(المحاضرة الأولى)

الــولايــة

 بسم الله الرحمن الرحيم

الزمان: شهر رمضان (تشرين أول 1973).

المكان: مسجد الإمام الحسن المجتبى (ع) - مشهد.

يدور بحثنا حول مسألة الولاية، وقليلاً ما تُطرح الولاية بمعناها الذي نستنبطه من القرآن، ومن الطبيعي أن لا تكون كلمة الولاية غريبة على الأسماع الشيعية، بل أنها مأنوسة بشكل كامل بهذه الكلمة، حيث أننا نذكر الولاية مطعمة بالقدسية ومفعمة بالاحترام في دعائنا وابتهالنا الى الله، وفي رواياتنا وأحاديثنا الفكرية العامة الرائجة، ونحن كشيعة ندين بالولاية وندعو الله سبحانه أن يحيينا ويتوفانا عليها.

أريد أن أتحدث عن الولاية من أساسها وعمقها البعيد ومن الطبيعي أن يصل بي الحديث الى ولاية علي بن أبي طالب (ع) ولكن حديثي الآن في المراحل السابقة على ذلك، وما نبتغيه هو استخلاص واستنباط معنى الولاية من الآيات القرآنية، وستجدون علو هذا المعنى وجدته وتطوره، وستجدون أيضاً أن الأمة أو الجماعة التي تتبع منهجاً معيناً وتعتقد بعقيدة ما تعيش التيه والضياع ما لم تكن موالية، وفي ظلال هذا البحث ستطّلعون بصورة واضحة على السبب في أن صلاة الموالي هي الصلاة الحقيقية وصيامه هو الصيام المطلوب وعبادته هي العبادة التي فرضها الله، وسيسهل عليكم من خلال هذا البحث معرفة السر في أن الأمة والمجتمع مع الولاية يكون لائقاً ومستحقاً للطف الله ورحمته وعنايته. ونلخص ما مضى بالقول بأننا سنفهم في ظل هذا البحث ما تعنيه أحاديث الولاية.

ومن هذه الأحاديث، الحديث المعروف والذي أكرر بعض فقراته في مواطن مختلفة "لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه (أصول الكافي، باب دعائم الإسلام، الحديث الخامس). وسوف تستوعبون أبعاد هذا البحث بعد التدقيق فيه وفي نتائجه المستخلصة من الآيات القرآنية.

ومسألة الولاية تتصل بمسألة النبوة اتصالاً وثيقاً وتتبعها من غير أن تنفكّ عنها وهي في الحقيقة خاتمة لبحث النبوة وملحق لها وتتمة لنتائجها.

وسوف نفهم من خلال عرضنا الحاضر أن النبوة تبقى ناقصة من غير ولاية.

ولهذا فنحن ملزمون بالبحث بصورة مختصرة عن النبوة.. وفي هذا البحث المختصر نتعرض للقضايا الكلية والعامة في مسألة النبوة، حتى نجعل هذا البحث مدخلاً لدراسة مسألة الولاية، ولا أنسى أن أقول هنا إن عرض هذه المسألة شاقّ وصعب صعوبة بالغة، وأشق من ذلك بيانها وعرضها كما هي، ذلك لرسوخ الكثير من المفاهيم والإعتقادات الواهية الهزيلة وغير المنطقية في أذهان العامة من الناس عن الولاية بدرجة لا تسمح بفهم ما تريد أن تبيّنه عن معنى الولاية المطابق مع القرآن والسنّة وستواجه عندئذ أحد إشكالين: إما أن تختلط عليك الصورة بما يقوله عامة الناس، وإما أن يبدو هذا المعنى غريباً حين مقارنته مع ما في أذهان الناس، ولهذا كان هذا البحث صعباً وشاقاً جداً. ولكني بعد استمداد العون من الله المتعالي وبالسعي الجاد آمل أن أُتم هذا البحث في خلال أيام قليلة إنشاء الله تعالى.

لماذا أرسل النبي (ص) ولماذا جاء؟ من أجل أن تتكامل البشرية وتتخلق الأمم بأخلاق الله، التكامل البشري وإيصال الناس الى مكارم الأخلاق هو هدف الرسول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، بُعث النبي لتربية الإنسان وتقويمه، وعلينا أن ننظر في الوسائل والأساليب والطرق التي يشكلها الرسول للوصول الى تربية الناس وتقويمهم هل يؤسس مصنعاً (ورد لفظ الصنع تعبيراً عن عملية تربية وإعداد الإنسان في القرآن الكريم في قوله تعالى {ولتصنع على عيني} (سورة أطه، آية 39) لإعداد الناس وتربيتهم وصناعتهم وفق المنهج الإلهي {ولتصنع على عيني}.

