بسم الله الرحمن الرحيم

(المحاضرة الرابعة)

الــولايــة

الزمان: شهر رمضان (تشرين أول 1973).

المكان: مسجد الإمام الحسن المجتبى (ع) - مشهد.

تعقيباً على البحوث السابقة رأينا أن نشرح جملة من الأمور التي تقدمت الإشارة إليها، فقد تقدم الحديث عن الولاية ومعناها القرآن وموارد استفادة هذا المعنى من القرآن، وتقدم أيضاً الحديث عن أبعاد الولاية وجوانبها، ولكن هناك جملة من المسائل المتفرعة عن الولاية، وهي بلحاظ نفسها مسائل متأصلة ولها استقلاليتها وأهميتها البالغة، حيث تعين الخطة والمنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المجتمع المسلم، فهنا عدة مسائل مترتبة فقد أثبتنا فيما تقدم أن القرآن الكريم يجعل حفظ العلاقات والروابط الداخلية، ورفض التبعيات الخارجية للمجتمع المسلم متوقفاً على وجود قدرة مركزية في هذا المجتمع، حتى تقود جميع الأنشطة والفعاليات والواجهات والأجنحة والأوضاع الإجتماعية.

ويسمي القرآن هذه القوة المركزية بالولي، أي الحاكم والقائد، والذي تستلهم منه كل القوى خط سيرها وحركتها، وترجع إليه كل الأعمال، وهو الذي يدير المجتمع ويقوده في جانب الفكر والسلوك فمَن يكون هذا الولي، لنا إجابة مختصرة حول هذا التساؤل..

فلو قيل لنا: نريد معرفة الولي؟ فهل نستطيع تعريفه لهم وطبيعي أننا عرضنا الإجابة في ما سبق من بحوث وأنتم تعرفون هذه الإجابة، إذ هي ليست من الأمور الغامضة، ولكننا نريد تحليل المسألة بشكل منطقي وبصورة طبيعية، والقرآن يجيب بكلمة واحدة {الله ولي الذين آمنوا} (سورة البقرة، آية 257) الله هو الولي الواقعي للمجتمع، وليس ثمة غير الله يكون حاكماً في المجتمع المسلم، وهذه الإجابة تعطيها عقيدتنا في التوحيد وتجعلها النبوة من الأمور المسلمة الواضحة، ولنرَ هل تثبت لنا الولاية هذه المسألة، ولا بد أن تكون الإجابة واحدة لأنه أصول أي مدرسة فكرية وأي عقيدة كونية. ولا بد أن لا تتناقض النتائج المستفادة من أصولها المتعددة، ولا يصح أن يستنتج نتيجة ما من أصل من أصول العقيدة ثم يستنتج ما يضاده من أصول أخرى.

وللأسف فإن صورة الإسلام التي تعيش في أذهان وقلوب بعض المسلمين الأغرار والبسطاء وساذجي التفكير فيها المتناقضات.

ونعود الى أصل الموضوع فنقول: إن الله تعالى وحده حق الأمر والنهي والقيادة وتنفيذ الأوامر وتعيين خطة السير للمجتمع وله وحده حق الحاكمية والتدخل في كل جزئيات الحياة الإنسانية {الله ولي الذين آمنوا} وقد قمت بمراجعة جميع الآيات التي ترتبط بالموضوع تقريباً وبشكل إجمالي ولاحظت أن من المسلّمات القرآنية أن الله هو ولي المجتمع الإسلامي وأنه ليس للمؤمنين ولي سوى الله ويجب أن يكون هو الحاكم في كل الأمور، وأجد من الضروري أن أذكّر هنا بعض مَن يمكن أن تختلط عليه عناصر هذه المسألة، أن الكلام هنا ليس عن السلطة التكوينية لله رب العالمين فهي في مكانها معلومة ومصونة، فإن الله هو الذي ينظم حركة السماوات والأرض بإرادته القاهرة إنما الكلام عن القوانين الحياتية للإنسان، والروابط الفردية والإجتماعية، فإن هذه يجب أن تستلهم من الله سبحانه والله لا غير هو الحاكم في المجتمع الإسلامي.

