|
الموضوع: الإمام الخميني (قده)
والثورة الإسلامية
المناسبة: الذكرى السنوية الثالثة عشرة لرحيل الإمام (قده)
الزمان والمكان: 22 ربيع
الأول 1423هـ الموافق 3-6-2002 م ـ طهران (حرم الإمام الخميني "قده")
الحضور: جموع غفيرة من أبناء حزب الله
أجواء
الكلمة
تعتبر ذكرى رحيل الإمام الخميني (قدس سره الشريف)
فرصة للشعوب المسلمة لكي تجدد محبتها ومودتها واحترامها للإمام العزيز والعظيم،
وكذلك فرصة للقلوب الوالهة بالإمام ومبادئه كي تعبّر عن وفائها لمبادئ الإمام
وخطه والأهداف التي رسمها. هذه المبادئ التي انبرى الإمام (قده) لبيانها
للجماهير، وأرسى على أساسها نظام الجمهورية الإسلامية فتجددت آمال المسلمين في
ربوع العالم الإسلامي ووضعت الأجيال الناهضة في البلدان الإسلامية هذا المعلم
الزاخر بالأمل نصب أعينها.
سماحة ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي (دام ظله)،
أكّد في خطابه بالجماهير بمناسبة هذه الذكرى في حرم الإمام الخميني، أن أصول
الثورة وخطوطها الأساسية التي رسمها الإمام الراحل (قده) وأطّرها بإتقان ودقة
ووضوح لا تقبل التغيير، ودعا الجميع إلى التمسك بهذه الأصول في كل الأحوال.
العناوين الرئيسية في خطاب سماحته:
ــ الإمام والثورة
ــ ميزة الثورة الإسلامية
ــ مبادئ الإمام هي مبادئ الإسلام
ــ أصول الثورة الأساسية لا يطالها التغيير
ــ لا جدوى من التهديدات
ــ العلاج الناجع لمواجهة التهديدات الأمريكية
ــ استقرار الجهاد الفلسطيني حول محوره الصحيح
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين
المعصومين سيما بقية الله في الارضين.
أتقدم بجزيل الشكر والتقدير لكم أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء حيث طويتم
المسافات البعيدة وشاركتم في هذا الاجتماع العظيم الغني في معناه.
إن مناسبة ذكرى رحيل الإمام "رضوان الله تعالى عليه" تمثل فرصة للشعب الإيراني
لكي يجدد محبته ومودته واحترامه للإمام العزيز والعظيم، وكذلك فرصة للقلوب
الوالهة بالإمام ومبادئه وهداه كي تعبّر عن وفائها لمبادئ الإمام وخطه والأهداف
التي رسمها؛ ولهذا فإن يوم الرابع عشر من خرداد [6 يونيو] في كل عام يتمتع
بخصوصية متميزة في أنظار المحلّلين السياسيين في العالم.
واليوم فإن الجماهير في كافة أرجاء الوطن تُبدي ذات الحماس والاندفاع والإخلاص
والمودة والمحبة التي لوحظت دائماً لدى الشعب الإيراني إزاء إمامنا العظيم.
الإمام والثورة
في هذه المناسبة سأتحدث عن الإمام والثورة العملاقة والفريدة التي أرساها
كالطود في هذا العالم وهذا التاريخ المعاصر. وفي الحقيقة ليس ثمة فارق فيما بين
الحديث عن الإمام والحديث عن الثورة؛ فرغم أن إمامنا العظيم كان شخصية بارزة
ومرموقة في جوانب متعددة؛ فلقد كان عالماً فذاً، فقيهاً له مدرسته، فيلسوفاً
مرموقاً، سياسياً ومصلحاً اجتماعياً عملاقاً، وقد كان من الناحية الروحية ذا
مناقب ومزايا راقية قلَّ نظريها، وهذه بأجمعها هي التي ترفع من شخصية الإمام في
أنظار أهل زمانه والأزمنة اللاحقة، بيد أن شخصية إمامنا العظيم لا تنحصر في هذه
الخصوصيات المرموقة ولا تقتصر على هذه الخصال، فثمة بعدٌ آخر في شخصيته عبارة
عن المبادئ والخطوط الواضحة التي أرساها في هذا البلد وفي هذه المنطقة على
مرأىً من شعوب العالم، وعلى أساسها أقام نظاماً سياسياً واجتماعياً وأحيا بها
آمالاً كبيرة في قلوب مستضعفي العالم والأمة الإسلامية؛ فشخصية الإمام ليست
بمعزلٍ عن مبادئه الأساسية، وفي الحقيقة فإن هوية ثورتنا وأصولها تشكّل الخطوط
البارزة لشخصية الإمام أيضاً، وكلّما تحدثنا عن الثورة فإنما نتحدث عن الإمام
في واقع الأمر.