وكان (ص) يرجح أن يصل الى هذا الهدف خلال عشر سنوات أو عشرين سنة أو أكثر، إذ لم يكن يستهدف تربية إنسان واحد أو اثنين أو ثلاثة أو عشرين فقط، وإنما كان يهدف الى بناء مصنع يُنتج ويُعدّ إنساناً كاملاً يحبه الله ورسوله وبصورة تلقائية أوتوماتيكية، فما هو هذا المصنع، إنه المجتمع والنظام الإسلامي، هنا يظهر المنعطف الخطير والنقطة الحساسة لأن الجميع يقولون إن النبي جاء مربياً ومعلماً، يهدف تعليم الناس وتزكيتهم وتربيتهم، والكل يفهم ذلك ولكن ما ينبغي فهمه بصورة دقيقة هو الطريق الى هذا الهدف؟ هل يخلو النبي بالأفراد واحداً واحداً ليلقي على مسمعه النداء الحنون المفعم برحمة الله ولطفه.

والأنبياء لم يؤسسوا مكاتب ومعاهد علمية أو فلسفية لتعليم مجموعة من الرواد، ثم إرسالهم لهداية الناس في أقطار الأرض، بل إن عمل النبي أشد استحكاماً وثباتاً وعمقاً من هذا كله، فماذا يعمل النبي، ليس أمامه من سبيل إلا تأسيس وإنشاء ذلك المجتمع الإسلامي الذي يتولى مهمة إنتاج وإعداد الإنسان الكامل.

ماذا نعني بالمجتمع الإسلامي؟ وما هي حقيقته؟

وطبيعي أن هذه المسائل ليست من صميم بحثنا الأول ولكنها توضح جوانبه.

المجتمع الإسلامي هو تلك الجماعة التي ترجع في حاكميتها الى الله، فهو مصدر تشريعها ومقنِّن قوانينها، فقوانين هذه الجماعة قوانين إلهية، وحدود الله هي الجارية والذي يعيّن القائد أو يعزله هو الله، فإذا تصورنا المجتمع على شكل هرم كما يشاء بعض علماء الإجتماع فإن الله سبحانه هو قمة الهرم وقاعدته هي الجماعة المسلمة، والذي يوجِد الجماعات والتشكيلات هو دين الله، والقرار الرباني الإلهي هو الذي يحدد وقت الصلح والسلام أو الحرب والقتال.. كما أن دين الله هو الذي يعين الروابط الإجتماعية والإقتصادية وهو الذي يشكل الحكومة ويحدد الحقوق وكل شيء على الإطلاق يمر من خلال دين الله وشريعته ورسالته، وعلى الجميع أن يتبعوا المنهج الذي يرسمه دين الله ورسالته. هذا هو المجتمع الإسلامي.

وعندما جاء الرسول الى المدينة أسس المجتمع الإسلامي والله سبحانه هو الحاكم على هذا المجتمع الناشئ، ومن الناحية العملية والتنفيذية كان المنفذ والحاكم الفعلي هو خليفة الله ووليه وهو الرسول فكان يضع أو ينفذ المقررات الإلهية وكان هو المسؤول عن هداية الناس وقيادتهم وإدارتهم، كان كل شيء من الله سبحانه في هذا المجتمع.. فصلاة الجماعة كانت تقام وتعقبها خطبة الرسول أو نجاء للقتال لا فرق بين الإثنين. كان الرسول (ص) يقوم إماماً للصلاة في المسجد ثم يرتقي المنبر للموعظة والوصية بالتقوى والتربية وتزكية النفوس، وفي نفس هذا المسجد يؤثى براية الجهاد ليضعها الرسول بيد أسامة بن زيد أو بيد كفؤ آخر، ثم يقول: إنطلقوا على اسم الله. ثم يصدر أوامره التي تنتهي الى انتصار المسلمين على أعدائهم. وفي نفس هذا المسجد كان الرسول يقيم الحدود الإلهية ويجريها ويقضي بين الناس ويحل مشاكلهم ويرفع نزاعاتهم.

وكان المسجد هو مكان إدارة الأعمال ودراسة المسائل الإقتصادية.. تُجمع الزكاة في المسجد وتوزع منه.. الدرس في المسجد والصلاة والدعاء والعبادة..

كان نشيد القتال يردَّد فصلاً فصلاً في المسجد، ولا تُدرس أمور الثروة والإقتصاد إلا في المسجد، ولم تجد أمور الدنيا والآخرة مكاناً تُتداول فيه غير المسجد فكلها تشكل كياناً واحداً في وعاء واحد هو بيت الله وتحت قيادة الرسول. هذا هو المجتمع الإسلامي.

إنما جاء الأنبياء لبناء مثل هذا المجتمع، والذي يدخل هذا المجتمع يخرج منه إنساناً كاملاً، وإذا لم يتكامل فهو لا يجد مجالاً يتحرك فيه غير مجال حركة هذا المجتمع، ومَن أراد أن يكون منسجماً مع مجتمع الرسول فإن بإمكانه ذلك، بينما لا نجد ذلك في المجتمعات المادية وغير الإلهية، فإن الإنسان في المجتمع غير الإسلامي إذا أراد أن يكون فرداً صالحاً فهو لا يستطيع، يريد أن يكون من أهل الإيمان والتقوى لكنه لا يستطيع، لا يريد أن لا يأخذ الربا ولا يتعاطاه لكنه يجد ذلك صعباً أو غير ميسور، تريد المرأة أن لا تخرج عن حدود الشريعة الإسلامية فتواجه من المجتمع الضغوط التي تدفعها للسير في الإتجاه المعاكس.

