(المحاضرة الثانية)

العلاقات المهيمنة على الأمة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الزمان: شهر رمضان (تشرين أول 1973).

المكان: مسجد الإمام الحسن المجتبى (ع) - مشهد.

الجماعة التي تشكل الأمة الإسلامية تحكمها الشريعة الإلهية والقانون الرباني وتنفذ كل ذلك بقوة تنفيذ إلهية، ويهيمن الفكر الإسلامي على كل وجودها، إذا أرادت هذه الجماعة الوصول الى المعنى الواقعي للولاية كما أوضحها القرآن، وكما تقدم عرضها في المقالة الأولى، فلا بد من تأكيد جهتين:

أ/ الجهة الأولى: العلاقات الداخلية الحاكمة في المجتمع الإسلامي.

ب/ الجهة الثانية: العلاقات الخارجية والروابط بين العالم الإسلامي وبين الأمم غير المسلمة، وفيما يعود الى العلاقات الداخلية نرى أنه لا مجال للفرقة والتشتت، والذي يسود داخل المجتمع الإسلامي هو الإنسجام والتفاعل والعلاقات الصميمية، ذلك أن الولاية بمعناها القرآني تستلزم ذلك وتُعنى به، إذاً أفراد المجتمع الإسلامي إخوة منسجمون، صفوفهم متحدة، لا يسمح لها بالتفرق والتشرذم، وإذا حدث قتال أو خصومة أو نزاع بين طائفتين أو فردين مسلمين فإن القرآن يأمر المسلمين جميعاً بأن يبذلوا كل جهودهم من أجل إيقاف النزاع ورفع التخاصم، وعليهم السعي للصلح بين المتنازعين والمواءمة بينهما، وإذا أبت إحدى الطائفتين الصلح والسلام واختارته الأخرى، أو كان أحد الطرفين محقاً والآخر مبطلاً لا يخضع للحق فإن على المسلمين جميعاً في هذه الحالة أن يقوموا يداً واحدة بوجه المبطل ويوقفوه عند حدة ويجلسوه في مكان {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله}. هذا الأمر الإلهي يحفظ الوحدة الوحدة داخل صفوف المجتمع الإسلامي.

وأما فيما يرجع الى العلاقات والروابط الخارجية، فالأمة الإسلامية مسؤولة عن تنظيم هذه العلاقات بشكل لا يوقعها بأي حال من الأحوال تحت دائرة نفوذ الأمم الأخرى وسيطرتها فكرياً، أو سياسياً، أو اقتصادياً والأمة المسلمة لا يسمح لها أن تنتهج نهجاً سياسياً غير النهج الإسلامي ولو بشكل جزئي ومحدود، فعليها المحافظة على استقلالها السياسي بصورة دقيقة وكاملة، وليس لهذه الأمة أن تدخل الى جبهتها أي طرف لا يؤمن برسالتها، وتؤكد ذلك القصة المعروفة والتي وقعت أحداثها في زمن الإمام الباقر (ع) والتي تذكر عادة في المصادر الشيعية يوم كان المسلمون يتعاملون بالنقد المسكوك في بلاد الروم، ولأمر ما هددت السلطات الرومية جهاز الخلافة بقطع هذه النقود عن البلاد الإسلامية فأرشد الإمام الباقر جهاز الخلافة الى طريقة لحل هذه المشكلة، وذلك بأن يستقل المسلمون بسك النقود لأنفسهم، وقد فعلوا ذلك وخرجوا من أزمة قاتلة.

والذي يثير الدهشة في سيرة أئمة الهدى (ع) أنهم طوال عمرهم الشريف المبارك لم تكن لهم أدنى علاقة ولو جزئية بالأجهزة الحاكمة، نعم هناك مورد أو موردين نستثنيهما وأحدهما القضية المتقدمة، وعلى هذا سوف يمنع ويطوّق أي تأثير خارجي من قبل الأجنحة غير الإسلامية يستهدف النفوذ داخل حصون الأمة المسلمة، وليس للمجتمع أو الأمة المسلمة أن تشكل أي علاقة مع العالم غير الإسلامي إلا بصورة تحفظ الرفعة والهيمنة للإسلام.