ميزة الثورة الإسلامية
إن ميزة الثورة الإسلامية العملاقة، التي جعلت منها ظاهرة فريدة على مر القرون
الأخيرة في أنظار المراقبين والخبراء، لم تكن قد شوهدت من قبلُ في أيِّ من
الثورات الكبرى في العالم، لا في الثورة الفرنسية، ولا في الثورة الشيوعية
السوفيتية، ولا في الثورات الصغرى التي كانت تتحرك تبعاً لهاتين الثورتين وعلى
خطاهما. فعليكم أن تعرفوا أنّ دأب سياسات الهيمنة قد تركّز ومازال على تمييع
الحركات الشعبية الناشدة للعدالة في شتى بقاع العالم في بوتقتها السياسية
والثقافية، وهي في الواقع إنما تقضي على هوية هذه الحركات؛ وهذا ما حصل في
إيران أيضاً؛ فالحركة الناشدة للعدالة التي انطلقت في إطار الحركة الدستورية
بإيران قبل مئة عامٍ كانت حركة شعبية ودينية، فقام الخط السياسي المهيمن على
العالم يومذاك ــ أي الانجليز ــ بتذويب هذه الحركة القائمة على المبادئ
الإسلامية في بوتقته السياسية والثقافية ومسخها وتحويلها إلى حركة دستورية على
الطراز الانجليزي، فكانت عاقبة ذلك أنْ آلت الحركة الدستورية ــ وهي حركة
مناهضة للاستبداد ــ إلى قيام دكتاتورية رضا خان التي فاقت دكتاتورية
القاجاريين سوءاً وشقاءً وقساوةً.
وهكذا شأن حركة تأميم النفط التي التحقت على أيدي القائمين عليها بليبرالية
أمريكا، فأضحت النتيجة أنْ غدر الأمريكيون أنفسهم بنهضة التأميم وتواطأوا مع
الإنجليز الذين كانوا يمثلون الجهة التي تقف بوجه النهضة الناشدة للعدالة في
إيران، وقضوا على حركة التأميم.. وعلى أثرها ألقت دكتاتورية محمد رضا القاسية
والسوداء بظلالها الثقيلة على هذا البلد وهذا الشعب معرّضةً إيّاه للضغوط على
مدى بضعٍ وثلاثين سنة. فيما صودرت الثورات الناشدة للعدالة لشعوب آسيا وأفريقيا
التي دامت عشرات السنين من قبل الشيوعيين وسياسة الهيمنة للاتحاد السوفيتي
السابق، وانتهت إلى الدكتاتوريات التي كانت تعمل لصالح الاتحاد السوفيتي. هذا
هو المنهج المتبع عالمياً مع الحركات الشعبية التي تنشد العدالة.
كانت براعة إمامنا العظيم في أنه وضع إطاراً متماسكاً لهذه الثورة ولم يسمح
بذوبانها في بوتقة القوى والخطوط السياسية السلطوية، فكان مغزى شعار "لا شرقية
لا غربية جمهورية إسلامية" أو شعار "استقلال حرية جمهورية إسلامية" ــ اللذين
رسمتهما تعاليم الإمام وإرشاداته على شفاه الجماهير ــ أنّ هذه الثورة ترتكز
إلى أصول ثابتة وصلبة لا صلة لها بالمبادئ الاشتراكية في المعسكر الشرقي يومذاك
ولا بأصول الرأسمالية الليبرالية للمعسكر الغربي. وهذا هو السبب في ما أبداه
الشرق والغرب من عداء وتزمّت إزاء هذه الثورة.
لقد أقيمت هذه الثورة على قواعد صلبة، فجعلت من تطبيق العدالة والحرية
والاستقلال ــ وهي من أهم القيم بالنسبة للشعوب ــ ومن المعنويات والأخلاق
غايتها. هذه الثورة مزيج من الدعوة للعدالة والتحرر وحاكمية الشعب والمعنويات
والأخلاق، ولكن ينبغي عدم الخلط بين هذه العدالة وبين العدالة المزعومة الوهمية
التي كان شيوعيو الاتحاد السوفيتي السابق أو الدول التي كانت تدور في فلكه
يرفعون شعارها؛ فهذه عدالة إسلامية لها تعريفها الخاص بها، وكذا ينبغي عدم
التشبيه بين الحرية في نظام الجمهورية الإسلامية وحرية الغرب بما تعنيه من
إطلاق عنان السلطويين والأثرياء ومن تحلل في سلوكيات البشر وأفعالهم؛ فهذه حرية
إسلامية تنطوي على حرية اجتماعية ومعنوية وفردية لها قيودها وإدراكها وهديها
ومفهومها الإسلامي. كما ينبغي عدم الخلط بين المعنويات والأخلاق التي جعلتها
الجمهورية الإسلامية من مبادئها وبين حالات التديّن المتحجر الخالي من المنطق
والجامد الذي يسود الكثير من المجتمعات، وهو تديّن قشري يطفو على اللسان فقط
ويشوبه الجمود وعدم تلمّس طريق السعادة للمجتمع والإنسان. فقيد "الإسلامية" هذا
الذي يأتي بعد العدالة والحرية والمعنويات ثرّ في مغزاه، ولابد من العناية به.
هذه المبادئ انبرى الإمام لبيانها أمام الجماهير والواعين قبل انتصار الثورة،
وعلى أساسها أرسى الجمهورية الإسلامية بعد انتصار الثورة، وظلّ متمسكاً بهذه
المبادئ وجاهد من أجلها مادام على قيد الحياة.