وكل الأجواء والدوافع تبعد الإنسان عن ذكر الله، فالصور والمعارض، والذهاب والإياب، والمعاملات والمحاورات، تُبعد الناس جميعاً عن ذكر الله وتجعل ذكر الله غريباً على النفس الإنسانية. أما في المجتمع الإسلامي فالمسألة معكوسة فإن السوق والمسجد ودوائر الدولة والأصدقاء والأقارب والآباء والشباب وكل مَن في المجتمع وكل ما فيه يدعو الإنسان الى ذكر الله ويجتذبه الى ساحة قدسه ويجعله منسجماً مع ما يريده الله ويوثق الروابط الإنسانية بالله.

كل شيء في المجتمع الإسلامي يبعث على عبودية الله، وهذا بدوره يعدّ الإنسان العابد لله عبادة حقيقية، ويبعده عن العبودية لغير الله، ولو استدامت حياة المجتمع الإسلامي الذي أسسه الرسول على حالته الأولى مدة خمسين عاماً، ولو كانت القيادة في ذلك المجتمع للرسول أو لعلي بن أبي طالب الذي عيّنه الرسول قائداً للناس من بعده، فإن جميع المنافقين يتحولون الى مؤمنين واقعيين في هذه الخمسين سنة.. أي أن أولئك الذين كانوا ضعاف الإيمان وفي منتصف الطريق والذين يمزجون الحق بالباطل وهم يوماً مع هذا ويوماً مع ذاك، إن هؤلاء يتحولون الى مؤمنين مخلصين لو كانت القيادة نبوية ثم علوية.. فالقلوب المنافقة تتحول الى قلوب ملؤها الإيمان والهدى في مجتمع كالمجتمع الإسلامي الأول لو استمرت به الحياة مدة أطول مما كان ولو كان عمر ذلك المجتمع طويلاً.

فإن أولئك الذين لم تعرف أرواحهم المعاني البعيدة للإيمان سيعرفون الله والإيمان معرفة رفيعة.. هذا هو مقتضى طبيعة المجتمع الإسلامي.. وهذا هو مبتغى الأنبياء وهدفهم، وهذا المجتمع هو المصنع الذي يُعدّ ويُنتج الإنسان المتكامل، وتخرج من هذا المجتمع مجاميع مجاميع تعمل بالإسلام في سطحها الظاهر، وتؤمن بالإسلام في قلبها وأعماقها وواقعها.

ولهذا الهدف أُرسل النبي، ولمثل هذا الهدف كان يعمل ويدعو، وقد تقدم أن هدفنا البحث عن الولاية من أسسها وأعماقها. عندما جاء النبي برسالته وطرح فكره الإسلامي وبدأدعوته، فهل يستطيع إدارة المجتمع لوحده، ألا تحتاج الجماعة وتشكيلاتها الى طائفة من الناس تتولى إدارة الأمور؟ ألا تحتاج الجماعة الى جنود يدافعون عنها ويردون كيد الأعداء؟ أليس من الضروري وجود مجموعة من المسلمين تعين النبي في تبليغ رسالته ونشر دعوته، طبيعي أن ذلك لازم وضروري، ولا بد أن تكون هذه السبل طبيعية غير حاصلة على أساس الإعجاز، والأنبياء يسلكون الطرق الطبيعية في أكثر أعمالهم. جاء النبي ليبني المجتمع المسلم (أي مدرسة التربية) وهو لإنجاز هذا الهدف يحتاج الى جماعة متراصة متحدة يشد بعضها بعضاً تؤمن بهذه المدرسة من أعماق قلبها، وتسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفها.

كان ضرورياً للنبي من أجل تحقيق هدفه وجود مثل هذه الجماعة، ولهذا كان فاتحة أعماله إيجاد مثل هذه الجماعة المتراصة عن طريق تلاوة الآيات القرآنية والمواعظ الحسنة {أُدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (سورة النحل، آية 125) حيث كان القرآن ومواعظ النبي التي تصدر من أعماق قلبه هما السبيل لإنشاء ذلك المجتمع، وكانت كلمات الرسول تصيب هدفها وتدخل أعماق القلوب لتجتذبها اجتذاباً الى طريق الله ورسالته. كانت بداية أعمال الرسول تجميع المسلمين ليشكلوا "الجماعة الأولى" و"الصف الأول" والجبهة التي تقابل جبهة الكفر والشرك ولو سألنا عن نواة هذه الجبهة، لوجدنا أنها تتألف من المسلمين الثابتين أولي الإعتقاد الراسخ والقلوب القوية من الذين "لا تأخذهم في الله لومة لائم" (نهج البلاغة، الخطبة القاصعة).