ولو طرح هذا السؤال: ما تعني مقول إن الله هو الحاكم؟ والله المتعال لا يلتقي الناس وجهاً لوجه حتى يأمرهم وينهاهم، والناس في حاجة الى إنسان يحكمهم وتفوّض إليه مقاليد الأمور، ولا أريد بذلك أن أنفي القيادة الجماعية، بل أريد القول بأن مقاليد الأمور والحاكمية لا بد أن تكون بيد إنسان واحد، ولا يكفي وجود القانون لوحده في دفع الفوضى الإجتماعية حتى وإن كان هذا القانون إلهياً ما لم يوجد ولي أو قائد أو مجموعة قيادية حاكمة تشرف على تنفيذ القوانين في المجتمع.

لكن مَن هو هذا الإنسان، وكيف يكون، وما هي صفاته؟؟ ومَن هي المجموعة التي يقدَّر لها قيادة المجتمع البشري؟

وللإجابة على هذا التساؤل قدّمت عدة إجابات، كما أنه تعددت الإجابات التاريخية أيضاً، فهناك فئة تقول إن الملك لمن غلب، وهذا هو منطق حكومة الغاب، وثمة فئة تقول إن الملك والحاكمية لمن يتصف بصفة التدبير الدقيق، وفئة ثالثة تقول إن مَن يواليه الناس ويقبلونه فهو الحاكم، وفئة رابعة تقول إن الحاكم مَن يملك الذهب والفضة أو العشيرة والأتباع، وهناك مَن يبرز مقولات مخالفة لهذه.

وأما الإجابة الدينية الإسلامية فهي إنما وليكم الله ورسوله، فزمام الأمور الإجتماعية والأمر والنهي وإدارة الأمور جميعاً من ناحية عملية بيد الرسول. وحين يكون الرسول بين ظهراني المسلمين لا معنى لوجود حاكم آخر غيره والذي يستلم كل القدرات والحاكميات هو الرسول، ولكن عندما ينتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، وهو يموت كسائر البشر، فماذا تكون الإجابة {والذين آمنوا} مَن هم هؤلاء؟ فهل أن كل مَن آمن بالله ورسوله يكون ولّياً وحاكماً على المجتمع المسلم، وهذا يستلزم أن يكون هناك حاكمون بعدد المؤمنين، والآية تريد أن تضع علامة على إنسان معيّن لدى المقنّن والمشرّع الإسلامي، كما أنها تذكر علة انتخابه وتعيينه حاكماً، حتى تحدد لنا المقياس والضابط في الولاية والحاكمية فالآية تقول {الذين آمنوا} بصدق وبشهادة العمل والسلوك، وهذا هو الشرط الأول: الإيمان الواقعي الخالص.

والشرط الثاني {الذين يقيمون الصلاة} فلا يؤدونها فقط، وفرق بين إقامة الصلاة وأدائها، وإقامة الصلاة في المجتمع هي إحياء روح الصلاة وإنعاشها في المجتمع، وعندئذ يتحول المجتمع الى مجتمع يقيم الصلاة، وتعلمون أن المجتمع الذي يصلي هو المجتمع الذي يكتنف كل أنحائه وزواياه ذكر الله ويتموج في كل أجزائه ذكر الله بصورة مهيبة، وفي المجتمع الذي يتموج في خلاياه ذكر الله لا تقع فيه أي جناية أو فاجعة أو خيانة ولا تمس فيه قيم الإنسان أدنى مساس.

واتجاه هذا المجتمع الذي يتحرك في كل وجوده ذكر الله اتجاه إلهي، ولا يقوم الناس بأعمالهم إلا من أجل الله وفي سبيله وطلباً لمرضاته، والإبتعاد عن ذكر الله هو عامل كل أنواع الإذلال والظلم والإعتداء على النفس وعلى الآخرين.

وقائد المجتمع الذاكر لله مثل علي (ع) لا يظلم بل يحارب الظلم، والرعية فيه مثل أبي ذر الغفاري الذي لم يخضع للظلم ولم يعِش تحت كنفه رغم أنه منفي ومُبعد عن وطنه، ورغم أنه كان قد تعرض للضرب والإيذاء، ورغم أنه مهدد.. لم يبتعد عن طريق الله ولم ينسَه، وهذا المجتمع الذي يذكر الله ويقيم الصلاة هو المجتمع المرضي الذي يتوجه الى الله.