ولهذا فقد استطاعت الجمهورية الإسلامية كظاهرة عصرية فريدة إحياءَ الآمال في
قلوب المسلمين، حيث أدرك الجميع في أرجاء العالم الإسلامي وخارجه أنها ليست
نسخة تقليدية لما كانوا سمعوا من شعارات أطلقتها الألسن المتزلزلة لأنظمة الشرق
أو الغرب، بل هي ظاهرة عصرية تتميز بحيويتها واقتدارها وحداثة حركتها. وعليه
فمع قيام الجمهورية الإسلامية تجددت الحركة والآمال في نفوس المسلمين في ربوع
العالم الإسلامي. وهكذا في الوقت الحاضر؛ فالأمل الذي أحياه النظام الإسلامي في
قلوب المسلمين مايزال حياً بالرغم من السموم والعراقيل التي تفتعلها أبواق
الدعاية الاستكبارية ضد الجمهورية الإسلامية على الصعيد العالمي، وقد وضع
المثقفون المسلمون والشبيبة المسلمة والأجيال الناهضة في البلدان الإسلامية هذا
المعْلَم اللاحب الزاخر بالأمل نصب أعينهم.
إنّ الغاية من كل هذه المحاولات التي تبذلها مراكز الهيمنة الدولية والسياسات
الاستكبارية ــ وعلى رأسها أمريكا ــ ضد الجمهورية الإسلامية هي أنهم يحاولون
القضاء على هذه الجهود وهذا المنهل لعلمهم بعجزهم عن بثّ روح اليأس لدى شعوب
العالم التي تنشد العدالة والحق مادام هذا النبع متدفقاً ومادام مهد هذا الفكر
حياً، لذا فإنهم يسعون للقيام بأحد أمرين: إمّا القضاء على هذا النبع قضاءً
كلياً، وإمّا السعي لاستلاب ماهيّة الجمهورية الإسلامية.. ولعلمهم بتعذّر الأول
في ظل وعي الشعب ويقظته، فإنهم يقومون باستبدال التوجهات وتشويه المفاهيم التي
تعدّ من مسلّمات وبيّنات الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية، وإن بقيت
محافظة على ظاهرها.
إنهم مافتئوا يروّجون على الصعيد العالمي أن الجمهورية الإسلامية تسير نحو
الضعف والزوال يوماً بعد يوم، وهذا من الدعايات الدائمية لأعداء هذه الثورة
وهذا النظام؛ ولعلّ من السذّج مَنْ يصدقها، وربما تدخل هذه الدعايات الفتور
والحزن والأسى لدى بعض الأصدقاء في أرجاء المعمورة، وتدخل السرور على الأعداء،
لكن ذلك ليس نبوءَة تاريخية ولا هو تكهن علمي بل هو مؤامرة إعلامية؛ فإذا كانت
الثورة الإسلامية قد أصابها الضعف والهرم والعجز فلماذا ينفقون المليارات
لمواجهتها؟! وإذا كانت الثورة الإسلامية قد لفظت أنفاسها فلماذا تلقي أمريكا
بكل ثقلها السياسي والإعلامي في ساحة المواجهة مع هذه الثورة وتزداد عنجهية في
منطقها يوماً بعد يوم؟! كلا، فهذه الثورة حيّة وعارمة وماضية إلى الأمام، وكذلك
مازالت حركة الثورة وخطوطها الأساسية حيّة.
مبادئ الإمام هي مبادئ الإسلام
سأتطرق إلى ما ينبغي للشعب الإيراني معرفته ــ وقد أثبت معرفته به على مدى
السنوات الثلاث والعشرين الماضية والحمد لله ــ، وكذلك سأتطرق إلى ما ينبغي
لأعداء هذه الثورة وهذا الشعب معرفته:
فما يعلمه شعبنا وعليه التمسك به جيداً ــ وقد تمسك به لحد الآن والحمد لله ــ
هو أن خلاص هذا البلد وبلوغه المستوى الذي يجدر بهذا الشعب إنّما يتيسر في ظل
الإسلام والجمهورية الإسلامية والنظام الإسلامي وحسب؛ وليعلم الشباب الذين لم
يُدركوا مرحلة انتصار الثورة ولم تُبصر أعينهم سنوات ما قبل الانتصار أنه لولا
الثورة الإسلامية وإمامنا العظيم ولو لم يرفع الإسلام راية الثورة والتغيير في
هذا البلد لما كان هنالك أمل في استئصال السلطة الجهنمية للامتهان الأمريكي
والحكومة الدكتاتورية البهلوية القاسية عن هذا البلد؛ فلقد جرى اختبار كافة
السبل في وطننا ففشلت وأخفقت بأجمعها؛ ففي فترة من الزمن أطلّت مختلف الأحزاب
السياسية والتيارات الموالية للشرق والغرب والحركات المسلحة برأسها داخل
البلاد، لكن أيّاً منها لم يفلح في تقديم شيء لهذا الشعب؛ لذلك فقد ازداد القمع
والاضطهاد وطأةً في الوطن، حتى إن الشباب عندما أقدموا على الكفاح المسلح جرى
قمع تلك الحركات المسلحة بشدّة، وتفاقمت هيمنة النظام البهلوي، فاستحوذ اليأس
على القلوب شيئاً فشيئاً؛ والشعب هو القوة التي كان بمقدورها الوقوف بوجه
النظام البهلوي بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ أي كان على الشعب بأسره النزول إلى
الساحة كي يفلح في دحر النظام البهلوي الفاسد العميل الدكتاتوري والجائر ومن
خلفه أمريكا؛ ولم يكن ثمة محفل أو مركز في إيران له القدرة على تعبئة الشعب سوى
علماء الدين وحاملي رايته عبر رفعهم لشعار الدين، وهذه تجربة طويلة شهدها
بلدنا، يجب التمعن بها بعين الدقة.