وكان على المسلمين في ذلك الحين أن يكونوا كالفولاذ إذا أرادوا لجبهتهم أن تبقى قوية مستقلة عن الجاهلية، وهي جبهة حديثة النشوء، غضة الإهاب، قليلة العدد، مع كثرة المشاكل والضغوط التي يخلقها المجتمع الجاهلي.. كان عليهم الإرتباط القوي والإتصال المحكم، حتى لا يستطيع أي عامل النفوذ الى جبهتهم ليفرّق بينهم، كانوا بأشد الحاجة الى ما يسميه المثقفون هذه الأيام بالإنضباط الحزبي الحديدي؛ عليهم الإتصال أكثر ما يستطيعون والتفاعل بأقوى ما يقدرون، وعليهم الإبتعاد ما استطاعوا عن الصفوف والتيارات المضادة لأنهم يشكلون الأقلية، وفكر الأقلية إذا حوصر وضيّق عليه فليس له أي قيمة، فإنه كعمل الأقلية وشخصيتها قد يضيع في المسالك العملية المتعددة التي ترجع الى الجماعة المخالفة التي تشكل الأكثرية، وبهذا تسحق شخصية الأقلية وعملها وفكرها ضمن شخصية الأكثرية وتوجهاتها.

إذاً، لا بد لتلك الجماعة من الإنسجام والإتصال والوحدة والإنفصال عن سائر الجبهات الأخرى من أجل أن تبقى هذه الجماعة متشكلة ومؤلفة وأساساً لبناء المجتمع الإسلامي الكبير القائم على أسس القوة والمتانة والثبات، ذلك المجتمع الذي تبنيه أيادي هذه الجماعة الصغيرة..

وحال هذه الجماعة عندما تريد بناء مجتمعها الكبير يشبه حال أولئك الذين يتسلقون الجبال فهم يطمحون طي المسافة الملتوية المتعرجة، ويحمل كلٌ منهم عصا، وطريقهم الجبلي مغطى بالثلوج كثير الإرتفاعات الشاهقة والإنخفاضات السحيقة، فمن أجل أن يصل هؤلاء الى قمة الجبل لا بد أن يلتزموا بالوصايا التي تقدم لهم بشأن الجبال: إلتصقوا ببعضكم، شدوا الظهور سوية، لا تسيروا متفرقين فإن مَن يبقى وحده قد ينزلق ويسقط.

يوصي هؤلاء بالإلتحام الشديد والتفاعل المشترك.. ويقال لهم أيضاً: لا تثقلوا ظهوركم بالأحمال الثقيلة، ولا تنظروا الى الأطراف المحيطة بكم، بل عليكم تركيز نظراتكم على طريقكم، وركزوا حواسكم على عملكم، وتشد أيدي هؤلاء وظهورهم بإحكام حتى إذا سقط واحد منهم أو اثنان كان بإمكان الباقين إنقاذه وإرجاعه الى حالته المتوازنة؛ هذه الحالة الشديدة الإتصال والتفاعل تعتبر مثالاً واضحاً لحالة المسلمين الأوائل انسجاماً واتصالاً وتفاعلاً.

هل لهذه الحالة المتفاعلة المتصلة اسم خاص في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة أم ليس لها اسم؟

وهل تقبل الإنفصال والذوبان تلك العلاقة الصميمية بين المسلمين الأوائل الذين شكلوا الجبهة الإسلامية الأولى؟ ألم تكن هذه الجبهة منفصلة بنحو كامل عن سائر الجبهات المضادة فكراً وسلوكاً، مبدأ وغاية، مع أنها شديدة الإلتحام والتفاعل داخل صفوف المسلمين، فالأيادي متشابكة ومتلاصقة والقلوب متوحدة متفاعلة والأجساد متراصة والمسلمون يشد بعضهم بعضاً.

هل لهذه العلاقة اسم خاص في القرآن الكريم؟ نعم هناك اسم لهذه العلاقة الإلتحامية، ولهذه الجبهة المتميزة والتي شكلتها مجموعة من الأفراد ذوي الفكر الواحد والطموح الواحد والهدف الواحد والواضعين خطاهم في طريق واحد والمتحركين من أجل غاية واحدة والذين يعتقدون بعقيدة واحدة، هؤلاء الذين كانوا يلتحمون ويتآزرون فيما بينهم بقوة تشتد يوماً بعد يوم، وكانوا متمايزين عن باقي الجبهات والتيارات والرؤى الفكرية بصورة واضحة على كل المستويات الفكرية والسلوكية، وهم يحافظون على تميزهم واستقلالهم هذا، ولماذا كل ذلك..؟

لأنهم لا يريدون الذوبان والتحلل في الآخرين، والقرآن الكريم يصطلح على هذه العلاقة بالولاية. كان الرسول (ص) هو الذي أوجد تلك الجماعة المتفاعلة المنسجمة فآخاهم ووحّدهم وحوّلهم الى جسد واحد. ومن هذا الكيان المنسجم تشكلت الأمة الإسلامية، ومن هذه الجماعة تولد المجتمع الإسلامي؛ وقد فصلهم الرسول وأبعدهم عن أعدائهم ومخالفيهم ومعانديهم وعن سائر مَن يعتادهم كما سنقرأ ذلك في الآيات القرآنية.

وقد أوجد الرسول حاجزاً بين المسلمين وبين سائر الجبهات ومنعهم من تكوين أي علاقة مع جبهات اليهود والنصارى والمشركين، وكان يسعى ما أمكنه السعي الى أن يجعل الصفوف الإسلامية متصلة مملوءة متوحدة متفاعلة منسجمة، لأنهم إن لم يكونوا على تلك الحالة وإذا لم يكن بعضهم يوالي بعضاً، لا يستطيعون حمل الأمانة الملقاة على عواتقهم وسوف يعجزون عن النهوض بها وإيصالها الى غايتها المنشودة ونهايتها المطلوبة، وعندما يتحول المجتمع الإسلامي الى أمة عظيمة تبقى ضرورة الولاية قائمة.