الشرط الثالث {ويؤتون الزكاة} يقسّمون الثروة بصورة عادلة ويدفعون الزكاة وينفقون في سبيل الله.

ويضاف الى هذا الشرط {وهم راكعون} أي في حالة الركوع يدفعون الزكاة، وهذه إشارة الى ظاهرة واحدة وحالة معينة وقصة فريدة خاصة، وقد قال بعض المفسرين إن المراد بقوله تعالى {وهم راكعون} أنهم في حالة ركوع في كل شؤونهم وأوضاعهم وأفعالهم، فلا تكون هذه الفقرة من الآية إشارة الى مورد خاص.

أما علماء العربية والمختصون بدراسة الأوضاع اللغوية فيردّون هذا الإحتمال ويقول إن فقرة {وهم راكعون} حال من قوله تعالى {ويؤتون الزكاة} فهم يدفعون الزكاة في حالة الركوع، والذي يخطر في ذهني وأحتمله أن المراد بالزكاة مطلق الإنفاق، لأن خاتم أمير المؤمنين (ع) الذي دفعه الى السائل وهو راكع لم يكن يشمله مصطلح الزكاة، وإنما أنفقه في سبيل الله كما يُنفق أي مال غير زكوي ولأنه أنفقه في سبيل الله سمي زكاة، وتريد الآية الإشارة الى رجل مؤمن له حب كبير للمساواة وله تعلق قلبي عظيم بالعدالة والإنفاق، وهو يتألم عندما يشاهد فقر الفقير وعوز المحتاج، ولم يستطع أن يصبر حتى يتم صلاته، فثمة جاذبية شديدة للإنفاق في نفس هذا الرجل لم تمهله الى أن يتم صلاته، وهو متفاعل مع التكليف والتحمل، فقد شاهد فقيراً وشاهد مظهر الفقر الذي لا يحب أن يراه الله وهو لا يحب أن يرى مظهر الفقر ولم يكن عنده ثروة غير خاتمه فنزعه وهو في صلاته وأعطاه للسائل.

إذاً، هذه الفقرة تشير الى عمل ومورد خاص ومحدد في التاريخ قام به أمير المؤمنين ونزلت الآية.

وكما تلاحظون فإن الآية تشير الى علي بن أبي طالب وتضعه ولّياً للأمر، وليس هذا التعيين كالتعيينات التي يقوم بها الأقوياء ذوو البطش والمكر في التاريخ، طواغيت التاريخ وفراعنته، وكما فعل معاوية عندما أراد أن يعيّن خليفة له حيث قال: "خليفتي فيكم ابني فهو الذي يجلس في هذا المقام"، والله سبحانه لا يعيّن لنبيّه خليفة بهذا الشكل، وإنما الملاك في الحاكمية هو الإيمان الكامل بالله وإقامة الصلاة في المجتمع وحب الإنفاق وإيتاء الزكاة بالشكل العفوي الذي فعله علي (ع) وبتعيين الله علياً (ع) بهذا الشكل نفهم الملاك في الخلافة والإمامة وفلسفة ذلك.

وبناءاً على هذا، يكون ولي الأمر في الإسلام هو مَن يعيّنه الله سبحانه لا غير، ونحن نعرف أن الأصل والأساس الذي نعتمده هنا هو أن طبيعة الخلقة تتنافى مع حاكمية الإنسان على الآخرين، ومَن له حق التصرف والحاكمية هو الله سبحانه، ولأن لله حق الحاكمية فهو قادر على تعيين ولي وحاكم على ضوء علمه بالمصالح البشرية ويمنح حق الحاكمية لمن يريد، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، وأفعال الله معلَّلة بالحكمة وليست خالية من المصالح الراجعة الى العباد، وليس الله ديكتاتوراً ولا طاغوتاً ولا مستبداً ولا محتكراً للسلطة حتى يفعل ما يفعل من غير حكمة أو مصلحة، بل أن أعمال الله سبحانه تنسجم مع المصالح الإنسانية، ولأن تعيينه لمن يريد منسجم مع مصالح الناس فعلينا الخضوع والتسليم لمن يعينه. فهو يعيّن النبي والإمام ويحدد الشروط لمن يخلف الأئمة الهداة المعصومين كقائد في المجتمع الإسلامي، فالله هو الذي يعيّن الولي وهو الولي ونبيّه ولّي أيضاً والأئمة أولياء للأمر وقد عيّن الأئمة الإثني عشر أهل بيت النبي وذريته، ثم يأتي من بعدهم مَن يعيّن بمعايير وضوابط محددة.