فعلى صعيد الحركة الدستورية، لولا العلماء لما قامت هذه الحركة ولا قدّر لها
بلوغ النصر؛ وحينما أقصى المتغربون وصنائع الإنجليز في إيران علماء الدين
والشعارات الدينية عادت هيمنة الاستبداد والتسلط والنفوذ الأجنبي. وكذا الحال
في حركة تأميم النفط، إذ كان للشعب حضوره في الساحة مادام علماء الدين وسط
الميدان ــ حيث كان المرحوم آية الله الكاشاني من أبرز محاور الكفاح ــ ولكن
حينما سحبت يد عالم خبير وواعٍ وشجاع نظير المرحوم الكاشاني، بسبب سوء التصرف
وشذوذ الطبائع وحبّ التفرّد، انسحبت الجماهير أيضاً وبقي قادة الحركة الوطنية
لوحدهم، فصنع العدو معهم ما يحلو له.
طالما نزل الشعب في إيران إلى الساحة بنداءٍ من الدين، ففي ظلاله وجد العدالة،
وحيثما كان العلماء الطليعة في أي تطورٍ لم يتخلَّ عنهم الشعب وذلك لثقته بهم؛
ولذا فحينما اقتحم إمامنا العظيم الميدانَ كمرجعٍ وعالم دين، وإنسانٍ مجرَّب،
طاهر صادق راسخ العزيمة، وتبعه العلماء في اقتحام الميدان، نزلَ الشعب بأسره
إلى الساحة ولم يعد بمقدور العدو المقاومة.. يومذاك نجح الحضور الجماهيري في
استئصال جذور الاستبداد من الوطن.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن الاستبداد في بلادنا كان على الدوام معتمداً
على مساندة القوى السلطوية الأجنبية؛ فاستبداد الحكم البهلوي ودكتاتوريته
وطغيانه، ومن قبله الحكم القاجاري بأسلوب آخر، إنّما قام بسبب اعتماده على
القوى الأجنبية؛ فرضا خان كان معتمداً على الإنجليز، ومحمد رضا كان في البداية
معتمداً على الانجليز ومن ثم اعتمد على أمريكا، فكان يضمن للأمريكان مصالحهم
ونفوذهم، وهم يقومون أيضاً بحمايته، وكانوا يفعلون بهذا البلد ما يشاؤون،
فأخضعوا الشعب لوطأة الاضطهاد خمسين عاماً؛ وأوقفوا عجلة تطوره العلمي والصناعي
والثقافي والأخلاقي في مرحلة كانت المثلى من بين المراحل وأكثرها نضجاً لبلوغ
هذا التطور على الصعيد الدولي، وأبقوا على هذا الشعب وهذا البلد متخلفاً، وكان
جلّ همّهم في حياة الدعة والرفاهية وجمع الثروات وتقديم الخدمة لأسيادهم
الأجانب، وهؤلاء إنّما استتبّ لهم الأمر بشكل تام في إيران عبر اعتمادهم على
القوى الأجنبية، ولم يكن شأن أيّ كان اجتثاثهم وتحطيم هذا البناء الأعوج الضار
المليء باللعنة والبغضاء والشؤم؛ فأطلّ الإمام العظيم حاملاً راية الهدى
الإسلامية.. ولذا فإن مبادئ الإمام هي مبادئ الإسلام، وعدالته عدالة الإسلامية،
وحاكمية الشعب التي جاء بها هي حاكمية الشعب الإسلامية.
من أنكى الاجحاف بحق إمامنا العظيم ونظامنا الإسلامي هو اتهام وسائل الدعاية
الاجنبية للإمام والنظام الإسلامي والجمهورية الإسلامية بالاستبداد والبعد عن
حاكمية الشعب.. فإنه لمّا انتصرت هذه الثورة بما هي عليه من عظمة وقوة في
إيران، أجري أول استفتاء شعبي على يدي الإمام مما لا سابقة له في أي ثورة؛
فانظروا أن أي انقلاب أو أدنى تغيير يحدث في أي بلد يؤدي إلى تأخير الانتخابات
سنتين أو ثلاث.. وفي بلدنا لم تكن للجماهير معرفة بصناديق الاقتراع، إذ كانت
الانتخابات التي جرت في عهد النظام الطاغوتي صورية وكاذبة، فلم تتوجه الجماهير
نحو صناديق الاقتراع كي تدلي بصوتها بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكل من أرادوا
إدخاله للمجلس العميل جاؤوا به من خارج صناديق التصويت.. فيما دفع الإمام
بالجماهير نحو صناديق الاقتراع بعد شهرين من انتصار الثورة فصوّتوا لصالح
الجمهورية الإسلامية، وفي غضون عام واحد توجه الشعب خمس مرات نحو صناديق
الاقتراع، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة مضت على عمر الثورة توجه أبناء شعبنا
ثلاثاً وعشرين مرة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس الشورى الإسلامي
وأعضاء مجلس الخبراء ورئيس الجمهورية وأعضاء المجالس البلدية وكذلك لتعيين
الدستور ونظام الجمهورية الإسلامية؛ فأي نظام ــ وإن كان ديمقراطياً بظاهره ــ
يعوّل بهذا الحجم على إرادة الشعب ورأيه؟ إن أعداء هذه الثورة والشعب الصلفين
الوقحين يقترفون هذا الاجحاف ويتهمون الثورة والنظام ومهندسهما ومؤسسهما العظيم
برفض حاكمية الشعب!