وسنأتي بالشرح على ذلك.. ومن أجل أن نصل الى معرفة إجمالية للولاية عند الشيعة علينا التدقيق فيما تقدم من أن المجتمع الصغير يلزمه الإلتحام والإرتباط القوي وهو يعيش في دنيا يخيّم عليها الظلام وتحكمها الجاهلية، لا بد له من ذلك الإلتحام والإنسجام من أجل البقاء والديمومة، فلن يكون له وجود وحياة إذا لم يكن متصلاً منسجماً متفاعلاً، ومثال ذلك المسلمون الأوائل الذين هاجروا من مكة الى المدينة وكانوا يعيشون وسط المجتمع الجاهلي، ومثال آخر المجتمع الشيعي الثائر الصغير في عصور الخلافة الأموية والعباسية والتي كانت تنصب الكيد والعداء للإسلام.. هل كان من اليسير بقاء تلك الجماعة المؤمنة، مع شدة الحملات التشويهية، وحملات الرعب والتجويع والإعتقالات والسجن والقتل، ما هو هدف كل هذه الحملات، ألم تكن تهدف الى تذويب وسحق ذلك الجمع المنسجم فكراً وسلوكاً، مع ملاحظة أن هذا التجمع كان يعارض بشكل واضح وصريح الإتجاهات الحاكمة آنذاك.

أما كيف قدر لهذا الجمع أن يبقى؟! ذلك لوجود العلاقة الصميمية والمتفاعلة بشكل مدهش والتي يسميها القرآن بالولاية، وتحت ظلال هذه الولاية أمكن بقاء الشيعة كمدرسة تواجه المدارس المعارضة، تصوروا نهراً عظيماً واسعاً تصب فيه روافد مختلفة منتشرة الأطراف هنا وهناك، والمياه تجري سريعاً، لن يكون سطح الماء مستوياً بل ستكون هناك حفر كثيرة، مع اختلاط المياه ببعضها وبتيارات الماء التي تصب من الروافد ومن كل الإتجاهات يحدث تفاعل شديد بين مجموع هذه المياه الجارية، سوف يطغى بعضها على بعضه والماء جارٍ من غير توقف مما يبعث على أن ينتشر الطين والترسبات هنا وهناك.

ماذا تقولون لو شاهدتم مجرى نظيفاً زلالاً وفراتاً عذباً داخل ذلك النهر العظيم وهو محافظ على نقائه وتميزه بصورة تثير الدهشة والإعجاب، لم يمسسه سوء من كل الأطراف المحيطة به، لم تختلط أو تمتزج مياهه بمياه النهر الكبير فما تغير لونه مطلقاً ولم يتأثر مذاقه العذب بمذاق ماء النهر الأُجاج، حلو الطعم، عذبه، أبيض اللون، شفاف بلّوري، صافٍ خالص نقي، يسير محافظاً على صفائه وخلوصه في مجراه قُدُماً، شبّهوا العالم الإسلامي في أيام الأمويين والعباسيين بهذا النهر، حيث كانت التيارات والمدارس الفكرية والسياسية المختلفة في صراع..

أُنظروا الى هذا الصراع من أوله الى آخره تجدون مجرى التشيع كالخيط الرفيع من الماء داخل ذلك الطوفان المهيب فهو شيء وكأنه لا شيء، يرى صغيراً وكأنه لا يرى، لكنه كان محافظاً على وجوده، لم يصبه كدر المياه المختلفة ولم يتغير طعمه أو يفقد صفاؤه ونقاوته، ولم تستطع التأثير فيه مذاقات المياه المختلفة أو رائحتها أو ألوانها، حافظ على بقائه مستقلاً وسلك مسيره وطريقه؛ ما هو ذلك العامل الذي حافظ على وجوده ونقائه واستمراره؟ إنه وجود الولي، الذي كان يوصي بإنشاء علاقة الولاية بين أتباعه. وكان يربط بعضهم ببعض، ويجعل بعضهم رحيماً ببعض، وكان يذيع هذه العلاقة ويشجع عليها ويحفظها قوية بين أفراد جبهته. هذا بُعد من أبعاد الولاية عند الشيعة، وهناك أبعاد أخرى سوف نحققها ونحللها..

فليس كل ما تعنيه الولاية هو هذا بل أن هذا جانب من جوانبها وبُعد من أبعادها، وعلى هذا نعرف أن الولاية هي الإتصال والترابط والإنسجام بين الأفراد، والقرآن يعتبر المؤمنين أولياء فيما بينهم، والذين آمنوا وأخلصوا يشكلون في منطق القرآن جبهة واحدة، وورد مصطلح المؤمن في رواياتنا تعبيراً عن الشيعي، والإيمان بناء على هذا المصطلح هو الإعتقاد بالفكر الإسلامي الذي يعتمد على أساس الولاية، الإيمان هو الرؤية الإسلامية من خلال زاوية النظر هذه.

