معاوية، فهو الذي يعرف قدري! فذهب.  

     

3ــ التقوى

من الخصوصيات والمعالم الأخرى لحكومة أمير المؤمنين (ع) هي التقوى؛ لاحظوا أن أياً منها بيرقاً وعلماً، فماذا تعني التقوى؟ إنها تعني تلك الشدة من المراقبة بحيث لا يحيد الإنسان عن جادة الحق في ممارساته الشخصية. وهذا ما تعنيه التقوى؛ أي أن يراقب المرء نفسه مراقبة تامّة في تداوله للأموال، في التلاعب بكرامة الناس، في الاختيار والرفض، في التحدث حيث يحتاط أن لا يقول ما يخالف الحق. تصفحوا نهج البلاغة فهو حافل بهذه المقولات. ومما يؤسف له الآن أن البعض درجوا على ارتكاب ما حلا لهم تحت طائلة أن أمير المؤمنين كان كذلك ويفعل هكذا، ما هو دليلهم ومن أين لهم هذا؟ إن أمير المؤمنين (ع) هو ذاك في نهج البلاغة، وهو ذاك في الروايات الواردة عنه وعن أولاده الطاهرين، فأين هذه الأمور التي يدعيها البعض قائلين إن علياً كان كذلك؟ كلاّ، فعلي هو ذاك في نهج البلاغة؛ طالعوا نهج البلاغة من أوله إلى آخره، فهو حافل بالحث على التقوى والدعوة إليها، وما لم يكن الإنسان تقياً فلا قدرة له على إقامة دين الله. فأسوأ المرض تلوث الباطن، فتلوث قلب الإنسان بالمعصية لا يدع للإنسان فرصة إدراك الحقيقة، ناهيك عن أن يتحرك صوبها.  

     

4 ــ الانبثاق عن إرادة الأمة

من حكومة أمير المؤمنين (ع) الانبثاق عن إرادة الأمة، إذ ليس من منطق أمير المؤمنين (ع) "التغلّب"، أي التحكم بالناس عن طريق الغلبة والقهر، فبالرغم من علمه بأنه على حق تنحّى جانباً حتى جاءه الناس مصرّين معاهدين، ولعلهم بكوا ملتمسين إياه أن يمسك بزمام أمورهم، حينها نهض الإمام وأمسك بزمام أمور الأمة، وهو القائل: "لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لألقيتُ حبلها على غاربها..."، فلا يستهوي أمير المؤمنين الإمساك بالسلطة وممارسة قدرته، فحب السلطة إنما يستهوي أولئك الذين يريدون إرضاء رغباتهم وأهوائهم النفسية، وليس أمير المؤمنين الذي يسعى لأداء التكليف الشرعي وإقامة الحق. ولقد استودعته الأمة السلطة فاستلمها وحافظ عليها بكل اقتدار، ولم يحابِ أولئك الذين انبروا لمناهضة سلطته الإسلامية ومناوئة حكومته الإسلامية؛ فليكونوا من صحابة رسول الله (ص) ومن الوجهاء وذوي السابقة بالجهاد في سبيل الإسلام، فماداموا قد انبروا لمناهضة الحق ومناوئته فلابد من التصدي لهم بكل اقتدار. وتصدى (ع) لهم! وعلى هذا المنوال كانت معاركه الثلاث. وهذه ميزة الحكومة الصالحة.  

 

علينا الالتزام بهذه المعالم

إننا اليوم، إن كنا جمهورية إسلامية وحكومة علوية، فعلينا الالتزام بهذه المعالم. وعليكم أنتم أيها الشعب أن تطالبونا بها؛ أن تطالبوا بإقامة دين الله، ولئن عطفنا أنظارنا إلى الشرق والغرب لننظر ما يطرحون من مفاهيم حكومية وسياسية وما يصرحون به ونحاول أقلمة أنفسنا معهم فإنما ذلك نظير خلافة العثمانيين وبني أمية وبني العباس، فلقد كانوا يسمّون خلفاء رسول الله ويحملون لقب الحاكم الإسلامي، بيد أن ديدنهم وممارستهم كانت كحكومة كسروية وقيصرية وحكومة الملوك، إذ فعلوا ما كان يفعل أولئك.

أيصحّ  أن نسمى حكومة علوية وإسلامية ونحن نتجه نحو رأسمالية الغرب وصوب الحكومة التي يديرها الرأسماليون وأرباب الشركات وأبشع الظلمة والجائرين في العالم؟! إنه النفاق بعينه إذ نرفع راية تحمل عنواناً معيناً ثم نتوجه في ظلها صوب أمور أخرى! يتعين على كافة كوادر الحكومة في النظام الإسلامي الآن من أعلاهم إلى أدناهم، بدءاً من القائد ــ الذي هو خادم الجميع ــ ومروراً برئيس الجمهورية والوزراء والمسؤولين القضائيين ونواب الشعب في مجلس الشورى وحتى سائر المسؤولين في أكناف البلاد، أن تنصبّ همتهم على إقامة دين الله وإحياء العدالة وإزالة التمييز في تطبيق القوانين، وأن يصبح جلّ اهتمامهم بالطبقة المحرومة والمستضعفة والفقيرة كما كان أمير المؤمنين (ع)، وليتخذوا من التقوى شعاراً شخصياً وعامّاً لهم؛ فهذه هي مسؤوليتنا، سواءً ارتضت الدنيا هذا النمط من الحكم أم لم ترتضيه، فذلك ممّا لا يعدّ ملاكاً بالنسبة لنا، فهذا هو المسار والاتجاه. وبطبيعة الحال فإن الزمان يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، والعلاقات الإنسانية تزداد صعوبة وتعقيداً يوماً فيوماً، وتطبيق العدالة وإقامة الحق ليس بالأمر الهيِّن، بيد أن الهدف هو هذا، وهو أن تُسعد الجماهير وتوفر السعادة لأبناء الشعب ويُقضى على الفقر والتمييز ويُستأصل الفساد من المجتمع، وإلاّ فإن حكومات الجور في العالم تتشدق بحقوق الإنسان لكنها تقترف أبشع الممارسات ضد حقوق الإنسان.