أصول الثورة الأساسية لا يطالها التغيير
إن حاكمية الشعب في النظام الإسلامي هي حاكمية الشعب الدينية، أي المرتكزة على
رأي الإسلام، وهي ليست عقداً عرفياً، بل من صلب الرؤية الإسلامية الرجوع إلى
رأي الأمة وإرادتها حيثما اقتضى الرجوع، ولذا فهي تبلور التزاماً إسلامياً،
وليس على غرار الدول الديمقراطية حيث تلتزم بعقد عرفي يسهل نكثه؛ فحاكمية الشعب
في نظام الجمهورية الإسلامية تكليف ديني، والمسؤولون يقيدهم تعهد ديني في
الحفاظ على هذه الخصيصة ويتعين عليهم تقديم الجواب عنه أمام الله سبحانه
وتعالى. وهذا مبدأ كبير من مبادئ إمامنا العظيم.
ومن مبادئ النظام الإسلامي العدالة الاجتماعية وإقرارها، واحترام حقوق جماهير
الشعب العريضة وتقليص التمايز الطبقي، كما أن مكافحة الفساد الإداري والاقتصادي
وسوء استغلال الإمكانيات التي توفرها السلطة للأفراد ــ سواء كان الاستغلال
مادياً أو سياسياً ــ تعتبر من أصول الثورة التي يجب الالتزام بها، وكذا إسداء
الخدمة للجماهير والمحافظة على استقلال البلاد على كافة الأصعدة والتصدي لتغلغل
الأعداء ونفوذهم، تعتبر من أصول الثورة التي لا تقبل التغيير؛ فأصول الثورة
وخطوطها الأساسية لا يطالها التغيير، ومظهرها جميعاً دستورنا الرفيع.
وبطبيعة الحال بوسع الحكومات والمسؤولين انتقاء خطط ومناهج متعددة لتطبيق هذه
الأصول في مختلف المراحل، فأساس الثورة كإسلام يقوم على أحكام ثابتة وأخرى
متغيرة؛ فثمة مجموعة من الأحكام لا تقبل التغيير وأخرى تتغير بتغيّر الظروف؛
وهكذا الثورة إذ إن الاجتهاد ميزة تتيح أمام المسؤول إمكانية اتخاذ المناهج
والسبل والخطط السليمة بما تقتضيه الظروف، وبطبيعة الحال فإن اختيار الأسلوب أو
الاجتهاد غايته العثور على منهج جديد ومناسب، وهو ليس كبدعة الجاهل ودعوة إعادة
النظر، بل هو شأن من يمتلك القابلية على الاجتهاد في هذا المضمار. وفي ضوء هذا
تأتي رسالة الاجتهاد والمجتهد في النظام الإسلامي؛ ونحن إذ نتمسك من ناحية
بالأصول، نرفض التحجر والجمود على الثورة بدعوى التمسك بالأصول، فثمّة أصولية
قائمة لكنها ليست تحجراً ولا تزمّتاً ولا جهلاً بتبدّل الظروف، ومن ناحية أخرى
ينبغي عدم السماح للبدع ودعوات إعادة النظر بالنشاط والتحرك الضار المدمر
بذريعة الاجتهاد والتغيير.
هذا هو الخط اللاحب لإمامنا العظيم.. وعليه فأصولنا ثابتة ومن بينها: العدالة،
وحاكمية الشعب، والاستقلال، والدفاع عن حقوق الشعب على كافة الأصعدة، والدفاع
عن حقوق المسلمين وعن كل مظلوم في أية بقعة في العالم، ومكافحة الفساد والظلم
والغطرسة؛ وهذه لا تقبل التغيير، بيد أن اختلافاً في الأساليب ربما يطرأ تبعاً
لاختلاف الأوضاع والظروف.
لقد رسم الإمام مبادئ الثورة وأطرها بإتقانٍ ودقّة ووضوح لئلا تستطيع القوى
السلطوية في العالم هضم هذه الثورة في ماكنتها الثقافية والقضاء عليها كسائر
التغييرات السياسية؛ فما يجدر بشعبنا معرفته والتمسك به هو هذه الأصول الثابتة،
وربّما يتبيّن عجز الوزارات أو مجلس الشورى أو السلطة القضائية في مجالات شتى
ولا يتحقق هدف ومرام الثورة والنظام الإسلامي، لكن هذا العجز راجع للمتصدين
والمنفّذ ين، غير أن أعداء النظام يلصقون بالنظام ما يطرأ من ضعف في أي من
الأجهزة وللأسف.
إن النظام يقوم على قواعد محكمة وخطوط واضحة، وإن الاستدلال والمنطق الذي يدعم
المفاصل الرئيسة للنظام ممّا يتعذر التشكيك به، وعلى المسؤولين والمتصدين في
مختلف قطاعات النظام الإسلامي ــ في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية
أو في القوات المسلحة وكل من تصدى للعمل في أي مرفق ــ علاج حالة الضعف لديهم،
وإن طريق بلوغ هذا الشعب السعادة يكمن في تطبيق المبادئ التي اختطّها الإمام
العظيم وجرى تثبيتها في الدستور وأعلن الشعب وفاءه لها مرات ومرات؛ ولقد اتّضح
أن العدو إنّما يناهض هذه المبادئ وكل ما يوصد الأبواب بوجه نفوذه؛ والعدو يسعى
للتسلّل من منافذ عديدة، وما على الشعب الإيراني وبالذات المسؤولين إلاّ التحلي
بالوعي، وقد أثبت شعبنا العزيز وعيه على مر هذه السنين والتزامه بهذا الأمر
والحمد لله.