ونحن نرى أن الإنسجام كان قوياً وشديداً في زمان الأئمة (ع) وكانت الأخوّة هي الظاهرة البارزة، كان ذلك من أجل المحافظة على التيار الإسلامي حياً صافياً متدفقاً على مر التاريخ، ولو لم تكن العلاقة بهذا الشكل القوي فما الذي يقع؟

سوف يفنى الإسلام والمسلمون ألف مرة وستذوب أفكارهم وتصادر، كما حصل ذلكلبعض الفرق الأخرى حيث فقدوا صبغتهم وذابوا وانتهَوا.. على كل حال هذا بُعد من أبعاد الولاية.

ونتعرض الآن للبعد الآخر الذي يتلو سابقه في الأهمية وهو بُعد ولاية ولي الله، فقد عرفنا معنى ولاية الشيعة، فما الذي نريده بولاية ولي الله؟ ولاية علي بن أبي طالب ماذا تعني؟ ماذا نعني بولاية الإمام الصادق (ع)؟ ويجب علينا جميعاً أن نوالي الأئمة (ع) فما نعني بهذه الولاية؟

هناك مَن يتخيل أن ولاية الأئمة لا تعني أكثر من محبتهم والإنشداد القلبي بهم، وهذا وهمٌ كبير، فليست الولاية محبة فقط، وهل يوجد في العالم الإسلامي مَن لا يحب الأئمة المعصومين وأهل بيت النبي وذوي قرباه، فهل الكل موالون؟ وهل هناك مَن ينصب العداء للأئمة وأهل البيت، وهل كان كل أولئك الذين قاتلوا الأئمة يعادونهم، كان الكثير منهم يحب الأئمة ولكن حب الدنيا جعلهم يقاتلونهم، وكان الكثير منهم يعرف مقام الأئمة وسمو مكانتهم وفضائلهم.

فعندما بلغ المنصور خبر وفاة الإمام الصادق (ع) أخذ يبكي، هل تتصورون أن المنصور كان يتظاهر بالبكاء؟ أمام مَن يتظاهر أمام أتباعه والسائرين في ركابه! أمام ربيع الحاجب! كلا.. لم يكن بكاؤه تظاهراً وإنما كان محترق القلب ومتحسراً لوفاة الإمام الصادق، لكن مَن هو قاتله؟ المنصور هو الذي أمر بدس السم للإمام.. وعندما بلغه خبر التنفيذ تألم وتحسر وتحطم قلبه، فهل يكون المنصور من أهل الولاية للإمام الصادق لأنه تألم لوفاته، وقد انتهى هذا الفهم للولاية الى نتيجة خاطئة شأن المأمون حيث تصور الكثير أن المأمون كان شيعياً، فماذا يعني الشيعي في منطق هؤلاء، هل أن الشيعي هو مَن يعرف أن الحق مع الإمام الرضا (ع) ويكفيه هذا؟ على ضوء هذا الفهم ليس المأمون فقط شيعياً بل أبوه هارون الرشيد شيعي أيضاً وكذلك المنصور ومعاوية ويزيد، بل هم من ألصق الناس بالشيعة حينئذ.

وأولئك الذين نازعوا علياً وخاصموه وحاربوه هل كانوا يكرهون عياً؟ كلا.. إن أغلبهم كان يحب علياً، فهل نجعلهم شيعة لعلي ومن أهل ولايته وولائه، كلا إن الولاية أسمى من هذا المعنى وأرحب..

وحين نفهم حقيقة الولاية لعلي بن أبي طالب وللأئمة (ع) نرجع الى أنفسنا لنرى هل تطوي جوانبها على هذا الولاء أم لا؟

وإذا لم نجد الولاء سألنا الله سبحانه أن يرزقنا الولاء للأئمة وبذلنا الجهد في سبيل الحصول على هذا الولاء، وحين ننتهي الى بيان المعنى الحقيقي للولاية سوف يتبين الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون في تفسيرهم للولاية، وقد اعتاد الشيعة في يوم 18 ذو الحجة، وهو عيد الغدير، أن يتداولوا هذا الدعاء "الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية علي بن أبي طالب (ع)" وكثيراً ما قلت لأصدقائي وأحبتي: لا تقولوا "الحمد لله الذي جعلنا" فإني أخشى أن يكون هذا كذباً ولكن قولوا "اللهم اجعلنا من المتمسكين بولاية علي بن أبي طالب (ع)، إن علينا أن نلاحظ هل أننا من المتمسكين بالولاية أم لا؟ وسنصل الى دراسة هذه الناحية إنشاء الله.

وهذا بُعد آخر للولاية. وخلاصة ما قلته إن ولاية الأمة المسلمة وولاية تلك الجبهة السائرة والمجاهدة في سبيل الله تعني العلاقة المتفاعلة والمنسجمة والمتصلة بين أفراد هذه الأمة وهذه الجبهة، والتي تظهر في العلاقات القلبية المشتركة والمتلائمة وفي الإستقلالية الكاملة عن باقي الجبهات التي تحمل فكراً آخر وتسلك سلوكاً مضاداً وتعمل في سبيل إلغاء هذه الأمة ومصادرة وجودها.