وطبيعي أن هذه آية واحدة ذكرتها لكم، وهناك آيات أخرى في القرآن ذكرنا بعضها في هذه المقالة وعليكم أن تراجعوا القرآن الكريم للحصول عليها ولدينا آيات كثيرة حول هذا الموضوع، والأساس الذي يعتمده الإسلام في هذا المجال هو منع وقوع الحاكمية بيد مَن يقود الناس الى جهنم.

وقد حدثنا التاريخ عن هذا الأمر، وقد شاهدنا ما الذي فعلوه بالمجتمع الإسلامي بعد صدر الإسلام، والذي حل في ذلك المجتمع هو ضياع قدر الرجال الكبار وعظمتهم، وقد استبدل ذلك المجتمع مقاييسه الإيمانية الرفيعة بمقاييس تافهة، ولم يستطع الناس آنذاك أن يعرفوا الناصح والمشفق والمصلح لهم، وكم قد بذلوا من جهود حتى أضلوا الناس الى هذا الحد، فالإعلام المسموم للسلطات الجائرة أثّر على المجتمع المسلم بشكل رهيب حتى تغير الأفق العلمي لناس، وقد اضطربت رؤيتهم فكانوا يصيرون السواد بياض والبياض سواداً، ومَن يراجع تاريخ القرن الأول والثاني الهجريين يصاب بالألم والحسرة لما يشاهده من فجائع ومظالم يرتكبها الجهاز الحاكم مع سكوت المسلمين وعدم اهتمامهم لما يجري، ويتعجب الإنسان من هؤلاء الذين لم يصبروا في زمان عثمان على ما وقع من حوادث، فحاصروا عثمان وخلعوه من الخلافة بشكل فجيع، هؤلاء هم الذين يرَون الإسراف في إنفاق ومصارف الخليفة العباسي في "حفلة زواج"، ففي تلك الحفلة أُنفق ما يكفي لسد حاجة جناح عظيم من المجتمع الإسلامي، فهم يرَون هذا الوضع ولا ينبسون ببنت شفة، يشاهدون كيف يصرف مال المسلمين في موارد شخصية وهم لا يحركون ساكناً، فهذا المال ملك لآلاف المسلمين، وها هو ينفق لشخص واحد، ولا أقول يصرفه لرفاهه وسعادته المادية بل لو صرفه لصلاته وصيامه فهل يجوز له هذا العمل، والناس يرَون أن هذه الأعمال تقع في المجتمع الإسلامي وهم غافلون غير مبدين لأدنى اهتمام، ولعلي ذكرت لكم في مناسبة ما قصة جعفر البرمكي، وهو الوزير المقرّب والمحبوب لدى هارون الرشيد بشكل كبير، وكان له من العمر ثمانٍ وعشرين سنة عندما أراد هارون أن يزوجه، غيّر سنّة الناس بنثر الحلوى والزهور على رأسي العروسين بسنّة أخرى ونثر على رأسيهما شيء آخر، مما أثار استغراب الضيوف وهم أشراف القوم ومترفيهم. وما كان من هؤلاء إلا أن تراكضوا فجمعوا ما وصلت إليه أيديهم.

فما الذي شاهدوه؟ لقد رأَوا علباً صغيرة بقدر الإصبع مصنوعة من الذهب الخالص وعندما تفتح العلبة تستخرج منها ورقة رقيقة ثم تفتح هذه الورقة لتصير هي نفسها ورقة كبيرة لكنها عندما تطوى تتحول الى ورقة صغيرة جداً وقد كُتب فيها: صدر الأمر بأن تكون مالكاً للمقاطعة الكذائية أو ذلك القسم من البلاد ملك لك.