لا جدوى من التهديدات
أمّا ما ينبغي للعدو أن يعرفه فهو عدم إمكانية تركيع الشعب الإيراني عبر
العربدة واستخدام منطق القوة والغطرسة، وما هو مسلّم وواضح لدى شعبنا هو أن
أيّة هيمنة خارجية تفرض على هذا البلد إنّما تهدّد سعادته في الدين والدنيا
وتفرض عليه الذلّة والمهانة، وإن أمريكا اليوم تخاطب الدنيا ــ ولا تخاطبنا
لوحدنا ــ بمنطق العنجهية وتتحدث عن الحرب سعياً لبسط نفوذها وسلطتها على
العالم، وإن أي أمّة أو حكومة تتزعزع أمام هذا المنطق وهذه الطريقة من التعامل
وتستسلم له فإنّما تكون قد حفرت قبرها بيديها وأقدمت على ما يضرها.
إن النظام الأمريكي يرى من حقّه اليوم مخاطبة الشعوب والحكومات بمنطق القوة،
وإنكم تشاهدون امتهانه للحكومات العربية وممارسته الضغوط على الشعوب العربية
واستخدامه ما وسعه مقدماً دعمه العملي المتواصل للكيان الصهيوني الغاصب في
مقابل الأمة الإسلامية والأمة العربية ويسعى لتوسيع رقعة نفوذه؛ وهذه ظاهرة
تثير الاشمئزاز على الصعيد العالمي، لذلك فإن أمريكا تزداد الكراهية لها يوماً
بعد يوم في العالم، وخلال الجولة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأمريكي في
أوربا خرجت مسيرات ضمت عشرات الآلاف في المدن الأوربية تندد بالرئيس الأمريكي
ممّا لا مثيل ولا سابقة له. فما يعني ذلك؟! والنظام الأمريكي ــ حسب
استطلاعاتهم أنفسهم ــ أكثر الأنظمة كراهية في العالم الإسلامي، وقد اتّضح الآن
أن هذه الكراهية لا تقتصر على المسلمين، ففي روسيا ومختلف البلدان الأوربية
أخذت الكراهية تزداد يوماً بعد يوم إزاء النظام الأمريكي وأقطابه، فما الذي
يحاول هؤلاء القيام به مع وجود هذا البغض الشعبي العارم؟!
إن شعبنا شعب عزيز يعتز باستقلاله وعزته وكرامته ويرفض التحقير والامتهان من
قبل أيّ كان. وليس لأيّ نظام في العالم توجيه الإهانة والتحقير للشعب الإيراني
بسبب مواقفه المستقلة.
إن التهديد لا جدوى منه رغم عنجهية العدو، فلم ترعَ أمريكا أيَّ بعد إنساني
خلال عملياتها في أفغانستان؛ فلقد جاء هؤلاء ــ الأمريكان ــ لمقاتلة فئة أو
جماعة بل لقتال أفراد قلائل في البلد الفقير المظلوم أفغانستان، لكنهم لم
يعثروا عليهم فأخذوا بقصف الكثير من المظلومين وقتلهم؛ فهم بذلك عنجهيون، غير
أن هذه الممارسات العنجهية لا تقوى على البلوغ بأمريكا إلى أهدافها ونيل
النجاح، ومن المسلّم به أنها ستتلقى صفعة قوية إذا ما صمدت الشعوب واستقامت.
العلاج الناجع لمواجهة التهديدات الأمريكية
وإني أقولها لشعبنا العزيز ومسؤولي البلاد والتيارات السياسية إن ما يقوى على
الوقوف بوجه الهجمة الأمريكية الوقحة هو الوحدة الوطنية ووحدة الكلمة فقط.
إن هؤلاء حيثما أرادوا وضع أقدامهم يتعين عليهم بثّ الفرقة أولاً. إذن وسيلة
نجاحهم هي وجود الاختلاف في أوساط الشعوب؛ وإذا ما تأملتهم جيداً تجدون أنهم
حيثما استطاعوا ممارسة غطرستهم وعنجهيتهم إنما ذلك بسبب وجود هوّة في أوساط
الشعب؛ وحيثما سادت وحدة الكلمة لم يجرؤوا على الاقتراب؛ فالعلاج الناجع
لمواجهة التهديدات الأمريكية هو وحدة الشعب، ووحدة المسؤولين، والتزام مختلف
التيارات السياسية والتفافها حول المحاور التي حدّدها إمامنا العظيم أصولاً
لهذه الثورة وهذا النظام وحظيت بقبول الجماهير، وهي ذات الأمور التي ضحى من
أجلها الشعب. انظروا، عندما يرشّح شخص نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية في أي
بلد ويطلق شعارات فتصوِّت الأكثرية ــ ولو بنسبة ضعيفة ــ لصالحه، فمجرد حضور
هؤلاء عند صناديق الاقتراع يعتبر تأييداً لهذه الشعارات، وهذا ما شاهدتموه خلال
الانتخابات الأخيرة في فرنسا، وهو المتعارف عليه في كافة أرجاء المعمورة.