وآيات سورة الممتحنة شاهد صدق على هذه الحقيقة، وأنا أتصور أنها إنما سمّيت بهذا الإسم لتناسب هذا المعنى، ولعلها إنما سمّيت باسم الولاية من أجل ذلك.

{بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية تنهى المؤمنين عن اتخاذ غيرهم أولياء وأحبة وأعضاء في مجتمع المؤمنين، وليس الأمر كما ترجمه بعضهم الى الفارسية بمعنى المحبة فقط، فإن هذا ليس هو المعنى الكامل لكلمة الأولياء، وليست المسألة مقتصرة على المودة والمحبة بل هي أرفع من ذلك وأعمق، فالآية تريد أن تقول: لا تعتبروا أولئك منكم ولا تحسبوهم من جبهتكم وصفكم وأعضاء من مجتمعكم وأمتكم، ولا تجعلوا أنفسكم منهم ومن جبهتهم حتى على مستوى الإفتراض الذهني والتقدير والتصور فضلاً عن الإعتقاد والجزم، لا تجعلوا عدو الله وعدوكم الى جنبكم ومعكم، بل كونوا صفاً يقابله، وقفوا في وجهه وعارضوه {تلقون إليهم بالمودة} لا تعتبروهم من جبهتكم ومن صفكم حتى تعلنون لهم عن مودتكم لهم {وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي} فإن كنتم صادقي الإيمان والجهاد فما لكم من حق في اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء واعتبارهم من صفكم وأمتكم.

والآيات اللاحقة تشير الى الكفار الذين يعنيهم الله سبحانه لأنها تذكر أقسام الكفار {تسرّون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومَن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}.

ولا بد أن نذكر أن سبب نزول هذه الآيات هو ما فعله حاطب بن أبي بلتعة، حيث كان هذا رجلاً ضعيف الإيمان، وعندما عزم الرسول على الخروج لمقاتلة كفار قريش وجهادهم أخذ حاطب يحدث نفسه: لو لم ينتصر الرسول في هذا الخروج وهذه المعركة فسوف تُلحق قريش الضرر بأقاربي الذين يسكنون بين ظهرانيهم. أراد حاطب وهو من جند الرسول أن يحتال لإنقاذ أقاربه، فقال لنفسه نحن الآن قرب النبي ونجاهد معه وسيصيبنا أجر المجاهدين وثوابهم، فعليّ أن أحتاط للأمر بكتابة رسالة الى الكفار أُعلمهم فيها عن مودتي ووفائي لهم ولا ضرر في ذلك، إذ عندما تتلاقى السيوف في ميدان القتال لن أعمل بمفاد هذه الرسالة، ولا مانع من أن أخدع الكفار برسالتي ما دامت الحرب لم تقم، وسأحصل على التمر وعلى ثواب الله (مثل فارسي) وسأكون مصداقاً لتلك القصة المعروفة التي تقول إنه تنازع عمدة البلد ومختارها مع أحد أكابر هذه البلدة فسألوا أحدهم: مع مَن ترى الحق، ومَن هو قائله؟ فقال: كل منهم يقول الحق؛ فكان مع الجبهتين على وفاق تام. كتب حاطب رسالة الى رؤوس قريش حتى يطلعهم على علاقته الودية معهم وعلى صداقته الحميمة والرحيمة لهم، ودفع الرسالة لامرأة لتوصلها الى مكة. وأطلع الوحي الرسول على الحادثة فأرسل خلف المرأة أمير المؤمنين وأرسل معه واحداً أو اثنين من المسلمين ليقبضوا على المرأة، وجد عليٌ المرأة وهددها، فأخرجت الرسالة من ضفيرتها. سأل النبي (ص) حاطباً: لِمَ فعلت هذا؟ ولِمَ كشفت للعدو تعن أسرارنا العسكرية والقتالية؟ قال: يا رسول الله إن لي رحماً وعشيرة في مكة وخفت عليهم أذى قريش وتضييقهم فأردت أن أجلب لينهم وعطفهم، فكتبت لهم هذه الرسالة. وتجيب الآية الكريمة: لا تخطئوا فإن هؤلاء لن يلينوا لكم، ولن تقترب قلوبهم معكم لأنهم يشكلون جبهة فكرية مضادة لكم، وهم يعلمون أن دينكم وإيمانكم سوف يستأصلهم ويلغي وجودهم، وقد وضعوا كل همهم للقضاء على دينكم وإيمانكم، فهيهات أن يكونوا معكم رحماء أو يكونوا لكم أصدقاء، تقول الآية {أن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء} فيا حاطب بن أبي بلتعة لا تتصورن أن هؤلاء سيكونون حافظين لك ولرحمك في غد، لأنك أعنتهم اليوم كلا، فإنك إن تقربت إليهم وتنازلت عن شيء بسيط فإنهم ينتظرون تنازلاً أكبر، وسيتسلطون عليك أكثر ويمدون إليك يد العداوة والظلم {أن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء} ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ويضغطوا عليكم أكثر ويذلّوكم ويسلبوكم شخصيتكم وعزتكم وكرامتكم، ولن ينظروا إليكم نظرة الإحترام، فلا تحسبوا أنهم ينفعونكم، وودوا لو تكفرون. وحين يتسلطون عليكم سوف يسلبونكم تلك العلقة الباقية من الإيمان، فهل تحبون أن تكفروا، لا تتصوروا ولا تظنوا أن هؤلاء يتركونكم على دينكم بكل حرية وراحة أو يسمحوا لكم بالتنسّك والعمل على ضوء رسالتكم ودينكم.