ليس من صلاحيات الأمة المسلمة إنشاء علاقة أو إبرام اتفاقية إستثمارية مع أمة غير إسلامية أو بلاد لا تدين بالإسلام، كما حدث ذلك في اتفاقية "التنباكو" و"كمباني رجي".

وقد حدث نظير ذلك أيضاً في تاريخ الهند حيث سمح الحكام المغول للدول الأجنبية بالدخول الى الهند لتنفيذ جملة من الإتفاقيات.. لا يجوز للمسلمين القيام بمثل هذا العمل وليس هذا من صلاحياتهم لأنها تنافي مبدأ هيمنة الإسلام والعالم الإسلامي على غير المسلمين، والعالم الإسلامي هو صاحب الولاية والحاكمية على غير المسلمين في البلاد الإسلامية؛ وما الذي حدث للهند الشرقية عندما دخلتها الدول الأجنبية، على الجميع أن يعرف أن الإستعمار استطاع النفوذ داخل شبه القارة على سعتها بصورة دقيقة.

نعم لا يسمح للأمة المسلمة إقامة مثل هذه العلاقات، وعليكم أن تعرفوا أنه ليس مقصودنا من ذلك أن تعيش الأمة المسلمة حالة الإنزواء السياسي، ليست المسألة بهذا الشكل، إذ كيف يمكن أن لا يكون للعالم الإسلامي أي علاقة تجارية أو سياسية أو ديبلوماسية مع العالم، بل أن للدولة الإسلامية علاقات ولكن هذه العلاقات لا تكون مقدمة لولاء الأمة الإسلامية لأولئك ولا تتسبب في إنشاء وإيجاد علاقة نفسية معهم، فليس وراء هذه الروابط والعلاقات والإتفاقيات التجارية والصناعية وغيرها أي اتصال حقيقي أو هوى بين المسلمين والكافرين حتى لا يفتح الطريق أمام النفوذ الإستعماري داخل البلاد الإسلامية، وعندئذ تتمكن القوى الإستعمارية من الهيمنة والتسلط على العالم الإسلامي، وعلى هذا فإن الولاية القرآنية ذات اتجاهين: إتجاه داخل المجتمع الإسلامي، ووظيفته توحيد العناصر جميعاً ودفعها للسير في هدف واحد وجهة واحدة ومسيرة واحدة، واتجاه خارج المجتمع الإسلامي ووظيفته قطع كل العلاقات بين المجتمع المسلم وبين كل التيارات والسلطات غير المسلمة.

وهنا يظهر مطلب دقيق سوف نتعرض له في حينه وهو أن هذه الولاية هي نفس الولاية التي عند الشيعة، فنحن الشيعة نعتبر الإرتباط بالإمام أمراً مهماً وعظيماً؟ ونحن نمتثل أمر الإمام في كل شؤون حياتنا الإجتماعية؟ وكيف نفهم ذلك من القرآن؟ نفهم ذلك من النصوص القرآنية التي تتحدث مع المسلمين عن الولاية.

وإذا أراد المجتمع أو الأمة أن تلتزم بالولاء بمعناه القرآني، أي إذا أرادت أن تمركز كل قواها الداخلية في جهة واحدة نحو هدف واحد وتقف بوجه كل القوى غير الإسلامية بعد تعبئة قواها الداخلية، هي تحتاج حينذاك الى نقطة مركزية ومحور تكون له القدرة وبيده القدرة وبيده القرار، والمجتمع المسلم يحتاج الى مركز تلتقي عنده كل القوى الداخلية وتنجذب إليه، والمسلمون جميعاً يستلهمون منه ويسمعون له ويستجيبون لأمره، وهو مطّلع على تمام المصالح والمفاسد، ليكون حافظاً لرسالة الله ويمكنه بذلك توظيف كل الطاقات في مجالاتها المناسبة.