والشعب الإيراني لم يكتف بالحضور عند صناديق الاقتراع من أجل مبادئ إمامنا
العظيم والخطوط الأساسية لهذه الثورة ــ التي ذكرتُ معظمها ــ بل وضعوا الأرواح
على الأكف ونزلوا إلى الساحة. ولقد أمضى هذا الشعب بدمائه على هذه الثورة وهذه
الخطوة والمبادئ التي تتجسد وتتجلى الآن في الدستور، وليس ذلك في بداية الثورة
فحسب، بل خلال فترة الحرب المفروضة، حيث صمدت الجماهير بوجه العدو لمدة ثماني
سنوات ودافعوا عن هذا النظام بمهجهم وبشبابهم وكل كيانهم، وهذا ليس كحضور الناس
عند صناديق الاقتراع تأييداً لشخص معين، بل يفوقه سموّاً عشرات المرات.. هذه هي
المبادئ التي ضحى الشعب الإيراني من أجلها بالأرواح والأبناء والدماء، ومايزال
صامداً أيضاً؛ فلو أن حرباً وقعت الآن وشعر الشعب الإيراني بوجوب النزول إلى
الميدان بالأرواح والأبدان فسترى أنظار العالمين استقبال الشعب وحماسهم
واندفاعهم يفوق حتى ما كان عليه خلال الحرب المفروضة؛ فهذه المبادئ موضع إيمان
واعتقاد وعشق لدى الجماهير ومحور وحدتها.. ليتفرق البعض عن محور الوحدة! فإن
هذه المبادئ هي محور الوحدة. فليبرهن الجميع ــ مسؤولين وعناصر سياسية ــ
وفاءهم لهذه المبادئ مرات ومرات بألسنتهم وأقلامهم، بأقوالهم وأعمالهم، فهذا هو
محور الوحدة الوطنية.
إننا لا نقول بإلغاء الاختلاف في الأذواق بين أبناء الشعب والتيارات السياسية
عن الساحة السياسية في البلاد، فذلك ليس ممكناً، ولا مفيداً أيضاً، غير أن هذا
الاختلاف في الرؤى ينبغي أن لا يجر إلى سجالٍ وشقاقٍ؛ فعلى الجميع الالتزام
بهذه الوحدة والحفاظ عليها، وهي وسيلة الدفاع عن الوطن وتحصينه بوجه الهجوم
الوقح الذي يشنّه العدو، الذي طالما يطلق تهديده ويكرره، ولو أن العدو ارتكب
حماقة فإن هذا الشعب سيهبّ للدفاع عن حقوقه ويمرغ أنف العدو في التراب.
وإلى جانب ذلك هنالك مسؤولية كبرى تقع على عاتق مسؤولي البلاد، وهي خدمة
الجماهير والعمل الدؤوب والمتواصل الذي لا يعرف الكلل من أجلهم، ولا فرق في ذلك
بين السلطة التنفيذية والجهاز الحكومي أو السلطة التشريعية ونواب المجلس أو
السلطة القضائية وأجهزة القضاء في أرجاء البلاد، فعليهم جميعاً العمل والسعي
الجاد من أجل تطبيق مبادئ وخطوط الثورة والإمام ــ وذلك في الحقيقة تطبيق
للدستور ــ دون توانٍ ولا يسمحوا بإهدار أوقاتهم من أجل أعمال أخرى، ومَنْ قصّر
في هذه البرهة فسيتعرض للإدانة أمام أنظار الجماهير وحكمها وللمساءلة أمام ربّ
العالمين؛ ففي هذه المرحلة، حيث الجماهير بأمسّ الحاجة إلى خدمات مسؤوليها،
عليهم أن لا يقصّروا، فالسبيل مفتوح أمام الخدمة وحل المعضلات الاقتصادية
والمعاشية للشعب، والطريق مشرع لتطبيق العدالة وردم التمايز الطبقي ــ والذي
يفترض عدم وجوده في مجتمعنا الإسلامي، ولكنه، وللأسف، موجود ــ فهناك سبل حكيمة
ومنطقية وعلى المسؤولين شحذ الهمم، وذاك ما تنشده الروح الطاهرة لهذا الإمام
العظيم منّا ومن كافة المسؤولين وما تتأمله جماهيرنّا أيضاً.
استقرار الجهاد الفلسطيني حول محوره الصحيح
من القضايا المهمة في هذه الأيام ــ وقد جرى الاهتمام بها جيداً في بلدنا
والحمد لله ــ هي قضية فلسطين، وخلال هذه الأيام سعى الأصدقاء فأقاموا المؤتمر
العالمي لفلسطين بمناسبة ذكرى رحيل الإمام العظيم، وفيه جرت أحاديث ضرورية
ومفيدة.
إن قضية فلسطين أهم قضايا العالم الإسلامي، وليس هنالك قضية دولية في العالم
الإسلامي تفوقها أهمية لأن استحواذ مغتصبي التراب الفلسطيني ومدينة القدس على
هذا الجزء من جسد الأمة الإسلامية يمثل مصدراً للكثير من حالات الضعف والمشاكل
في العالم الإسلامي.
إن أمريكا الآن شريكة إسرائيل في إجرامها، وإن الرئيس الأمريكي الذي يصف نفسه
بالوسيط يؤكد بكل صلافة ووقاحة أمام العرب
والزعماء العرب والمسلمين انحيازه لإسرائيل الغاصبة لأرض فلسطين.