والله يعلم كم من إسناد الملكية قد طوى بذلك الشكل الغريب ليوضع في تلك العلب الذهبية، وأما الذين أخذوا هذه العلب، فالخليفة لا يعرف مَن هم، ولنفرض أن سند أملاك الأرض الكذائية قد وقع في يد طفل أو سكّير قاتل أو إنسان تافه حقير، وهؤلاء الذين لا يعرفهم الخليفة سوف لن يحرمهم مما حصلوا عليه، فكلٌ منهم سوف يملك الإقطاعيات الواسعة. وبهذا العمل كم من الحقوق سوف يضيع وكم سيذهب هدراً من الثروات؟ وما أكثر الحرمان الذي سيصيب كثيراً من الناس، لم يكن كل هذا محطاً لتفكير هؤلاء وليس مهماً عندهم، في مثل هذا الترف والإسراف يعيش أحد العلويين وهو يحيى في جبال طبرستان وهو يقاوم الظالمين وكان ليحيى رداءاً واحداً يلبسه عندما يصلي ثم يعطيه لزوجته لتصلي فيه، كانت ذرية النبي تقاوم الظالمين وهم في مثل هذه الحالة من الفقر وكان الناس يعيشون هذه الأوضاع ولا تثير اهتمامهم؛ لست أريد انتقاد هارون أو أشكوه أو أعاتبه فإنه إذا لم يقم بمثل هذه الأعمال فليس بهارون.

والطبقة التي ينتمي إليها هارون حين تكون هي الحاكمة، فستقع هذه الأعمال والمآسي فلا عجب ولا عتاب مع هؤلاء، ولكن اللوم يقع على عامة الناس الذين نسَوا التاريخ المشرق لصدر الإسلام ونقاءه وخلوصه، وفقدوا ذلك الوعي والتيقظ، والفهم الراجح الذي كان صفة بارزة من صفات مسلمي صدر الإسلام، ولهذا فلا يشعرون بالأهمية لما يقع وبمسؤولية التغيير عند مشاهدة الظلم والمآسي ولا يتألمون لما يقع، لماذا وصل بهم الأمر الى هذا الحد؟ كان ذلك نتيجة الإعلام المزيف الوضيع، وهذا نتاج طبيعي لعمل المؤسسات التبليغية بين صفوف الناس، وهكذا عملت هذه الأيادي التبليغية سنوات متعددة متطاولة في أقطار المجتمع المسلم والبلاد الإسلامية فهم يؤثّرون على فكر الإنسان وروحه وشخصيته، حتى وصل الأمر الوضع الفعلي للمسلمين.