من الضروري إذاً وجود قيادة ورئاسة وقدرة متمركزة إجتماعياً تعرف ماذا ينتج هذا الفرد أو ذاك، وماذا يمكنهم أن يقدموا حتى يُلزم الجميع بأداء ما نستطيع أداؤه، ولنأخذ مثالاً يقرّب لنا هذه الفكرة.. أنتم تعرفون مصانع الحياكة اليدوية للسجاد، فهناك مجموعة تعمل، ولكن أعمالها مختلفة فالصبي والكبير والمرأة والرجل، كلٌ منهم يضع خيطاً في النسيج الكبير وكلٌ يقدّم عملاً ونشاطاً معيناً، لو لم تكن هذه الأعمال منسجمة مع بعضها فكيف تُصنع السجادة الكاملة، هناك خطة وفكر عين وقرار فوقي تجعل الأعمال منسجمة، والخيوط متداخلة متناغمة تشكل صوراً جميلة، لا بد إذاً من تعيين نوع الخيوط المستعملة وكيفية وصلها وأماكن قطعها، لو لم تكن هناك خطة وقرار فكيف نترقب صناعة فراش كامل، عندما يراقب الإنسان هذا العمل يصاب بالدهشة.

فمن أين ظهرت هذه الوردة الجميلة في هذا الطرف، ثم كيف نبتت أختها وتوأمها في الحجم والشكل في الطرف الآخر، ومثل هاتين الوردتين ظهرت وردتان أخرتان في الجهة المقابلة للنسيج وكل شيء منظم ومنسجم وفي مكانه الطبيعي.. كيف حدث هذا؟

لأن هناك خطة مرسومة، ومشرف صارم، وكذلك المجتمع إذا أراد أن يجمع طاقاته وقدراته لتصبّ في جهة واحدة من غير أن تضيع طاقة من هذه الطاقات، ومن أجل أن تكون الطاقات جميعاً قوة واحدة متراكمة كأنها ذراع واحد متحدية الصفوف والقدرات غير الإسلامية والمعادية، يحتاج مثل هذا المجتمع الى قدرة مركزية وقلب واحدة، نعم هناك شروط يجب أن تتوفر في هذه القدرة والقلب الواحد فيجب أن يكون واعياً كفوءاً بدرجة عالية، وعالماً بدرجة كبيرة، شجاعاً لا يتراجع، مدبّراً حكيماً، له نظرة بعيدة تختلف عما يراه الآخرون، لا يخشى في الله لومة لائم، يقدّم نفسه في سبيل الله عند الحاجة، ماذا نسمي مثل هذا الإنسان؟

نسميه "الإمام" أي القدوة والنموذج، والحاكم المعيّن بتعيين إلهي كما عيّن الله سبحانه إبراهيم {إني جاعلك للناس إماماً} (سورة البقرة، آية 124)، وعندما نقول إن تعيين الإمام والقائد من الله نريد بذلك الإشارة الى صورتين في التعيين الإلهي:

1- أن يعيّن اللهُ الإمام باسمه وعلاماته الخاصة به، كما عيّن النبيُ أمير المؤمنين والحسن والحسين وسائر الأئمة (ع).

2- أن لا يعيّنه باسمه بل بصفاته وشروطه، كما ورد في حديث الإمام المهدي (عج) "فأما مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فعلى العوام أن يقلدوه" (وسائل الشيعة، المجلد 18، ص: 95)، فقد عيّن الإمام (ع) في هذه الرواية وغيرها صفات وشروط القائد والإمام ولم يذكر اسماً معيناً.. فكل شخص تنطبق عليه هذه الشروط يكون إماماً، وأريد بكلمة الإمام القدوة والمقدَّم والحاكم وصاحب الراية وحاملها، ذلك الذي يتبعه المسلمون أينما سار، يجب أن يعيّن هذا الإمام من الله ويجب أن يكون عادلاً مدبّراً ذا إرادة قوية وشجاعة عظيمة ولسنا في صدد كل الصفات والشروط التي تُذكر في بحوث الإمامة، وعلى هذا تستلزم الولاية القرآنية وجود الإمام، ومتى أراد الكيان الإسلامي الكبير (الأمة الإسلامية) أن يكون حياً ناهضاً حرِكاً قوياً يقظاً فعليه أن يحكم علاقته بقوة مع ذلك المركز والقلب المتحرك النابض بحرارة وقوة.