أيّها الإخوة والأخوات، لقد استقرّ جهاد الشعب الفلسطيني اليوم حول محوره الذي
يكمن في التزامه الأملُ بتحقيق الانتصار؛ أي ان الشعب قد نزل إلى الساحة؛ وإن
إسرائيل كيان لقيط غير شرعي وغاصب، فهؤلاء قد جاؤوا وسلبوا بلداً من أبنائه
متوسلين بالقوة والتآمر. وبناءً على هذا فإن أية مفاوضات تقوم على قاعدة
الاعتراف بوجود هذا الكيان لا شرعية ولا دوام لها.
لقد أدرك الشعب الفلسطيني الآن جيداً حقيقة الأمر، وعرف أن لغة القوة هي اللغة
الوحيدة التي يفهمها محتلو القدس وأرض فلسطين، والشعب الفلسطيني يعرف أن أية
مفاوضات واتفاقيات تبرم ستجلب له الخسران، لذلك فقد اقتحم الميدان. وإن الصراع
الذي انطلق به الشعب الفلسطيني الآن ليس صراعاً بين جيش وآخر، كي نتساءل كم
يمتلك هذا من الدبابات وكم يمتلك ذاك؟ ومَنِ المتفوق؛ هذا أم ذاك؟ إنه صراع
أبدان وأجساد وأرواح أناس لا يرهبهم الموت، وإن كل شاب فدائي يقف أمام الكيان
الغاصب فهو يدخل فيهم الرعب بقدر ما يدخله جيش بأكمله، ولم تعد الدبابة
والصاروخ ومروحيات الاباتشي تمثل الرد على هذا الإنسان؛ فعندما لا يرهب الموتَ
إنسانٌ ــ ولو كان لوحده ــ وتأهّب للتضحية في سبيل الله، وأداءً لواجبه، فهو
يمثل أعظم خطر بالنسبة لأهل الدنيا عديمي الإنصاف. ولهذا فإنكم تشاهدون
الأمريكيين وعلى أعلى المستويات قد بادروا لاتّخاذ موقفهم في مواجهة هؤلاء
الشباب الاستشهاديين.. وإنني أعلنها أن هذه المواقف لا تجدي نفعاً؛ فحب
الاستشهاد هذا ليس عاطفياً، بل هو نابع من الإيمان بالإسلام والقيامة والحياة
ما بعد الموت، والإسلام أينما قام بمعناه الحقيقي فهنالك خطر يهدد الاستكبار،
والاستكبار لا مناص له من دخول الصراع مع الإسلام لفرض هيمنته على فلسطين،
والصراع مع الإسلام يعني الصراع مع العالم الإسلامي، وهذا صراع لن يفضي إلى
شيء.
إن سبيل الحل للقضية الفلسطينية ليس من شاكلة الحلول القسرية والكاذبة، فالحل
الوحيد لقضية فلسطين يتمثل في انتخاب أهل فلسطين الأصليين ــ وليس المهاجرين
الغاصبين المحتلين ــ مَنْ كان منهم داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها، للنظام
الذي يحكم بلادهم، فإن كان الاعتماد على رأي الشعب صحيحاً كما يراه مدّعو
الديمقراطية في العالم فإن الشعب الفلسطيني شعبٌ أيضاً وله اتخاذ القرار؛ وإن
الكيان الصهيوني المتسلط الآن على التراب الفلسطيني لا يمتلك حقاً يمارسه على
هذه الأرض، فهو كيان لقيط مزّيف وصنيع القوى الظالمة؛ وعليه يجب أن لا يطلب من
الشعب الفلسطيني الاعتراف به.
من أخطأ في العالم الإسلامي واعترف بهذا الكيان الجائر، فهو بالإضافة إلى وصمة
العار التي يلصقها على جبينه يكون قد بادر لفعلٍ لا طائل منه، لأن هذا الكيان
لا دوام له، والصهاينة يتوهمون استحواذهم على فلسطين وأنها لهم إلى الأبد! كلا،
فليس الأمر كذلك، وإن مصير فلسطين لابد وأن ينتهي يوماً ما بقيام دولة
فلسطينية، وفي هذا الدرب تأتي ثورة الشعب الفلسطيني؛ ومسؤولية الشعوب الإسلامية
تتمثل في تقليص هذا الفاصل الزمني والعمل على أن يبلغ الشعب الفلسطيني ذلك
اليوم.
اللهم إنا نسألك بأسمائك المقدسة واسمك الأعظم وبأوليائك أن تهلك أعداء الإسلام
وتجعلهم مخذولين، وأن تعزّ المسلمين وتنصرهم، وأن تمنّ على الشعب الفلسطيني
وسائر الشعوب المظلومة والإسلامية بالخلاص، وجازِ أعداءهم على أيدي المسلمين
وبقدرتك.
اللهم إنا نسألك بمحمد وآل محمد أن تنصر شعبنا العزيز المجيد الذي برهن على
إيمانه وصدقه، وأن تمنّ عليه بالعزة والفلاح على كافة الأصعدة، وأن تدخل السرور
إلى الروح الطاهرة لإمامنا العظيم.
اللهم إنّا نسألك بمحمد وآل محمد أرضِ عنّا قلب ولي العصر واجعلنا ممن يشملهم
دعاؤه.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
|