وبهذا تدركون أهمية اتصاف الحاكم في المجتمع الإسلامي بشروط معينة، وضرورة تعيينه من قبل الله سبحانه، ويقول القرآن في آية أخرى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (سورة النساء، آية 59)، فمَن هم أولو الأمر الذي يلزمون الناس بأوامرهم؟ يتخيل المسلمون الجاهلون أن صاحب الأمر كل مَن يستطيع أن يصدر أمراً، ولو استخدم القوة، ونحن نجيب بالنفي لذلك فليس مثل هذا ولياً لأمر المسلمين، وإذا كان الأمر بهذا الشكل وإذا كان القرآن يقصد هذا المعنى، فالذي يترتب على ذلك هو أن يكون اللص وقاطع الطريق الذي يعيش في ذلك الجبل أو القرية من أولي الأمر لأنه يتصرف في منطقته كيف يشاء ويجب أن يطاع حينئذ لأنه من أولي الأمر والله سبحانه هو الذي يصدر أمراً بتعيين أولي الأمر حسب عقيدة الشيعة، وهذا ما تريده الشيعة، فالحاكم هو ذلك الفرد الذي يشكل جزءاً من المجتمع المسلم لكنه معيّن من قبل الله سبحانه، وهو صاحب الولاية الكبرى، وهل يصلح مثل هارون الرشيد لمنصب ولاية الأمر وهو الذي كان في ذلك الوضع المنحطّ ومع إسرافه وتصرفاته غير المسؤولة ومع طبيعته الدموية القاسية حيث قتل جعفر البرمكي ومجموعة من عشيرته في يوم واحد شر قتلة، وهذا ما فعله أيضاً بكثير من المؤمنين، الى غير ذلك من جرائمه.. ويقول القاضي والمفتي في ذلك العصر إن هارون هو ولي الأمر؛ والمواجهة الحادة مع الإمام الصادق (ع) كان نتيجة لهذا الفهم، فهم يسألون الإمام: لماذا تضع نفسك في مواجهة مع ولي أمر زمانك؟ وهم يقصدون بذلك هارون. نظرية الشيعة في هذا المجال نظرية دقيقة، وهم يستنبطون ضرورة التعيين الإلهي للإمام وولي الأمر من القرآن الكريم. ويستنبطون الملاكات والضوابط التي يضعها القرآن الكريم تحت نظر المسلمين، حتى لا يخدعوا وحتى لا يقولوا: نضع علياً (ع) فوق رؤوسنا وفي أحداق عيوننا. وكذلك يفعلون مع مَن يخلف علياً وإن كان هارون. وقد قال المنصور العباسي: نحن نرضى بخلافة الحسن (ع) ولكنه باع الخلافة بالمال ولهذا فليس له الحق في الخلافة، ونحن أخذنا الخلافة بالقوة من أولئك الذين باعهم الحسن هذه الخلافة، فهي لنا. يظهر على هؤلاء المخدوعين أنهم يقبلون خلافة علي (ع) ويرتضون المنصور العباسي خليفة لعلي ونائباً عنه، ولا يشاهدون أي تباين فكري أو سلوكي بين الإثنين، ولكن الشيعة يرفضون هذا المنطق الأعوج ويخطّئونه ويقولون: مع قبول حكومة علي (ع) يجب الإلتزام بمعايير وضوابط الحاكمية والولاية، وعلي (ع) إنما انتُخب خليفة لاجتماع هذه الملاكات في شخصيته، وإذا كان ثمة مَن لم تجتمع في ذاته هذه الضوابط أو كان يتصف بما يضادها فليس له حق التولي والحاكمية على المسلمين، وليس لأحد الحق في الأخذ منه والقبول بولايته.

هذا هو أول الأمور التي تظهر من مسألة الولاية، وطبيعي أننا أشرنا الى الأمر الثاني وذكرنا الآية التي تحدده، فلو سأل سائل عن الدليل على أن ولاية الأمر تحت الإختيار والإصطفاء الإلهي، فسيكون الجواب أن هذا نتيجة طبيعية للفهم الذي أوجده الإسلام، فإن الرؤية الكونية الإسلامية حددت هذا بوضوح، وأن كل شيء في الكون أنه يُخلق ويوجد بقدرة الله ومشيئته ويستحيل أن يخرج عن قدرته.

{وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} (سورة الأنعام، آية 13) وما دامت كل الظواهر الكونية بيده فله الحاكمية التكوينية على كل شيء، كذلك يكون الأمر في الحاكمية التشريعية والتقنينية إذ لا فضل بينهما؛ ولنلتفت الى هذه الآيات {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً} (سورة النساء، آية 59) إن الله يأمركم لأنه سميع بصير، يسمع نداءات حاجاتكم الداخلية والباطنية، ويصيّر حياتكم فيعطيكم ويهبكم ما تحتاجون إليه.

وهذه الآية تتحدث عن الإمامة أولاً وتأمر بإعطائها لأهلها وهي تهيئ المناخ للآية الثانية، وعليّ أن أذكر هنا أن الأمانة لا تعني فقط أن ترد إليّ ما وضعته بيدك كأمانة ووديعة، بل أن أهم نماذج الأمانة، الأمانة الإلهية المودعة بين الناس، وعلى المسلم أن يضعها في مكانها الطبيعي وبيد أهلها، وطاعة الإنسان لله ميثاق الله مع عباده، فعلى الإنسان أن يفي بما عاهد عليه الله وعليه أن يضع أمانته في مكانها في الواقع، وكما هي عند الله فهو يطيع الله ويطيع مَن أمر الله أن يطاع؛ هذا هو أهم مصاديق الأمانة. وفي الآية الأخرى يقول القرآن {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (سورة النساء، آية 59)، وهنا يبرز وجه الإختلاف بين النظرية الإسلامية وبين النظريات الأخرى.

والنظرية الإسلامية لا تقول سوف يأتي يوم لا يحتاج الناس فيه الى حكومة وسلطة، في حين نرى أن بعض المدارس الفكرية ترى أن المجتمع سوف يصل الى درجة المثالية.

ومن سمات هذا المجتمع وخصائصه أنه لا يحتاج الى حكومة وسلطة، وهذا أمر لم يتبنّه الإسلام والمقنّن الإسلامي، وقد قال الخوارج بدعوى الحكومة الإلهية: إن علياً ليس له الحق في أن يكون حاكماً ويجب قتاله إذ لا حكم إلا لله.

وقد قال علي جواباً على ذلك: "كلمة حق يراد بها باطل" (نهج البلاغة، الخطبة 40). نعم كلام الخوارج حق فالله هو الحاكم الواقعي وبيده التقنين وهو مصدر الوجود والحياة وبيده كل جزئيات الأمور، لكن هؤلاء لا يقولون لا حكم إلا لله وهم يريدون بذلك "لا إمرة إلا لله" والحكومة والقانون بيد الله.

ولكن مَن هو منفذ القانون، فهل تقولون إن غير الله لا يستطيع تنفيذ القانون؟ ثم لا بد للناس من أمير فالمجتمع يحتاج الى قائد وحاكم، ولا يكفي وجود القانون بل لا بد من وجود شخص ينفذ هذا القانون ويشرف على تنفيذه كاملاً.

وهذا هو مفاد قوله تعالى {وأولي الأمر منكم} ولو استُفيد أن المراد مطلق مَن يكون له سلطة ونفوذ وقوة فيجب طاعة كل مَن يصدر أمراً، عندئذ ماذا نقول بشأن ما يقع كثيراً من وجود آمرَين يصدران أوامر متعارضة، فهل يكون كلٌ منهما ولياً للأمر، وكثيراً ما يشاهد أيضاً أن هناك مَن يأمر بما يخالف العقل، والعقل المفكر لا يخضع أو يمثل مثل هذا الأمر بل ينفيه، وهنا يبرز الإختلاف الأساسي بين المنهج الذي نفكر على ضوئه وبين منهج آخر، فنحن نقول: هناك ضوابط تحدد أولي الأمر والقادة. أما غيرنا فلا يشترطون ذلك عملياً ولا يعملون به. {فإن تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (سورة النساء، آية 59) أي أحسن عاقبة ومستقبلاً.

أنظروا كيف يلفت القرآن أنظار الناس وعقولهم نحو العواقب الحسنة، والقيادات الصالحة ونحو العواقب الوخيمة والقيادات غير الصالحة.

ثم تذم الآية اللاحقة كل مَن يتخلف عن هذا القانون الشامل {ألم ترَ الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك} يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت (فيرجعون إليه لرفع النزاع وفض الخصومة، ويستلهمون منه الرأي ويتلقَّون منه الأمر ويعيشون وفق نظريته ورؤيته، وهذا ما ينافي الإيمان).

يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً (الضلال هنا بعيد ومستقبلي)، وأن أحتمل أن الشيطان هنا هو الطاغوت لا غير فهؤلاء يريدون الرجوع الى الطاغوت غافلين عن أن هذا الشيطان والطاغوت يريد أن يضلهم عن الطريق المستقيم ويقودهم في متاهات الغواية والضياع، ويبعدهم عن الإستقامة ويصعّب عليهم الرجوع إليها إلا مع الجهد الكبير.

والأمر الآخر الذي يترتب على الولاية الإلهية هو: إن هذه الولاية وتحمّلها من قبل المؤمنين مرتبط بالنظرة الكونية الإسلامية، ومن الطبيعي أن تقول إن الله يجب طاعته فهو ولي الأمر.

هذه هي فلسفتنا الطبيعية ونظرتنا الكونية، لأن كل شيء لله وتوضح هذا الأمر الآيـة الكريمة {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} (سورة الأنعام، آية 13).