وعلى هذا يتبين أن البُعد الآخر للولاية هو الإرتباط المستحكم بين كل مسلم من المسلمين وفي كل الأحوال مع قلب الأمة المسلمة، وهذا الإرتباط فضلاً عن كونه ارتباطاً فكرياً هو ارتباط عيني، فالإمام هو القدوة وهو المتَّبع في الأفكار والرؤى وهو المطاع في الجانب السلوكي والعملي، فولاية علي (ع) تعني على هذا أن يتبع الإنسان علياً بأفكاره وكذلك في سلوكه وعمله، وتكون له علاقة قوية متينة مع علي (ع) لا تقبل الإنفصال، هذا هو معنى الولاية، وعلى ضوئه يتيسر لنا فهم معنى الحديث القائل: "ولاية علي بن أبي طالب حصني فمَن دخل حصني أمِنَ من عذابي" هذا كلام دقيق عميق مفاده أن المسلمين وأبناء القرآن إذا تابعوا علياً في الجانب الفكري والسلوكي فسوف يأمنوا من العذاب، وذلك الرجل الذي يجعل القرآن مستعصياً على الفهم كيف يدّعي أنه من أولياء علي (ع) وأنه من المرتبطين به فكرياً مع أن علي (ع) في إحدى خطب نهج البلاغة (الخطبة 175، نهج البلاغة، نسخة فيض الإسلام) يقول: "واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل والمحدّث الذي لا يكذب وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى ونقصان من عمى"، بهذا الشكل يحث علي (ع) الناس على دراسة القرآن، وبهذه الصورة يربطهم بالقرآن، فلو قال قائل: إن القرآن عصي على الفهم. فهل يكون من أولياء علي بن أبي طالب؟ كلا، كان علي (ع) على أتم الأهبة والإستعداد للتضحية بتمام وجوده من أجل الله وفي سبيله، وهذا الذي لا يفهم القرآن ليس مستعداً للتنازل عن مثقال واحد من أمواله أو راحته أو شخصيته ومكانته الإجتماعية من أجل رسالة الله، فهل هذا من الموالين لعلي (ع)؟ وليُ علي (ع) ذلك الذي أحكم علاقته بعلي بشكل غير قابل للإنفصال فكراً وسلوكاً، دققوا في معنى الولاية هذا تجدونه أدق المعاني وأعمقها وأحسنها، واستمعوا الآن لآيات من سورة المائدة.

فقد بنيت هذه الآيات الجانب الإثباتي للولاية أي الجهة الداخلية، وكذلك الجانب السلبي (الجهة الثانية) قطع العلاقات الخارجية، وتبين أيضاً البُعد الثاني للولاية، وهو الإرتباط الفكري والسلوكي بالولي وهو قلب الأمة وحاكمها وإمامها.

{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء}

الأولياء جمع ولي، وهو مشتق من الولاية، وهي الإتصال والعلاقة، فالولي مَن يتصل بآخر ويرتبط به ويتلوه.

{بعضهم أولياء بعض} فلا تنخدعوا بانفصال معسكراتهم ظاهراً فهم يتّحدون لمواجهة أصالتكم ورسالتكم في جبهة واحدة وخندق واحد، ومَن يتولهم منكم [التولي تفعّل من الولاية] يعني مَن اتخذهم أولياء ووضع قدمه في وادي ولايتهم وارتبط بهم فإنه منهم {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.

فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، فهم لا يقتنعون باللحوق الطبيعي بهم بل يسارعون ولا يقتنعون بالإقتراب منهم بل يدخلون أعماق خندقهم وجبهتهم، وإذا سألتهم عن سبب ارتباطهم بهم وعن سبب عدم إظهار العناد لهم {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة السوء} ولننظر الى كلمات الله التي تجيب: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين}، وعند ذاك يأسفون على خطئهم ويقولون: لو كنا نعلم أن المؤمنين ينتصرون بهذا الشكل لما كانت لنا مودة أعداء الله ودينه. ويقول الذين آمنوا بعد افتضاح أولئك: {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لمعكم} كان هؤلاء يظنون بالناس الظن الحسن وينخدعون بالمظاهر.

قالوا: أهؤلاء هم أهل الظاهر الحسن والذين كانوا يقسمون الإيمان المغلّظة أنهم معكم وكلما كلمناهم قالوا: إنا معكم وليس لنا معكم خلاف، فنحن نقول ما تقولون. أكان كل هذا كلاماً كاذباً؟ هؤلاء مرضى القلوب على رغم ظاهرهم المقبول وقلوبهم منافقة وسوداء وغُلْف {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} (سورة المائدة، آية 51/53) هذه الآيات الى هذا المقطع تتحدث عن العلاقات والروابط الخارجية، ودققوا الآن في السياق التالي لهذه الآيات الراجع الى العلاقات الداخلية {يا أيها الذين آمنوا مَن يرتدّ منكم عن دينه} (فإذا لم تتحملوا عبء الرسالة ومسؤولية تبليغها كما تعهدتم بذلك حين آمنتم بالله، وإذا لم تصلوا بها الى مكانها وألقيتموها من على ظهوركم، فلا تتصوروا أن هذه المسؤولية لن يتحملها غيركم، بل سيكون الفخر لغيركم في حملها).

{يا أيها الذين آمنوا مَن يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} هل نحن من هؤلاء الذين يحبون الله؟ وهل أن كلماتنا التي يحبها الله دليل على حبنا لله.. يجيب القرآن الكريم {قل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله}.

{يحبهم ويحبونه} أي أنهم يسلّمون لأمر الله كاملاً، والله يحبهم وهذه المحبة ذات طرفين.

{أذلة على المؤمنين} وهذه صفة أخرى من صفات هؤلاء، أذلة على المؤمنين، متواضعين خاضعين، وهذا دليل قوة الإرتباط والعلاقة الحميمة بالمؤمنين، وليسوا ذوي غرور أو نخوة أو طالبي أجر أو مقام، إذا التقَوا بالناس كانوا منهم ومعهم وفي طريقهم ومن أجلهم لا يخرجون أنفسهم من بين الناس ولا يرقبون أمور المسلمين من غير اهتمام، وليس اهتمامهم بأمور المسلمين مؤقتاً أو جزئياً.

{أعزّة على الكافرين} لا ينفذ إليهم تأثير الأعداء، مرفوعي الرأس بالفكر الإسلامي الذي حصّنهم بحصن محكم غير قابل للنفوذ والإختراق {يجاهدون في سبيل الله} من غير قيد أو شرط {ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله واسع عليم}.

والآية التي تتلو هذه الآيات تتحدث عن الإرتباط والعلاقة بين أفراد المجتمع المسلم وبين قلب المجتمع، أي الإمام، وعندما ندقق جيداً في الآيات يتضح أن جملة من المسائل التي يتصور أنها ليست قرآنية هم من صميم المضامين القرآنية ومن الأمور التي أوضحها القرآن بوضوح وجلاء، ذكر القرآن في ما تقدم من آيات الروابط الخارجية والروابط الداخلية.

وهو يبيّن في السياق التالي مركز العلاقات الداخلية وقلبها، أي الإمام والقدوة والقائد {إنما وليكم الله} فهو القائم بأمركم وهو الذي ترجع إليه الأمة والمجتمع المسلم في كل الأنشطة والفعاليات، وهو ملهم الأمة، ولكن الله سبحانه لا يتجسم ولا يجلس بين الناس فيأمرهم وينهاهم، فمَن هو الولي الآخر {ورسوله} ولا نزاع أو نقاش بين الرسول وبين ربه لأنه نبيّه والمبعوث برسالته، وبما أن الرسول بشر ينطبق عليه قول الله في القرآن الكريم {إنك ميّت وإنهم ميّتون} (سورة الزمر، آية 30) فهو لا يبقى الى الأبد، فلا بد إذاً من إيضاح تكليف المرحلة اللاحقة لوفاة الرسول، هل هناك ولي ثالث قال الله سبحانه في نفس الآية {والذين آمنوا} هذا هو الولي الثالث، ولكن هل يقوم بأعباء الولاية كل من آمن، هل أن ملاك الولاية بدرجة متناسبة مع الإيمان فقط من غير حاجة الى ضفة أو شرط آخر من الواضح أن الإجابة الصحيحة هي النفي لأن ثمة صفات وشروط تذكرها الآية {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} هذه الصفات لم تجتمع إلا في علي (ع) فالآية تشير الى علي بن أبي طالب وتعيّنه ولياً، حيث أن "الواو" في قوله تعالى {وهم راكعون} حاليّة فتكون الجملة حال لدفع الزكاة، فليس كل مَن دفع الزكاة فهو الولي وإنما الولي هو مَن دفع الزكاة في حالة الركوع، ولو شكك في ذلك وقيل بأن الآية قد تريد تعيين كل مؤمن ولياً، فأنا أسأل: هل ثمة أسوة ونموذج وقدوة يحمل كل مفاهيم الرسالة وروحها مثل علي بن أبي طالب بين المسلمين، ليس هناك غير علي فهو وحده الإمام والأنموذج المتكامل للجناح المؤمن المنسجم المتين، ولو فرض أن الآية غير ناظرة الى علي بالخصوص فهناك أدلة أخرى على ولايته ذكرها الشيعة مفصلاً في بحث الإمامة، ونحن عندما نبحث هذه المسألة ننظر الى جانبها الإثباتي فإنها قضية عقائدية، ولا بد للشيعة أن تعرف نفسها وفكرها وترسخ إيمانها وتعمّقه أقوى ما تستطيع، ونحن نعتقد أيضاً الى جانب ذلك أن على الشيعة أن يتركوا معارضة إخوانهم السنّة، لأن هناك عدو خارجي يتربص بالمسلمين الدوائر ولا يفصل بين شيعة أو سنّة، فعندما تثبت الشيعة عقائدها لا تريد بذلك إلغاء عقيدة الآخرين أو الدخول في خلاف عقائدي معهم، علينا أن نعرف كيف نفهم عقائد الشيعة وأفكارها، لأن التشيّع كما نرى ليس شيئاً غير الإسلام وليس الإسلام شيئاً غير التشيّع.

والذي ننتهي إليه ونستنبطه ونفهمه من القرآن فهماً صحيحاً ومنطقياً ومتوازناً هو التشيّع، وعلى هذا فنحن نتحدث في مجال عقائدنا عن أصول الإسلام وأصول الرؤية الإسلامية الكونية، وليس لكم في هذا أدنى خلاف كما أقطع. إذاً ما نبحثه في هذه العقائد هو جانبها المثبت حيث نعرض الإسلام كما نفهمه من خلال المدرسة الشيعية الإسلامية، وليس لنا كلام مع الآخرين الذين يمكن أن يفهموا الأمور بطريقة ثانية.

ليس لنا معهم معارضة أو بحث، لأننا إخوة نمد إليهم دائماً يد المودة والمحبة، ولأن ثمة عدواً مشتركاً خارج دار الإسلام يتربص بنا الدوائر، وليس لنا الحق في أن يضرب أحد رأس الآخر، هذه هي طريقتنا في البحث، والبحث إنما ينصبّ على التشيّع لأصالته، ولأننا شيعة نعتقد أن الإسلام هو التشيّع ولا نريد ببحثنا هذا إيقاع الخلاف بين الشيعة والسنّة، ليس هدفنا هو هذا أبداً لأن هذا الإختلاف محرم في رأينا.

{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}

لو أن المسلمين التزموا بالولاء والولاية فما هي النتيجة وما هو أثر الأبعاد الثلاثة المتقدمة للولاية، وهي حفظ العلاقات الداخلية، قطع العلاقات والروابط مع الأجنحة والكيانات غير الإسلامية، حفظ الإرتباط الدائم والعميق مع قلب الكيان الإسلامي وقلب الأمة المسلمة أي الإمام والقائد، الأثر هو ما تذكره الآية الكريمة {ومَن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} (سورة المائدة، آية 56).