بعد هذا يأتي دور البيان القاطع الذي يوجهه القرآن بشأن أقارب حاطب وكل مَن شاكلهم في التاريخ، فهو يقول: أنتم على استعداد وأهبة للتنازل عن دين الله ورسالته من أجل قومكن وأقاربكم وأرحامكم وأولادكم فتظهرون لأعداء الله محبتكم ومودتكم، فأي منفعة سوف تجنونها من أولادكم وأرحامكم، وكم سينفعكم أولئك الذين تسالمون قريش من أجلهم، هل سينجونكم من عذاب الله.

وهذا حاطب الجاهل كان على وفاق مع قريش والكفار وأعداء الرسول من أجل أن لا يلحق بأرحامه ضرر منهم، كم هي منفعة هؤلاء الأولاد والأرحام حتى يتسبب الإنسان من أجلهم الى سخط الله عليه {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} {يوم القيامة يفصل بينكم}، نستطيع أن نقرأها منفصلة عما سبقها ويكون معناها أن الله يفرق بينكم فلن ينفع أحدكم الآخر، ونستطيع أيضاً قراءتها بهذا الشكل {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة} ثم {يفصل بينكم} ويكون مفادها أن الله يفرق بينكم يوم القيامة.

وهذه الفقرة من الآية الكريمة لها نظير في القرآن الكريم وهو قوله تعالى في سورة عبس {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} (سورة عبس، آية 34 - 37).

كان هناك مورد مستثنى إذ لم يقطع إبراهيم علاقته بكل الكافرين جميعاً حيث قال لعمه {لأستغفرن لك ربي وما أملك لك من الله من شيء} فلا تتصورن أنكم ستدخل الجنة بشفاعة ابنك المطيع لله سبحانه، كلا، فأنا لا أستطيع أن أدخلك الجنة، ولكني سأتوجه بالدعاء الى الله سبحانه من أجل أن يغفر لك ذنوبك ويجعلك من المؤمنين {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا، ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} هذا دعاء إبراهيم. ثم يقول القرآن الكريم {لقد كان لكم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومَن يتولَّ فإن الله هو الغني الحميد}، ومَن يكون على وفاق مع أعدائه فسوف يفقد عزته ويذل شخصيته ويتنازل عن كرامته ولن يضر الله شيئاً، ولتحفظوا ما قاله إبراهيم وليكن على ذكر منكم، فإنه والذين معه قالوا لأعدائهم الكفار والمنحرفين عن رسالتهم {انا براء منكم}. وبهذه الطريقة كان تعامل الإمام السجاد والذين اتبعوه مع المنحرفين في زمانهم، فقد وردفي كتاب "بحار الأنوار" قصة حواريّ الإمام السجاد، يحيى بن أم طويل، الذي دخل المدينة المنورة ووقف مواجهاً أهلها الذين يتظاهرون بأنهم أتباع آل محمد وأوليائهم، أولئك الذين عاش بين ظهرانيهم الإمام الحسن والحسين طول عشرين سنة، وما كانوا أتباعاً لبني أمية ولا من محبيهم لكنهم كانوا هيّابين جبناء خيّمت عليهم ظلال الخوف من واقعة الطف وكربلاء، وكان نتيجة الرعب الذي أفشاه بنو أمية أن تخلّفوا عن أهل البيت وتركوهم منفردين، وكانت عقيدتهم سليمة، مع ذلك وقف يحيى بن أم طويل يوجه هؤلاء وقرأ عليهم {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء} وهو نفس كلام إبراهيم والذين معه مع المشركين والمنحرفين والضالين، فالولاية هي الولاية كما تلاحظون، وإبراهيم كان على الولاية وشيعة الإمام السجاد كانوا على الولاية فهم على انسجام فيما بينهم، وهم على جفاء وبينونة مع عدوهم، ويخرج عن الولاية للإمام السجاد (ع) مَن دفعه الخوف أو الطمع الى الإنضواء في صفوف جبهة العدو.

ولهذا يقول يحيى تلميذ الإمام السجاد (ع) لهذا وأمثاله {كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء}.

ويحيى بن أم طويل تلميذ الإمام السجاد ومن أصحابه البررة المخلصين، وكان مصير هذا الرجل الصالح أن أخذه الحجاج وقطع يده اليمنى ثم اليسرى ثم قطع رجله اليمنى فاليسرى، ولما أراد أن يتكلم بالحق قطع لسانه حتى مات (رحمة الله عليه) وكان دمه سبباً لديمومة حياة التشيّع، وقد بني بدمه وشهادته أسس التشيّع الشامخة الرصينة بعد الإمام السجاد.