إنهم يهاجمون العراق بذريعة استخدامه للسلاح الكيماوي، في حين أنهم هم الذين زوّدوه به، وهم الذين شجعوه! لقد أطبقوا عيونهم حينما استخدم السلاح الكيماوي وقتذاك! أهؤلاء عدول؟! أهؤلاء دعاة حقوق الإنسان؟! أهؤلاء يفهمون عن الإنسانية شيئاً؟! إنهم يريدون إحراق الدنيا تحت شعار مكافحة الإرهاب. فها هي أبشع صنوف الإرهاب وأكثرها مأساوية ترتكب داخل الأراضي الفلسطينية المقدسة دون أن يبدي هؤلاء انزعاجهم، بل يشجعونها ويؤيدونها ويرون ضرورتها!! أَهذهِ حكومات بحيث يقلّدها الإنسان؟! إن هذه وقائع تحصل الآن تحت شعار الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان والحرية، ونحن إذا ما احتذينا بهؤلاء وتشبثنا بذات المفاهيم فماذا سنصنع حينها!؟ سنرتكب الظلم مثلهم ونتشدق باسم العدالة! فهل يعني ذلك شيئاً سوى النفاق؟! إن البشرية تئنّ اليوم من تمييز فظيعٍ وتتلوى من ظلم هائل يُمارسه هؤلاء الجبابرة وهم يلوّحون بلواء حقوق الإنسان! إنه نفاق محض. أعلينا أن نقلِّد هؤلاء؟! أيجب الانحناء أمام هؤلاء وتلاقف مفاهيمهم وإحلالها بدلاً عن المفاهيم العلوية والإسلامية؟! كلا، فهذه حماقة.  

     

طريق الصواب لمن يشايع أمير المؤمنين (ع)

إن طريق الصواب لمن يشايع أمير المؤمنين (ع) هو أن يضع نصب عينيه معالم الحكومة العلوية بالمقدار الذي يقوى ويقدر عليه، ويلتزم بما يستدعيه الوضع والظروف الدولية ــ فلعصر التصنيع والصناعات المعقدة والأساليب التقنية والخارقة في تطورها متطلباتها ــ كي لا ينحرف مساره قيد أنملة، حينها يغدو الإنسان متسامياً، والحاكم علوياً، والمجتمع مقتدراً صلباً، ينطق أبناؤه بالصدق ويسمعون من مسؤوليهم الصدق، فيعملون بما يعدون به وما يصرحون به وما يرفعونه كلواء، ولا يكونون ممّن تقصدهم الآية {لِمَ تقولون مالا تفعلون}. وهذا هو المنهج السليم، وهو ممكنٌ ببركة أمير المؤمنين (ع).

إنني أدّعي أننا استطعنا ــ وبمستوى الطاقة المعقولة لضعفاء الناس من أمثالنا، وبالرغم من العداء العالمي لنا ــ أن نختطّ هذا الدرب ونقدِّم هذه المعالم أمام الدنيا؛ والسبب في الجاذبية التي يتمتع بها الاسم المبارك للإمام الخميني (رضوان الله عليه) واسم الجمهورية الإسلامية في العالم اليوم هو أننا استطعنا تجسيد هذه المعالم في مسيرة الحكومة الإسلامية. وبطبيعة الحال فإن هناك من يضايق ويناوئ ويؤذي، غير أن السبيل الوحيد لمواجهة هذه المضايقات والإيذاء والعراقيل هو الاستقامة والثبات، ولقد صمد الشعب الإيراني والحمد لله ولاسيما شبابنا ذوي العزيمة والإيمان، ونحن صامدون كذلك بفضل الله، ولن تستطيع الأعاصير الدولية والدعايات المضللة من أن تجعلنا نركع لمآربهم. إنهم يريدون أن يستسلم نظامنا لمآربهم كالأنظمة العميلة ويمهد الطريق لممارسة السلطة الدكتاتورية العالمية من قبل أمريكا ونظائرها.

نبتهل إلى الله تعالى أن يمنّ على هذا الشعب العزيز بمزيد الاقتراب من الأهداف العلوية ببركة الروح الطاهرة لأمير المؤمنين (ع) وحقه ومنزلته الرفيعة، وعلى حكومتنا باضطراد الاقتراب من الحكومة العلوية، ويجعلكم والشعب الإيراني كافة ــ إن شاء الله ــ ممن  تشملهم أدعية بقية الله "أرواحنا فداه" ويجعلنا من جنوده في حضوره وغيبته.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته